‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر أسباب المشاركة الكثيفة للكنيسة في انقلاب 03 يوليو
مصر - يوليو 27, 2022

أسباب المشاركة الكثيفة للكنيسة في انقلاب 03 يوليو

أسباب المشاركة الكثيفة للكنيسة في انقلاب 03 يوليو

 

 

 

أولا، الباعث الرئيس في موقف الكنيسة من الانقلاب هو كراهية الإسلام والمسلمين الداعين إلى تحكيم الشريعة وفهم الإسلام على أنه منهج حياة شامل لتوجيه المجتمع وقيادته في كافة مناحي الحياة. فالكنيسة ترى أن الإسلام هم أكبر خطر عليها منذ تأسيسها قبل نحو 1800 سنة، ويعاني كهنة الكنيسة كثيرا في إقناع الأقباط بعقيدة التثليث (الآب والابن والروح القدس) أمام عقيدة التوحيد الخالص النقي التي جاء بها الإسلام، ومواقع التواصل الاجتماعي ويوتيوب تمتلئ بآلاف المقاطع  لكثير من الأقباط الذين أسلموا وكثير منهم كانوا كهنة سابقين، والذين كشفوا حجم الرعب والهوس الذي تعيش فيه الكنيسة وخوفها المستمر من انتقال العديد من الأقباط إلى الإسلام. هذا الخوف بهذا الحجم وتلك الدرجة في ظل نظام عسكري دكتاتوري قمعي يتبنى حكما علمانيا تحظى فيه الكنيسة بامتيازات كبيرة؛ فماذا إذا حكم الإسلام مصر؟ وجاءت حكومة إسلامية تتبنى مبادئ وأحكام الشريعة وأقامت العدل في الأرض؟ فهذا تراه الكنيسة زلزالا قد يقوض وجودها؛ لذلك تحمل الكنيسة كراهية وبغضا لا حدود له للإسلام والمسلمين الداعين إلى حكم الشريعة وتبارك ذبحهم والقضاء عليهم. وقد أبدى البابا كثيرا من البغضاء للإسلام والمسلمين عندما سُئل عن مقاله (نعم تزيد النعم) كدعاية للدستور بوصفه دورا سياسيا للكنيسة، أجاب بأن «المشاركة في الاستفتاء، تعبر عن الحياة التي عاشتها مصر كطبيعتها قبل الميلاد وبعد الميلاد، دون وجود أي جسم غريب فيها». يشير البابا بهذه التصريحات إلى العودة إلى جذور مصر القديمة الفرعونية (قبل الميلاد)، والقبطية (بعد الميلاد)، أما الجسم الغريب عليها فهو (الإسلام والمسلمون)، هذا الخطاب الطائفي من البابا تواضروس هو امتداد لمدرسة البابا شنودة الثالث الذي تولى الكنيسة 41 سنة (1971 ــ2012)، وبحسب الكاتب الصحفي عبدالناصر سلامة، المعتقل حاليا في سجون السيسي، في مقاله “أقباط 2010” المنشور بالأهرام عدد 05 ديسمبر 2010م فإن مصطلحات مثل “الفتنة الطائفية”، لم تظهر في مصر إلا منذ اعتلاء البابا شنودة الثالث عرش الكنيسة المرقسية عام 1971، واستشهد بخطاب ألقاه شنودة بالإسكندرية عام 1973 دعا فيه إلى “طرد” من أسماهم “الغزاة المسلمين من مصر”. كما تحدث مقال سلامة ــ تم حذفه من الأهرام ترضية للكنيسة ــ عن وجود أسلحة وذخائر في الكنائس المصرية، متهما الكنيسة بالإعداد المسبق لأحداث العنف وقتها في منطقة العمرانية.[[1]]

ثانيا، موقف الكنيسة من الانقلاب والتحريض على الإسلاميين ومباركة ذبحهم  منسجم تماما مع مقررات مجمع الآباء الكهنة والمجلس الملي وممثلي الشعب القبطي في المؤتمر المنعقد في البطريركية بتاريخ 17 يناير/كانون الثاني 1977م، حيث جاءت قرارات المجمع في صورة مطالب تتعلق بحرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية وعدم تطبيق الشرع الإسلامي وحماية الأسرة والزواج المسيحي، والمساواة وتكافؤ الفرص وتمثيل المسيحيين في الهيئات النيابية والوزارة والوظائف العليا وغيرها، والدعوة إلى ضرب الاتجاهات الدينية الإسلامية المتطرفة، وهي كلها مطالب تتهم النظام المصري في ذلك الوقت (نظام السادات) بالتمييز ضد الأقباط.[[2]] وكلها تقريبا تتحققت في عهد السيسي.

