‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر موقف العلمانيين من الحوار بين الرئيس مرسي و عبدالفتاح السيسي
مصر - يونيو 7, 2022

موقف العلمانيين من الحوار بين الرئيس مرسي و عبدالفتاح السيسي

موقف العلمانيين من الحوار بين الرئيس مرسي و عبدالفتاح السيسي

 

في عهد الرئيس محمد مرسي، كانت مصر تتمتع بديمقراطية حقيقية في أعقاب ثورة 25 يناير 2011م، مجتمع مدني قوي، أحزاب نشطة، انتخابات نزيهة تحت إشراف قضائي كامل، نقابات قوية لها مجالس منتخبة، منظمات مجتمع مدني تمارس نشاطها بكل حرية دون ملاحقة أو قيود، حرية الرأي والتعبير مكفولة للجميع  بنصوص الدستور والقانون، معتقلات فارغة فلم يعتقل سياسي واحد لسبب سياسي، وجرى غل يد الأجهزة الأمنية عن التدخل في  الشأن السياسي. والرئيس منتخب من الشعب بنزاهة لأول مرة ف تاريخ مصر، وكان شديد الحرص على بناء مؤسسات الدولة المنتخبة لإنجاح التحول الديمقراطي، وكان في صراع مرير مع مافيا الدولة العميقة التي كانت تعرقل كل خطوات التحول الديمقراطي وتنسف أي مؤسسة منتخبة عبر بوابة القضاء المسيس. فقد تم الاستفتاء على الدستور الذي شارك الجميع في صياغته والتصويت عليه، وبدأ العمل به من 25 ديسمبر 2012م، بعدما وافق عليه الشعب بنسبة 6,8% مقابل 36.2% رفضوه، وهي نسبة عالية جدا مقارنة بنتائج الاستفتاءات على الدساتير الغربية نفسها.  وفي الملف الاقتصادي، رغم الوضع المتدهور من عصور سابقة،  كان هناك رئيس مدني منتخب يؤكد على حماية الطبقات الفقير والمهمشة والعناية بالدعم وزيادة مخصصاته، وكانت هناك حكومة تتبنى سياسة اقتصادية وطنية ترفض الخصخصة والإذعان لصندوق النقد الدولي، يشجع الإنتاج الوطني ويؤكد أن هدفه هو تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذء والدواء والسلاح.

اللافت أن القوى المدنية العلمانية في معظمها (يسارجية ــ قومجية ــ ناصرجية ــ ليبرالجية) عندما دعوا إلى الحوار الذي أطلقه الرئيس في يناير 2013م، تمردوا، ورفضوا حتى مبدأ الحوار مع الرئيس المنتخب، والذي أعلن أنه سيشارك في الحوار بنفسه وسيلتزم بمخرجاته، رغم أنه لم يكن هناك أساسا شيء يستحق الخلاف عليه في ظل كل هذه المكاسب الهائلة في ملف الحريات والديمقراطية ودولة القانون سوى التوافق على قانون الانتخابات، وهو أمر كان ميسورا لو كانوا صادقين.

وكان المجتمع رغم الفوضى التي خلقتها الدولة العميقة على وشك حسم أي خلاف عبر إحدى أهم أدوات الديمقراطية وهي الانتخابات التي كان ينص الدستور الجديد على البدء في إجرائها بعد 60 يوما من بدء العمل بالدستور. وبالتالي كان أمام الجميع فرصة حقيقية للفوز بثقة الجماهير والتغيير عبر أدوات دستورية ديمقراطية. وعندما أصدر الرئيس قرارا بالدعوة إلى الانتخابات؛ أعلنوا رفضهم ومقاطعتهم لها رغم أنها استحقاق بنص دستوري ولم يكن التوقيت خيارا للرئيس.

