‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر نجل السيسي في «إسرائيل».. الخلفيات والمآرب
مصر - أبريل 28, 2022

نجل السيسي في «إسرائيل».. الخلفيات والمآرب

نجل السيسي في «إسرائيل».. الخلفيات والمآرب

 

 

أجرى العميد محمود السيسي، نجل الجنرال عبد الفتاح السيسي ووكيل جهاز المخابرات العامة المصرية، زيارة خاطفة إلى تل أبيب يوم الأحد 17 إبريل 2022م، على رأس وفد من المخابرات، في ظل أجواء ساخنة حيث تتصاعد أعمال المقاومة الفلسطينية بالضفة الغربية وداخل المناطق المحتلة.

الزيارة هي الثانية للسيسي الابن لتل أبيب خلال الشهور الأربعة الأولى من سنة 2022م؛ الأمر الذي دفع  صحيفة “إسرائيل اليوم” العبرية في 20 يناير 2022، إلى التأكيد على حرص السيسي الأب على تعزيز نفوذ السيسي الابن حيث كتبت: «بات جليا أن عبد الفتاح السيسي لا  يثق بأحد حوله من كبار رجال الدولة. وهو ما يفسر لماذا خص ابنه محمود بهذه المكانة دون غيره، وأوفده إلى زيارة إسرائيل، وجعله على قمة جهاز المخابرات العامة، وبهذا أصبح عمليا الرجل الثاني في مصر».[[1]]  ويؤكد موقع  Intelligence Online الفرنسي، في تقرير له  الخميس 3 فبراير 2022، أنَّ السيسي الأب أوكل  ملفات المخابرات العامة المصرية عن إسرائيل إلى نجله الأكبر محمود السيسي، الذي سيعمل إلى جانب مدير جهاز المخابرات الراسخ عباس كامل. وحسب الموقع الفرنسي فإن قرار السيسي يوضح الخطط الكبرى التي يضعها الرئيس لابنه الذي يبدو أنه في طرقه لتولي دور رئيس داخل النظام الأمني الذي تأسس سنة 2013على حد قول الموقع.[[2]]

فما خلفيات هذه الزيارة الخاطفة والملفات التي جرى بحثها؟ ولماذا وضع السسي نجله على رأس ملف “إسرائيل”؟ وما أثر السياق الذي جرت فيه؟ ولماذا في هذا التوقيت في ظل التحالف الوثيق بين النظامين منذ انقلاب السيسي في يوليو 2013م؟ وهل للأمر علاقة بمخططات السيسي بعيدة المدى لتوريث الحكم لنجله؟

الخلفية والسياق

للزيارة شقان مهمان: الأول يتعلق بسياق الأوضاع داخل الأراضي المحتلة ومخاوف حكومة الاحتلال من التصعيد في القدس والضفة وغزة. والثاني، يتعلق بتعزيز مكانة السيسي الابن داخل جهاز المخابرات وفق المخططات بعيدة المدى التي يستهدف السيسي الأب من ورائها تمكين نجله في الجهاز وصولا إلى تعزيز مكانته  ونفوذه  داخل النظام ليكون ورثيا للحكم من بعده.

أما فيما يتعلق بسياق الأوضاع داخل الأراضي المحتلة؛ فكما هو معتاد جرى التعرف على الزيارة وتفاصيلها من الإعلام الإسرائيلي، بينما بقي الإعلام المصري في غرفة الإنعاش محكوما بأوامر السلطة التي تفرض عليه الصمت وعدم تناول أي شيء يتعلق بالجيش أو المخابرات أو الشرطة أو العلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي إلا  بإذن مباشر من المخابرات العامة والاكتفاء بما يصدر عن هذه الجهات من بيانات مع الالتزام بها حرفيا. وكانت صحيفة “يديعوت أحرونوت” وإذاعة صوت إسرائيل “مكان” قد كشفتا تفاصيل الزيارة الخاطفة التي استغرقت ساعات حيث ترأس نجل السيسي الوفد المصري الذي ضم عميلين من عملاء الجهاز، وقالت إن الهدف من الزيارة هو تسريع وتيرة المفاوضات غير المباشرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين بهدف نزع فتيل التصعيد.[[3]]

تزامنت الزيارة مع رغبة إسرائيلية في تخفيف حدة التصعيد الذي تشهده القدس  والضفة الغربية المحتلتان، بعد اقتحام المستوطنين للمسجد الأقصى قبل الزيارة بيوم واحد، والاعتداء على المصلين وسط حراسة مشددة من قوات الاحتلال تزامنا مع عيد الفصح اليهودي الذي بدأ الجمعة 15 إبريل ويستمر أسبوعا، وصدور بيان من حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، حكومة الاحتلال المسؤولية عن تداعيات الأوضاع في المسجد الأقصى، بمدينة القدس.

