‫الرئيسية‬ العالم العربي الجزائر اتفاق الغاز الجزائري الإيطالي: هل تحل الجزائر محل روسيا؟
الجزائر - أبريل 25, 2022

اتفاق الغاز الجزائري الإيطالي: هل تحل الجزائر محل روسيا؟

اتفاق الغاز الجزائري الإيطالي: هل تحل الجزائر محل روسيا؟

 

في خضم العقوبات الغربية على روسيا وحظر صادراتها من النفط والغاز، تسعى إيطاليا إلى زيادة وارداتها من الغاز الجزائري. ولذا وقَّعت إيطاليا مع الجزائر اتفاقية تعاون في مجال الطاقة بين عملاقي النفط “سوناطراك” و”إيني”، والتي تقضي بزيادة إمدادات الغاز الجزائري نحو روما. وجاء ذلك على هامش الزيارة الرسمية التي يقوم بها إلى الجزائر رئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراغي، بدعوة من الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون. فما هي أهمية الغاز الجزائري لإيطاليا؟ وما هي تفاصيل الاتفاق وأهميته؟ وهل يُمكن للغاز الجزائري أن يحل محل الإيطالي؟ تلك هي التساؤلات التي سنسعى للإجابة عنها خلال هذا التقرير..

أهمية الغاز الجزائري لإيطاليا وأوروبا:

تُعد إيطاليا ثاني أكبر أسواق الغاز لشركة “غازبروم” الروسية، وتستهلك إيطاليا نحو 29 مليار متر مكعب من الغاز الروسي سنويًا، ووفقًا لوزير التحول البيئي الإيطالي روبرتو سينجولاني فإن روسيا تمثل 40% من إجمالي الغاز المستورد لإيطاليا. ويتفق الخبراء على أن استهلاك إيطاليا من الغاز الروسي كان سينمو لولا الأحداث المرتبطة بأوكرانيا والموقف الأوروبي، خاصةً وأن الاتحاد الأوروبي يشهد فترة من التعافي بعد جائحة كورونا.[1] وللجزائر أنبوبان للغاز، أحدهما المسمى “ترانسماد”، ويربط الجزائر بأوروبا، بطول 2485 كيلومتر، ويضمن تزويد تونس وإيطاليا وسلوفينيا بالغاز الطبيعي، وتُقدَّر قدرة نقله للغاز الطبيعي نحو 33.7 مليار متر مكعب، يضمن تزويد تونس وإيطاليا وسلوفينيا بالغاز الطبيعي، وينقل حاليًا نحو 60 مليون متر مكعب يوميًا من الغاز الجزائري نحو إيطاليا. أما الأحدث فهو “جالسي” بطول 860 كيلومتر، ومن المُتوقع أن يبدأ تشغيله خلال النصف الثاني من العام الجاري، وهو باتجاه إيطاليا، ويضمن سعة تقدر بـ238 مليار قدم مكعب سنويًا.[2] أما عن حصص الدول الأوروبية من الغاز الطبيعي الجزائري، فتحتل إيطاليا المرتبة الأولى بنسبة 60 %، ثم إسبانيا بـ 20 % ثانية، وفرنسا ثالثة بـ 12 %، والبرتغال رابعة بـ 6 %، وتأتي سلوفينيا في المركز الخامس بـ 1 %.[3]

نشاط دبلوماسي إيطالي في الجزائر يسبق الاتفاق:

دفعت الحرب في أوكرانيا وحزمة العقوبات الاقتصادية ضد موسكو، إيطاليا إلى نشاط دبلوماسي مُكثَّف للبحث عن موارد أخرى خاصةً أن الغاز يُمثِّل 42% من استهلاك البلاد للطاقة. وسبقت زيارة دراغي للجزائر زيارة كلاوديو ديسكالزي الرئيس التنفيذي لمجموعة “إيني” الإيطالية العملاقة للطاقة الناشطة للجزائر، بداية الشهر، حيث التقى الرئيس تبون لمناقشة “إمداد إيطاليا بالغاز”. وكان وزير خارجيته لويجي دي مايو زار الجزائر أيضًا في 28 فبراير حيث ناقش مع نظيره زيادة إمدادات الغاز لتعويض الخفض المحتمل للواردات من روسيا. وأكَّد دي مايو حينها أن “الحكومة الإيطالية ملتزمة زيادة إمدادات الطاقة، ولاسيما الغاز، من مختلف الشركاء الدوليين” ومن بينهم الجزائر “التي لطالما كانت موردًا موثوقًا”. من جانبها، أعلنت مجموعة النفط والغاز الجزائرية العملاقة “سوناطراك” نهاية فبراير استعدادها لتزويد أوروبا بمزيد من الغاز خصوصًا عبر خط الأنابيب الذي يربط الجزائر بإيطاليا. وأعلن المدير التنفيذي لسوناطراك توفيق حكار أن “للمجموعة قدرة غير مستخدمة على خط أنابيب ترانسميد” العابر لتونس والبحر المتوسط والتي يُمكن استخدامها “لزيادة الإمدادات إلى السوق الأوروبية”. مؤكدًا بأن أوروبا هي “السوق الطبيعية المفضلة” للجزائر التي تُساهم حاليًا بنسبة 11% من وارداتها من الغاز.[4] وقال دي مايو لتلفزيون راي الإيطالي الحكومي بعد لقاء مع نظيره الجزائري ووزير الطاقة “الزيارة أتت بنتيجة إيجابية”. وأضاف “الجزائر ستدعم إيطاليا في إمدادها بالغاز وستصبح شراكتنا أقوى على المدى القصير والمتوسط والطويل”.[5]

