‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر بيان جمال مبارك.. ترميم لسمعة العائلة أم تمهيد للعب دور سياسي
مصر - يونيو 15, 2022

بيان جمال مبارك.. ترميم لسمعة العائلة أم تمهيد للعب دور سياسي

بيان جمال مبارك.. ترميم لسمعة العائلة أم تمهيد للعب دور سياسي

 

قراءة في البيان ودلالاته

أعلن نجل الرئيس الأسبق حسني مبارك انتهاء جميع إجراءات التقاضي الدولية التي بدأت عقب تنحي والده عن السلطة في عام 2011، إثر ثورة 25 يناير، معتبراً أن إغلاق هذا الملف، بمثابة إعلان براءته وأسرته من كافة اتهامات الفساد والتربح واستغلال النفوذ والسلطة التي لاحقت الأسرة منذ منتصف العقد الأول من الألفية الحالية، وحتى إطاحتها عن السلطة والنفوذ عقب الثورة[1]. جاء ذلك خلال الفيديو الذي استمر لمدة 22 دقيقة، بعنوان “بيان صحفي من أسرة الرئيس مبارك بشأن الاختتام الناجح لجميع الإجراءات القضائية الدولية الخاصة بالأسرة”، والذي نشر بتاريخ 17 مايو 2022[2].

وكانت المحكمة العامة للاتحاد الأوروبي، قد أعلنت في السادس من أبريل هذا العام، أن التدابير التقييدية التي فرضها مجلس الاتحاد الأوروبي على الأسرة كانت غير قانونية منذ البداية، وذلك بعد انتهاء إجراءات التحقيق والتي استمرت لما يزيد عن 10 سنوات[3]. بعدها أفرجت مؤسسات مالية أوروبية عديدة عن مئات الملايين من الدولارات كانت محتجزة لديها انتظارا للموقف القضائي لأسرة مبارك، منها 430 مليون دولار لدى البنوك السويسرية وحدها، وقد أفرج عن الأموال المحتجزة “بعد سنوات من مناشدات عديدة اصدرتها مؤسسات قضائية أوروبية للسلطات المصرية للتقدم بما يثبت جمع أسرة الرئيس السابق تلك الملايين من خلال استغلال النفوذ والفساد، فيما تقاعست السلطات المصرية عن تقديم مثل تلك المستندات”، بعدما وجدت المحكمة العامة للاتحاد الأوروبي، أن الإجراءات التقييدية التي فرضها مجلس الاتحاد الأوروبي على عائلة مبارك كانت غير قانونية، في 6 أبريل الماضي[4].

بداية القصة كان في أعقاب ثورة يناير، عندما بدأت التحقيقات في سويسرا، مع 14 مشتبها، من بينهم نجلا مبارك، بالإضافة إلى 28 شخصا و45 كيانا قانونيا صودرت أصولهم، وذلك بعد أن قدمت طلبات من مصر من أجل استعادة الأموال التي استولى عليها هؤلاء خلال فترة وجودهم في السلطة، لكن هذه القضايا انتهت في 2017 دون نجاح؛ فمنذ 2017 أنهت اتفاقيات المصالحة والعديد من أحكام البراءة في مصر القضايا المتعلقة بالأطراف الرئيسية، وسحبت مصر مطالباتها المتعلقة بهؤلاء الأشخاص، وبالتالي كان الحكم الأخير الصادر عن المحكمة العامة للاتحاد الأوروبي بإلغاء التدابير التقييدية على الأسرة، ثم قرار الادعاء العام الاتحادي في سويسرا، في مايو 2022، بإغلاق التحقيق نهائياً الذي استمر لـ 11 عام والمتعلق بالاشتباه في غسل أموال[5]، بمثابة كلمة الختام في هذه القصة.

