‫الرئيسية‬ إفريقيا شيخ محمود وجولاته الخارجية
إفريقيا - أغسطس 7, 2022

شيخ محمود وجولاته الخارجية

شيخ محمود وجولاته الخارجية

شيخ محمود وجولاته الخارجية

يعيش الشارع الصومالي مجموعة من الأزمات الطبيعية والأمنية التي تعرقل الجهود الداخلية والخارجية لانتشال البلد من الأزمات التي لطالما رافقته طيلة ثلاثة عقود. الأمر الذي يضع الرئيس الصومالي الجديد حسن شيخ محمود أمام تحدٍّ كبير لمواجهة تلك الأزمات. وهو الرجل الذي أعلن انفتاحه على الجميع منذ توليه المنصب في 15 مايو الماضي. وفي هذا الإطار جاءت تحركات شيخ محمود الأخيرة في النطاق الإقليمي لمحاولة حل أزماته الداخلية، فكانت زياراته لكلٍّ من الإمارات ثم تركيا، وبعدها جاءت زياراته الإفريقية والتي تصب أيضًا في إيجاد حلول لمشكلاته الداخلية. فما هو وضع العلاقات بين الصومال وكلٍّ من تركيا والإمارات؟ وما هي أهداف ونتائج تلك الزيارتين؟ وكيف يُمكن قراءة زياراته الإفريقية؟ تلك هي التساؤلات التي سنسعى للإجابة عليها خلال هذا التقرير..

 

أولًا: زيارات شيخ محمود الإقليمية: بدأ شيخ محمود زياراته الخارجية خارج الصومال بقطبين إقليميين في المنطقة هما الإمارات وتركيا، وجاءت أهداف ونتائج الزيارتين كالتالي..

 

  1. الصومال والإمارات: تُعد الصومال أحد دول منطقة القرن الإفريقي المهمة التي تحظى باهتمام الإمارات نظرًا لموقعها الاستراتيجي الذي يجذب دولا عديدة منافسة، حيث تحرص على التواجد في المنطقة من خلال دعم استثماراتها فيها بما يضمن لها موضع قدم في المنطقة الحيوية عند مدخل البحر الأحمر.

 

العلاقات الصومالية الإماراتية بين فرماجو وشيخ محمود: خاصةً بعد أزمة احتجاز لأموال إماراتية عندما احتجز نظام فرماجو عام 2018 دعمًا ماليًا قدَّمته الإمارات للجيش الصومالي. كما تسبَّب النظام السابق في تعكير صفو العلاقة بين الصومال والإمارات حينما تم رفض اتفاق شركة موانئ دبي العالمية مع أرض الصومال لتطوير واستثمار ميناء بربرة، زاد من التوتر أن تزامن ذلك مع أزمة فرماجو ورئيس البرلمان وقتها محمد شيخ عثمان جواري الذي استقال على إثرها وتولى محله محمد مرسل شيخ عبد الرحمن، المعروف بولائه لفرماجو. وفي إطار سعيه لحل تلك المشكلات العالقة؛ عمل شيخ محمود على إعادة الصومال المبلغ المُصادر وقيمته 9.6 مليون دولار إلى دولة الإمارات، في أعقاب تقديم رئيس الوزراء الصومالي محمد حسين روبلي لاعتذار رسمي وعلني للإمارات، التي رحبت بالموقف الصومالي الرسمي. وتقديرًا للموقف الصومالي، قدَّم وزير الخارجية الإماراتي الشكر إلى رئيس الوزراء الصومالي لمساهمته في إذابة جليد التوتر وإعادة الدفء من جديد للعلاقة بين البلدين. كما أعرب أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي، عن تثمينه لهذه الخطوة وقال إن الاعتذار الصومالي يفتح صفحة جديدة لتواصل الإمارات خطواتها لترميم الجسور بما يعزز الاستقرار والسلام. وكانت هناك لقاءات متكررة جمعت بين مسؤولين من الجانب الصومالي والإماراتي سبقت زيارة الرئيس شيخ محمود للإمارات، منها لقاء حول سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين رئيس مجلس الشعب في البرلمان الاتحادي الصومالي، الشيخ آدم محمد نور “مدوبي”، وسفير دولة الإمارات العربية المتحدة لدى الصومال السفير محمد أحمد العثمان، والذي كان قد استقبله أيضًا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في مكتبه بالقصر الرئاسي. وكشف السفير الإماراتي بمقديشو عن استعداد بلاده للعمل مع مجلس الشعب الصومالي لتطوير موظفي المجلس، الأمر الذي يعكس تنوع مجالات العمل المشترك والتعاون المتواصل بين الصومال والامارات. وتأتي أهمية هذه اللقاءات على تلك المستويات الرفيعة في إزالة آثار التوتر الذي شهدته العلاقة خلال فترة حكم فرماجو.[1]

 

نتائج الزيارة: أعلنت رئاسة الصومال عن تفاصيل زيارة الرئيس حسن شيخ محمود لدولة الإمارات، حيث بحث اللقاء تعزيز العلاقات التاريخية والاستراتيجية وتطوير آفاق التعاون في مجالات الأمن والتجارة والتنمية، وتم الإعلان عن الاتفاق على مجموعة نقاط خلال اللقاء، هي: منح دولة الإمارات الصومال 20 مليون دولار -وفي مصادر أخرى درهم- كمساعدات لمواجهة الجفاف، وتسهيل إجراءات حصول المواطنين الصوماليين على تأشيرات الدخول إلى دولة الإمارات، وبدء رحلات الطيران المباشرة من دولة الإمارات إلى مقديشو، وإعادة افتتاح مستشفى الشيخ زايد في مقديشو الذي تم إغلاقه 2018، وكان يقدم خدمات صحية مجانًا، كما تم الاتفاق على قيام وفد إماراتي رفيع المستوى بزيارة رسمية إلى مقديشو، وتشكيل لجان تنسيق مشتركة لإنجاز تلك المهام.[2] ومن المُنتظر أن يكون لرجال الأعمال الصوماليين والإماراتيين دور مهم في توطيد العلاقات الصومالية الإماراتية خلال الفترة المُقبلة، وهو ما كان دافعًا للرئيس الصومالي للالتقاء بأفراد من الجالية ورجال الأعمال الصوماليين في دولة الإمارات خلال زيارته لأبي ظبي حيث أطلعهم على الوضع العام في بلاده وترحيبه بالاستثمارات التي تنعش الاقتصاد خاصةً في المجال الزراعي والثروة الحيوانية والثروات الطبيعية بجانب مجالات تنمية البنوك.[3]