تفاصيل الاتفاق:

توصَّلت الجزائر وإيطاليا، يوم الاثنين 11 إبريل، إلى اتفاق لزيادة كميات الغاز التي تستوردها روما من الجزائر بهدف التقليص من التبعية للغاز الروسي. وقالت الشركة الجزائرية المملوكة للدولة في بيان إن “سوناطراك” حدَّدت أيضًا مع شركة “إيني” أسعار جديدة لمبيعات الغاز للعامين 2022 و2023. وجرى التوقيع بحضور الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، ورئيس الوزراء الإيطالي، ماريو دراغي، بحسب بيان صدر عن “سوناطراك”. وجاء في البيان أن التعاون يهدف إلى تسريع وتيرة تطوير مشاريع إنتاج الغاز الطبيعي، من خلال تضافر جهود الشركتين، وزيادة حجم الغاز المُصدَّر باستخدام القدرات المتاحة لخط أنبوب الغاز إنريكو ماتيي (ترانسمد) الذي يربط البلدين عبر تونس والبحر المتوسط. وأوضح المصدر ذاته، أن هذه الاتفاقية ستسمح للشركتين “بتحديد مستويات أسعار مبيعات الغاز الطبيعي تماشيًا مع معطيات السوق وذلك للسنة 2022-2023 وفقًا للبنود التعاقدية المُتعلِّقة بمراجعة الأسعار”. وأضاف البيان أن هذه الاتفاقية تأتي لتؤكد التعاون الوثيق بين الشركتين في مجال الاستكشاف وإنتاج المحروقات وكذا في مجال الطاقات الجديدة والمتجددة، مثل الطاقة الشمسية والهيدروجين والوقود الحيوي واحتجاز وتخزين واستخدام ثاني أكسيد الكربون.[6]

أهمية الاتفاق:

