‫الرئيسية‬ العالم العربي تونس تمرير الدستور التونسي …تداعيات وتحديات وسيناريوهات المستقبل
تونس - أغسطس 31, 2022

تمرير الدستور التونسي …تداعيات وتحديات وسيناريوهات المستقبل

تمرير الدستور التونسي ...تداعيات وتحديات وسيناريوهات المستقبل

بعد عام كامل من الانتهاكات السياسية والأمنية والاجتماعية، بحق التونسيين، وثورتهم “الياسمين”، أكمل قيس سعيد بدعم من الدولة التونسية العميقة والجيش وتواطؤ دولي وتمويلات مشبوهة من أطراف اقليمية، في الانقلاب الكامل على دستور التونسيين المقر في 2014-والذي يعتمد النظام البرلماني المعدل أو المختلط بديلاً عن النظام الرئاسي السابق-

واجراء استفتاء تحوطه الشكوك والمشاركة الضعيفة التي لا تتجاوز 25% من الشعب – بحسب بيانات جمعيات سياسية..

فيما يقدر البعض نسبة المشاركة بـ 27.54%، وهي نسبة ضعيفة مقارنةً بانتخابات أكتوبر 2019 التي وصلت لـ ـ55.02% في الانتخابات الرئاسية و41,70 % بالنسبة للانتخابات النيابية؛ ما يعني تقريباً نصف المشاركين في انتخابات 2019

وجاء الاستفتاء على دستور قيس، بعد عام من تجميد برلمان الشعب، ووقف العمل بالدستور، والاستيلاء على مجمل القرار بالبلاد، وعزل قضاة وعسكرة المجتمع التونسي، منذ 25 يوليو2021

أولا: ردود الأفعال:

وأمام حالة اللغط والتضارب في النتائج الذي شهدته علبة الاستفتاء على الدستور، قال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، في بيان له، “إن تونس شهدت تآكلا مقلقا للمعايير الديمقراطية على مدار العام الماضي، وإن عددا من المكاسب التي حققها الشعب التونسي منذ عام 2011 تم التراجع عنها”..

مضيفا ” إن بلاده تشاطر العديد من التونسيين مخاوفهم من أن عملية صياغة الدستور الجديد حدت من نطاق النقاش الحقيقي” وأشار بلينكن إلى أن استفتاء 25 يوليو الجاري شهد انخفاض مشاركة الناخبين وأضاف أن تعليق الحكم الدستوري وتوطيد السلطة التنفيذية وإضعاف المؤسسات المستقلة كل ذلك أدى إلى إثارة تساؤلات عميقة حول المسار الديمقراطي لتونس

ودعا بلينكن إلى إجراء عملية إصلاح شاملة وشفافة لاستعادة ثقة ملايين التونسيين الذين لم يشاركوا في الاستفتاء أو عارضوا الدستور الجديد ومحليا، أكد رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي أن مقاطعة 75% على الأقل من المسجلين في الاستفتاء على الدستور تعني سقوطه رسميا مضيفا في بيان صحفي، أن مشروع  الدستور الذي أعطى فيه الرئيس قيس سعيد لنفسه صلاحيات فرعونية، سيغرق البلاد في الاستبداد السياسي والإفلاس، وأن تعنت سعيد وتماديه في ما وصفه البيان بالمشروع الاستبدادي يزيدان تعميق أزمة البلاد السياسية ‏والاقتصادية والاجتماعية وعزلتها الدولية

 

بينما دعا تكتل جبهة الخلاص الوطني قيس سعيد إلى التنحي عن السلطة وفتح الباب أمام انتخابات عامّة مبكّرة واعتبر رئيس الجبهة نجيب الشابي، خلال مؤتمر صحفي، أنّ الاستفتاء على الدستور باء بالفشل، بعد اقتصار نسبة المشاركة على نحو 28%، معلنا تمسك جبهة الخلاص بدستور عام 2014

