‫الرئيسية‬ إفريقيا شيخ محمود من الإمارات إلى تركيا
إفريقيا - يوليو 22, 2022

شيخ محمود من الإمارات إلى تركيا

شيخ محمود من الإمارات إلى تركيا

 

يعيش الشارع الصومالي مجموعة من الأزمات الطبيعية والأمنية التي تعرقل الجهود الداخلية والخارجية لانتشال البلد من الأزمات التي لطالما رافقته طيلة ثلاثة عقود. الأمر الذي يضع الرئيس الصومالي الجديد حسن شيخ محمود أمام تحدٍّ كبير لمواجهة تلك الأزمات. وهو الرجل الذي أعلن انفتاحه على الجميع منذ توليه المنصب في 15 مايو الماضي. وفي هذا الإطار جاءت تحركات شيخ محمود الأخيرة في النطاق الإقليمي لمحاولة حل أزماته الداخلية، فكانت زياراته لكلٍّ من الإمارات ثم تركيا. فما هو وضع العلاقات بين الصومال وكلٍّ من تركيا والإمارات؟ وما هي أهداف ونتائج تلك الزيارتين؟ تلك هي التساؤلات التي سنسعى للإجابة عليها خلال هذا التقرير..

 

أولًا: الصومال وتركيا:

تعتبر تركيا منذ مطلع العام 2002 إحدى الدول التي تجمعها علاقة استراتيجية مع الصومال، فبحلول عام 2016 وقَّعت تركيا مع الصومال اتفاقيات تجارية واقتصادية شملت قطاعات عدة. بينها اتفاقيات في نمو التجارة الثنائية بين البلدين من 6 ملايين دولار عام 2010 إلى 80 مليون دولار عام 2017. وبهدف تعزيز النمو الاقتصادي الصومالي في ظل الحروب والمشاكل السياسية، سدَّدت تركيا في نوفمبر 2020 ديون الصومال المتأخرة لصندوق النقد الدولي والمقدرة 2.4 مليون دولار لتخفض أعباء الديون المفروضة على الصومال من 5.2 مليارات إلى 3.7 مليارات دولار حاليًا. كذلك تظل تركيا تقدم سنويًا منحة مالية لدعم ميزانية الصومال قدرها 2.5 مليون دولار شهريًا من أجل تعزيز المؤسسات الصومالية. هذا فيما تضاعفت فرص التعاون الاقتصادي في مختلف المجالات بين تركيا والصومال في ظل اهتمام القطاع الخاص التركي بالاستثمار في الصومال، بالإضافة إلى إنشاء القاعدة التركية في العام 2017 التي تطل على البحر الأحمر بغرض تدريب الجيش الوطني الصومالي لمكافحة العمليات الإرهابية لحركة الشباب. كما شرعت تركيا بمطلع العام 2022 في عملية التنقيب عن النفط والغاز في الصومال.[1] ومنذ عام 2011، قدمت تركيا مساعدات إنسانية وتنموية تتجاوز قيمتها مليار دولار للشعب الصومالي. كما تواصل تركيا الإسهام في إعادة إعمار الصومال وتطوير بنيتها التحتية ومؤسساتها الصحية والتعليمية والأمنية والمواصلات.[2]

زيارة الرئيس الصومالي لتركيا:

تحمل زيارة الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود إلى تركيا أبعادًا كثيرة في ظل التحديات الأمنية التي تمر بها الصومال منذ سنوات طويلة. ويحاول شيخ محمود من خلال الزيارة البحث عن دعم إنساني تركي لتجاوز الأزمة الإنسانية الراهنة هناك، في ظل تراجع الدعم والمساندة الدولية، فيما تريد أنقرة الحصول على مكاسب من البوابة الأمنية. وتشير السياسة الخارجية المُنتهجة من قِبل تركيا في ظل قيادة الرئيس رجب طيب أردوغان تجاه الصومال، إلى مدى إدراك أنقرة لأهمية هذا البلد لمصالحها الاستراتيجية. وقد عملت تركيا في سياق ترسيخ نفوذها في القرن الإفريقي وضمان منفذ على البحر الأحمر على زيادة الاهتمام بالملف العسكري بالصومال، من خلال إقامة قاعدة دائمة، فضلًا عن مراكز للتدريب. وفي خضم ذلك، تسعى أنقرة إلى ترسيخ نفوذها من باب الاقتصاد، حيث ينتظر تحريك المشاريع والعشرات من الاتفاقيات المبرمة بين البلدين، ناهيك عن ملف المفاوضات المُتوقفة بين مقديشو وإقليم صومالي لاند ذاتي الحكم شمال البلاد. ومن الواضح أن شيخ محمود بحاجة إلى تعاون عسكري لدحر مقاتلي حركة الشباب المتشددة، التي استعادت نفوذها بعد تراجع العمليات العسكرية ضدها في السنوات الماضية. وتروج تركيا لنفسها بأنها من بين الدول الرائدة في صناعة الأسلحة الحديثة، وبإمكانها تعزيز دعم مقديشو العسكري بما يُرجح كفة الجيش الصومالي ضد المتطرفين. ويرى محللون أن الزيارة ستحرك المشاريع والعشرات من الاتفاقيات المُوقعة سابقًا بين البلدين ولم تر النور، وذلك لتنويع مصادر الدخل وخلق فرص عمل بالصومال، حيث يتجاوز معدل البطالة 75%.[3]