يحمل الاتفاق في طياته أهمية للشريكين المُوقِّعين عليه؛ فبالنسبة للشريك الإيطالي؛ أشار رئيس الوزراء الإيطالي إلى مساعي روما لـ “تعزيز قدراتها في مجال الغاز بعد الأزمة في أوكرانيا”، وكشف عن أن الاتفاق المُوقَّع مع الجزائر “تسعى من خلاله الحكومة الإيطالية لحماية حقوق مواطنيها حتى لا تبقى مُتعلِّقة بالأزمة الأوكرانية”. وعشية زيارته إلى الجزائر رفقة رئيس الوزراء الإيطالي، كشف وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو عن أن بلاده “ستُوقِّع اتفاقية مهمة حول الغاز لمواجهة أزمة محتملة بشأن الغاز الروسي”. وأكَّد على أن الاتفاقية المُوقَّعة مع الجزائر “تجعل من روما أكثر استقلالية عن ابتزازات الطاقة”. وأكَّد على رغبة إيطاليا في تقوية علاقاتها مع الجزائر لاسيما في مجالات الطاقة والطاقات المتجددة، وكذا المساهمة في دعم سوق العمل بالجزائر.[7] ويقول الأمين العام للحزب الديمقراطي الإيطالي، إنريكو ليتا، إن التخلِّي عن الغاز والنفط الروسي يُمثِّل أولوية مُطلقة بالنسبة إلى إيطاليا. وأن “تسريع ذلك يعني تسريع إنهاء الحرب وتعجيل عمليات السلام”. أما بالنسبة للشريك الجزائري؛ فتحاول الجزائر الاستفادة من السياق الحالي للحرب في أوكرانيا، وتريد أن تظهر وكأنها شريك موثوق به لأوروبا على صعيد الطاقة، كما تريد زيادة مداخيلها من الغاز. والجزائر باعتبارها الحليف التاريخي لموسكو، أكَّدت مرارًا أن قدراتها لتصدير كميات إضافية من الغاز إلى أوروبا محدودة للغاية، ولا يمكنها تعويض الغاز الروسي. والراجح أن الجزائر ستلتزم بسياسة متوازنة للحفاظ على علاقاتها مع روسيا وأوروبا في الوقت نفسه. فقد امتنعت عن التصويت أو صوَّتت ضد قرارات اتخذتها الأمم المتحدة لفرض عقوبات على روسيا بعد اندلاع الحرب. لكن الحفاظ على العلاقات مع روسيا لا يعني أن الجزائر ستُضيِّع فرصًا تجارية لجني أرباح من تصدير غازها.[8] وفي تصريح لماريو دراغي، عقب محادثات أجراها مع الرئيس الجزائري، أكَّد أن بلاده ستقوم بمزيد من الاستثمارات في قطاعات الطاقة النظيفة على غرار الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر. ولفت إلى أن الجزائر وروما ستُعزِّزان الشراكة وملفات الاستثمار، خلال القمة الثنائية رفيعة المستوى الرابعة بين البلدين، التي ستُعقد في الجزائر العاصمة في 18 و19 يوليو المقبل. وخلال لقائه بالجالية ورجال الأعمال الإيطاليين في مقر سفارة بلاده في الجزائر، أكَّد دراغي أن روما ستضخ استثمارات ليس في قطاع الطاقة فقط بل أيضًا في مجالات أخرى عديدة، حيث تعتزم بلاده الاستثمار في الجزائر في قطاعات صناعة الحوامات والسفن، وزيادة إنتاج القمح والصناعات الغذائية.[9]

هل يُمكن للغاز الجزائري أن يحل محل الروسي؟

في مطلع أبريل الجاري، صرَّح مدير مجمع “سوناطراك” البترولي الجزائري، توفيق حكار، بأن الجزائر غير قادرة حاليًا على أن تكون البديل عن الغاز الروسي بالنسبة للشركاء الأوروبيين. وفي في حوار مع وكالة الأنباء الجزائرية، أوضح حكار أن الجزائر لديها حاليا بعض المليارات (من الأمتار المكعبة الإضافية) التي لا يمكن أن تحل محل الغاز الروسي. بدوره رجَّح خبير الطاقة ألكسي تسيلونف، أن يكون لدى الجزائر قدرات أقل مما تم إعلانه لزيادة صادرات الغاز. وقال الخبير، إن “الجزائر تزود 11% من الغاز الأوروبي، لكن الإنتاج ظل راكدًا منذ العام 2018 كما أن الاحتياطيات مُستنفدة والاستثمارات لا تزال غير كافية بالإضافة لوجود مشاكل في مجال الإدارة، لكن ظهرت علامات إيجابية في الآونة الأخيرة، إذ كان 2021 ناجحًا للغاية بالنسبة لشركة “سوناطراك” ربما بسبب قرارات استراتيجية أو ببساطة على خلفية نمو الطلب بعد الوباء”. من جهته أشار نائب مدير معهد الدراسات الإفريقية التابع لأكاديمية العلوم الروسية ليونيد فيتوني، إلى أن إيطاليا لديها طلب متزايد على الغاز، الأمر الذي سيزيد الضغوطات على روما عند بحثها عن بدائل للغاز الروسي. عند الحديث عن أوروبا ككل، تُظهر البيانات أن روسيا زوَّدت أوروبا بنحو 155 مليار متر مكعب من الغاز العام الماضي، استبعد الخبير بوريس مارتسينكيفيتش، رئيس تحرير موقع “جيو إنيرغيتيكا” المتخصص في شؤون الطاقة، إمكانية تعويض إمدادات الوقود الأزرق من روسيا بشكل كامل بإمدادات من دول أخرى مثل النرويج والجزائر وأذربيجان وغيرها من الدول، بما في ذلك من مصر، أو حتى بإمدادات الغاز المُسال من الولايات المتحدة. وأشار إلى أنه يُمكن استعاضة 5 مليارات متر مكعب فقط من إجمالي إمدادات “غازبروم” الروسية من الغاز إلى أوروبا، والتي بلغت 155 مليار متر مكعب من الغاز في 2021. وفيما يتعلق بإمدادات الغاز الطبيعي من الجزائر إلى إيطاليا، أشار مارتسينكيفيتش إلى أن بنية الغاز بحاجة للتحديث كما أن حقول الغاز الجزائرية بحاجة لاستثمارات لزيادة إنتاجها. وقال إن “خط الأنابيب عبر المتوسط (خط أنابيب غاز من الجزائر عبر تونس إلى صقلية ثم إلى الأراضي الإيطالية) تبلغ طاقته السنوية 30 مليار متر مكعب، لكن لم يتم تشغيله بطاقته التصميمية القصوى لفترة طويلة من الوقت، كما أن إنتاج حقل حاسي الرمل العملاق (أكبر حقل غاز في الجزائر) لم يتجاوز مستوى 20 مليار متر مكعب في السنوات الأخيرة، ولا يُمكن زيادته إلا من خلال استثمارات جديدة، إذ أن المعدات تحتاج للتحديث”. وشكَّك في إمكانية أن تستطيع الجزائر الحفاظ على إمدادات الغاز الطبيعي إلى أوروبا عند المستوى التقليدي البالغ 40 مليار متر مكعب، خاصةً وأن الجزائر رفضت توقيع اتفاقية عبور جديدة مع المغرب بشأن إمدادات الغاز عبر MEG (خط أنابيب المغرب- أوروبا) وتراجع العلاقات بين الجزائر وإسبانيا على خلفية الصحراء الغربية.[10]