 

  1. الصومال وتركيا: تعتبر تركيا منذ مطلع العام 2002 إحدى الدول التي تجمعها علاقة استراتيجية مع الصومال، فبحلول عام 2016 وقَّعت تركيا مع الصومال اتفاقيات تجارية واقتصادية شملت قطاعات عدة. بينها اتفاقيات في نمو التجارة الثنائية بين البلدين من 6 ملايين دولار عام 2010 إلى 80 مليون دولار عام 2017. وبهدف تعزيز النمو الاقتصادي الصومالي في ظل الحروب والمشاكل السياسية، سدَّدت تركيا في نوفمبر 2020 ديون الصومال المتأخرة لصندوق النقد الدولي والمقدرة 2.4 مليون دولار لتخفض أعباء الديون المفروضة على الصومال من 5.2 مليارات إلى 3.7 مليارات دولار حاليًا. كذلك تظل تركيا تقدم سنويًا منحة مالية لدعم ميزانية الصومال قدرها 2.5 مليون دولار شهريًا من أجل تعزيز المؤسسات الصومالية. هذا فيما تضاعفت فرص التعاون الاقتصادي في مختلف المجالات بين تركيا والصومال في ظل اهتمام القطاع الخاص التركي بالاستثمار في الصومال، بالإضافة إلى إنشاء القاعدة التركية في العام 2017 التي تطل على البحر الأحمر بغرض تدريب الجيش الوطني الصومالي لمكافحة العمليات الإرهابية لحركة الشباب. كما شرعت تركيا بمطلع العام 2022 في عملية التنقيب عن النفط والغاز في الصومال.[4] ومنذ عام 2011، قدمت تركيا مساعدات إنسانية وتنموية تتجاوز قيمتها مليار دولار للشعب الصومالي. كما تواصل تركيا الإسهام في إعادة إعمار الصومال وتطوير بنيتها التحتية ومؤسساتها الصحية والتعليمية والأمنية والمواصلات.[5]

 

زيارة الرئيس الصومالي لتركيا: تحمل زيارة الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود إلى تركيا أبعادًا كثيرة في ظل التحديات الأمنية التي تمر بها الصومال منذ سنوات طويلة. ويحاول شيخ محمود من خلال الزيارة البحث عن دعم إنساني تركي لتجاوز الأزمة الإنسانية الراهنة هناك، في ظل تراجع الدعم والمساندة الدولية، فيما تريد أنقرة الحصول على مكاسب من البوابة الأمنية. وتشير السياسة الخارجية المُنتهجة من قِبل تركيا في ظل قيادة الرئيس رجب طيب أردوغان تجاه الصومال، إلى مدى إدراك أنقرة لأهمية هذا البلد لمصالحها الاستراتيجية. وقد عملت تركيا في سياق ترسيخ نفوذها في القرن الإفريقي وضمان منفذ على البحر الأحمر على زيادة الاهتمام بالملف العسكري بالصومال، من خلال إقامة قاعدة دائمة، فضلًا عن مراكز للتدريب. وفي خضم ذلك، تسعى أنقرة إلى ترسيخ نفوذها من باب الاقتصاد، حيث ينتظر تحريك المشاريع والعشرات من الاتفاقيات المبرمة بين البلدين، ناهيك عن ملف المفاوضات المُتوقفة بين مقديشو وإقليم صومالي لاند ذاتي الحكم شمال البلاد. ومن الواضح أن شيخ محمود بحاجة إلى تعاون عسكري لدحر مقاتلي حركة الشباب المتشددة، التي استعادت نفوذها بعد تراجع العمليات العسكرية ضدها في السنوات الماضية. وتروج تركيا لنفسها بأنها من بين الدول الرائدة في صناعة الأسلحة الحديثة، وبإمكانها تعزيز دعم مقديشو العسكري بما يُرجح كفة الجيش الصومالي ضد المتطرفين. ويرى محللون أن الزيارة ستحرك المشاريع والعشرات من الاتفاقيات المُوقعة سابقًا بين البلدين ولم تر النور، وذلك لتنويع مصادر الدخل وخلق فرص عمل بالصومال، حيث يتجاوز معدل البطالة 75%.[6]

 