الأهداف الصومالية من الزيارة:

أجرى الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، مباحثات مشتركة مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان خلال الزيارة، بحث خلالها ملفات عديدة تجمع البلدين في الاقتصاد، والعلاقات الدولية، والأمن ومكافحة الإرهاب. ويسعي الرئيس شيخ محمود من خلال الزيارة إلى مساهمة تركيا في حل الملفات الثلاث التي تحتل الصدارة في قائمة أولوياته، أولها؛ أزمة الجفاف: للعام الثالث على التوالي يشهد الصومال أزمة جفاف ضربت جميع الأقاليم نتيجة تذبذب الأمطار، ما يفاقم الأوضاع المعيشية للملايين من السكان في ظل نقص المساعدات الإنسانية وارتفاع أسعار المواد الغذائية، بحسب الهيئات الأممية. وبحسب آخر التقديرات الأممية فإن نحو 7 ملايين صومالي تضرروا جراء الجفاف، فيما تشرَّد أكثر من 805 ألف شخص من مساكنهم، إلى جانب نفوق 3 ملايين رأس من الماشية منذ منتصف 2021. وثانيها؛ الأمن والاستقرار: رغم الهدوء النسبي الذي يشهده الصومال على مدى السنوات الأخيرة، إلا أن التهديدات الأمنية لا زالت تراوح مكانها، فالهجمات الإرهابية تضرب العاصمة مقديشو والمدن الكبرى من حين لآخر، لكن بعد عودة انتحاب حسن شيخ محمود لرئاسة البلاد يتطلع الصوماليون للحد من هذه الفوضى. وثالثها؛ الوضع الاقتصادي: بفعل التجاذبات السياسية التي صاحبت الانتخابات التي شهدتها البلاد مؤخرًا إلى جانب تعليق المجتمع الدولي المساعدات المالية لدعم الميزانية الحكومية تدهور الوضع الاقتصادي الصومالي الذي أثَّر سلبًا على الوضع المعيشي في البلاد.[4] هذا ولم يتم الإعلان بعد عن النتائج الفعلية للزيارة.

ثانيًا: الصومال والإمارات:

تُعد الصومال أحد دول منطقة القرن الإفريقي المهمة التي تحظى باهتمام الإمارات نظرًا لموقعها الاستراتيجي الذي يجذب دولا عديدة منافسة، حيث تحرص على التواجد في المنطقة من خلال دعم استثماراتها فيها بما يضمن لها موضع قدم في المنطقة الحيوية عند مدخل البحر الأحمر.

العلاقات الصومالية الإماراتية بين فرماجو وشيخ محمود:

خاصةً بعد أزمة احتجاز لأموال إماراتية عندما احتجز نظام فرماجو عام 2018 دعمًا ماليًا قدَّمته الإمارات للجيش الصومالي. كما تسبَّب النظام السابق في تعكير صفو العلاقة بين الصومال والإمارات حينما تم رفض اتفاق شركة موانئ دبي العالمية مع أرض الصومال لتطوير واستثمار ميناء بربرة، زاد من التوتر أن تزامن ذلك مع أزمة فرماجو ورئيس البرلمان وقتها محمد شيخ عثمان جواري الذي استقال على إثرها وتولى محله محمد مرسل شيخ عبد الرحمن، المعروف بولائه لفرماجو. وفي إطار سعيه لحل تلك المشكلات العالقة؛ عمل شيخ محمود على إعادة الصومال المبلغ المُصادر وقيمته 9.6 مليون دولار إلى دولة الإمارات، في أعقاب تقديم رئيس الوزراء الصومالي محمد حسين روبلي لاعتذار رسمي وعلني للإمارات، التي رحبت بالموقف الصومالي الرسمي. وتقديرًا للموقف الصومالي، قدَّم وزير الخارجية الإماراتي الشكر إلى رئيس الوزراء الصومالي لمساهمته في إذابة جليد التوتر وإعادة الدفء من جديد للعلاقة بين البلدين. كما أعرب أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي، عن تثمينه لهذه الخطوة وقال إن الاعتذار الصومالي يفتح صفحة جديدة لتواصل الإمارات خطواتها لترميم الجسور بما يعزز الاستقرار والسلام. وكانت هناك لقاءات متكررة جمعت بين مسؤولين من الجانب الصومالي والإماراتي سبقت زيارة الرئيس شيخ محمود للإمارات، منها لقاء حول سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين رئيس مجلس الشعب في البرلمان الاتحادي الصومالي، الشيخ آدم محمد نور “مدوبي”، وسفير دولة الإمارات العربية المتحدة لدى الصومال السفير محمد أحمد العثمان، والذي كان قد استقبله أيضًا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في مكتبه بالقصر الرئاسي. وكشف السفير الإماراتي بمقديشو عن استعداد بلاده للعمل مع مجلس الشعب الصومالي لتطوير موظفي المجلس، الأمر الذي يعكس تنوع مجالات العمل المشترك والتعاون المتواصل بين الصومال والامارات. وتأتي أهمية هذه اللقاءات على تلك المستويات الرفيعة في إزالة آثار التوتر الذي شهدته العلاقة خلال فترة حكم فرماجو.[5]