كما تزمنت زيارة نجل السيسي مع تصاعد العمليات الفدائية داخل الضفة الغربية ومدينة جنين على وجه الخصوص؛ ومنذ بداية العام 2022، وحتى منتصف إبريل استُشهد 32 فلسطينياً، وشهد شهر مارس وحده تصعيداً كبيراً في عمليات المقاومة، وصلت إلى ثماني عمليات طعن وإطلاق نار معلنة، أدت إلى مقتل 11 من جنود الاحتلال ومستوطنيه؛ ما دفع الاحتلال لإطلاق عملية أسماها “كاسر الأمواج” للقضاء على المقاومين الفلسطينيين. لكن هذه الحملة الإسرائيلية فشلت في وقف موجات المقاومة التي امتدت واتسعت دائرتها لتضم مقاومين داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، نفذ ثلاثة منهم عمليات في العمق الإسرائيلي الشهر الماضي، أدت لمقتل ستة إسرائيليين على الأقل.[[4]] واعتقلت قوات الاحتلال منذ بداية العام الحالي 1400 فلسطيني حسب إحصائيات نادي الأسير، وقتلت 32 فلسطينياً. ويعتبر محللون إطلاق هذه الحملة الأمنية الإسرائيلية تعبيرا عن حالة الإفلاس التي تمر بها حكومة الاحتلال؛ ذلك أن نفتالي بينيت رئيس حكومة الاحتلال دعا المستوطنين إلى حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم بالتزامن مع إطلاق الحملة؛ فإذا كانت الحملة قادرة على حماية المستوطنين من هجمات المقاومة؛ فلماذا يطالبهم بينيت بحمل السلاح وحماية أنفسهم؟!

ويستنتج  قسم التحليل السياسي والشؤون العسكرية في موقع “واي نيت” الإسرائيلي، من عملية “بين براك” التي نفذها  الشهيد ضياء حمارشة، وأوقعت أربعة قتلى إسرائيليين، وعملية الشهيد رعد حازم؛ «أنّ أجهزة الأمن الإسرائيلية تواجه مصاعب في العمليات الفردية، رغم تمكنها من إحباط العمليات المرتبطة بخلايا منظّمة. ويرى أن العمليات الفردية الحالية تختلف عن العمليات الفردية بين عامي 2015-2016 بعنصرين رئيسين؛ الأول هو القرار الفردي لمنفذي العمليات دون إطلاع أحد، ولا سيما الابتعاد عن الإشارة أو التلميح لاعتزامهم تنفيذ عمليات على شبكات التواصل الاجتماعي، التي ميزت عمليات انتفاضة الأفراد عام 2015، وكانت مراقبتها عاملاً مساعداً للاحتلال في إحباطها. والعامل الثاني هو أنّ العمليات الحالية تعتمد على استخدم الأسلحة النارية، والتخطيط للعمليات بشكل مسبق، بعد تأمين الحصول على السلاح، بشكل فردي أو بمساعدة العائلة، وتنفيذ هذه العمليات في قلب المدن الإسرائيلية».[[5]] حسب تعبيره.