الأهداف الصومالية من الزيارة: أجرى الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، مباحثات مشتركة مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان خلال الزيارة، بحث خلالها ملفات عديدة تجمع البلدين في الاقتصاد، والعلاقات الدولية، والأمن ومكافحة الإرهاب. ويسعي الرئيس شيخ محمود من خلال الزيارة إلى مساهمة تركيا في حل الملفات الثلاث التي تحتل الصدارة في قائمة أولوياته، أولها؛ أزمة الجفاف: للعام الثالث على التوالي يشهد الصومال أزمة جفاف ضربت جميع الأقاليم نتيجة تذبذب الأمطار، ما يفاقم الأوضاع المعيشية للملايين من السكان في ظل نقص المساعدات الإنسانية وارتفاع أسعار المواد الغذائية، بحسب الهيئات الأممية. وبحسب آخر التقديرات الأممية فإن نحو 7 ملايين صومالي تضرروا جراء الجفاف، فيما تشرَّد أكثر من 805 ألف شخص من مساكنهم، إلى جانب نفوق 3 ملايين رأس من الماشية منذ منتصف 2021. وثانيها؛ الأمن والاستقرار: رغم الهدوء النسبي الذي يشهده الصومال على مدى السنوات الأخيرة، إلا أن التهديدات الأمنية لا زالت تراوح مكانها، فالهجمات الإرهابية تضرب العاصمة مقديشو والمدن الكبرى من حين لآخر، لكن بعد عودة انتحاب حسن شيخ محمود لرئاسة البلاد يتطلع الصوماليون للحد من هذه الفوضى. وثالثها؛ الوضع الاقتصادي: بفعل التجاذبات السياسية التي صاحبت الانتخابات التي شهدتها البلاد مؤخرًا إلى جانب تعليق المجتمع الدولي المساعدات المالية لدعم الميزانية الحكومية تدهور الوضع الاقتصادي الصومالي الذي أثَّر سلبًا على الوضع المعيشي في البلاد.[7] هذا ولم يتم الإعلان بعد عن النتائج الفعلية للزيارة.

 

ثانيًا: زيارات شيخ محمود الإفريقية: بعد الانتهاء من زيارة تركيا؛ بدأ شيخ محمود في جولة إفريقية بدأها بإريتريا ثم كينيا ثم جيبوتي، وجاءت نتائج الجولة كالتالي..

 

  1. شيخ محمود في إريتريا: اختتم الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، الثلاثاء 12 يوليو، زيارته الرسمية إلى إريتريا، التي استغرقت أربعة أيام، قبل وصوله إلى كينيا..

 

نتائج الزيارة: وقَّع الرئيس الصومالي مع نظيره الإريتري أسياس أفورقي قبل مغادرته العاصمة أسمرا اتفاقية تتكوَّن من سبع نقاط نشرتها وزارة الإعلام الإريترية. أبرز بنود الاتفاقية تعزيز العلاقات الأخوية بين شعبي إريتريا والصومال بما في ذلك الجاليات المقيمة بالبلدين، وتعزيز التعاون السياسي والدبلوماسي لخدمة المصالح المشتركة بين مقديشو وأسمرا. وضمَّت أيضًا توسيع التعاون الاقتصادي والثقافي بين البلدين، مع التركيز بشكل خاص على مجالات التجارة والاستثمار والأمن المائي والزراعة والثروة السمكية والصحة والتعليم. ومنها رفع التعاون في مجال الفنون والرياضة والثقافة والتكنولوجيا والعلوم، إضافة إلى التعاون في مجال حماية البيئة وحل المشكلات الناتجة عنها.  وتضمَّنت الاتفاقية تعزيز التعاون الدفاعي والأمني ​​للحفاظ على السلام والاستقرار، والعمل معا لتحسين العلاقات والتعاون والانفتاح الاقتصادي في القرن الإفريقي. وخلال تواجده في إريتريا زار الرئيس الصومالي وحدات من قوات صومالية برية وبحرية تم تدريبها في إريتريا لفترة ثلاث سنوات.[8]

 

قضية الجنود الإريتريين: كان فرماجو قد أرسل قوات صومالية للتدريب في إريتريا بلغت أعدادها -وفقًا لإذاعة صوت الصومال- ٥١٦٧ جنديًا وهو رقم أكَّده لاحقًا الرئيس الصومالي السابق محمد عبد الله فرماجو، وتم نقل الدفعة الأولى من الجنود الصوماليين جوًا من مقديشيو إلى إريتريا في ١٩ أغسطس ٢٠١٩ وكانت هناك الموجتان الثانية والثالثة في فبراير ويونيو ٢٠٢٠ على التوالي.[9] وشهدت مسألة الجنود الصوماليين في إريتريا جدلًا واسعًا وتوترًا خلال ولاية محمد عبد الله فرماجو. وتظاهرت عائلات عدد من هؤلاء الجنود للمطالبة بمعلومات عن مصير أبنائهم العسكريين في عدة مناسبات في عام 2021. وتحدَّثت شائعات عن مقتل مئات منهم في منطقة تيجراي حيث يُفترض أنهم نُشروا سرًا إلى جانب القوات الإريترية التي تدعم الجيش الفيدرالي الإثيوبي في معاركه ضد متمردي تيجراي منذ نوفمبر 2020. وفي تقرير نُشر في يونيو 2021، قال المُقرِّر الخاص لوضع حقوق الإنسان في إريتريا أيضًا إنه “تلقى معلومات تشير إلى نقل جنود صوماليين من معسكرات للتدريب العسكري تقع في إريتريا، إلى الجبهة الأمامية في تيجراي حيث رافقوا الجنود الإريتريين”، في حين دعا سياسيون معارضون بمن فيهم حسن شيخ محمود آنذاك، الحكومة إلى توضيح الأمر. وأقرَّت السلطات الصومالية بإرسال جنود إلى إريتريا للتدريب هناك بهدف مواجهة الإسلاميين المتشددين في حركة الشباب في الصومال، ونفت في نفس الوقت أي تورط في الصراع في تيجراي. وفي أثناء تسليم فرماجو السلطة إلى حسن شيخ محمود في نهاية مايو، أعلن الرئيس السابق أن حكومته أرسلت نحو خمسة آلاف جندي إلى إريتريا لتدريبهم، مُشيرًا إلى أن تدريبهم انتهى العام الماضي لكنه قرَّر تأجيل عودتهم لتجنُّب أي تدخل في العملية الهشة للانتخابات البرلمانية والرئاسية التي كانت جارية آنذاك. وقد أعلن الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال لقاء مع أقارب عدد من هؤلاء الجنود غداة عودته من زيارته لإريتريا؛ أنهم سيعودون إلى بلدهم. وقال الرئيس الصومالي بهذا الشأن: “ذهبت إلى هناك (إريتريا). وكما ترون في الصور، رأيت الأولاد. أنا أب لديه أطفال وجد، لذلك أعرف ألم الوالدين عندما لا يتلقُّون أخبارًا عن أبنائهم”. وأشار حسن شيخ محمود إلى أن “حكومته تعمل من أجل عودة هؤلاء الجنود بأمان”، من دون أن يذكر عددهم أو توقيت عودتهم، كما لم يشر إلى احتمال مشاركتهم في الحرب بإثيوبيا.[10]

