‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر انتخابات حزب الوفد.. هل جاءت النتيجة على غير هوى السلطة؟
مصر - مارس 23, 2022

انتخابات حزب الوفد.. هل جاءت النتيجة على غير هوى السلطة؟

انتخابات حزب الوفد.. هل جاءت النتيجة على غير هوى السلطة؟

 

أعلنت اللجنة القضائية المشرفة على انتخابات رئاسة حزب الوفد، فوز أستاذ القانون الدولي بجامعة المنوفية، عبد السند يمامة، برئاسة الحزب، لمدة أربع سنوات تمتد حتى 2026، في الانتخابات التي جرت في مقر الحزب بالقاهرة، الجمعة 11 مارس. بعدما تفوق في عدد الأصوات التي حصل عليها بـ 120صوتًا عن منافسه ورئيس الحزب منذ 2018 بهاء الدين أبو شقة وكيل مجلس الشيوخ المعين والمعروف بقربه من نظام السيسي[1]. أما عدد المشاركين في التصويت فقد بلغ 3 آلاف و293 ناخباً، وكان عدد الأصوات الصحيحة فيها 3 آلاف و216 صوتاً، والباطلة 77 صوتاً، وحصل يمامة على 1668 صوتاً، وأبو شقة على 1548 صوتاً[2].

وبحسب فؤاد بدراوي، سكرتير عام الحزب وعضو اللجنة المشرفة على الانتخابات، فإن الانتخابات تمت في وجود إشراف قضائي كامل على جميع لجان الانتخاب بواسطة مستشارين من هيئة النيابة الإدارية، وهو نفس رأي محمد جاد عضو الحملة الانتخابية للمرشح لرئاسة الحزب ياسر قورة الذي تنازل عن الترشح لصالح يمامة، حيث اعتبر أن الانتخابات تمت بحيادية ونزاهة[3].

وقد أعرب قادة وفديين عن تفاؤلهم بالنتيجة، معتبرينها إيذاناً بعودة حزب الوفد إلى الشارع للتعبير عن مبادئه ونهاية لفترة تقلص فيها حجم الحزب وأصبح لا يعبر سوى عن رأي أبو شقة الذي كان يرهب المختلفين معه بأنه رجل النظام[4].

في تفسير ما حدث:

ثمة رواية راجت كثيراً خلال الأيام الماضية، مفادها أن ما حدث في الوفد جاء على خلاف إرادة النظام الذي يدعم بهاء أبو شقة[5]؛ وأن ما حدث دليل على قدرة القوى السياسية على أحداث التغيير[6] وإن كان على نطاق محدود، واعتباره تجسيد لمشهد ديمقراطي يجب أن يتباهى به حزب الوفد أمام الأحزاب الأخرى[7]. فهل بالفعل كان خروج أبو شقة خاسراً من المنافسة على مقعد رئيس حزب الوفد حدث على غير رغبة النظام، وأن هناك مشهد ديمقراطي شهدته الانتخابات الداخلية للحزب، وأن الأجهزة الأمنية كانت بعيدة عن انتخابات الوفد ولم تتدخل في تحديد نتائجها. لا يبدو أن الأمر بهذه البساطة والمباشرة.

أولاً: ثمة من يرى أن فوز عبد السند يمامة برئاسة حزب الوفد على حساب بهاء أبو شقة الذي يعتبر رجل النظام داخل الحزب؛ كان نتيجة غياب التنسيق بين جهاز المخابرات وجهاز الأمن الوطني الذي تتم الانتخابات على الأرض بأشرافه؛ فبينما تنسق المخابرات مع بهاء الدين أبو شقة، فإن الأمن الوطني لم يعرقل فوز يمامة، ويعزى ذلك إلى العلاقات الجيدة التي تربط يمامة بالأجهزة الأمنية[8]. على أنه ينبغي التنبيه إلى أن هذا الأمر لا يعني بالضرورة غياب التوافق بين الأمن الوطني والمخابرات هو الذي أسفر عن فوز يمامة المتحالف مع الأمن، على حساب أبو شقة القريب من المخابرات، وإنما يعني أن الأمن والمخابرات يدركان أن ليس ثمة فارق يذكر بين فوز أبو شقة أو فوز يمامة.