ما المهم في هذه المسألة؟ المثير للاهتمام في هذه القضية يتمثل في الدلالات السياسية للبيان الذي تلاه نجل الرئيس، فمن جهة أولى؛ هل حرص جمال مبارك على إبراء ذمته مؤشر على رغبته في العودة للمجال السياسي ولعب دور سياسي ما خلال الفترة المقبلة، أم أن البيان محاولة لترميم الصورة المهترئة لعائلة مبارك ومحاولة لإبراء الذمة بعد إغلاق التحقيقات في دول الاتحاد الأوروبي. من جهة ثانية: إن كان نجل الرئيس الأسبق يتحضر للعب دور سياسي ما خلال الفترة المقبلة فهل ذلك ممكناً، وهل ثمة فرصة حقيقية لعودته للمجال السياسي، ثم ما هي التحديات التي قد تواجهه إن كانت العودة للمجال السياسي هي هدفه. من جهة ثالثة: ما هي دلالة التوقيت، ولما أختار مبارك الأبن هذا الوقت بالذات ليخرج للناس عبر هذا البيان. من جهة أخيرة: هل من الممكن أن تكون هناك جهات دفعت جمال مبارك لمحاولة العودة للمجال السياسي. هذه هي النقاط التي دفعت للاهتمام بهذا الحدث، والتي سنحاول معالجتها خلال هذه السطور.

هل يبشر البيان بعودة نجل الرئيس إلى المجال السياسي:

أثار البيان الذي أدلى به جمال مبارك التساؤل بشأن المراد منه، هل هو مجرد تجميل للصورة المشوهة لعائلة مبارك في تصور المصريين، أم تمهيداً لعودة نجل الرئيس الأسبق للمجال السياسي، وقد انقسمت الآراء حيال هذا السؤال إلى رأيين.

الرأي الأول: أن هذا التحرك إنما يأتي “بتشجيع داخلي وخارجي”، ويشير إلى أن جمال مبارك يجهز نفسه للعب دور سياسي، وأن استخدام اللغة الإنجليزية في البيان فيه رسالة للخارج “لإثبات وجوده بالمشهد السياسي بدعم من أجهزة مخابرات خارجية”[6]، و”عدم وجود موانع أمام مشاركته في المشهد المصري”، كما يستهدف المزيد من إتاحة حرية الحركة لفلول مبارك بالداخل عبر المشاركة في حركة المجتمع[7].

لعل مما يدعم هذا الرأي أن البيان جاء بعد ما يزيد عن شهر من قرار المحكمة الأوروبية الذي صدر البيان في الأساس للتعليق عليه. وفق ذات الإطار هناك من اعتبر أن ظهور جمال مبارك جاء لـ “يقيس شعبيته ويتابع ردود الفعل، وينتظر ما سيفعله النظام المصري حيال ذلك الظهور، وبالتأكيد، ينتظر رسائل واتصالات من جهات دولية ترى أنه شخصية صالحة للرهان عليها كرقم في المعادلة المصرية”[8].

الرأي الثاني: أن ليس هناك دلالة سياسية للبيان، إنما هو محاولة لإعلان البراءة وللاحتفاء بقرار رفع الحظر عن أموال الأسرة، وكرد على “على وسائل الإعلام الدولية التي تبنت التهم الموجه ضد الأسرة”[9]، خاصة أن “أن فرص جمال مبارك للترشح والمنافسة في الانتخابات المتوقع أن تجرى في منتصف عام 2024 شبه معدومة في ظل إحكام السيطرة على مركز الحلبة السياسية، وحتى على هوامشها التي أصبحت مغلقة”، كذلك يصعب التعويل على الدعم الشعبي؛ فالاهتمام الذي أثاره البيان على مواقع التواصل الاجتماعي، لا يحوي رسالة دعم له أو يفتح أمامه الطريق للعودة إلى الفضاء العام، لكنه يشير إلى ارتفاع منسوب الغضب من سياسات النظام المصري الراهن[10].