حوار رفضوه من حيث المبدأ، وانتخابات أعلنوا مقاطعتها؛ فماذا كانوا يريدون بالضبط؟

وثَّق الكاتب الكبير وائل قنديل هذا الموقف في مقاله (مرسي يحاور مرسي)، المنشور بصحيفة “الشروق” يوم 28 فبراير 2013م، حيث كتب:[[1]] «يدعون إلى الحوار والتفاوض والمناقشة فى كل القضايا المثارة فيتهربون من المواجهة ويختبئون خلف حوائط المقاطعة، ثم لا يتورع أحدهم عن إطلاق كلمات فولكلورية عن أن «مرسى يحاور مرسى» ثم يشد الرحال إلى عالم النكتة والقفشة متسربلا بمسوح الحكمة والخبرة متهما كل الناس بالعبث والجنون وهو وحده الجاد العاقل الرزين. يتحدثون عن أن النظام فقد شعبيته وما كان له من قاعدة جماهيرية، ثم حين تأتيهم الفرصة للإطاحة بهذا النظام وإزاحته عبر انتخابات يطلقون قنابل الدخان ويهربون داخل سحبها الكثيفة. وبالتوازى مع ذلك تستمر ماكينة عصر الأكاذيب فى عملها بمنتهى الكفاءة، فتسمع ثغاء عن بيع الأهرامات وقناة السويس ومياه النيل وينسجون الحواديت المسلية ثم يتعاملون معها على أنها حقائق دامغة، الأمر الذى يفجر أنهارا من السخرية من هذا الإفك، والشفقة على هذا الانحدار فى افتراض أنهم يخاطبون شعبا من المجانين». وراح “قنديل” يستنكر استدعاء هؤلاء للجيش رغم أنهم احتفلوا قبل شهور بإزاحته: «الذين احتفلوا قبل شهور بزوال حكم العسكر بعد ستين عاما من هيمنته على البلاد كما يقولون، يبوسون أقدام المؤسسة العسكرية الآن لكى تعود وتعيد عقارب الساعة إلى بدايات الخمسينيات، وينشطون فى اختراع الفكاهات، من جمع توكيلات للجيش بإدارة البلاد، إلى حشد الوقفات العكاشية للتشجيع على الانقلاب، والتحريض على هدم المبنى على رءوس من فيه. ثم بعد ذلك يقدمون أنفسهم باعتبارهم حماة المدنية والديمقراطية»!. ويضيف: «لقد بلغ الإفلاس السياسى حدا جعل عتاة الليبرالية يريدونها عسكرية، لكن الأفدح هو هذا الإفلاس الفكرى الذى ذابت معه الفواصل بين الخطاب العكاشى (نسبة إلى توفيق عكاشة) وخطاب رموز النضال فى التحرير، فيصفقون ويهتفون احتفالا بكل إخفاق اقتصادى ويقيمون المهرجانات الصاخبة فرحا بكل قطرة تنزفها مصر ماليا أو أمنيا».

الحوار مع السيسي

اليوم (يونيو 2022)، فإن القوى العلمانية التي رأت في إعلان الرئيس مرسي الدستوري في نوفمبر 2012 بأنه كان انقلابا رغم أنه تم تعديله بحوار حقيقي بعد أقل من أسبوع، وكان الإعلان نفسه مؤقتا لحين الاستفتاء على الدستور الذي جرى بعده  بخمسة وثلاثين يوما  (25 ديسمبر2012) لم يروا في الإطاحة برئيس منتخب وتجميد الدستور كله في 03 يوليو 2013 انقلابا، ولم يروا حتى في تعديلاته الدستورية في إبريل 2019م انقلابا، ورغم أنه ارتكب مئات المذابح الجماعية، وأجهض ثورة يناير ، ونسف المسار الديمقراطي، وصنع نسخة متطرفة من الحكم العسكري، ثم فرط في حصة مصر من مياه النيل بشرعنة سد النهضة بالتوقيع على اتفاق المبادئ بالخرطوم في مارس 2015م، ثم فرط في تراب مصر الوطني بالتنازل عن سيادة مصر على جزيرتي “تيران وصنافير” في إبريل 2016م، ثم تبنى سياسات صندوق النقد الدولي في نوفمبر 2016م، وأغرق مصر في ديون لا حصر لها، حتى أصبح بند خدمة الديون وحده في مشروع الموازنة (2022/2023) أكبر من موارد الدولة، كما أفقر عشرات الملايين من المصريين وينحاز بكل سفور إلى الرسمالية المتوحشة وحيتانه من الجنرالات ورجال الأعمال على حساب الغالبية الساحقة من المصريين؛  معتقلات تتملئ بعشرات الآلاف من العلماء والرموز السياسية من كل التوجهات، انتخابات مزورة، إعلام مؤمم، أحزاب مقيدة، حرب ضارية على الحريات ومنظمات المجتمع المدني؛ ورغم كل هذه الكوارث؛ يهرول العلمانيون إلى الجنرال بمجرد أن غمز إليهم واستدعاهم إلى حوار مسرحي هم أول من يعلم أنه حوار شكلي!