 

هل يُمكن إعادة القوات إلى الصومال؟ كان اختيار الرئيس الصومالي لدولة إريتريا لتكون أول دولة إفريقية يقوم بزيارتها بعد توليه الحكم، مُفاجئًا للكثيرين لأنها لم تكن زيارة مُتوقعة في ظل الاحتمالات بوجود خلافات وخاصةً مع التشدد الصومالي في قضية المجندين، إلا أنها صارت زيارة عكست حكمة الإدارة الصومالية في التعامل مع القضايا الحساسة. وجاء مشهد لقاء الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بالمجندين الصوماليين وظهورهم على وسائل الإعلام بشكل علني للجميع لأول مرة بمثابة طمأنة لعائلاتهم والتأكيد على عودتهم القريبة لبلادهم بعد طول غياب. ومع ذلك يظل هناك سؤالًا ملحًا في هذا الصدد حول توقيت رجوع هؤلاء الجنود خاصةً وأنه لم يتم تحديد موعد لعودتهم خلال زيارة الرئيس الصومالي لإريتريا. وعلى الرغم من عدم الإعلان عن أية تفاصيل خاصة باتفاقات بين الطرفين الصومالي والإريتري حول هذا الموضوع وما يُمثِّله من إرث شائك خلفته الإدارة الصومالية السابقة، إلا أن زيارة الرئيس حسن شيخ محمود لإريتريا أثمرت عن اتفاقية مهمة تتكون من سبع نقاط نشرتها وزارة الإعلام الإريترية، تسهم في تعميق الروابط وتوطيد العلاقات الثنائية والذي من شأنه أن يخلق مناخًا مُلائمًا للتوافق حول ملف أزمة الجنود الصوماليين وسرعة التعامل معه.[11] إلا أن البعض يرى أن ٥ آلاف جندي صومالي مُدربين في إريتريا، يُمكن أن يصبحوا قنبلة موقوتة حينما يعودوا إلى بلادهم، خاصةً أن فرماجو هو من اختارهم فربما يدينون بالولاء لنظامه أو أنهم ينتمون لعرقيته. وزاد من مخاوف هؤلاء تواتُر أنباء قبل وصول حسن شيخ محمود، إلى أسمرا بأن أسياس أفورقي يرغب في الحصول على ٥٠ مليون دولار، لإعادة جنود الصومال، وهو ما يزيد الشكوك حول قدرة محمود على تنفيذ وعده بعودة الجنود، خاصةً وأن ملف جنود الصومال في إريتريا، اكتنفه الكثير من الغموض بسبب إداراته من قِبل المخابرات وليس وزارة الدفاع الصومالية، مثلما كان يحدث في السابق حينما أُرسل بعض الجنود للتدريب في تركيا وجيبوتي وكينيا.[12]

 

  1. شيخ محمود في كينيا: قام الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بزيارة رسمية لمدة يومين إلى كينيا إثر تلقيه دعوة من الرئيس الكيني أوهورو كينياتا، قبل الاستحقاق الانتخابي الرئاسي الذي سيُجرى في كينيا في 9 من أغسطس المُقبل. وعقد الرئيسان يرافقهما مسؤولون كبار من البلدين محادثات ثنائية في الرئاسة الكينية يوم الجمعة 15 يوليو 2022. وأصدر كلٌّ من الرئيسين بيانًا صحفيًا مشتركًا تضمن بنودًا تجارية وأمنية لتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين.

 

نتائج الزيارة: تضمَّنت نتائج الزيارة أن أكَّد الرئيسان على أهمية العلاقات الودية وروابط الثقافة والمصير المشترك بين شعب كينيا وشعب الصومال، كما أكَّدا على التزامهما بالعمل سويًا في المجالات التي تهم البلدين وتعزيز العلاقات بين البلدين. ولتحقيق ذلك، وعد الرئيسان مرة أخرى بمحاربة الإرهاب، ولتحقيق النجاح، وجهَّا الأجهزة الأمنية في البلدين لرفع مستوى مكافحة الإرهاب. وتم الاتفاق على أن كينيا والصومال ينبغي أن يتعاونا مع المنظمات الإقليمية والدولية لتسهيل المساعدة الإنسانية التي تشتد الحاجة إليها للحد من تأثير الجفاف الحالي في منطقة القرن الإفريقي. وأيضًا تمَّ الاتفاق كذلك على استئناف رحلات الخطوط الجوية الكينية إلى مقديشو قريبا بناء على اتفاقية الخدمات الجوية الثنائية، ستتم مراجعة الاتفاقية من قبل السلطات ذات الصلة. وتمَّ الاتفاق كذلك، على تسهيل وتنويع وتطوير التجارة والتعاون الاقتصادي بين البلدين، وفتح الأسواق الكينية للأسماك والمنتجات السمكية من الصومال، وبالمثل استئناف تصدير القات من كينيا إلى الصومال. وأصدر الرئيس الكيني تعليماته للجهات ذات العلاقة بتقديم تأشيرات مجانية عند الوصول لأعضاء مجلس النواب وأعضاء مجلس الشيوخ بالبرلمان الصومالي وللدبلوماسيين الذين يحملون جوازات سفر دبلوماسية مع مذكرة من وزارة الخارجية، كما أن حاملي جوازات سفر الخدمة، سيتم إصدار التأشيرات المجانية لهم عند الوصول في غضون ثمان وأربعين ساعة، بعد استكمال طلب التأشيرة عبر الإنترنت مع مذكرة من وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي. كما تمَّ التأكيد كذلك على الحاجة إلى معالجة التأشيرات لحاملي جوازات السفر العادية في أسرع وقت ممكن بحد أقصى عشرة أيام. وكذلك تمَّ الاتفاق على فتح الحدود بين البلدين لتسهيل حركة الأفراد وتعزيز التجارة في السلع والخدمات. وصدرت التوجيهات بعقد اجتماع اللجنة المشتركة للتعاون بين كينيا والصومال في مقديشو في أغسطس 2022 لمناقشة المصالح المتبادلة والموافقة عليها، مثل العمليات الأمنية المشتركة والدفاع والزراعة والتجارة وتبادل المعلومات الاستخبارية والصحة والتعليم، والتدريب في مختلف المجالات والمراجعة الدورية لنظام التأشيرات. وصدرت التوجيهات لوزارتي الخارجية لضمان تنفيذ القضايا التي اتفق عليها الرئيسان خلال أسبوعين اعتبارًا من تاريخ صدور البيان المشترك.[13]