تعزيز نفوذ السيسي الابن

أما فيما يتعلق بتعزيز نفوذ السيسي الابن،  فإن الزيارة هي الثانية لنجل السيسي إلى تل أبيب منذ بداية سنة 2022؛ حيث سبق وأن  زار السسي الابن تل أبيب في 16 يناير، والتقى خلالها بمدير الموساد ديفيد بارنيا، وزعيم الشاباك رونين بار، ورئيس المخابرات العسكرية “أمان”، أهارون هاليفا، حيث تناول اللقاء وقتها عدة نقاط:

  • أولها، إعادة تقييم اتفاقيات كامب ديفيد لعام 1978م، وانتهى بسماح “إسرائيل” للجانب المصري بزيادة عدد قواته في المنطقة “ج” التي يفترض وفق الاتقاقية أن تكون خالية من الأسلحة الثقيلة باستثناء عناصر الشرطة بأسلحتهم الخفيفة.
  • ثانيها، الحصول على الضوء الأخضر من حكومة تل أبيب من أجل الشروع في بناء منطقة صناعية شمال سيناء بالقرب من قطاع غزة.
  • ثالثها، بحث القضايا المتعلقة بإعادة مسار التفاوض المتوقف منذ عدة سنوات بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
  • رابعها، بحث إعادة إعمار قطاع غزة؛ حيث يرغب السيسي في دور مصري كبير لشركات الجيش والمخابرات في عمليات إعادة الإعمار. خامسها، بحث تطورات صفقة تبادل الأسرى المحتملة والتي يقود النظام المصري الوساطة فيها منذ فترة دون تقدم يذكر.
  • سادسها، رغبة النظام المصري في استخدام تل أبيب نفوذها من أجل الضغط على الإدارة الأمريكية لتخفيف انتقاداتها الحادة تجاه النظام المصري في ملف حقوق الإنسان.

وبمجرد عودة السيسي الابن إلى القاهرة شرع في تنظيم اجتماع رباعي بين ممثلي مصر والأردن وإسرائيل وفلسطين، في منتجع شرم الشيخ، لمناقشة المحادثات الإسرائيلية الفلسطينية المتوقفة. وهي المساعي التي أسفرت عن:

  • انعقاد قمة “شرم الشيخ” يوم الثلاثاء 22 مارس 2022م، والتي ضمت كلا من رئيس الانقلاب العسكري في مصر عبدالفتاح السيسي ورئيس حكومة الاحتلال الصهيوني نفتالي بينت وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد.
  • قمة أخرى في مدينة العقبة الأردنية (الجمعة 25 مارس 2022) جمعت العاهل الأردني عبد الله الثاني والسيسي وولي عهد أبوظبي، إضافة إلى رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي ووزير الدولة السعودي تركي بن محمد بن فهد بن عبد العزيز، وسط أنباء عن حضور إسرائيلي غير معلن عنه.
  • قمة النقب بالإراضي المحتلة يوم (الإثنين 28 مارس 2022) حيث التقى وزير الخارجية الأمريكي إنتوني بلينكن بعدد من وزراء خارجية كل من مصر وإسرائيل والإمارات والمغرب والبحرين، في إطار تعزيز اتفاق التطبيع الإماراتي المعروف باسم “أبراهام”. وهو اللقاء الذي وصفته الصحافة الإسرائيلية بالتاريخي، واعتبروه رسالة ردع لإيران. كما أنه استهدف ترميم العلاقات الأمريكية مع كل من السعودية والإمارات لا سيما في ظل مساعي واشنطن نحو خلق بديل لإمدادات الطاقة الروسية لأوروبا.لكن اللافت هو  الغياب الأردني عن قمتين من الثلاثة (شرم الشيخ والنقب)، دون إفصاح عن أسباب ذلك رغم أن عمان هي ثاني دولة عربية طبعت علاقاتها مع “إسرائيل” سنة 1996.وتربطها علاقات وثيقة أمنية واستخباراتية واقتصادية مع تل أبيب.

الأهداف والمآرب

أولا، تستهدف زيارة السيسي الابن للكيان الصهيوني تهدئة الأجواء الملتهبة داخل الضفة الغربية والقدس وباقي الأراضي المحتلة، لا سيما وأن التصعيد في هذا التوقيت بالتزامن مع الغزو الروسي لأوكرانيا يحد من قدرة جيش الاحتلال على الرد وتوجيه عدوان جديد على قطاع غزة؛ في ظل الانتقادات الروسية لإسرائيل بوصفها أقدم احتلال في العالم، كما انتقدت موسكو الدعم الأمريكي الأوروبي لإسرائيل على الدوام رغم أنها تمارس كل جرائم الاحتلال وتواصل جميع أشكال الانتهاكات تحت حماية الغرب وتواطئه.