عودة جمال مبارك للمجال السياسي.. الفرص والمخاطر:

من الناحية القانونية: بعد ثورة يناير، وجهت اتهامات عديدة للرئيس الأسبق مبارك ونجليه، تنوعت بين قتل المتظاهرين خلال أحداث الثورة، والفساد ونهب المال العام، والتلاعب بالبورصة، والكسب غير المشروع، وغيرها كثير، إلا أنها انتهت كلها ببراءة مبارك ونجليه، فيما عدا القضية المعروفة إعلاميا بقضية “القصور الرئاسية”، فهي القضية الوحيدة التي صدر بحق مبارك وأبنائه حكمًا باتًا، فقد أدينوا فيها بسجن كل منهم 3 سنوات مع تغريمهم 125 مليون جنيه، ورد 21 مليون جنيه لخزانة الدولة، وأيدته محكمة النقض في يناير 2016 وبالتالي بات الحكم نهائيًا[11]. فهل يمنع هذا الحكم القضائي جمال مبارك من مباشرة حقوقه السياسية؟

ثمة وجهتي نظر؛ الأولى: ترى أن هذه القضية تمنع جمال مبارك من الترشح نهائياً في الانتخابات[12]، حتى بعد مرور أكثر من 6 سنوات على الحكم الذي تسبب في حرمانهم من مباشرة حقوقهم السياسية؛ فلا يزال نجل الرئيس مطالباً بتقديم ما يعرف بـ “طلب رد اعتبار” لممارسة العمل السياسي واستعادة حق الترشح أو تولي مناصب عامة، ولا يمكنه ممارسة أي حق سياسي إلا بعد موافقة محكمة مصرية، هو ما يجعل الأمر مستبعداً في الوقت الراهن[13]. وجهة النظر الثانية: تفيد أن تلك الجرائم تسقط بعد مرور 5 سنوات من صدور الحكم، ومن ثم يحق له الترشح في كل الاستحقاقات التالية لـ2020[14].

لكن بمراجعة قانون مباشرة الحقوق السياسية، وبموجب أحكام البند 6 من المادة الثانية من القانون 45 لسنة 2014، فإن حرمان نجل الرئيس من مباشرة حقوقه السياسية يكون لمدة 5 سنوات تبدأ من تاريخ صدور الحكم الذي تسبب في الحرمان من مباشرة الحقوق السياسية [15]. بالتالي فإن عودة جمال مبارك إلى ممارسة العمل السياسي في مصر لم تعد تواجه عقبات قانونية[16].

جدير بالذكر أن أسرة الرئيس مبارك حاولت “رد الاعتبار” في قضية القصور الرئاسية، القضية الوحيدة التي أدين فيها الرئيس ونجليه أمام القضاء المصري، إلا أن هذه المحاولات انتهت بالفشل بعد عدم قبول محكمة النقض عرض الطلب المقدم من أسرة مبارك بالتصالح في القضية. ولو قبلت المحكمة الطلب؛ لصدر حكم جديد بانقضاء الدعوى بالتصالح، ورفعت الآثار التي رتبها الحكم ضد مبارك ونجليه بمنعهم من مباشرة حقوقهم السياسية لمدة 6 سنوات[17]. إلا أن هذا الحرص على رد الاعتبار في تلك الفترة غذى التكهنات التي يرى أصحابها أن جمال مبارك يريد العودة إلى ممارسة الحياة السياسية، وقد نشرت وسائل إعلام محلية مصرية وقتها تصريحات نُسبت لمبارك الأب، قال فيها إن “جمال ابني إذا ترشح في انتخابات الرئاسة سيكتسح”، كما نُشرت صور متعددة لجمال وشقيقه علاء وهما يتجولان في القاهرة ويحضران مناسبات خاصة[18]، جرى ذلك في مطلع 2018، مع نهاية الفترة الرئاسية الأولى للرئيس عبد الفتاح السيسي[19].

يجب الأخذ في الاعتبار أن عدم إدانة عائلة الرئيس مبارك أمام القضاء ليس دليل براءة، إنما تأكيد على وجود حالة من التواطؤ الصامت بين أجهزة الدولة بموجبه يتم حماية المسئولين الكبار السابقين من المساءلة القانونية أو الملاحقة القضائية مهما كانت تجاوزاتهم، هذا التواطؤ هو بمثابة عرف متفق عليه، وهو العرف الذي استمر على الالتزام به الرئيس الحالي. وفق نفس المنطق فإن عودة جمال مبارك للحياة السياسية لن يكون سوى نتيجة مواءمات داخلية مماثلة تتم في الغرف المغلقة، أما القضاء فهو مجرد أداة يتم استحضارها إذا كان هناك داعي لذلك، أو في حال عجزت المواءمات الداخلية عن الوصول لنقطة اتفاق أو تقريب وجهات النظر بين حكام اليوم وحكام الأمس من أبناء دولة يوليو 1952.