وقبل أسبوع من موعد الاستفتاء أعلنت 41 جمعية ومنظمة حقوقية عن تأسيس “الائتلاف المدني من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والمساواة” الرافض للإجراءات الاستثنائية ومسودة مشروع دستور جديد بينما، حاول قيس ايهام الشعب بالانتصار، وخرج مساء الإثنين الماضي، إلى شارع الحبيب بورقيبة في العاصمة التونسية للاحتفال بين عدة مئات من أنصاره بما اعتبروه “انتصارا”، حيث ردد الأنصار هتافات”بالروح بالدم نفديك يا قيس” وهم يلوحون بعلم البلاد

ثانيا: دلالات كاشفة:

-تزوير فج:

وكانت عملية الاستفتاء على الدستور التونسي الجديد قد انطلقت الإثنين الماضي في تمام السادسة صباحا حيث فتحت مراكز الاقتراع أبوابها وسط حضور أمني لافت

وقد شهدت عملية الاستفتاء على الدستور الكثير من السجالات والجدال الداخلي والخارجي، لما حمله الدستور الجديد من صلاخيات واسعة واعفاء مؤسسة الرئاسة من المسائلة والرقابة، وتقويض المكتسبات الدستورية للتونسيين، التي جنوها بعد ثورةة الياسمين في 2011، وهو ما دفع العديد من الهيئات والمؤسسات الداخلية والخارجية  لانتقاد الاجراءات المتبعة في عملية الاستفتاء، بل وصل الامر أن انتقد وزير الخارجية الامريكي بلينكن، الاستفتاء والدستور الجديد، الذي وصفه بأنه يجسد الاستبداد والديكتاتورية ويعمق أزمة الديمقراطية بتونس.

وعلى إثر التزوير الفج الذي ظهر جليا على صفحة الهيئة المستقلة للانتخابات التي أدارت التصويت، والمعينة من قبل قيس سعيد، جرى اقالة رئيس ديوان الهيئة على خلفية ما اعتبرتها أخطاء تسربت إلى جدول الأصوات المحتسبة في عملية الاقتراع على الاستفتاء، حسب ما أكد ماهر الجديد نائب رئيس الهيئة في تصريحات صحفية.

وكانت قوى معارضة وهيئات مدنية شككت في نسب وأرقام منشورة على صفحة الهيئة، قبل سحبها، واعتبرتها دليلا على غياب شفافية المسار الانتخابي، وشددت على أن الهيئة المعينة من قبل الرئيس قيس سعيد غير مستقلة، على حد تعبير هذه الهيئات

يذكر أن منظمة “أنا يقظ” طالبت بإعادة فرز الأصوات من قبل منظمات مستقلة وتحت إشراف قضائي من محكمة المحاسبات

 

وقد نشرت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، مساء الثلاثاء الماضي نتائج أولية للاستفتاء، قبل أن تقوم صباح الأربعاء الماضي بحذفها ونشر نتائج أخرى تتضمن تغييرا كبيرا في الأرقام المعلنة بالنسبة لأغلب الدوائر الانتخابية (25 دائرة من أصل 33)

ونتيجة لذلك تفجر جدل واسع النطاق على شبكات التواصل بعدما تم اكتشاف هذا التضارب في الأرقام التي أعلنتها هيئة الانتخابات في 29 يوليو، وبين الأرقام التي نشرتها صباح الأربعاء الماضي

في المقابل، أكدت هيئة الانتخابات أن عملية تجميع النتائج الخاصة باستفتاء 2022 تمت طبقا للقانون، لكنها أقرت في الوقت ذاته بتسرب خطأ مادي بإلحاق جدول غير معين من المشاركين في الاستفتاء ضمن ملحقات قرار النتائج المعلنة عنها

وأكدت هيئة الانتخابات -في بيان لها الخميس الماضي- أن النتائج التي أعلنتها “صحيحة ولا تشوبها أي أخطاء، وأنها نشرت جميع التفاصيل التي تم عرضها بالمركز الإعلامي للهيئة (بقصر المؤتمرات في العاصمة) مباشرة بعد الانتهاء من الإعلان عن النتائج الأولية