ثانيا، ترأس السيسي الابن لوفد المخابرات المصري، لا يستهدف به السيسي حماية المقدسات الإسلامية والشعب الفلسطيني بقدر ما يستهدف تعظيم الدور المصري في الملف الفلسطيني والحفاظ على هذا الدور بوصفه الأهم والأقدر على أداء المهام الموكلة إليه وأبرزها حماية أمن إسرائيل وبقاء المشروع الإسرائيلي والعمل على دمجه في المنطقة كحليف وثيق قد يخدم نظام السيسي في عدد من الملفات الحساسة وأبرزها تخفيف حدة الانتقادات الأمريكية الأوروبية في الملف الحقوقي وكذلك ملف سد النهضة وملف التمويل والمساعدات المالية وتسويق النظام ماليا والدفاع عنه في العواصم الغربية. لذلك فإن الزيارة تستهدف تكريس الدور المصري وتعظيم تواجده في أحد أهم الملفات التي تحظى باهتمام دولي أمريكي على نحو الخصوص،  ويكفي أن الملف الفلسطيني كان السبب الرئيس في مهاتفة الرئيس الأمريكي جو بايدن للسيسي في مايو 2021م، إبان العدوان الإسرائيلي على غزة؛ رغم أن بايدن تجاهل السيسي عدة شهور بعد انتخابه رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية. وبالتالي فإن نظام السيسي يدرك جيدا أن الملف الفلسطيني يعد أحد أهم الأوراق التي يمكن أن يلعب بها ويحظى بشيء من التقدير الدولي والأمريكي والدعم الأوروبي. لكن ذلك قد يعني بالضرورة أن تبقى حركات المقاومة قوية بما يكفي لمواجهة الاحتلال والصمود أمام عنفوانه واعتداءاته والقدرة على  إلحاق الأذى به حتى يستنجد مرارا بنظام السيسي؛ وبالتالي يجد نظام السيسي لنفسه دورا يحظى بتقدير دولي كبير،  وتسويق نفسه على المستوى الدولي بوصفه عامل تهدئة واستقرار في المنطقة، وإن كان هذ الدور في جوهره يضمن بقاء إسرائيل  في المنطقة آمنة ومستقرة وقادرة على احتلال فلسطين على الدوام والحد من قدرة المقاومة على الانتصار. بمعنى أن نظام السيسي حريص على بقاء المعادلة القائمة حتى يحظى هو بالشرعية الدولية والاحترام الدولي، إسرائيل كقوة إقليمية لها نفوذ دولي واسع وإفلات من الملاحقة الدولية، وحركات مقاومة قادرة على إيذاء الاحتلال، واختلال هذه المعادلة قد يخل بالدور المصري ومكانة نظام السيسي؛ لأن إضعاف حركات المقاومة سيضعف تلقائيا الحاجة إلى الدور المصري.

ثالثا، للزيارة أهداف اقتصادية أيضا؛ فزيارة السيسي الابن الخاطفة إلى تل أبيب تزامن مع إعلان شركة الطيران الإسرائيلية “إلعال”، الأحد 17 أبريل 2022، إنها سيّرت أول رحلة طيران مباشرة (الرحلة 5193) بين مدينة تل أبيب ومنتجع شرم الشيخ المصر. وفقا لوكالة الأنباء الفرنسية. كما كشفت أنه “بمناسبة الإقلاع التاريخي، أقيمت مراسم احتفالية لافتتاح خط (صن دور) التابع لإلعال قبل صعود الركاب إلى الطائرة، حيث تم قص شريط الدخول للطائرة والترحيب بالركاب”. وذكرت قناة “كان” الإسرائيلية الرسمية أن شركتي “أركياع” و”يسرائير” الإسرائيليتين، ستطلقان ( الأحد 17 أبريل)، رحلاتهما المباشرة إلى شرم الشيخ، لافتة إلى أن شركات مصرية ستطلق أيضاً رحلاتها على نفس الخط. وسيُسمح للشركات مبدئياً بتشغيل تسع رحلات أسبوعياً. وتشير التقديرات إلى أن الأرقام ستزيد في وقت لاحق”. هذه التطورات ترجمة للاتفاق بين القاهرة وتل أبيب في مارس 2022م،  على تدشين خط طيران مباشر بين مطار ديفيد بن غوريون في تل أبيب (وسط)، ومطار شرم الشيخ بجنوب سيناء.