ثالثا، موقف الكنيسة من الانقلاب هو امتداد لموقفها الرافض لثورة يناير؛ فقد رفض البابا شنودة مشاركة الأقباط في الثورة على نظام مبارك وقد أكد في تصريحات إعلامية أن «الأقباط شعب لا يثور ولا يعصى السلطة».[[3]] وقال أيضا: «نحن بطبيعتنا نود أن نعيش في هدوء ولا نحب أن نشترك في مظاهرات أو في أعمال من هذا النوع، طبيعتنا كده»[[4]] هذا الموقف الداعم لمبارك سرعان ما تغير في أعقاب تنحي مبارك حيث أصدرت الكنيسة بيانا يحيي الثوّرة الوليدة تقول فيه “تحيي شباب مصر النزيه الذي قاد مصر في ثورة قوية بيضاء وبذل في سبيل ذلك دماء غالية؛ دماء شهداء الوطن الذين مجّدتهم مصر قيادة وجيشًا بل مجدهم الشعب كله».[[5]] سبب الرفض أن احتكار الكنيسة لتمثيل الأقباط تراجع خلال سنوات ما قبل الثورة من خلال مشاركة رموز قبطية في حركات سياسية معارضة مثل كفاية وغيرها، حيث شارك أمين إسكندر وجورج إسحاق وغيرهم، ما أسهم في ظهور تيار قبطي علماني ولو كان محدود الانتشار والتأثير، لكن  تعنت الكنيسة في مسألة الزواج الثاني للمطلق أو المطلقة منح زخما لهذه التيارات الوليدة بين آلاف الغاضبين من الأقباط على موقف الكنيسة بشأن الزواج الثاني الذي كان معمولا به في لائحة ٣٨ والتي تم إلغاؤه في عهد البابا شنودة.[[6]] ويمكن تقسيم التيار العلماني القبطي الرافض لاحتكار الكنيسة لتمثيل الأقباط إلى ثلاث فئات كما يسميهم الباحث القبطي إسحاق إبراهيم بتصرف بسيط:[[7]]

  • “النوع اﻷول: حركات دينية مسيحية تعبر عن موقف ديني، مثل ” حماة اﻹيمان”، وهذه الحركات تعبر عن مواقف بعض رجال الدين سواء كان متشدداً أو منفتحا بعض الشيء.
  • النوع الثاني: حركات تعبر عن مطلب يشتبك مع حق من حقوق الأقباط، وهذا الحق تنظمه الكنيسة أو تعترض طريقه، وأشهر اﻷمثلة لهذه الحركات، الحركات الخاصة بالمطالب التي تتعلق باﻷحوال الشخصية، مثل مجموعات “الحق في الحياة”، “منكوبي اﻷحوال الشخصية”، “الانسلاخ من الملة”، “أقباط ٣٨” وغيرها من الحركات، أو حتى أشخاص يعبرون عن مطالبهم.
  • النوع الثالث: حركات نشأت في ظروف لها علاقة بمطالب اﻷقباط، ولكنها اشتبكت مع قضايا تخص الشأن المصري العام، وكان لها وجود في التظاهر على قضايا عامة، أو اشتبكت مع موضوعات لها طبيعة سياسية سواء كانت انتخابات أو استفتاءات، أمثلة على ذلك “اتحاد شباب ماسبيرو”.