ثانياً: أنه كان هناك شبه اتفاق داخل الحزب على ضرورة اقصاء أبو شقة، وكان ثمة توافق بين الجميع على ضرورة ذلك؛ ولعل هذا ما يفسر انسحاب ياسر قورة من الانتخابات لصالح عبد السند يمامة كطريقة لتوحيد الجهود في مواجهة أبو شقة. وهو الهدف الذي لم يلاقي رفضاً من جانب النظام ولم يقابل بتعنت من ناحية الأجهزة الأمنية؛ فلعل رغبة النظام التقت مع رغبة الوفديين المعارضين لـ “شقة” على ضرورة إقصاء هذا الأخير؛ وتستهدف السلطة من ذلك طي صفحة الخلاف الذي أججه بهاء أبو شقة بين أبناء حزب الوفد.

جراء سياساته الاقصائية وتفرده بإدارة الحزب، ففي انتخابات مجلس النواب الأخيرة تجاهل أبو شقة ترشيحات الهيئة العليا للحزب وأختار منفرداً مرشحي الوفد على «القائمة الوطنية الموحدة»، التي يرأسها حزب مستقبل وطن ومحسوبة على النظام، وفي وقت لاحق قرر اختيار رجل الأعمال المتورط في قضايا فساد مالي سليمان وهدان رئيساً لهيئة حزب الوفد في مجلس النواب، بدلاً من النائب المخضرم محمد عبد العليم داوود، الذي اتهم حزب “مستقبل وطن” بتوزيع الرشى الانتخابية على الناخبين للوصول إلى مقاعد البرلمان[9]. ونتيجة مواقفه تلك دخل في صدامات مستمرة مع كوادر الحزب وقياداته، فضلاً عن تعامله مع مخالفيه بمنتهى العنف؛ فقد سبق وفصل 9 من قيادات الحزب فصلاً نهائياً، ومنعهم من دخول مقره، رداً على انتقاداتهم لبعض سياسات السلطة الحاكمة، كما تورط في واقعة اعتقال الأجهزة الأمنية لثلاثة من قيادات شباب الحزب بسبب انتقاداتهم له، وهناك تصريحه الشهير الذي قال فيه “أنا بتاع الدولة، والأجهزة الأمنية. واللي يعترض منكم أفصله، وأحبسه”، وذلك على خلفية تصاعد حدة الخلافات داخل الحزب بعد خسارة بعض القيادات في انتخابات الهيئة العليا[10].

أما لماذا يرغب النظام في معالجة الانقسامات داخل الوفد التي أحدثتها طريقة أبو شقة في إدارة الحزب؟ قد يكون ذلك جزء من سعي النظام إلى إعادة ترميم تحالفاته مع الأحزاب المتعاونة معه ومنها الوفد قبل انتخابات الرئاسة في 2024.

ثالثاً: أن استبعاد بهاء أبو شقة لصالح عبد السند يمامة، تم بضوء أخضر من النظام؛ كجزء من سياسات تدوير النخبة التي يستخدمها للحيلولة دون ظهور مراكز قوى داخل القوى المتحالفة معه. فإن سياسات تدوير النخبة، والتي يمكن تسميتها مجازاً لعبة الكراسي الموسيقية التي يسيطر النظام بها على حلفائه، ليست قاصرة على المؤسسة العسكرية، إنما يستخدمها النظام مع الحكومة ومع البرلمانيين في النواب والشيوخ، ومع غيرهم[11].

الخاتمة، هل جاءت النتيجة على غير هوى النظام:  

لعل من الأمور الدالة هنا، الإشارة إلى  أن أول تصريح رسمي للفائز برئاسة حزب الوفد، عبد السند يمامة، بعد إعلان نتيجة الانتخابات، كان قوله “الحزب مستمر في الدعم الكامل للقيادة السياسية والقوات المسلحة المصرية وجميع مؤسسات الدولة خلال الفترة المقبلة”[12]؛ كأنه يقدم فروض الولاء للعسكريين والرئاسة قبل بدأ مزاولة مهامه الجديدة. ومن الأمور الدالة كذلك قبول بهاء أبو شقة نتيجة الانتخابات، بل واعتبار ذلك من قبيل الالتزام بأعراف الديمقراطية، ليس هذا فقط، وإنما هنأ الفائز متمنياً له كل التوفيق في تحمل مسئوليته الجديدة[13]، وهو سلوك لم يكن ليتوقع من بهاء أبو شقة إذا كانت النتيجة على غير هوى النظام؛ وهو القائل “أنا بتاع الدولة، والأجهزة الأمنية. واللي هيعترض منكم هفصله، وأحبسه”[14]. ومن الملاحظات الجديرة بالاهتمام أيضاً أن رئيس حزب الوفد الجديد هو عضو الهيئة العليا للحزب تحت قيادة بهاء أبو شقة، كما تم تعيينه بقرار من بهاء أبو شقة في منصب رئيس معهد الدراسات السياسية والاستراتيجية بحزب الوفد، منذ أكثر من عام[15]، بالتالي هو ليس من المغردين خارج سرب بهاء أبو شقة رجل الأمن والدولة في حزب الوفد كما وصف عن نفسه.