الانحناء أمام العاصفة

شاع خبر استبعاد السيسي الابن إلى موسكو في 20 نوفمبر سنة 2019م،  لأسباب تتعلق بفشله في إدارة ملف الإعلام في أعقاب اندلاع موجة الاحتجاجات التي دعا لها المقاول محمد علي،  إلا أنه سرعان ما عاد للجهاز في الشهور الأولى من سنة 2022م ــ وفقا لتقرير نشرته مجلة “إنتيليجنس أونلاين” المعنية بشؤون الاستخبارات  في فبراير 2022ـ حيث أفردت المجلة الفرنسية مساحة عن نفوذ محمود السيسي المتصاعد في جهاز المخابرات العامة، وقالت: إنه “بعد طرده من جهاز المخابرات العامة (قبل سنتين تقريبا)، استعاد نجل الرئيس المصري منصبه إلى جانب مدير الجهاز عباس كامل، وهو الآن مسؤول عن التنسيق مع إسرائيل، وهي علامة أكيدة على ثقة والده”.[[6]]

لكن البراهين والشواهد تؤكد أن قرار استبعاد السيسي الابن إلى موسكو في نوفمبر 2020م كان شكليا استهدف به السيسي الأب تهدئة الأجواء الغاضبة في أعقاب اندلاع الاحتجاجات التي دعا  لها المقاول محمد علي. يبرهن على ذلك أن السيسي الابن هو من أشرف على انتخابات البرلمان 2020م، وكان له دور ملموس في تشكيل قوائم “من أجل مصر” التي استحوذ فيها حزب “مستقبل وطن” على نصيب الأسد. وفي يوليو 2020م، دشن النظام حملة دعاية استهدفت تبييض صورة السيسي الابن، ومحاولة تقديمه في صورة جديدة في أعقاب العاصفة السياسية التي شهدتها مصر أواخر 2019م، والتي دفعت النظام إلى تهدئة الأجواء بتسريب شائعة استبعاد نجل السيسي من جهاز المخابرات.[[7]]

حملة الدعاية التي قادها “موقع القاهرة 24” المحسوب على جهاز المخابرات، والتي كانت تستهدف تبييض صورة نجل السيسي برهنت على أن ملف توريث الحكم داخل الأسرة ليس ثرثرة على ضفاف النيل المهدد بالجفاف بقدر ما تدلل على أن مخططات التوريث يجري ترتبيها وفقا لخطة طويلة المدى ويتم طبخها على نار هادئة؛ بعدما تسببت عاصفة مظاهرات سبتمبر 2019م والاتهامات العنيفة بالفساد والموثقة من جانب المقاول محمد علي للسيسي وأسرته والهيئة الهندسية التابعة للجيش، وهي العاصفة التي تسببت في تعطيل مخططات التوريث بشكل مؤقت، وأجبرت السيسي على تنحية نجله شكليا وإبعاده (مؤقتا) عن الأضواء في إطار مساومة مع بعض الأجهزة السيادية الغاضبة بسبب توسُّع نفوذ السيسي الابن وبسْط سطوته على الحياة السياسية وقطاع الإعلام. وهي الصفقة التي تضمت أيضا خروج الفريق سامي عنان من السجن في إطار تهدئة الأجواء واليقين بأن  ظهور المقاول إنما يرتبط بشكل أو بآخر بقيادات نافذة بالمؤسسات السيادية غير راضية عن مسار الحكم الحالي.