بطبيعة الحال قاومت الكنيسة بشدة هذا التوجه لدى الحركات القبطية العلمانية فقد أرادت أن تظل محتكرة لتمثيل الأقباط في علاقتهم بالدولة المصرية، خصوصا بعد أن وصل عدد هذه الحركات إلى ٣٦ حركة في منتصف٢٠١٢م بحسب تصريح لفادي يوسف مؤسس ائتلاف أقباط مصر وهو الرقم الذي ذكر أيضا من قبل المجلس الاستشاري القبطي. [[8]]

وبالتالي فقد جاءت مشاركة البابا تواضروس الثاني في مشهد الانقلاب اختيارا حرا من  الكنيسة وترجمة للرغبة العارمة من أجل التخلص من الإسلاميين والعودة إلى المعادلة التي كانت قائمة في عهد مبارك واسترداد نفوذها ووصايتها على الأقباط باعتبارها الممثل الوحيد عنهم أمام الدولة وهو الدور الذي كان مهددا بفعل الثورة وما ترتب عليها من حريات زعزعت مكانة الكنيسة. وبالتالي توافقت مصالح الكنيسة مع مصالح الدولة العميقة في ضرورة وأد الثورة والقضاء عليها والعودة إلى المعادلة القديمة التي تقوم على دعم الكنيسة للنظام العسكري سياسيا في مقابل حصر تمثيل الأقباط في الكنيسة دون غيرها  بشأن مشاكل الأقباط ومطالبهم وحقوقهم، “فقد تنازل النظام عن جزء من سلطة الدولة على بعض مواطنيها للكنيسة في مقابل منح ولائها للنظام السياسي”[[9]]. ولعل هذا الوضع هو ما يفسر اقتراب الكنيسة وتأييدها لنظام مبارك حتى آخر لحظة قبل سقوطه لأنها كانت ترى فيه الضمانة والحماية لحقوق الأقباط. وهي المعادلة التي كانت مهددة بفعل الثورة وصعود الإسلاميين.

رابعا، كوفئت الكنيسة على موقفها من الانقلاب بحذف المواد التي تتعلق بمرجعية الشريعة الإسلامية من دستور 2014، كما كوفئت بالنص على كوتة في البرلمان للأقباط، وزيادة نسبة الأقباط في أجهزة الدولة، كما كوفئت بالنص “235” من الدستور ضمن ما يعرف بـ “المواد الانتقالية”، والتي نصت على أنه “يصدر مجلس النواب في أول دور انعقاد له بعد العمل بهذا الدستور قانونًا لتنظيم بناء وترميم الكنائس، بما يكفل حرية ممارسة المسيحيين لشعائرهم الدينية». وبالفعل تم سن القانون رقم 80 لسنة 2016، وتشكيل لجنة رئيسية لتقنين أوضاع الكنائس المخالفة والتي بنيت على أرض مغصوبة بوضع اليد ودون أي تراخيص رسمية، وهي اللجنة التي تم تشكيلها في يناير 2017،  وقننت آلاف الكنائس المخالفة، في الوقت الذي شن فيه نظام السيسي حربا ضاربة على المساجد وهدم المئات منها بدعوى أنها بنيت بالمخالفة للقانون![[10]] كما تلقت الكنيسة هدايا ومكافآت سخية للغاية من رعاة الانقلاب الإقليميين؛ فالكنيسة حصلت على دعم مالي خليجي سخي للغاية لبعض مشروعاتها الخدمية وأنشطتها؛ وحظيت الكنيسة بدعم من سلطات الإمارات والبحرين والكويت، فخصص الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البحرين، قطعة أرض بالمملكة لبناء كنيسة مصرية للأقباط الأرثوذكس، فى أغسطس 2016، يشرف عليها القمص ميساك الأنبا بيشوى، كاهن الكنيسة فى البحرين، كما تم منحها في مايو 2016 قطعة أرض جديدة عقب زيارة الملك حمد للكاتدرائية.  ومولت الإمارات عدداً من المشاريع الكنسية منها «مركز تراث الفن المصرى والقبطى بالعبور، ومدرسة الأقباط الأرثوذكس الخاصة بالفكرية بأبوقرقاص بالمنيا، ومستشفى الشفاء بمدينة السلام، إضافة إلى مشروع دار مارمينا لرعاية الأيتام بالإسماعيلية».[[11]] وقد زار البابا  الإمارات عدة مرات حظى خلالها باستقبال حافل. وفي تعليق سابق على زيارة البابا تواضروس للإمارات، ذكر مركز الإمارات للدراسات والإعلام (ايماسك)، في دراسة له بعنوان “ما سر زيارة تواضروس للإمارات”، إن “الإمارات تحارب الإسلام السياسي، وتستغل المسيحية في ملفاتها السياسية”. وخلصت الدراسة إلى أنه “التقت مصلحة “المسيحية السياسية” وجهاز الأمن الإماراتي في محاربة الإسلام الوسطي.. التقاء مصالح يثير الغضب والسخط على تحالف الأمن والسياسة مع رجال الكنيسة، ضمن اتفاق مصالح على حساب مصالح الأمة”.[[12]]