بالطبع العلمانيون ليسوا قماشة واحدة؛ وليسوا سواء، وإن كان غالبيتهم متطرفون حد الهوس، لكن ذلك لا يمنع وجود أصوات عاقلة متزنة ترى المشهد على حقيقته؛ فالحقوقي البارز بهي الدين حسن، ينظر إلى إلى الحوار الذي أطلقه السيسي بأنه «دعوة إلى مسرحية يُجرى فيها توزيع الأدوار وفق رؤية المؤلف الأوحد الذي سيضع أيضا خاتمة المسرحية بنفسه، وذلك مع الأطراف التي ستقبل بدور ككومبارس في تلك المسرحية العبثية». وحول المخرجات المتوقعة لمبادرة السيسي، أضاف: “لن يسهم ذلك الحوار المسرحي المُعلب في تحسين أحوال المصريين السياسية أو الاقتصادية، بل سيؤدي فقط لتكريس الأزمة، وتجميل زائف مؤقت لصورة النظام البائس في مصر، والإفراج المحتمل عن آحاد آخرين (من بين عشرات ألوف السجناء السياسيين) بما يُسهّل قبول الرئيس الأمريكي جو بايدن مصافحة السيسي خلال الشهر المقبل (يونيو 2022)”. [[2]]

هذه المقارنة الكاشفة، وهذه المواقف المخزية للقوى العلمانية، دفعت الكاتب الكبير وائل قنديل إلى توثيق ذلك من جديد في مقاله ( حوار وطني تحضيرًا لامتحان بايدن) والمنشور بصحيفة «العربي الجديد» اللندنية في 11 مايو 2022 فكتب: «يدهشك في الأمر أن من الذين يتبرّعون بإعلان الاستجابة، وإنْ كانت مشروطة، لدعوة نظام السيسي لحوار على أرضية الثلاثين من يونيو (2013) كانوا يقفون ضد فكرة الحوار، من حيث المبدأ، مع الرئيس المنتخب محمد مرسي، بل ويعتبرون الاستجابة لدعوة الحوار، مشروطةً أو غير مشروطة، خيانة للوطن وللثورة، وعارًا يلحق بالذين يشاركون بالحوار المنقول على الهواء مباشرة، في ذلك الوقت، والذي يحضرُه الرئيس بنفسه مستمعًا ومنصتًا وموافقًا على النتائج والمخرجات التي يتوصل إليها المجتمعون. مدهشة فعلًا حالة المماحكة التي تختبئ خلف اشتراطاتٍ يعلم واضعوها أن المعني بها لن يعيرها اهتمامًا، وخصوصًا عندما تأتي هذه المماحكات من بعض الذين كانوا يباهون بأنهم يرفضون المشاركة في حوار، بناءً على دعوة الرئيس مرسي، بل ويسخرون من الدعوة والداعين لها، بحجّة أن الرئيس مرسي يحاور مرسي، وبدافع الخشية على وسامتهم الثورية من حوار كهذا مع رئيسٍ منتخب. أتذكّر أن الحوار مع مرسي في تلك الأيام أثمر تراجعًا عن إعلانه الدستوري، الذي حقق به مطلبًا كان مرفوعًا طوال الوقت في ميادين بمصر، وهو إقالة نائب عام ضد الثورة، وفرض المشاركون بالحوار على الرئاسة بيانًا يتضمّن مفردة “الإلغاء” للإعلان الدستوري، وليس تعديله، كما حقق مكاسب كان من الممكن البناء عليها للنجاة من جحيمٍ كان يُصنع في غرف مظلمة، بتطوّع وتفرّغ كاملين ممن أسميتهم وقتذاك “رموز جماعة الحرب حتى يوم القيامة” الذين حقّقوا سقوطا ذريعا أمام اختبارٍ فرضته ظروف تداهم الوطن بأسره، شعبه قبل حكومته، فتفلتوا من فكرة الالتقاء حول مشترك وطني وقومي، مردّدين الكلام المضحك ذاته عن أنهم لن يمنحوا الفرصة للنظام لكي ينهل من وسامتهم الطاغية، ويتجمل من خلال صورة فوتوغرافية معهم فى القصر الرئاسي. تلحّ هذه المشاهد على الذاكرة مع هذا التطوّع لإضفاء جدّية على لعبة هزلية مؤقتة، هي في ظني ليست أكثر من محاولة لارتداء قناعٍ واقٍ من عاصفة انتقادات ومساءلة أميركية قادمة في النصف الثاني من يونيو/ حزيران المقبل، يعلم المتفاعلون أنه فور اجتياز امتحان بايدن سيزيح هذا النظام قناعه، ويستعيد ملامحه الحقيقية .. هذا إن التفت النظام إلى هذه الهدايا المجانية أو أعارها اهتمامًا من الأصل».[[3]]