وبعد نجاح السيسي في الخروج من أزمة التظاهرات التي دعا لها المقاول، وهدوء الشارع في أعقاب اعتقال الآلاف من النشطاء، عاد الحلم مجدداً ليراود السيسي ونجله. فالابن لم ينفذ قرار انتدابه للسفارة المصرية في موسكو،  وظل في الجهاز يتابع كثيرا من الملفات الحساسة بعيدا عن الأضواء، ولاحقا ظهر في أدوار جديدة داخل الجهاز السيادي العتيق، في محاولة لاستعادة أدواره السابقة، من خلال توليه قيادة ملف تنسيق العملية العسكرية المشتركة بين قوات الجيش وأبناء القبائل المصرية ضدّ عناصر تنظيم “ولاية سيناء” الموالي لتنظيم “داعش” في شمال سيناء، وهو ما تسبب في حالة من الغضب المتجددة داخل الجهاز، حيث كان نجل السيسي سبباً في وقت سابق في الإطاحة بنحو 44 من وكلائه وقياداته البارزين، لإفساح المجال أمامه وتصعيده ليكون أحد أهم قيادات الجهاز. لكن السيسي لم يكترث وأسند إلى نجله أهم ملفات الجهاز على الإطلاق (ملف إسرائيل) ليكتسب الخبرات ويحظى بمباركة قادة الاحتلال الذين سيقومون بما عليهم من أدوار في تسويق السيسي الابن في دوائر صنع القرار في واشنطن والعواصم الغربية، وهي الخطوة الأهم على  الإطلاق في مخططات التوريث بعيدة المدى. المهم أن يبرهن السيسي الابن لقادة الاحتلال أنه ماض على مسار أبيه يكرس  حياته من أجل خدمة  المشروع الإسرائيلي وحماية المصالح الإسرائيلية والأمريكية والغربية في مصر والمنطقة، وهي المصالح التي تحظى عنده بالأولوية حتى ولو على حساب المصالح المصرية نفسها.

خلاصة الأمر

يفسر البعض أسباب اعتماد السيسي على ابنه وتعزيز مكانته داخل جهاز المخابرات العامة إلى أن عقلية السيسي عقلية انقلابية بامتياز؛ يملك قدرة عالية على المداهنة والمراوغة والتلون من أجل القفز على أكتاف الآخرين؛ وقصة السيسي تكاد تكون مكررة؛ تبدأ بالتزلف والنفاق ثم تعزيز الثقة المتبادلة، ثم  يغدر فجأة ويطيح بهذا الصديق أو الحليف دون اكتراث أو اعتبار. فعلها مع المشير طنطاوي (كان يعتبر السيسي ابنا له) والفريق سامي عنان؛ فقد كان للسيسي دور كبير في مد الرئيس مرسي بالمعلومات التي مكنته من الإطاحة بهما في يوليو 2012م، ثم غدر بالرئيس مرسي الذي عنيه وزيرا للدفاع، وانقلب عليه وزج به في السجن ثم اغتاله، وفعل ذلك مع الدكتور محمد البرادعي و«جبهة الإنقاذ العلمانية» التي أيدت انقلابه على الديمقراطية والرئيس المنتخب، وفعل ذلك مع صهره الفريق محمود حجازي الذي تولى رئاسة الأركان داخل الجيش سنة 2014 وسرعان ما أطاح به، وفعلها مع جميع أعضاء المجلس العسكري الذين شاركوه الانقلاب باستثناء اللواء ممدوح شاهين والراحل الفريق محمد العصار. هذه العقلية الانقلابية المسكونة بالغدر والخيانة جعلته لا يثق مطلقا في أحد؛ وعلى الأرجح فإن السيسي يعد نجله ليكون رئيسا لجهاز المخابرات؛ وفي مرحلة لاحقة ليكون وريثا لمنصب الرئيس نفسه. يعزز من هذه الفرضية القفزات الهائلة في ترقية السيسي الابن(من مواليد 1982) منذ إلحاقه (رائدا) بجهاز المخابرات العامة سنة 2014م؛  لكن خلال 4 سنوات فقط، قفز محمود السيسي سريعاً عبر ترقيات استثنائية ليصل إلى رتبة عميد، وأُسند إليه منصب مدير المكتب الفني بالجهاز في أثناء تولي اللواء خالد فوزي إدارة جهاز المخابرات العامة.  وفي عام 2018 تم تعيين السيسي الابن نائباً للقائد العام للمخابرات، تحت قيادة وزير المخابرات اللواء عباس كامل، الذي يعتبر الرجل الثاني في مصر بعد السيسي، وذلك حسبما ذكر تقرير “يديعوت أحرونوت” يوم الأحد 17 أبريل 2022.