من الناحية السياسية: من جهة أولى، فإن السيسي لن يسمح لجمال مبارك أن يمثل خطورة على فرصه في الاستمرار في الحكم، وسيلجأ في سبيل الحيلولة دون ذلك إلى “زرع الأشواك القانونية من خلال إحياء قضايا قديمة وإعادتها للأضواء مرة أخرى بما يدفع نجل الرئيس الراحل إلى التفكير أكثر من مرة في الإقدام على مثل هذه الخطوة[20]“، مع احتمال اللجوء للأدوات القمعية، وهو مسار غير مستبعد، فقد سبق واستخدم نظام السيسي الأدوات القمعية في التعامل مع سامي عنان رئيس أركان حرب القوات المسلحة، والفريق أحمد شفيق قائد القوت الجوية سابقاً ورئيسا للوزراء، ومع العقيد أحمد قنصوه بعدما نشر في 2017، على حسابه على موقع فيسبوك، مقطع فيديو بزيه العسكري، قال فيه إنه يرغب في خوض الانتخابات الرئاسية في مصر.

وفي هذا السياق فقد ذكرت تقارير صحفية أن هناك استياء داخل الدائرة المحيطة بالرئيس السيسي من التسهيلات التي قدمتها الإمارات لعائلة مبارك؛ فما كان للسلطات المصرية أن تسمح بسفر عائلة مبارك لتقديم واجب العزاء في وفاة الشيخ خليفة بن زايد بدون تدخل إماراتي، فقد رفضت القاهرة سابقاً طلب أسرة مبارك بالسفر إلى الكويت في عام 2020، لتقديم واجب العزاء بوفاة أمير الكويت السابق الشيخ صباح الأحمد الجابر، وهو ما يعني أن القاهرة تتعامل بحساسية مع تحركات النجل الأصغر للرئيس مبارك، وأن الذهاب للعزاء في الإمارات ثم البيان الأخير لم يكن ليتم بدون تدخلات خارجية، بالتالي لن يقف النظام المصري مكتوف الأيدي إن بدأ يستشعر أن نجل الرئيس السابق يشكل مصدر خطر حقيقي، خاصة أن الرئيس والمجموعة المحيطة به تعتقد أن أحلام الرئاسة لا تزال تراود جمال مبارك، وذلك لا يعني بالضرورة أن السيسي يخشى أن يكون جمال مبارك بديله في مقعد الرئاسة، لكنه قد يشير إلى تخوف السيسي من رواج فكرة أن الرأي العام المصري يبحث عن بديل للنظام القائم[21]، أو أن تكون فكرة استبدال السيسي موضع للأخذ والرد ومجال للتفكير بين الناس وأصحاب النفوذ.

من جهة ثانية: فإن المؤسسة العسكرية من المرجح أنها ستعارض وصول جمال مبارك لكرسي الحكم[22]، فما عارضته في 2011، في الغالب لن تقبله في 2022، فالعسكريين لن يقبلوا بوجود مدني في أعلى سلطة في البلاد، وعلى رأس المؤسسة العسكرية، ولا يبدو كذلك أن المؤسسة العسكرية قد أدركت بعد تكلفة الحكم بصورة مباشرة مما يدفعها للقبول بوصول مدني لكرسي الحكم، حتى وإن كان ثمة توافقات بين الجانبين.

من زاوية أخيرة، فإن جمال مبارك لا يتمتع بشعبية حقيقية بين الناس، بعد 30 سنة كانت أكثرها معاناة قضاها المصريين تحت حكم مبارك الأب[23]، أما اهتمام المصريين بالبيان فهو استياء من الوضع المتردي الذي بات يعاني منه ملايين المصريين في ظل النظام الحالي، كأن هذا الاهتمام نكاية في النظام الحالي وتصويت على شعبيته، وما كان بيان مبارك سوى فرصة أتاحت للناس ذلك.