تفسير الموقف العلماني

هناك عدة تفسيران للموقف العلماني،

التفسير الأول، هو تفضيل العلمانيين إسقاط نظام  الرئيس مرسي بأدوات غير دستورية لفشلهم في الفوز بثقة الجماهير؛  لذلك تحالفوا مع الدولة العميقة وفلول نظام مبارك من أجل الإطاحة بالإسلاميين من المشهد كله وليس مجرد تغيير النظام. يقول الكاتب الكبيير فهمي هويدي، في مقاله (فى تفسير رفض الحوار) المنشور بالشروق يوم 31 يناير2012م،  إن المعارضة العلمانية مع الرئيس مرسي لم تكن حريصة حقا على التوصل إلى وفاق وطني، وذلك في أعقاب البيانات التي خرجت من القوى والأحزاب والعلمانية ورموز هذا التيار وقتها ترفض الحوار أو تضع شروطا تعجيزية له، يقول هويدي: « أعطانى ذلك (رفض الحوار) انطباعا بأن أجواء ذكرى 25 يناير وخروج جموع الغاضبين إلى الميادين والشوارع دفعت البعض إلى ركوب الموجة والمزايدة على الجميع والاستقواء بالشارع ومحاولة إحداث انفلات فى البلد يمكن أن يكرر ما حدث إبان الثورة، ويؤدى فى نهاية المطاف إلى إسقاط النظام لصالح المنافسين المتربصين. ولذلك ارتأى هؤلاء أن التسخين والتصعيد يمكن أن يحققا هذه النتيجة. ولذلك فلا داعى لإجراء أى حوار، لأن التوافق من شأنه أن يطيل من أجل النظام الذى قرروا أنه على وشك السقوط أو أنه مؤهل لذلك».[[4]]

لكن ما كان يراه هويدي استنتاجا، أقر به الناشط أحمد ماهر، مؤسس حركة شباب 6 أبريل، في مقال تحت عنوان (للأسف كنت أعلم) والذي سربه إلى عدة مواقع إخبارية في مايو 2014م عندما كان معتقلا.[[5]] يؤكد فيه ما يلي:

  • أولا، أنه كان يعرف بأمر الانقلاب العسكري منذ فبراير 2013م. وأن الجميع (القوى المدنية العلمانية) كانوا يعرفون، ويحرضون عليه ويشاركون فيه.
  • ثانيا، الإقرار بأن القوى العلمانية كانوا على دراية مسبقة بمخطط الانقلاب وافتعال العنف وسفك الدماء للتمهيد له؛ يقول ماهر: «فى فبراير 2013 تقابلت صدفة مع أحد أمراء الشعب الذى بشرنى بسيناريو افتعال العنف والاشتباكات ثم سيل مزيد من الدماء وأحداث فوضى لكى ينزل الجيش وسألنى.. أنت معانا ولا لأ.. احنا عايزين 6 أبريل هى اللى تقود، فكانت إجابتى.. سيناريو العنف والدم لا يتفق مع مبادئنا وأيدلوجياتنا، كما أن سيناريو عودة العسكر للسلطة هو أمر نرفضه تماما.. ألا تذكر 2011م.فكان رده: “طيب إذا كنت رافض تكون معانا فعلى الأقل بلاش تنتقد العنف والدم وعودة العسكر للسلطة”. هذه المخططات كانت معدة في أعقاب الإطاحة بمبارك مباشرة؛ يبرهن على ذلك التسريب الصوتي لضابط كبير بأمن الدولة مع رئيس حزب الوفد السابق سيد البدوي، وهو التسريب الذي تم بثه في 2015م ويرجح أنه جرى أواخر 2011م قبل الانتخابات البرلمانية لأن الضابط كان يوجه السيد البدوي بالابتعاد عن الإخوان شاكيا كثافة الظهور الإخواني على شاشة قناة الحياة التي كانت مملوكة وقتها لرئيس حزب الوفد السابق. والذي برر ذلك بأنه يطمع أن يكون رئيسا للجمهورية، وأن ذلك لن يحصل إلا بدعم الإخوان باعتبارهم أصحاب شعبية جارفة. ما يعني أن الجماعة في وقت التسريب لم تكن قد أعلنت عن قرارها بالمشاركة في الانتخابات الرئاسية بمرشح من طرفها وهو القرار الذي صدر في منتصف مارس 2012م. خطورة هذا التسريب أن الضابط الكبير الذي لم تعرف هويته حتى اليوم كشف عن سيناريو الدولة العميقة لمواجهة ثورة يناير والشعبية الجارفة للإخوان المسلمين، وهو التسريب الذي احتوى على تأكيد الضابط الكبير بأن الإخوان لن يحكموا البلد وأنهم سوف يتعرضون خلال السنوات المقبلة لمذابح دموية مروعة. «أنا يا سيد بقولك إن الإخوان دول هيتعمل فيهم إللي متعملش في الكام سنة اللي جايين .. هيدبحوا.. هتطلع مليشيات تدبحهم في بيوتهم .. هتخش عليهم بيوتهم تدبحهم في سرايرهم». وكشف أن هذه المليشيات المسلحة لن يعرف أحد هويتها. وأن مصر سوف تغرق في إرهاب لا يعلم أحد مصدره. «مصر بقى هتغوص في إرهاب محدش عارف مصدره». والإشارة إلى أن حل أمن الدولة هو تهديد لاستمرار أي نظام سياسي وأن مصر لا يمكن أن تدار بدون أمن الدولة وقانون الطوارئ. «ما انتو قلتوا بلاش القوانين ونلغي أمن الدولة». وأخيرا التأكيد على مصادرة جميع أشكال حرية الرأي والتعبير. «اللي هيتكلم  هتقتطع رقبته  في سريره».[[6]] هذا التسريب رغم أهميته الكبيرة لم يطلب النائب العام فتح تحقيق في محتواه رغم أنه يفك جميع ألغاز الجرائم التي جرت بعد الإطاحة بمبارك وتكشف بوضوح عما كان يسمى وقتها بالطرف الثالث المتهم بإثارة العنف والفوضى وسفك الدماء فقد ثبت أنه الطرف الأول “مؤسسات الدولة العميقة وعلى رأسها الجيش بمخابراته الحربية” التي رأت في ثورة يناير وصعود الإسلاميين وتكريس نظام ديمقراطي حقيقي تهديدا للنفوذ الذي تحظى به والمزايا التي تتمتع به دون باقئ فئات الشعب.
  • ثالثا، مخطط الانقلاب واتهام الإخوان بالإرهاب، كان معدا له قبل ذلك بفترة طويلة؛ يقول ماهر: «فى الفترة من 3 يوليو وقبل التفويض، وعند بدء اعتراضنا على الإجراءات والانتهاكات واعتراضنا على فكرة التفويض، جاء رجل من أقصى المدينة يسعى، صديق قديم أصبح فى معسكر السلطة وحذرنى: ليس مسموحا بالاعتراض.. احنا فى (حرب على الإرهاب).. مفيش حاجة اسمها حقوق إنسان، احنا فى حالة طوارئ دائمة وغير مسموح بالمعارضة، من ليس معنا فهو ضدنا.. وخلى بالك من نفسك يا أحمد علشان خلاص جابو آخرهم منك.. حتى فكرة لا عسكر ولا إخوان مرفوضة.
  • رابعا، أقر ماهر أن القوى (المدنية العلمانية) وقعت في فخ العنصرية والتمييز؛ فهم يدافعون عن المعتقل الذي ينتمي إليهم، أما المعتقلون من خصومهم (الإسلاميين) فلا يكترثون لأمره؛ يقول ماهر: «أريد أن أستخلص من المقدمة التى كتبتها ومن مقالة الحرية للمعتقل الذى لا نحبه أن كثيرا من النخب الليبرالية والثورية والشبابية وقعوا بالفعل فى الفخ، فالمعتقل الذى ليس معنا أو الذى لا نحبه أو اللى مش مننا كتيار فلا حريه له.. وحلال فيه القمع والتلفيق». ويحذر من الليبراليين العسكريين الذين يتجاهلون قيم الليبرالية كرفض القمع والقتل وحق التظاهر، وتجدهم يؤيدون قمع وقتل وسحل الإسلاميين لأنهم لا يشبهوننا، ثم يبدأ الكلام عن حكم العسكر وعندما يعتقلون من نحبهم.. رغم أن السلطة المتوحشة واحدة. وكل ذلك نقلا عن مقالة وصلته في السجن بعنوان «الحرية للمعتقل الذي لا نحبه» للكاتب بلال علاء. ويضيف: «الصمت على اعتقال من لا نحبهم يفتح الطريق للسلطة القمعية للتنكيل بمن نحبهم، ومع الوقت سيعانى الجميع من التشويه والشائعات … فلا عاصم من بطش السلطة مهما كنت منافقا أو صامتا».