يراهن السيسي الأب على أولاده الثلاثة محمود ومصطفى وحسن الذين يتولون مناصب رفيعة بجهاز المخابرات العامة وهيئة الرقابة الإدارية، على امتلاك الأدوات  التي يرى أنها تمكنه من تحقيق ثلاثة أهداف يسعى إليها: الأول: تدعيم ركائز الحكم؛  أملا في البقاء على رأس السلطة مدى حياته. الثاني: التمهيد لتوريث الحكم داخل الأسرة كما كان يخطط الرئيس السابق محمد حسني مبارك لنجله جمال ولكنه فشل. الثالث: الحيلولة دون سقوط نظامه ومنع محاكمته على جرائمه الوحشية بحق المصريين بكل فئاتهم وأطيافهم؛  ومنع محاكمته بتهمة إهدار ثروات البلاد على مشروعات ضخمة بلا جدوى اقتصادية مثل تفريعة القناة والعاصمة الإدارية ومدينة العلمين الجديدة وغيرها عبر التوسع في القروض حتى بلغت ديون مصر مستويات مخيفة تكبل البلاد والأجيال المقبلة لعقود مقبلة. لذلك وضع الأب مخططات بعيدة المدى لتحويل مصر إلى مللكية عسكرية داخل العائلة.

هذه المخططات ليس هدفها  أن يتولى الابن مناصب قيادية شديدة الحساسية والأهمية ولكنها خطة بعيدة المدى تستهدف تقديمه للرأي العام من خلال مجموعة من الأدوار البطولية، وكذا جمْع خيوط المشهد السياسي والإعلامي بين يديه بشكل تدريجي، خصوصاً في ظلّ تآكل جدار الثقة بين السيسي وكثير من الدوائر المحيطة به”. وما يعزز من فرص نجاح مخططات السيسي لتوريث الحكم لنجله أنه ــ بعكس جمال مبارك ــ  ابن المؤسسة العسكرية ما يعني أن الأجنحة التي رفضت  جمال مبارك كونه مدنيا لا حجة لها أمام السيسي الابن الذي يترقى ويتولى مناصب حسابة بالجيش والمخابرات. وقبل شائعة الاستبعاد، أشرف نجل السيسي على ملفات حساسة منها التعديلات الدستورية التي جرى تمريرها في إبريل 2019م، ومهدت لبقاء السيسي في السلطة حتى 2030م، بخلاف منحه صلاحيات فرعونية مطلقة على كافة مؤسسات الدولة، كما كان يشرف على ملف سد النهضة وهندسة المشهد السياسي عبْر الإشراف على خطط تشكيل التحالفات الحزبية، وتشكيل البرلمان، قبل أن تهدأ تلك الزوبعة بشائعة إبعاد السيسي الابن، والعقيد أحمد شعبان، الذي كان يشرف على برنامج الشباب الرئاسي، ومؤتمر الشباب، عن الأضواء وتحجيم نفوذهما، بعدما تردد في وقت سابق أن شعبان انتقل إلى سفارة مصر في اليونان، فيما انتقل نجل السيسي للعمل كملحق عسكري في سفارة مصر في روسيا، وهي الأنباء التي ثبت أنها لم تكن صحيحة.

السيسي من خلال خبراته كمدير لجهاز المخابرات الحربية من جهة، وتجربته كقائد عسكري قاد انقلابا وحشيا على نظام ديمقراطي؛  فعرف دهاليز المؤامرات والمكائد والدسائس وأوكار الرذيلة السياسية داخليا وإقليميا والتي تستهدف تقويض أي مسار ديمقراطي في مصر والعالم العربي، يدرك جيدا كيف يسلك أقصر الطرق نحو تحقيق أهدافه ومآربه؛ لذلك فإنه قد أعد نفسه من أجل امتلاك الأدوات  التي يرى أنها تمكنه من تحقيق أهدافه؛ فهل يمكن أن ينجح السيسي في توريث الحكم لأحد أبنائه؟

الإجابة على ذلك تتعلق بتحقيق أمرين مهمين:

  • الأول نجاح البرنامج الاقتصادي الذي يقوده السيسي منذ نوفمبر 2016م، وذلك بتوفير الملايين من فرص العمل، ورفع الأجور والمرتبات بما يتناسب مع حجم التضخم الذي جرى، وتخفيض أسعار السلع والخدمات وتراجع اعتماد النظام على الاقتراض والحد من تزايد معدلات الفقر و الديون التي تلتهم نسبة كبيرة من ميزانية الدولة.
  • الثاني، هو قدرة السيسي على عبور السنوات القادمة بسلام وصولا إلى 2024 وهو توقيت الاستحقاق الرئاسي مع ضرورة فتح أبواب العمل السياسي أمام القوى والأحزاب.