نتائج الزيارة:

أعلنت رئاسة الصومال عن تفاصيل زيارة الرئيس حسن شيخ محمود لدولة الإمارات، حيث بحث اللقاء تعزيز العلاقات التاريخية والاستراتيجية وتطوير آفاق التعاون في مجالات الأمن والتجارة والتنمية، وتم الإعلان عن الاتفاق على مجموعة نقاط خلال اللقاء، هي: منح دولة الإمارات الصومال 20 مليون دولار -وفي مصادر أخرى درهم- كمساعدات لمواجهة الجفاف، وتسهيل إجراءات حصول المواطنين الصوماليين على تأشيرات الدخول إلى دولة الإمارات، وبدء رحلات الطيران المباشرة من دولة الإمارات إلى مقديشو، وإعادة افتتاح مستشفى الشيخ زايد في مقديشو الذي تم إغلاقه 2018، وكان يقدم خدمات صحية مجانًا، كما تم الاتفاق على قيام وفد إماراتي رفيع المستوى بزيارة رسمية إلى مقديشو، وتشكيل لجان تنسيق مشتركة لإنجاز تلك المهام.[6] ومن المُنتظر أن يكون لرجال الأعمال الصوماليين والإماراتيين دور مهم في توطيد العلاقات الصومالية الإماراتية خلال الفترة المُقبلة، وهو ما كان دافعًا للرئيس الصومالي للالتقاء بأفراد من الجالية ورجال الأعمال الصوماليين في دولة الإمارات خلال زيارته لأبي ظبي حيث أطلعهم على الوضع العام في بلاده وترحيبه بالاستثمارات التي تنعش الاقتصاد خاصةً في المجال الزراعي والثروة الحيوانية والثروات الطبيعية بجانب مجالات تنمية البنوك.[7]

الخُلاصة؛

تحركات شيخ محمود تهدف إلى إرسال رسالة بأن الصومال بات مُنفتحًا على التواصل مع الجميع بعيدًا عن موازنات وسياسات دول المحاور، باعتبار أن زيارة تركيا جاءت بعد زيارة الإمارات، وهما الدولتان صاحبتا الأجندات المختلفة في التعامل مع القضايا الإقليمية والدولية. فهناك عدة قضايا يُمكن لكٍّ من تركيا والإمارات أن تساهما في حلها على المستوى الداخلي الصومالي الباحث عن الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي، منها؛ الحد من نشاط حركة الشباب، وتوفير المساعدات الإنسانية لمساعدة 5 ملايين صومالي معرضون للموت بسبب تمدد موجة الجفاف والمجاعة. وفي هذا الإطار يُعوِّل الجميع كثيرًا على سياسة الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود ذات التوجه المُنفتح على العالم في تحقيق مزيد من التقدم والتطور في علاقة بلاده بدول المنطقة، ومن المُتوقع أن تشهد الفترة المُقبلة مزيدًا من التقدم في العلاقات الصومالية الإقليمية والدولية، مع تقديم المزيد من الحلول لأزمات الداخل الصومالي.

 

[1] الهضيبي يس، “دلالات زيارة الرئيس حسن شيخ محمود إلى تركيا”، Africa Press، 11/7/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/wSFKu

[2] “زيارة شيخ محمود.. صوماليون يتطلعون لمساهمة تركية بمواجهة الجفاف (تقرير)”، الأناضول، 4/7/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/5txFw

[3] “ما دلالات وأبعاد زيارة الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود إلى تركيا؟”، الصومال اليوم، 5/7/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/SQcJk

[4] “زيارة شيخ محمود.. صوماليون يتطلعون لمساهمة تركية بمواجهة الجفاف (تقرير)”، مرجع سبق ذكره.

[5] صفاء عزب، “العلاقات الصومالية الإماراتية.. تطور لافت بعد طي صفحة فرماجو”، الصومال اليوم، 11/7/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/GCTc1

[6] معاوية فارح، “زيارة شيخ محمود إلى الإمارات.. الصومال يعلن 6 مكاسب”، العين الإخبارية، 23/6/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/Vnpb0

[7] صفاء عزب، مرجع سبق ذكره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

علاقات مصر بدول حوض النيل في ظل تفاعلات القرن الإفريقي

علاقات مصر بدول حوض النيل في ظل تفاعلات القرن الإفريقي تلعب التفاعلات الأخيرة التي تعرضت ل…