الخُلاصة؛ تتطلَّع إيطاليا إلى تنويع مصادر إمداداتها، لكن في ظل شُح إمدادات الغاز العالمية ووصول معدلات الإنتاج لدى مُصدِّري الغاز الطبيعي المسال إلى أقصاها، لا يُمكن تعويض قدر كبير من الإمدادات الواردة من روسيا. وزادت الجزائر من إنتاجها من النفط والغاز العام الماضي بنسبة 5% على الرغم من أن ارتفاع الاستهلاك المحلي وعدم الاستقرار السياسي حدَّا من الصادرات. إلا أنه بالرغم من ذلك، ليس بمقدور الجزائر أن تعوِّض بمفردها الانخفاض في إمداد الغاز الروسي، ولكن على المدى المتوسط، في أربع أو خمس سنوات، ستكون قادرة على إرسال كميات أكبر. من جهة أخرى، تُخطِّط الجزائر لاستثمار 40 مليار دولار بين 2022 و2026 في استكشافات النفط والإنتاج والتكرير وكذلك استكشاف الغاز واستخراجه.

 

—————————————

[1] “بالأرقام.. هل باستطاعة إيطاليا استبدال الغاز الروسي بإمدادات من الجزائر ومصر؟”، RT Online، 14/4/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/lNdsH

[2] “غاز إضافي من الجزائر إلى إيطاليا ومشاريع استثمارية في الطاقة النظيفة والغذاء”، الميادين، 12/4/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/tYtmz

[3] يونس بورنان، “مصادر جزائرية تكشف لـ “العين الإخبارية” تفاصيل اتفاق الغاز مع إيطاليا”، العين الإخبارية، 12/4/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/JWhVM

[4] عهد الكلاس، “رئيس الوزراء الإيطالي يزور الجزائر ويوقع اتفاقا مع الرئيس تبون لرفع واردات الغاز”، France 24، 11/4/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/ZgkBS

[5] سها جادو، أحمد صبحي، أحمد السيد، علي خفاجي، “وزير الخارجية: إيطاليا ستحصل على مزيد من الغاز من الجزائر”، SWI، 28/2/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/hj6Qp

[6] “اتفاق جزائري إيطالي على زيادة الغاز المصدر إلى روما”، عربية Sky News، 11/4/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/ipsf3

[7] يونس بورنان، مرجع سبق ذكره.

[8] “اتفاق إيطاليا والجزائر.. هل يعوّض “حليف روسيا” غاز أوروبا؟”، عربية Sky News، 14/4/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/SQEHg

[9] “غاز إضافي من الجزائر إلى إيطاليا ومشاريع استثمارية في الطاقة النظيفة والغذاء”، مرجع سبق ذكره.

[10] “بالأرقام.. هل باستطاعة إيطاليا استبدال الغاز الروسي بإمدادات من الجزائر ومصر؟”، RT Online، 14/4/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/lNdsH

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

الانتخابات المحلية بـ الجزائر: قراءة في المواقف والنتائج

    جرت يوم السبت 27 نوفمبر، أول انتخابات بلدية وولائية في الجزائر بعد الحراك الشعبي …