 

أهمية الزيارة: تأتي الزيارة في محاولة للتقارب بين البلدين بعد توترات دبلوماسية بين الجانبين نتيجة النزاع البحري حول أحقية مساحات بحرية تضم حقولًا نفطية والتي أصدرت محكمة العدل الدولية قرارًا يمنح الصومال أحقية أكثرية تلك المنطقة المتنازعة عليها بين الحدود البحرية بين الدولتين عام 2021، وانطلاقًا من رؤية السياسة الخارجية الصومالية لإجراء مصالحة داخلية وخارجية بهدف فرض استقرار سياسي وأمني لإنعاش الاقتصاد الصومالي بعد ركود دام ثلاثة عقود. وحول آلية تنفيذ تلك البنود التي توصَّل إليها الطرفان، يُشكِّك البعض حول تحديد سقف زمني والاستجابة السريعة لمتطلبات الجانب الصومالي لتصدير السمك من الصومال إلى كينيا. وعودة العلاقات الثنائية بين مقديشو ونيروبي خصوصًا في الشقين التجاري وفي مجال فتح الحدود البرية المغلقة منذ 10 سنوات، تطور مهم وجديد، وربما كانت العلاقات الدبلوماسية والتجارية فعلًا تحتاج لمثل هذه الخطوة، مشيرًا إلى أن رجال الأعمال من البلدين سيكونون الأكثر ارتياحًا، واستعدادًا لبدء نشاطهم التجاري، بعد تسهيل عملية السفر والتجارة عبر الحدود والجو. ويشير عبد القادر إلى أن اللجنة المشتركة للتعاون بين البلدين، للنظر في العلاقات الدبلوماسية سيكون أمامها مهمة إعادة العلاقات التجارية لكنها ستواجه معضلة قضية التحكيم في النزاع البحري الذي حكمت فيه محكمة العدل الدولية لصالح الصومال ورفضته كينيا.[14]

 

  1. شيخ محمود في جيبوتي:

بعد زيارة كينيا عاد شيخ محمود مع الوفد المُرافق له إلى مقديشيو، ومنها إلى جيبوتي يوم السبت 16 يوليو كخامس دولة يزورها منذ انتخابه رئيسًا للصومال منتصف مايو الماضي..

 

أهداف الزيارة: لقي الرئيس حسن شيخ محمود ترحيبًا حارًا في جمهورية جيبوتي، حيث استقبله رئيس جيبوتي، إسماعيل عمر جيله، وأعضاء حكومته، وضباط ووحدات من القوات الجيبوتية. وأشار شيخ محمود إلى أن هذه الزيارة هي بداية لتحسين العلاقات بين البلدين، وتقوية الدعائم الاقتصادية والأخوة القائمة بين الشعبين. وعقد رئيس الجمهورية، حسن شيخ محمود، خلال زيارته لجيبوتي، لقاء مع الرئيس إسماعيل عمر جيله، كما ألقي كلمة في برلمان جيبوتي، لإطلاعه على الوضع في الصومال والظروف المحيطة به، وأهمية العلاقات التاريخية بين البلدين ودورهما المشترك في التنمية والاستقرار في المنطقة.[15]

 

نتائج الزيارة: عقد الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، خلال الزيارة، مباحثات مع نظيره الجيبوتي إسماعيل عمر جيلي ركَّزت على تعزيز العلاقات في مجالي الأمن والتكامل الاقتصادي. وعقد الرئيسان مؤتمرًا صحفيًا مشتركًا في العاصمة جيبوتي أكَّدا فيه على عمق العلاقات التاريخية بين البلدين وأهميتها. وأشار الرئيسان إلى تعزيز المصالح المشتركة للحكومتين وإيجاد حلول للتحديات في المنطقة، وذكرا أنهما سيتعاونان في تعزيز الأمن والتعاون الاقتصادي للاستفادة من فرص التنمية المتاحة في منطقة القرن الإفريقي. وقال الرئيس الصومالي إنه “في القرن الإفريقي، توجد العديد من الفرص والتحديات”. وتابع “نظرًا لأن المنطقة استراتيجية وهامة لبقية العالم؛ يجب أن نقرر بشكل مشترك كيفية المشاركة مع البلدان المجاورة الأخرى، والاستفادة من مواردنا والتعامل مع جميع أنحاء العالم”. وأوضح أن الصومال وجيبوتي يشتركان في التاريخ والثقافة والدين والدم، وهو ما يُفسِّر الدعم المستمر من حكومة وشعب جيبوتي لإعادة إعمار الصومال. ومن جانبه، شكر الرئيس إسماعيل عمر جيل الرئيس حسن شيخ محمود والوفد المرافق له على زيارتهم الرسمية إلى جيبوتي، مُشيرًا إلى أن زيارة الرئيس هي علامة على تعزيز العلاقات القائمة بين البلدين.[16]

 

  1. شيخ محمود في تنزانيا: وصل حسن شيخ محمود والوفد المُرافق له يوم الخميس 21 يوليو إلى مدينة عروشا التنزانية، وتمثَّلت أهمية الزيارة في التالي..