دلالة التوقيت:

ثمة سياقات خدمت البيان الذي أدلى به نجل الرئيس مبارك وأعطته دلالات سياسية ما كان البيان ليأخذها لو جاءت في سياق آخر، من هذه السياقات؛ (1) أن البيان جاء مساوقاً لدعوة نظام السيسي لحوار سياسي يشمل كل القوى السياسية، لذلك اعتبر البعض أن جمال مبارك رأى في الدعوة للحوار فرصة للعودة للمجال السياسي، ليس كبديل للرئيس وإنما كجزء من مجموعة الحكم[24]، وأن نجل الرئيس الراحل يعرض خبراته الاقتصادية بشكل غير مباشر على القيادة السياسية، خاصة مع ما له من اهتمام خاص بالجوانب الاقتصادية؛ فهو من وضع مع مجموعته “الحرس الجديد” في الحزب الوطني الديمقراطي المنحل العديد من البرامج والمشروعات التي تبنتها السلطة الحالية من دون إشارة إلى علاقته بها، ومن أبرزها خطة القاهرة 2050، التي يجري تنفيذها الآن بتسارع كبير[25].

(2) جاء البيان في وقت كان أبناء الرئيس متواجدين بالإمارات، للمرة الأولى، منذ تنّحي والدهما في عام 2011، وبعد رفع اسمه وأخيه من قوائم المنع من السفر، وهو ما يعني أن نجلي الرئيس يتوقعان أن يثير البيان ردود فعل غاضبة من جانب القائمين على السلطة. كما أن بث البيان أثناء تواجد ابني الرئيس الأسبق في الإمارات قد يعني أن موعد بث الخطاب كان متعمداً من الجانب الإماراتي، ليس لدعم جمال مبارك بشخصه كمنافس في الانتخابات الرئاسية المقبلة، ولكن لتوصيل رسالة إلى السيسي بأن أبوظبي تملك القدرة على تقديم مرشحين ومنافسين أقوياء وطرح بدائل مقنعة للشارع المصري.

(3) جاء البيان في توقيت وصل السخط الشعبي إلى مستويات غير مسبوقة جراء السياسات القاسية التي لا يُعنى صانعوها بتداعياتها السلبية على الغالبية العظمى من المواطنين، وفي وقت بات المواطنون يتحسرون بالفعل على فترة حكم الرئيس مبارك باعتبارها أفضل بكثير من الوضع الحالي الذي تمر به البلاد، وفي وقت وصل فيه الوضع الاقتصادي المصري إلى دركات غاية في السوء جراء مخلفات فيروس كورونا على الاقتصاد المصري والعالمي، وجراء الأزمة الروسية الاوكرانية وتأثيراتها على الاقتصاد العالمي الذي لم يتعافى بعد من تأثيرات فيروس كورونا، وجراء سياسات الاقتراض غير الرشيدة.

هل هناك جهات تقف وراء التحركات الأخيرة لجمال مبارك:

احتمالية وجود دعم خارجي:

ثمة من يرى أن الإمارات تقف بقوة وراء تحركات جمال مبارك الأخيرة، خاصة أن أبو ظبي كانت خلال السنوات الأخيرة عراب التغيير في المنطقة، وفق هذا التصور فإن الزيارة “شبه الرسمية” التي قام بها جمال مبارك للإمارات يوم 16 مايو الحالي ليعزّي الشيخ محمد بن زايد في وفاة أخيه الشيخ خليفة، قبل يوم واحد من نشر الفيديو، يعد مؤشر على دعم أبو ظبي لموقف جمال مبارك، خاصة مع الأخذ في الاعتبار وجود مؤشرات على خلاف في وجهات النظر بين القيادة المصرية والتوجه الخليجي في بعض الملفات[26]. وعليه ربما يكون مبارك الابن في خطوته تلك كان مدعوماً بالفعل من قوى خليجية.