خامسا، موقف الكنيسة من الانقلاب نابع من حرصها على حماية إمبراطوريتها المالية والاقتصادية وضمان استمرار بيزنس الكنيسة وعدم خضوع أموال الكنيسة ومشروعاتها لأجهزة الدولة الرقابية؛ فقد اعترضت الكنيسة صراحة على المادة 212 من دستور 2012 التي كانت تنص على : «تقوم الهيئة العليا لشئون الوقف على تنظيم مؤسساته العامة والخاصة، وتشرف عليها وتراقبها، وتضمنالتزامها بأنماط أداء إدارية واقتصادية رشيدة، وتنشر ثقافة الوقف في المجتمع.» ومكافأة على دورها في حشد الأقباط ودورها المؤثر في 30 يونيو 2013م تم حذف هذه المادة في وثيقة الخمسين الانقلابية وكذلك دستور 2014م. هذا الموقف المتشدد من جانب الكنيسة تكرر قبل  هذه الواقعة في منتصف عام 2011م عندما طرح مشروع قانون “دور العبادة” للنقاش المجتمعي وأثير ضرورة خضوع أموال الكنائس للرقابة المالية من جانب الدولة.[[13]] رفض الكنيسة جاء بصيغة النفي الجازم حاضرا ومستقبلا على لسان الأنبا باخوميوس، القائم مقام البطريرك للكنيسة الأرثوذكسية وقتها: «لن نقبل إشراف أية هيئة أو جهاز من أجهزة الدولة على أموال أو تبرعات أو مشروعات الكنيسة القبطية الأرثوذكسية»، وشدد  باخوميوس ، على رفضه التام لما يتردد داخل الجمعية التأسيسية للدستور عن وجود مناقشات بشأن تقديم اقتراح لإخضاع أموال الكنائس ومشروعاتها للمراقبة من قبل الجهاز المركزي للمحاسبات، كما تم اقتراح مراقبة أموال القوات المسلحة، وإقرار ذلك في الدستور.[[14]] الأكثر دهشة أن باخوميوس اعتبر مجرد طرح هذه المادة  أمرا مرفوضا تماما وإذا تمت الموافقة عليها فإنها تشكل اضطهادا واضحا للأقباط مشددا «مراقبة أموال الكنيسة أمر مرفوض، ولن تقبل به الكنيسة تحت أي ظرف».[[15]] السبب الرئيس كان خشية الكشف عن الإمبراطورية الاقتصادية والمالية للكنيسة وإخضاعها لرقابة الدولة ليفتضح معها حجم الممتلكات والأراضي الشاسعة التي تقوم الأديرة والكنائس بضمها إليها بصفة مستمرة دون وجه حق، خاصة أن معظم هذه الأديرة والكنائس تدخل في إطار الأوقاف، كما أن ذلك كان من شأنه أن يضع بيزنيس الكنيسة وإمبراطوريتها الاقتصادية الضخمة التي تنافس إمبراطورية الجيش أمام مرآة المجتمع ومراقبته لضبط مسار مصادرها وجهات إنفاقها بحيث لا يسمح باختلاس هذه الأموال التي تعتبر  مالا عاما  يحق للدولة مراقبته وليست ملكا شخصيا يندرج تحت قوانين الذمة المالية والحقوق الفردية.