 

أهداف الزيارة وأهميتها: يسعى الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود من خلال زيارة تنزانيا إلى المشاركة في قمة منظمة مجتمع شرق إفريقيا، حيث يبذل النظام الصومالي الجديد قصارى جهده للانضمام إلى التكتل الاقتصادي في شرق إفريقيا والذي يضم سبعة دول هي: الكونغو الديمقراطية، تنزانيا، كينيا، بوروندي، رواندا، جنوب السودان وأوغندا، وتشترك الدول في سوق تجارية كبيرة وهو أمر مهم لاقتصاد المنطقة. ولذا يسعى الرئيس حسن شيخ محمود للحصول على الدعم لانضمام الصومال لمظلة المنظمة. حيث يُقدَّر الاقتصاد السنوي المشترك لدول المنظمة بأكثر من 300 مليار دولار أمريكي، فيما يُقدَّر إجمالي عدد الأشخاص الذين يعيشون في هذه البلدان بنحو 312 مليون شخص لديهم جواز سفر واحد. وقد قدَّم الصومال طلب الانضمام إلى هذه المظلة في عام 2016 ولم تنجح حتى الآن، وتحقيق هذه الخطوة يحمل فرص واعدة للاقتصاد الصومالي. وتشمل فرص الاقتصاد الصومالي تصدير البضائع لهذه الدول دون ضرائب، وتسهيل حركة التنقل حيث هناك جواز سفر موحد، والتمتُّع بحقوق تجارية واجتماعية على مستوى إقليمي.[17]

 

  1. شيخ محمود في مصر: استقبل عبد الفتاح السيسي، الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، بالعاصمة المصرية القاهرة يوم 25 يوليو. وعقد السيسي ومحمود جلسة مباحثات بقصر الاتحادية، تناولت تبادل وجهات النظر والرؤى حول مجمل الأوضاع الإقليمية في منطقة القرن الإفريقي والتي حظيت بأولوية كبيرة خلال المناقشات، إضافة لتعزيز التعاون الاقتصادي والدبلوماسي ومكافحة الإرهاب، واستعادة الدور المصري في تنمية التعليم في الصومال.

 

الملفات التي تناولتها الزيارة: بحسب السيسي؛ فإن محادثاته مع شيخ محمود عكست تقارب وجهات النظر بين البلدين، حول العديد من الملفات والموضوعات الثنائية والإقليمية محل الاهتمام المشترك. واتفقا على العمل المشترك، لتعزيز جهود التنمية الاقتصادية في الصومال، وجهود افتتاح فرع “بنك مصر” بالصومال، التي تكلَّلت بالنجاح في مستهل شهر يوليو، بالإضافة إلى تعزيز التعاون في مجالات التعليم، ومكافحة الإرهاب والفكر المتطرف من خلال توفير التدريب اللازم، لبناء قدرات الكوادر الصومالية في مختلف المجالات. وتطرَّقت المباحثات -وفقًا للسيسي- إلى تطورات ملف سد النهضة الإثيوبي، حيث توافق الجانبان حول “خطورة السياسات الأحادية عند القيام بمشروعات على الأنهار الدولية وحتمية الالتزام بمبدأ التعاون والتشاور المسبق بين الدول المشاطئة، لضمان عدم التسبب في ضرر لأي منها”.[18] لكن متحدث الرئاسة الصومالية، عبد الكريم علي، نفى تطرُّق رئيس البلاد حسن شيخ محمود لملف مياه النيل خلال لقائه مع عبد الفتاح السيسي. وحسب ما نقلته وكالة الأناضول للأنباء، قال المتحدث الصومالي -في تصريحات متلفزة– بعد أن نفا التطرُّق لهذا الملف خلال المباحثات؛ أن “موقف الصومال صريح وواضح تجاه ملف مياه النيل، وهو أن تستغل دول حوض النيل مياهه بطريقة منصفة وسلمية”.[19] وبشأن منطقة القرن الإفريقي، قال السيسي: “اتفقت إرادتنا السياسية نحو العمل معًا على ترسيخ الأمن والاستقرار في تلك المنطقة ذات الأهمية الاستراتيجية من قارتنا إضافة إلى تكثيف التعاون والتنسيق بين مصر والصومال، فيما يتصل بأمن البحر الأحمر”. من جانبه، اعتبر الرئيس الصومالي أن دعم القاهرة لبلاده يرتبط بالعلاقات التاريخية بين البلدين ويساعد على تحقيق المصالح المشتركة في المنطقة. وقال إنه “خلال الصعوبات والمشكلات التي واجهها الصومال على مدار العقود الثلاثة الماضية كانت مصر معنا كي تكفل عودتنا إلى تبوء موقعنا الصحيح، ولا يوجد وقت أفضل من اليوم لاستعادة هذه المكانة”. وفي هذا الإطار؛ يتضح أن القاهرة تستهدف تعزيز العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية مع مقديشيو، وتقديم العديد من المساعدات وأوجه الدعم للصوماليين بصورة أو بأخرى، ارتكازًا على بعد تاريخي في مسار العلاقات الثنائية.[20] وخلال الزيارة، التقى شيخ محمود الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط، وناقشا دعم الصومال في مجالات التعليم والصحة، والتنسيق مع الدول العربية والمنظمات الدولية لمواجهة الجفاف والأمن الغذائي، وغيرها من التحديات التي تواجه بلاده.