مع الأخذ في الاعتبار أن دعم أبو ظبي لجمال مبارك لا يعني بالضرورة أن الإمارات تدفع باتجاه ترشيح نجل الرئيس الأسبق كبديل للسيسي، فقد يكون الهدف هو الضغط على الرئيس المصري للحصول على أكبر قدر من المصالح بأقل سعر ممكن؛ خاصة مع قرار القاهرة بيع أصولها بما يجلب لها 10 مليارات دولار سنوياً و15 مليار دولار في العام الحالي، والإمارات لديها رغبة في شراء المزيد من الأصول المصرية[27].

في المقابل هناك من يشكك في وجود دعم إماراتي لتحركات جمال مبارك الأخيرة، ويفيد أن الزيارة ليست مفاجئة، ولا يمكن تحميلها أكثر مما تحتمل؛ فإن “كل أفراد أسرة مبارك تربطهم علاقات شخصية قوية للغاية مع أسرة آل نهيان الحاكمة في أبوظبي منذ أن أظهر الجانب الإماراتي احترامه البالغ للرئيس الراحل ومحاولته التوسط عبر وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد عام 2011، لاستضافة مبارك في أبوظبي في أعقاب اندلاع ثورة يناير”، بالتالي فالزيارة للعزاء والتهنئة طبيعية، والاستقبال الحافل من جانب أبو ظبي منطقياً أيضاً. وأن نجل الرئيس خلال زيارته لم يتطرق للشأن المصري من قريب أو من بعيد، وأن الربط بين الفيديو والزيارة فكر تأمرياً، وأن البيان موجه للاتحاد الأوروبي لذلك جاء بالإنجليزية، و”حتى فقرته الأخيرة التي يتحدث فيها بالعربية كانت فكرة من المخرج لتمصير الفيديو ليس إلا”[28].

إمكانية وجود قوى داخلية داعمة:

هناك احتمالين؛ الأول: أن تكون هناك قوى داخلية تحاول إقحام جمال مبارك في المشهد السياسي المصري في الوقت الراهن، ويبقى هذا الاحتمال ممكناً وإن كان ضعيفاً؛ فعائلة الرئيس تتمتع باتصالات واسعة وعلاقات هامة مع جهات لها وزنها سواء في الداخل أو في الخارج، بالتالي يصعب التلاعب بها من قبل أجهزة أو قوى داخلية. الاحتمال الثاني: أن تكون هناك قوى داخلية بالفعل يداعبها أمل أن يأتي التغيير من جانب بقايا دولة مبارك، وعلى يد ابنه الأصغر، خاصة أن هناك كثير من المتضررين من سياسات النظام الحالي الذي فتح المجال أمام تمدد الجيش في كل المساحات على حساب الجميع، ومن الممكن أن تكون هناك قوى من داخل جهاز الدولة ترى أن تكلفة استمرار النظام الحالي عالية للغاية، وقد تسفر عن نتائج كارثية، بالتالي تبحث عن أي نافذة للتغيير. ليس بالضرورة أن يكون هناك اتصال مباشر بين أبناء مبارك وهذه المجموعات، بل قد يكون هناك اتصال صامت بين الجانبين؛ حيث تبارك هذه المجموعات تحركات نجل الرئيس، وفي الوقت ذاته يتحرك جمال مبارك وهو يدرك أن هناك قوى تدعمه وستتحرك لصالحه عندما يحتاجها وتكون الظروف مواتية.

الخاتمة:

حاول التقرير قراءة دلالات البيان الأخير الذي أدلى به نجل الرئيس الأسبق مبارك، والسياقات والتحركات التي واكبت البيان مثل زيارة عائلة مبارك للإمارات، وخروجها من مصر للمرة الأولى منذ 2011. وقد استعرض التقرير الآراء المختلفة حول الدلالات السياسية للبيان، وعن فرص عودة جمال مبارك للمجال السياسي وعن التحديات التي تعيق هذه العودة، وعن احتمالية وجود قوى خارجية أو وطنية وراء تحركات نجل الرئيس الأخيرة، كما تناول التقرير دلالة التوقيت الذي ظهر فيه البيان.