التفسير الثاني، أن سبب تمرد غالبية العلمانيين على الرئيس مرسي وهرولتهم نحو السيسي، وتفضيلهم للدكتاتورية مع العسكر على الديمقراطية مع الإسلاميين؛ مرده هو التطرف في العلمانية، بوصفها عقيدة بديلة للإسلام ذاته. ويذهب المفكر والمؤرخ والرمز الإسلامي الراحل المستشار طارق البشري إلى أن بمصر تيارا فكريا متماسكا وقويا يتبنى العلمانية، لا كحلول تطبيقية فقط ولكن كمرجعية فكرية، متأثرًا في هذا بما تربى عليه من أكثر من جيل سابق؛ من الأخذ بالفكر الغربي العلماني في أصوله النظرية، حتى صار بالنسبة لهم نوعا من الانتماء العقدي، وهو فصل الدين عن الدولة. هذا التيار بذاته يرفض أصول المرجعية الإسلامية فيما يتعلق بالنظرة الكلية التي يتبناها الإسلام رابطًا بين المرجعية الدينية والحياة المدنية. هذا التيار لا يوافق مطلقا على إعادة تصدير الإسلام في صورة مختلفة، إنما يريدون إزاحة الدين جانبا بلا رجعة. والحاصل أن العلمانيين لا يملكون قوة شعبية وسياسية، ولكنهم يتحيزون في مصر ويترابطون في مجال الإشاعة الثقافية العامة: التأليف والصحافة والإعلام والفنون والآداب كالقصة والمسرح وغير ذلك.. وهم من يشكلون القوى المعنوية الأساسية التي تتبناها سلطات الدولة المستبدة في مصر على مدى تاريخها الحديث. وهي (السلطة العسكرية) لا تستطيع أن تستغني عنهم؛ لأنه لا توجد قوى ثقافية أخرى يمكن أن تقف معها وتمكنها من هذا الموقف المستبد ضد التغيير وضد الشعوب وضد الهوية المتميزة، وضد الشكل الثائر الذي هو حادث على مدى تاريخنا الاستبدادي المعيش منذ عقود عدة. فهناك ــ وفقا للبشري ــ مصلحة متبادلة في مصر ـ بين السلطة العسكرية والتيار العلماني ــ  من حيث الوجود السياسي والاجتماعي والثقافي بين قوائم السلطة الاستبدادية، التي لا غنى لها عن الدعم الثقافي والإعلامي لتأكيد شرعيتها، هناك مصلحة متبادلة بين هذه القوى الاستبداية وبين الوجود العلماني العقيدي الفكري الذي يدعمها ويقف بجوارها ويقدم لها وجوه الشرعية التي تمكنها من سلاسة الحكم، وليس له هو في أي من أجنحته قدرة على الوصول إلى جماهير الشعب مهما ادعى من إيمان بالديمقراطية وبالحرية.. هو في النهاية يصوغ هذه المفاهيم –التي يكررها دائما- صياغات تدعو للاستبداد وتقف ضد الحركات الشعبية الواسعة المنظمة.[[7]]