-مشاركة ضعيفة والمقاطعون 75%

وبلغت نسبة الناخبين الذين صوتوا على مشروع الدستور في 25 يوليو الجاري 30.5% من جسم انتخابي يقدر بأكثر من 9 ملايين، وبلغت نسبة الناخبين الذين صوتوا بنعم 94.60% مقابل 5.40% صوتوا بلا، وفق هيئة الانتخابات

ولحسب الأرقام الحكومية المعلنة، فقد شارك في عملية التصويت على مشروع الدستور أكثر من مليونين و830 ألف ناخب، فيما قاطع أكثر من 6 ملايين و400 ألف ناخب لاعتبارات مختلفة

-رفض شعبي لمجمل اجراءات قيس الانقلابية منذ عام:

وقد جاءت نسبة المشاركة المتدنية في الاستفتاء، لتعبر بجلاء عن موقف التونسيين مما يجري في البلاد منذ عام من إجراءات استثنائية فرضها الرئيس سعيد وتسببت في أزمة سياسية واستقطاب حاد

ومن ضمن الاجراءات الاستثنائية، التي مزقت الحياة السياسية التونسية، منذ 25 يوليو 2021، إقالة الحكومة وتعيين أخرى وحل مجلسي البرلمان والقضاء وإصدار تشريعات بمراسيم رئاسية مرورا بتنظيم الاستفتاء على الدستور لينتهي المشوار بإجراء انتخابات برلمانية مبكرة اختار الرئيس لها تاريخ 17 ديسمبر القادم

وقد نشر في 30 يونيو الماضي، في جريدة “الرائد الرسمي”، مشروع الدستور الجديد الذي طُرح للاستفتاء، ولحقته مجموعة من التعديلات التي نُشرت في 8 يوليو

واعتبر سعيد الدستور الجديد امتدادا لعملية “تصحيح المسار” التي بدأها بسلسلة قرارات، لم تكن متوقعة، في 25 يونيو 2021 مع إقالة رئيس الحكومة السابق وتجميد أعمال البرلمان ليحله بالكامل لاحقا

ثالثا: مضامين كارثية بالدستور الجديد ضد الحقوق والحريات والديمقراطية:

ومن خلال القراءة المتأنية لمشروع الدستور، الذي مررته سلطات قيس سعيد وأعلنت نتائجه في 29 يوليو 2022، تبرز العديد من الاشكالات القانونية والدستورية، التي تصب في إطار المسار الديكتاتوري والاستبدادي الذي ينتهجه قيس سعيد منذ عام، ويقود تونس نحو عودة مؤكدة لعهد ما قبل “الربيع العربي”. بل وحكم الفرد. فالباب الرابع من الدستور، يظهر بوضوح، التركيز الشديد لكافة السلطات التنفيذية بيد الرئيس، في وقت باتت فيه الحكومة مجرد أداة تنفيذية، يعينها ويعفيها بأوامر منه، وفقا للفصلين 101 و102 وينحصر دورها في تطبيق سياسات الرئيس وتوجهاته، ومساعدته في ممارسة السلطة التنفيذية وفق الفصل 87

ووفقا للدستور الجديد أيضا، فإن الرئيس بإمكانه حل البرلمان بغرفتيه، أي مجلس نواب الشعب ومجلس الأقاليم، كما يمكنه تقديم مبادرات تشريعية، وإصدار مراسيم، إثر تفويض من مجلس نواب الشعب، أو أثناء العطلة البرلمانية، أو على إثر حل المجلس، ولا تتوقف صلاحيات الرئيس عند هذا الحد، بل هو يحتكر حق العفو الخاص، كما يحق له حسب الفصل 97 تعديل النظام السياسي، أو صلاحيات السلطات العمومية، بمقتضى قانون يقترحه ويعرض على الاستفتاء ووفق تقديرات استراتيجية، تكمن خطورة الدستور الجديد، في  تحصين الرئيس، من أي محاسبة، حيث تقع المسؤولية برمتها على كاهل الحكومة، رغم طبيعة مهامها الأساسية رغم أنها مهام تنفيذية بحتة ومن بين الفصول التي تُثير جدلاً في تونس والتي تنتقدها بشدّة المنظّمات الحقوقيّة، ما يتعلّق بالبندين الخامس، والخامس والخمسين.