في الأخير، من المحتمل بصورة كبيرة أن يكون البيان جزء من محاولات نجل الرئيس مبارك للعودة إلى المجال السياسي، وأن تكون هناك قوى تقف بالفعل وراء هذه المحاولات وتدعم الطموحات السياسية لجمال مبارك. وفي هذه الحالة يفترض أن قوى المعارضة ستؤيد محاولات جمال مبارك باعتبارها فرصة لحلحلة الوضع الآسن القائم، خاصة أن قوى المعارضة يبدو أنها لا تملك القدرة على تغيير الوضع القائم بنفسها وبجهدها الخاص، بالتالي فإن أي تغيير حقيقي في الترتيبات القائمة لن يكون إلا من خلال قوى محسوبة على جهاز الدولة. وهذا التغيير في حال وقوعه سيتيح الفرصة أمام قوى المعارضة لالتقاط الأنفاس واستعادة فاعليتها مجدداً حتى وإن كان في مساحات هامشية أو محدودة. ولعل ظهور جمال مبارك في هذا التوقيت كان متوقعا من جانب السلطة، وبالتالي كان أحد أسباب دعوتها للحوار السياسي مع قوى المعارضة.

 

[1] ياسمين محمد، جمال مبارك… فن اصطياد اللحظة، رصيف 22، تاريخ النشر: 18 مايو 2022، شوهد في: 7 يونيو 2022، الرابط: https://tinyurl.com/299e59vh

[2] سمير درويش، بيان جمال مبارك… خاتمة لصراعات قديمة أم بداية لجولات جديدة؟، رصيف 22، تاريخ النشر: 19 مايو 2022، شوهد في: 7 يونيو 2022، الرابط: https://tinyurl.com/24csnpx2

[3]  CNN بالعربية، “انتصرنا في معركتك الأخيرة”.. جمال مبارك يوجه كلمة لوالده في بيان عن انتهاء إجراءات التقاضي الدولية، تاريخ النشر: 17 مايو 2022، شوهد في 8 يونيو 2022، الرابط: https://tinyurl.com/2ahg3rba

[4] ياسمين محمد، جمال مبارك… فن اصطياد اللحظة، رصيف 22، مرجع سابق.

[5] سويس إنفو، عائلة حسني مبارك تعلن انتهاء كل القضايا المرفوعة ضدها بتبرئة ساحتها، تاريخ النشر: 17 مايو 2022، شوهد في: 8 يونيو 2022، الرابط: https://tinyurl.com/23f4aeks

[6] الحرة، فيديو جمال مبارك.. احتفال بالبراءة أم تمهيد للعودة إلى السياسة؟، تاريخ النشر: 18 مايو 2022، شوهد في: 8 يونيو 2022، الرابط: https://tinyurl.com/28lpjzgj

[7] العرب، جمال مبارك يستثمر سياسيا في تبرئة القضاء الأوروبي لأسرته، تاريخ النشر: 20 مايو 2022، شوهد في: 8 يونيو 2022، الرابط: https://tinyurl.com/2adrsdjg

[8] هاني محمد، جمال مبارك… لماذا عاد بطل “سيناريو التوريث”؟، موقع درج، تاريخ النشر: 20 مايو 2022، شوهد في: 8 يونيو 2022، الرابط: https://tinyurl.com/23kno65d

[9] الحرة، فيديو جمال مبارك.. احتفال بالبراءة أم تمهيد للعودة إلى السياسة؟، مرجع سابق.

[10] العرب، جمال مبارك يستثمر سياسيا في تبرئة القضاء الأوروبي لأسرته، مرجع سابق.

[11] أحمد أبو النجا، “القصور الرئاسية”.. حكاية قضية رفضت فيها المحكمة “التصالح” مع مبارك ونجليه، مصراوي، تاريخ النشر: 22 سبتمبر 2018، شوهد في: 7 يونيو 2022، الرابط: https://tinyurl.com/2be6jt87

[12] نون بوست، أموال عائلة مبارك ستبقى ورقة ضغط لوأد طموح جمال السياسي، تاريخ النشر: 24 مايو 2022، شوهد في: 7 يونيو 2022، الرابط: https://tinyurl.com/258p9vnp

[13] هاني محمد، جمال مبارك… لماذا عاد بطل “سيناريو التوريث”؟، موقع درج، مرجع سابق.