ويبدو من المؤشرات القائمة أن ذلك أمر بعيد المنال خصوصا بعد التداعيات الاقتصادية العنيفة لتفشي جائحة كورونا ثم الحرب الروسية الأوكرانية، وسقوط الدولة في دوامة الديون الجهنمية، وتعني الاقتراض من أجل تسديد قروض قديمة أو فوائد الديون؛ إذا كيف يتم التوريث أصلا إذا كان نظام السيسي نفسه مهدد بعدم القدرة على البقاء لأسباب تتعلق بالفشل الاقتصادي والقمع السياسي واحتكار الجيش للسلطة والثروة؟!

على الأرجح فإن الصراع الدائر الآن بين السيسي والقوى الخفية المناهضة له داخل المخابرات وغيرها من أجهزة الدولة، سوف يتواصل وسوف يستنزف النظام ويدفعه نحو مزيد من القمع والفشل، وهو ما يمكن أن يفضي إلى سقوط النظام إما بفعل انفجار شعبي أو بفعل انقلاب مفاجئ يتم ترتيبه في دهاليز الأجهزة السيادية إذا رأت في بقاء السيسي تهديدا لوجودها ذاته أو تهديدا لنفوذها ومكاسبها الضخمة مدعومة بتآكل شعبية السيسي على نحو هائل. وقد كان بث «الاختيار3» استفتاء حقيقيا  برهن بجلاء على الرفض الشعبي الواسع للسيسي ونظامه وسياساته.

 

————–

[1] فوق دبابة أبيه.. كيف عاد محمود السيسي للمخابرات المصرية رغم استبعاده قبل عامين؟/ الاستقلال ــ 21 فبراير 2022م

[2] ملف إسرائيل أصبح بيد محمود السيسي.. موقع فرنسي يؤكد زيارته لتل أبيب، ويكشف تفاصيل الزيارة/ عربي بوست ــ 03 فبراير 2022م// إنتلجنس: السيسي أسند ملف العلاقات مع “إسرائيل” لنجله محمود/ “عربي 21” ــ  الجمعة، 04 فبراير 2022م

[3] صحيفة إسرائيلية: محمود السيسي يصل إسرائيل على رأس وفد استخباراتي مصري للقاء المسؤولين/ عربي بوست ــ 17 إبريل 2022م

[4] نائلة خليل/ هل عاد زمن الاستشهاديين الفلسطينيين؟/ العربي الجديد ــ 04 ابريل 2022

[5] نضال محمد وتد/ الإعلام الإسرائيلي ينشر تفاصيل جديدة عن عملية تل أبيب/ العربي الجديد ــ  الجمعة 08 ابريل 2022

[6] فوق دبابة أبيه.. كيف عاد محمود السيسي للمخابرات المصرية رغم استبعاده قبل عامين؟/ الاستقلال ــ 21 فبراير 2022م// هل يجهز السيسي نجله محمود لخلافته أم أن له وأخويه دور أكثر خطورة؟/ عربي بوست ــ 17 ديسمبر 2020م

[7] “مقدم أم عميد.. ضابط أم وكيل؟ محمود السيسي وأوجه الحقيقة الغائبة (انفراد بالتفاصيل)/ موقع القاهرة 24 يوليو 2020// الذكرى السابعة لانقلاب يوليو: حملة لترميم صورة محمود السيسي/العربي الجديد  03 يوليو 2020// عودة نجل السيسي تجدد الغضب داخل الأجهزة السيادية/العربي الجديد 25 يونيو 2020

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

موقف القوى المدنية من الحوار الوطني .. الدوافع والتداعيات

موقف القوى المدنية من الحوار الوطني الدوافع والتداعيات   دعا الرئيس المصري عبد الفتاح…