 

العلاقات المصرية الصومالية بين فرماجو وشيخ محمود ودوافع التقارب: شيخ محمود هو حليف سابق لمصر في ولايته الأولى (2012 – 2017)، على خلاف سلفه محمد عبد الله فرماجو، الذي شارك في تحالف ثلاثي إلى جانب إثيوبيا وإريتريا وكانت له مواقف مناوئة للقاهرة. وكانت أبرز المواقف التي أثَّرت سلبًا على نظرة القاهرة لفرماجو، تحفُّظ الصومال على قرار للجامعة العربية، صيف 2020، يطالب إثيوبيا بالامتناع عن البدء في ملء خزان سد النهضة من دون التوصُّل لاتفاق مع مصر والسودان حول قواعد الملء والتشغيل. وفي مؤشر آخر على فتور العلاقات في عهد فرماجو، منح الأخير العام الماضي إثيوبيا متنفسًا على البحر الأحمر حين سمح لها باستخدام ميناء بربرة الصومالي للمرة الأولى منذ 20 عامًا من انقطاع الخدمة، في وقتٍ تصاعدت فيه نبرة الإعلام المصري تجاه إثيوبيا بسبب تأزُّم مفاوضات سد النهضة. وعام 2020، ألغت حكومة فرماجو بروتوكول التعاون التعليمي مع القاهرة، وطالبت بعثتها التعليمية بمغادرة البلاد، من دون إبداء أسباب. بينما أقام حسن شيخ محمود خلال فترة رئاسته السابقة علاقات طيبة مع القاهرة، حتى بعد انتهاء ولايته بشكل غير رسمي، وسبق أن حضر صيف 2014 حفل تنصيب السيسي رئيسًا. كما شهدت ولايته الأولى عام 2013 إعادة فتح السفارة المصرية في مقديشو، التي كانت تمارس مهامها من العاصمة الكينية نيروبي، لأسباب أمنية. وثمَّة إشارة مهمة حول مدى التطلعات المصرية من الرئيس الصومالي الجديد، تتمثَّل في مشاركة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في حفل تنصيب شيخ محمود رئيسًا بالعاصمة مقديشيو في التاسع من يونيو الماضي، في زيارة نادرة لمسؤول مصري كبير من هذا النوع منذ سنوات. وهناك مجموعة من الدوافع للتقارب بين القاهرة ومقديشيو الآن: أولها؛ رغبة القاهرة في عودة العلاقات الطيبة مع مقديشيو كما كانت عليها في الولاية الأولى لشيخ محمود، التي كانت أفضل حالًا من ولاية سلفه فرماجو، الذي كانت له علاقات قوية مع إثيوبيا. وثانيها؛ إثر انشغال القاهرة بأوضاعها الداخلية بعد عام 2011، أُصيبت العلاقات بشرخ كبير، مما أفرز فراغًا استثمرته قوى إقليمية على غرار إثيوبيا وتركيا. وثالثها؛ القرن الإفريقي منطقة حساسة وشائكة في ظل الصراعات الإقليمية والدولية، ومصر حريصة على استقرارها. كما أن للقاهرة مصالح كبيرة في الصومال، تتمثَّل في: أهمية الحفاظ على الهوية العربية والإسلامية للصومال في ظل التجاذبات الدولية والإقليمية الراهنة، وكون الحفاظ على أمن واستقرار الصومال يعزِّز جهود مكافحة الإرهاب، وكذلك الموقع الاستراتيجي للصومال وإطلالته على مضيق باب المندب مرورًا بالبحر الأحمر والذي يجعل من أمن واستقرار الصومال يحافظ على مصالح مصر في الملاحة البحرية خاصةً التجارية حيث قناة السويس، هذا مع الأخذ في الاعتبار التأثيرات والتداعيات السلبية على الأمن القومي المصري التي تنجم عن: عسكرة القرن الإفريقي في ظل النفوذ الأجنبي المُتمثِّل في قوات مكافحة الإرهاب والقرصنة، والقواعد العسكرية الأجنبية المتعددة التي يتمركز أغلبها في جيبوتي وخليج عدن وباب المندب وبحر العرب.[21]

 

الخُلاصة؛ تحركات شيخ محمود تهدف إلى إرسال رسالة بأن الصومال بات مُنفتحًا على التواصل مع الجميع بعيدًا عن موازنات وسياسات دول المحاور، باعتبار أن زيارة تركيا جاءت بعد زيارة الإمارات، وهما الدولتان صاحبتا الأجندات المختلفة في التعامل مع القضايا الإقليمية والدولية. فهناك عدة قضايا يُمكن لكّلٍ من تركيا والإمارات أن تساهما في حلها على المستوى الداخلي الصومالي الباحث عن الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي، منها؛ الحد من نشاط حركة الشباب، وتوفير المساعدات الإنسانية لمساعدة 5 ملايين صومالي معرضون للموت بسبب تمدد موجة الجفاف والمجاعة.