سادسا،  مشاركة البابا في الانقلاب والحشود الكنسية الكثيفة في مشهد 30 يونيو تمثل في جوهرها ترجمة حرفية لانحراف الكنيسة من مؤسسة كهنوتية تلتزم بالفصل التام بين السلطتين الزمنية والروحية في إطار  معادلة “ما لقيصر لقيصر وما لله لله” ، إلى  مؤسسة يطغى عليها السياسي على الروحي والزماني على الكهنوتي في إطار صفقات مع النظام الحاكم تتعلق بالنفوذ والثروة والسيادة يلعب فيه أقباط المهجر دورا سياسيا يمثل أحد أدوات التوظيف والابتزاز يتيح للكنيسة تحقيق مزيد من  المكاسب من النظام إما من خلال الضغوط والابتزاز أو من خلال الدعم المتبادل. وقد وبدأت الكنيسة تخطو خطوات واسعة نحو تعظيم دورها السياسي، مع تولي البابا شنودة لموقعه كبابا للأقباط الأرثوذكس في عام 1971 والذي شهد عهده عدة أحداث طائفية بدءا بحادث الخانكة عام 1972 وانتهاء بحادثة القديسين عام 2010، ولكن تحول الكنيسة إلى حزب (بالمعنى المجازي) يحتكر تمثيل المسيحيين سياسيا أمام الدولة ظهر مع تولي الرئيس الأسبق حسني مبارك مقاليد السلطة عام 1981 حيث كان من أوائل قراراته عام 1985 إعادة البابا شنودة إلى مهامه كرأس للكنيسة بعد أن أبعده سلفه أنور السادات عام 1981 وأسند مهامه لمجلس بابوي من 5 مطارنة.[[16]] وتعزز هذا الانحراف في عهد مبارك حيث طغى السياسي على الروحي داخل الكنيسة، أسهم في ذلك أمران: الأول طبيعة شخصية البابا شنودة النفسية والثقافية واللاهوتية؛ حيث كان ينظر إلى الكنيسة باعتبارها نظاما شاملا وأن الكنيسة مسئولة عن تقديم الأجوبة الشاملة اجتماعيا وثقافيا، وأن العلاقة بين الكنيسة والدولة تتشكل على أرضية الندية والضغط والطلبات. الثاني، رغبة نظام مبارك في  السيطرة على الكنيسة لضمان ولاء الأقباط للنظام ولم يكن لدى النظام مانع من عقد صفقة يضمن بها هذه الولاء والدعم في مقابل منح امتيازات ونفوذ للكنيسة وتنازل عن بعض مظاهر سيادة الدولة لصالح الكنيسة. فقد كان للكنيسة القبطية مصلحتان رئيستان في المجال السياسي، تتمثّل أولاهما في الحفاظ على استقلالها المؤسّسي في مواجهة مؤسّسات الدولة، في حين تتمثّل الثانية في احتكار الحق بالتحدّث باسم الأقباط. وقد دافع نظام مبارك عن كلا المصلحتين لصالح زعامة الكنيسة. ففي عهد مبارك، تم التعاطي مع الكنيسة باعتبارها الممثّل الوحيد لأقباط مصر. كما حمى النظام الاستقلالَ المالي للكنيسة، وسمح لهذه الأخيرة بتجاهل أحكام القضاء في مايتعلّق بالشؤون الشخصية للأقباط، التي لم تكن معتمدة من جانب زعامة الكنيسة.[[17]] وترجمة لهذه الصفقة السرية رفض البطريرك البابا شنودة  في يونيو 2010 تطبيق حكم صادر عن المحكمة الإدارية العليا، ينصّ على وجوب أن تسمح الكنيسة بالزواج مرة ثانية للأقباط الذين حصلوا على حكم بالطلاق من القضاء. أعلنت الكنيسة أنها تحترم القانون، ولكن لايمكنها أن تقبل الأحكام التي تناقض تعاليم الكتاب المقدس. كما رفضت الكنيسة طلب السماح للمؤسّسات الرسمية بالإشراف على ميزانياتها وأنشطتها. وقد دعا طارق البشري، وهو قاضٍ سابق، في كتاباته إلى أن تشرف الدولة على ميزانية الكنيسة، مشيراً إلى ضرورة أن تراقب الدولة الكنيسة باعتبارها مؤسّسة عامة. غير أن الكنيسة رفضت، وتجاهل نظام مبارك تلك المطالب في تنازل صريح من الدولة عن جزء من سيادتها لصالح الكنيسة. وجاءت مشاركة الكنيسة في مشهد 30 يونيو ثم مشاركة البابا في مشهد الانقلاب 03 يوليو كجزء من هذه الصفقة مع الدولة العسكرية العميقة التي تحكم مصر منذ انقلاب 23 يوليو 1952م. وهي الصفقة التي لا تزال تحكم علاقة الكنيسة بالنظام حتى اليوم.