معنى ذلك أن هناك تطابقا في الرؤى بين السلطة العسكرية المستبدة والقوى العلمانية بشأن تكريس العلمانية في مصر على حساب القيم الإسلامية؛ وبينما يرى العلمانيون ضرورة إزاحة الإسلام تماما من التأثير في المجال  العام، ليكون محصورا في الزوايا بوصفه شأنه فرديا، ترى السلطة العلمانية أنه يتعين توظيف  الإسلام نفسه لخدمة أجندة السلطة ومآربها، وإضفاء مسحة شرعية دينية على السلطة العلمانية نفسها.

وكلاهما (العسكر + العلمانيون) ينفذون المخططات الغربية بشأن التعامل مع الإسلاميين؛  حيث يذهب «البشري» إلى أن  الولايات المتحدة لا تعادي جماعة الإخوان مباشرة؛ لأنها حركة سلمية وإظهار العداء لها يؤدي إلى تقوية حجج وجانب الاتجاهات الإسلامية المسلحة، لكن الولايات المتحدة في الوقت نفسه لا تريد أن يقوى أي تيار إسلامي يمكن أن يكون له دور سياسي في المنطقة العربية أو غيرها؛ ومن ثم لم ترحب بصعود الإسلاميين عقب الثورات؛ لأن الدور السياسي الإسلامي في التحليل النهائي سيكون وطنيًا، ويبحث عن سياسات وطنية مستقلة ومتميزة. كما أنه -وهذ ما حدث فعلًا في العقود الأخيرة- لم نجد حركة شعبية منظمة وعلمانية في أي من أقطارنا الإسلامية تكون وطنية مستقلة، إنما صارت كل الحركات الوطنية في بلادنا حركات ذات نزعة إسلامية. النقطة الثانية المهمة أنه ثبت بالتجربة التاريخية بعد انتهاء الاستعمار القديم في صورته القائمة على الاحتلال العسكري أن الحركات الإسلامية- أو قل الفكرية الإسلامية وحدها- هي التي تستطيع أن تعبئ الجماهير وتحشدها في تشكيلات تنظيمية واسعة النطاق. وهذا ما يراد منعه ويتعين تفاديه من قبل قوى الاستبداد الداخلية في أقطارنا ومن البلاد الغربية التي تستهدف السيطرة على مصائرنا. ولقد أكدت هذا المعنى ثورات الربيع العربي عامة –وبالأخص ثورة 25 يناير- التي أظهرت أن العلمانية حينما يتاح لها فرصة التشكيلات التنظيمية فإنها تفشل تماما في إقامة أي تشكيل سياسي شعبي، ولم ينجح قط حتى في الانتخابات التي تجرى إلا التشكيلات ذات المرجعية الإسلامية. وهذان هما الوجهان اللذان تتعامل معهما السياسة الأمريكية بإظهار أنها ليست ضد التيارات الإسلامية الوسطية المعتدلة، في الوقت نفسه تشجع الحكومات القُطْرية على محاربتها والقضاء عليها.[[8]]