وعلى المستوى الإفريقي؛ بدأ شيخ محمود بالفعل في التحرك بشكلٍ فاعل من ناحية لتبديد التكهنات بتدهور بعض علاقاته الإقليمية، وعلى رأسها إريتريا لعلاقاتها القديمة مع فرماجو، وكينيا لخلافاتها مع الصومال حول ملف الحدود البحرية. ومن ناحية أخرى لحل الملفات العالقة في علاقات الصومال بدول الجوار، كما هو الحال في ملف الجنود الصوماليين في إريتريا، والملف الأمني الذي ستدعمه جيبوتي التي يُمكن اعتبارها البوابة الأمنية للقرن الإفريقي. كما لم يغب عن جولاته الإفريقية أيضًا الملف الاقتصادي، الذي جاء على رأس قائمة أولويات الرئيس الصومالي، فكان طلبه للانضمام لمنظمة شرق إفريقيا، وكذلك بنود الاتفاقات التي عقدها مع الدول الأربعة والتي لم تخلُ من مكاسب اقتصادية.

وبالنسبة لمصر؛ فقد بدا خلال زيارة شيخ محمود للقاهرة تضاربًا في أولويات الجانبين. ففي الوقت الذي يسعى شيخ محمود لحل أزماته الداخلية وتناوله للملف الاقتصادي والتعليمي والأمني، سعى السيسي لتوصيل رسالة دعم من الصومال -الدولة المحورية في القرن الإفريقي- لموقف مصر في أزمة سد النهضة، الأمر الذي نفى متحدث الرئاسة الصومالية التطرق له بالأساس، وهو ما يؤكد على حرص الرئيس الصومالي على اتباعه سياسة “تصفير المشكلات”، فبالرغم من تعرض بلاده لمشكلات مشابهة مائية مشابهة مع إثيوبيا أيضًا حول نهر شبيلي؛ إلا أنه رفض التحيز لأحد الأطراف، واكتفى بالتصريحات المحايدة من التأكيد على حقوق كل دول حوض النيل في الاستفادة بمياهه.

وفي هذا الإطار يُعوِّل الجميع كثيرًا على سياسة الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود ذات التوجه المُنفتح على العالم في تحقيق مزيد من التقدم والتطور في علاقة بلاده بدول المنطقة، ومن المُتوقع أن تشهد الفترة المُقبلة مزيدًا من التقدم في العلاقات الصومالية الإقليمية والدولية، مع تقديم المزيد من الحلول لأزمات الداخل الصومالي.

 

 

[1] صفاء عزب، “العلاقات الصومالية الإماراتية.. تطور لافت بعد طي صفحة فرماجو”، الصومال اليوم، 11/7/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/GCTc1

[2] معاوية فارح، “زيارة شيخ محمود إلى الإمارات.. الصومال يعلن 6 مكاسب”، العين الإخبارية، 23/6/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/Vnpb0

[3] صفاء عزب، مرجع سبق ذكره.

[4] الهضيبي يس، “دلالات زيارة الرئيس حسن شيخ محمود إلى تركيا”، Africa Press، 11/7/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/wSFKu

[5] “زيارة شيخ محمود.. صوماليون يتطلعون لمساهمة تركية بمواجهة الجفاف (تقرير)”، الأناضول، 4/7/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/5txFw

[6] “ما دلالات وأبعاد زيارة الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود إلى تركيا؟”، الصومال اليوم، 5/7/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/SQcJk

[7] “زيارة شيخ محمود.. صوماليون يتطلعون لمساهمة تركية بمواجهة الجفاف (تقرير)”، مرجع سبق ذكره.

[8] جمعة بوكليب، معاوية فارح، “اتفاقية من 7 بنود.. الرئيس الصومالي يختتم زيارته إلى إريتريا”، العين الإخبارية، 12/7/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/HQ8h6

[9] ناصر دو الفقار، “هل ينفذ شيخ محمود وعده بإعادة الجنود الصوماليين من إريتريا؟”، البوابة نيوز، 16/7/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/y4655

[10] “الرئيس الصومالي يعد بعودة جنود “كانوا مثار جدل طويل” من إريتريا”، عربي RT، 15/7/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/Sx3nd

[11] صفاء عزب، “مستقبل العلاقات الصومالية الإريترية بعد زيارة الرئيس حسن شيخ إلى أسمرا”، الصومال اليوم، 18/7/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/xN6Rj

[12] ناصر دو الفقار، مرجع سبق ذكره.

[13] “بنود الاتفاقية المبرمة بين الرئيس حسن شيخ محمود ونظيره الكيني”، الصومال اليوم، 16/7/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/TFQnz

[14] الشافعي أبتدون، “الصومال وكينيا: تقارب يتوّج باستئناف العلاقات التجارية بين البلدين”، العربي الجديد، 16/7/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/qclFu

[15] “الرئيس الصومالي يغادر كينيا ويتوجه إلى جيبوتي كخامس دولة يزورها منذ انتخابه رئيسا”، الصومال اليوم، 16/7/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/SvyDK

[16] أيانلي عبدي، “”تعزيز الأمن وفرص التنمية” على طاولة قمة صومالية جيبوتية”، العين الإخبارية، 17/7/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/CoOiA

[17] “الرئيس حسن شيخ محمود يصل مدينة عروشا حاملا على عاتقه حلم الانضمام لـ”شرق إفريقيا””، الصومال اليوم، 21/7/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/ApQV3

[18] “رئيس الصومال يزور القاهرة.. تنسيق مواقف خلف أبعاد تاريخية”، عربية Sky News، 25/7/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/sQMpt

[19] محمود سامي، “الملاحة وسد النهضة ومآرب أخرى.. هل تستعيد القاهرة حضورها في القرن الإفريقي عبر الصومال؟”، الجزيرة نت، 27/7/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/BZbpU

[20] “رئيس الصومال يزور القاهرة.. تنسيق مواقف خلف أبعاد تاريخية”، مرجع سبق ذكره.

[21] محمود سامي، مرجع سبق ذكره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

الأزمة السياسية في صومالي لاند

تتمتَّع صومالي لاند بإمكانيات جيوستراتيجية بالغة الأهمية من حيث موقعها على خليج عدن وميناء…