 

 

 

[1] محمد جمال عرفة/“الأهرام” يعتذر للبابا شنوده عن مقال “سلامه”/ الوفد ــ الأربعاء, 08 ديسمبر 2010 // محمود جمعة/ دعوى ضد الأهرام بسبب البابا شنودة/ الجزيرة نت ــ 10 ديسمبر 2010م

[2] مجدي مصطفى/البابا تواضروس.. الميراث الديني والسياسي بالكنيسة المصرية/ الجزيرة نت ــ 17 فبراير2015م

[3] ثورة الأٍقباط الأولى ، شريف عاذر، مدى مصر

[4] جزء من مداخلة تليفونية للبابا شنودة مع عمرو أديب بعد ٢٥ يناير وقبل تنحي مبارك، انظر: ثورة الأٍقباط الأولى ، شريف عاذر، مدى مصر

[5] موقع الأنبا تكلا هيمانوت ، بيان للكنيسة بخصوص الثورة

[6] ٣٠٠ ألف قضية طلاق مسيحي “، الوطن المصرية،

[7]أزمة الحركات القبطية بين تسلط الدولة وأبوية الكنيسة” ، اسحق إبراهيم،

[8] المرجع السابق

[9] مي مجيب عبد المنعم، الأقباط والحياة السياسية المصرية بعد ثورة يناير، مجلة الساسة الدولية،

[10] عدد الكنائس في مصر وفق البيانات الإحصائية الرسمية للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء والصادرة بتاريخ ٣١ أغسطس٢٠١٦م، تشير إلى أن العدد يبلغ ٣١٢٦ كنيسة، بالإضافة إلى عشرات الأديرة المنتشرة في ربوع المحافظات، وتتسع لنحو ٢٤ مليون مصلّ؛ أي أكثر من ربع سكان مصر[[10]]، في حين أنّ عدد الأقباط المصريين وفق آخر التصريحات رسمية معلنة في هذا الشأن تتراوح بين ٥ الى ٧ مليون قبطي.

[11] مصطفى رحومه// دول عربية ومؤسسات دولية تدعم أنشطة الكنيسة فى مصر والمهجر/ الوطن ــ الخميس 19 مايو 2016

[12] الإمارات.. من دعم تهويد القدس إلى بناء كنائس ومدارس قبطية بمصر/ شبكة رصد ــ الخميس، 28 يناير 2016م

[13] عماد خليل ورجب رمضان/الحكومة تراقب أموال الكنائس فى مشروع «دور العبادة».. وقيادات كنسية ترفض: «لسنا جهة حكومية»/ المصري اليوم  25 مايو 2011

[14] أحمد السعداوي/ الأنبا باخوميوس: مراقبة أموال الكنيسة اضطهاد للأقباط لن نقبل به تحت أي ظرف/ بوابة الشروق  الأحد 26 أغسطس 2012

[15] أحمد السعداوي/ الأنبا باخوميوس: مراقبة أموال الكنيسة اضطهاد للأقباط لن نقبل به تحت أي ظرف/ بوابة الشروق  الأحد 26 أغسطس 2012

[16] قطب العربي/حين تتحول الكنيسة المصرية إلى حزب سياسي/ الجزيرة نت 20 سبتمبر 2016

[17] جورج فهمي/ الكنيسة القبطية والسياسة في مصر/ مركز كارنيغي  للشرق الأوسط  22 ديسمبر 2014

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

موقف القوى المدنية من الحوار الوطني .. الدوافع والتداعيات

موقف القوى المدنية من الحوار الوطني الدوافع والتداعيات   دعا عبد الفتاح السيسي، إلى ا…