في النهاية، يبقى التغيير ممكناً في مصر، وليس في ذلك شك، ويظل هناك مساحات غير خاضعة للتأميم من قبل النظام الحاكم، لكن المشكوك فيه هو أن يأتي التغيير من جانب أحزاب كرتونية تحتفظ فقط بحضور شكلي وتخضع بشكل كامل لسيطرة الأجهزة الأمنية.

[1] فهو وكيل مجلس الشيوخ المصري المُعين، بعد استقالته من منصب رئيس اللجنة التشريعية بالبرلمان، أما نجله (محمد أبو شقة) فهو المستشار القانوني لحملة السيسي الانتخابية منذ عام 2014، وعضو “اللجنة العليا للإصلاح التشريعي” المشكلة بقرار من السيسي، وابنته أميرة عضوة في مجلس النواب عن “تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين” المحسوبة على المخابرات.

[2] بيسان كساب، رنا ممدوح، الإطاحة بـ«أبو شقة» من «الوفد» و«ضاحي» من «المهندسين» | «الداخلية» تعدم 7 متهمين في «أجناد مصر» و«ميكروباص حلوان» خلال يومين، مدى مصر، تاريخ النشر: 12 مارس 2022، شوهد في 17 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/ycnkuowy

[3] المرجع السابق.

[4] المرجع السابق.

[5] أحمد جمال، عندما يأتي التغيير بعيدا عن إرادة النظام المصري، العرب اللندنية، تاريخ النشر: 13 مارس 2022، شوهد في: 17 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/y93sv6o9

[6] محمد مغاور، تغييرات هامة في أحزاب مصرية.. ما هو الجديد؟، عربي 21، تاريخ النشر: 12 مارس 2022، شوهد في: 17 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/ycfh9lqa

[7] بوابة الشروق، إبراهيم عيسى: انتخابات الوفد تجسيد لمشهد ديمقراطي يجب أن يتباهى به أمام الأحزاب، تاريخ النشر: 11 مارس 2022، شوهد في: 17 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/y9tujmhg

[8] العربي الجديد، كواليس إطاحة رئيس حزب الوفد المقرب من دائرة السيسي، تاريخ النشر: 13 مارس 2022، شوهد في: 17 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/ybczeazr

[9] العربي الجديد، خسارة أبو شقة وفوز عبد السند يمامة بمنصب رئيس حزب “الوفد”، تاريخ النشر: 11 مارس 2022، شوهد في: 17 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/ydh9kpyp

[10] العربي الجديد، رئيس حزب “الوفد” المصري يهدد أعضاءه بالحبس وبعلاقاته بالأمن، تاريخ النشر: 24 نوفمبر 2018، شوهد في: 17 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/y8nz7p4p

[11] وسام فؤاد، مدخل لفهم عملية تدوير النخبة السياسية الموالية في مصر، المعهد المصري للدراسات، تاريخ النشر: 3 ديسمبر 2020، شوهد في: 17 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/y7vtd9tx

[12] العربي الجديد، كواليس إطاحة رئيس حزب الوفد المقرب من دائرة السيسي، مرجع سابق.

[13] مصراوي، أول تعليق من بهاء أبو شقة بعد خسارة انتخابات الوفد، تاريخ النشر: 11 مارس 2022، شوهد في: 17 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/yamj4yj3

[14] العربي الجديد، رئيس حزب “الوفد” المصري يهدد أعضاءه بالحبس وبعلاقاته بالأمن، مرجع سابق.

[15] أحمد بدراوي، من هو عبد السند يمامة رئيس حزب الوفد الجديد؟، بوابة الشروق، تاريخ النشر: 11 مارس 2022، شوهد في: 17 مارس 2022، الرابط: https://tinyurl.com/y9tujmhg

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

حرية الصحافة والإعلام بين الرئيس مرسي والسيسي

    بعد مرور نحو 10 سنوات على صعود الرئيس محمد مرسي لحكم مصر، ثم انقلاب السيسي ا…