خلاصة الأمر، أن المواقف العلمانية المؤيدة للطغاة في بلادنا إنما تستند إلى ثلاثة جذور: الأول، علمانية عقدية ترفض الإسلام ذاته وترفض الاحتكام إلى مبادئه وأحكامه، وترفض أن يكون له دور في الحياة؛ وبالتالي هم يحاربون التيارات والحركات الشعبية والسياسية المنظمة الداعية لحكم الإسلام ويبروون سحقها بوصفه عملا بطوليا لحماية الدولة نفسها من الإرهاب الإسلامي. الثاني، هو موقف نفعي يقوم على أساس الصفقة المشبوهة بين السلطة العسكرية المستبدة من جهة والرموز والقوى العلمانية بوصفهم يؤدون دورا مهما في إضفاء شرعية ثقافية على السلطة ومواقفها؛ لذلك تفتح لهم الدولة أبواب المناصب الحساسة في مؤسسات الدولة الإعلامية (صحف ومواقع وفضائيات ــ دراما ــ سينما) والثقافية والحكومية، ويتم تضخيمهم إعلاميا رغم أنهم تقريبا بلا شعبية تذكر. فوجود ديمقراطية حقيقية يعني صدارة الإسلاميين للمشهد، ودخول العلمانية في غيبوبة الموت؛ وهم يفضلون موت الوطن ودماره مع الدكتاتورية على موت أفكارهم البالية المعادية للإسلام في  جوهرها. ورغم ذلك فلا يجب التعميم مطلقا؛ لأن التجربة برهنت على وجود رموز علمانية تملك ضميرا يقظا وحسا وطنيا كبيرا ونبلا يضرب به المثل في الإنسانية والانتماء للوطن. ومع هؤلاء يجب إدارة حوار (إسلامي ـ علماني) من أجل مصر وحاضرها ومستقبلها؛ فالمستقبل لهم دون غيرهم.   الثالث، أن العسكر والعلمانيين ينفذون أجندة الغرب بشأن تجذير العلمانية في بلادنا وسحق التيارات الإسلامية التي تملك حاضنة شعبية معتبرة يمكن أن تمثل تهديدا للنفوذ والمخططات الغربية التي تستهدف مصر والمنطقة؛ لذلك ورغم كل الآيات والبراهين التي كشفت السيسي ونظامه العسكري، تندهش عندما ترى كتابا كنا نظن بهم خيرا لا يزالون تشبثون بالحكم العسكري ويشجعون بشدة دعوة السيسي للحوار من أجل ترميم تحالف 30 يونيو (العسكر ــ العلمانيون) بوصفه الغطاء المدني لانقلاب 03 يوليو وتبييص صورة النظام العسكري  ومواجهة جماعة الإخوان التي فازت بثقة الشعب المصري في أنزه انتخابات في تاريخ مصر.[[9]]  وحتى اليوم لا يخجل العلمانيون من التحريض والمشاركة في جريمة انقلاب 03 يوليو، بل يفتخرون بذلك بوصفه بطولة لحماية الدولة والوطن، من خطر الإرهاب الإسلامي؛ وهم بذلك يتسقون تماما مع أفكارهم وتصوراتهم التي تعلو فيها العلمانية على الإسلام، بل تمثل بديلا له.

 

 

————————————–

[1] وائل قنديل/ مرسى يحاور مرسى/ الشروق ــ الخميس 28 فبراير 2013

[2] طه العيسوي / بهي الدين حسن: حوار السيسي مسرحية تبحث عن كومبارس/ “عربي 21” ــ الخميس، 12 مايو 2022

[3] وائل قنديل/ حوار وطني تحضيرًا لامتحان بايدن/ العربي الجديد ــ 11 مايو 2022

[4] فهمي هويدي/ فى تفسير رفض الحوار/ الشروق ــ الخميس 31 يناير 2013

[5] أحمد ماهر/ للأسف كنت أعلم/ مصر العربية ـ 13 مايو 2014

[6] https://www.youtube.com/watch?v=u_YAJU1_ANQ

[7] فريق العمل/ طارق البشري لـ«إضاءات»: موقف الدولة من تيران وصنافير لم أره في حياتي/ إضاءات ــ 18 يونيو 2017م

[8] فريق العمل/ طارق البشري لـ«إضاءات»: موقف الدولة من تيران وصنافير لم أره في حياتي/ إضاءات ــ 18 يونيو 2017م

[9] انظر ما كتبه رئيس تحرير الشروق عماد الدين حسين/ إعادة الروح لتحالف 30 يونيو/ الشروق ــ الثلاثاء 24 مايو 2022

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

قُبيل زيارة السيسي لقطر.. مصر تُفرج عن متمرد تشادي

قبل زيارة السيسي لقطر؛ تداولت أخبار عن صدور عفو رئاسي عن متمرد تشادي يُدعى توم أرديمي كان …