[14] نون بوست، أموال عائلة مبارك ستبقى ورقة ضغط لوأد طموح جمال السياسي، مرجع سابق. أنظر أيضاً: اليوم السابع، لهذه الأسباب.. علاء وجمال مبارك محرومان من ممارسة الحياة السياسية، تاريخ النشر: 15 نوفمبر 2016، شوهد في: 8 يونيو 2022، الرابط: https://tinyurl.com/28r2zlc6

[15] منشورات قانونية، إصدار قانون رقم 45 لسنة 2014 بتنظيم مباشرة الحقوق السياسية، شوهد في: 7 يونيو 2022، الرابط: https://tinyurl.com/y4x8kou8

[16] عربي بوست، بعد بيان “البراءة”.. هل يحق لجمال مبارك العودة لممارسة العمل السياسي أم لا؟، مرجع سابق.

[17] أحمد أبو النجا، “القصور الرئاسية”.. حكاية قضية رفضت فيها المحكمة “التصالح” مع مبارك ونجليه، مصراوي، تاريخ النشر: 22 سبتمبر 2018، شوهد في: 7 يونيو 2022، الرابط: https://tinyurl.com/2be6jt87

[18] أخبارك، 2022.. رجوع جمال مبارك للقصر الرئاسى، شوهد في: 7 يونيو 2022، الرابط: https://tinyurl.com/29jnmbhp

[19] عربي بوست، بعد بيان “البراءة”.. هل يحق لجمال مبارك العودة لممارسة العمل السياسي أم لا؟، تاريخ النشر: 18 مايو 2022، شوهد في: 7 يونيو 2022، الرابط: https://tinyurl.com/27ppy29p

[20] نون بوست، أموال عائلة مبارك ستبقى ورقة ضغط لوأد طموح جمال السياسي، مرجع سابق.

[21] العربي الجديد، انزعاج مصري من تسهيلات إماراتية لأسرة مبارك، تاريخ النشر: 21 مايو 2022، شوهد في: 9 يونيو 2022، الرابط: https://tinyurl.com/28xqqlqj

[22] الأخبار اللبنانية، مصر | جمال مبارك على هيئة رَجل دولة: طموحات الماضي… حاضرة، تاريخ النشر: 20 مايو 2022، شوهد في: 9 يونيو 2022، الرابط: https://tinyurl.com/24yfjwov

[23] سمير درويش، بيان جمال مبارك… خاتمة لصراعات قديمة أم بداية لجولات جديدة؟، رصيف 22، مرجع سابق.

[24] محمد سعد عبد الحفيظ، انتصار “بونج بونج” وفرص جمال مبارك، مصر 360، تاريخ النشر: 26 مايو 2022، شوهد في: 8 يونيو 2022، الرابط: https://tinyurl.com/2a6qx26c

[25] ياسمين محمد، جمال مبارك… فن اصطياد اللحظة، رصيف 22، مرجع سابق.

[26] سمير درويش، بيان جمال مبارك… خاتمة لصراعات قديمة أم بداية لجولات جديدة؟، رصيف 22، مرجع سابق.

[27] عربي بوست، نشر الخطاب وسافر للإمارات دون تنسيق مسبق مع السلطات.. ماذا وراء ظهور جمال مبارك في هذا التوقيت؟، تاريخ النشر: 20 مايو 2022، شوهد في: 8 يونيو 2022، الرابط: https://tinyurl.com/2y4vlsds

[28] المرجع السابق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

قُبيل زيارة السيسي لقطر.. مصر تُفرج عن متمرد تشادي

قبل زيارة السيسي لقطر؛ تداولت أخبار عن صدور عفو رئاسي عن متمرد تشادي يُدعى توم أرديمي كان …