وينص الفصل الخامس على أن “تونس جزء من الأمّة الإسلاميّة، وعلى الدولة وحدها أن تعمل، في ظلّ نظام ديمقراطي، على تحقيق مقاصد الإسلام الحنيف في الحفاظ على النّفس والعرض والمال والدين والحرّية وكانت منظّمات حقوقية دوليّة انتقدت هذا الفصل، معتبرةً أنّه “يُتيح التمييز ضدّ الجماعات الدينيّة الأخرى”. وقد حافظ نص الدستور الجديد على بند “حرّية المعتقد والضمير” التي نصّ عليها دستور 2014 وينص الفصل الخامس والخمسون على “ألا توضَع قيود على الحقوق والحرّيات المضمونة بهذا الدستور إلّا بمقتضى قانون ولضرورة يقتضيها نظام ديمقراطي وبهدف حماية حقوق الغير، أو لمقتضيات الأمن العامّ، أو الدفاع الوطني، أو الصحّة العموميّة

ووفق قانونيون تونسيون، فإن هذا الفصل يُتيح للسلطات مجالاً كبيراً للحدّ من الحرّيات، من دون رقابة ووفق إريك ولدستين، نائب مدير الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة هيومنا رايتس ووتش المعنية بحقوق الإنسان، في تصريحات لـ “بي بي سي” : “إن ذكر حقوق الإنسان في الدستور ليس كافيا حيث يجب أن يُنشئ أي دستور آليات ومؤسسات لحماية الحقوق من التجاوزات، وهذا هو العنصر المفقود بشكل خطير في مشروع دستور سعيدكما قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، نيد برايس، إن الدستور التونسي الجديد قد يمسّ حقوق الإنسان. ، حيث يضعف التوازن بين السلطات في الدستور الجديد من شأنه المسّ بحقوق الإنسان، مشيرا إلى ضعف الإقبال على التصويت في الاستفتاء على الدستور

-نجاح دعوات المقاطعة:

كما ان العديد من الأسباب تقف وراء تراجع نسبة المشاركة في التصويت مقارنة بالمحطات الانتخابية السابقة أبرزها الغياب الملحوظ للأحزاب السياسية الكبيرة والفاعلة في المشهد السياسي التونسي على غرار حزب حركة النهضة، وجبهة “الخلاص الوطني” التي تضم تكتلاً من مجموعة من الأحزاب وهي “حركة النهضة” و”قلب تونس” و”ائتلاف الكرامة” و”حراك تونس الإرادة” وحزب أمل، ومجموعة “مواطنون ضد الانقلاب” التي دعت إلى مقاطعة الاستفتاء كما دعت إلى مقاطعة الاستفتاء أحزاب انضوت تحت ما يسمى “الحملة الوطنية لإسقاط الاستفتاء”، وتضم  “الحزب الجمهوري” و”التيار الديمقراطي” و”التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات” وحزبي “العمال” و”القطب الديمقراطي الحداثي

وعلى الرغم من أن القوى المؤيدة للرئيس سعيد، ترى أن المعارضة لا تحظى بالتأييد الشعبي، وأنها قررت المقاطعة “مخافة التعرض للهزيمة في الاقتراع”، إلا أن مقاطعة التصويت على الاستفتاء أدت لتراجع نسبة التصويت في الاستفتاء إلى النصف وأقل من النصف مقارنة بالاستحقاقات الانتخابية السابقة كما تدل على ذلك أرقام ونسب التصويت والاقتراع فيما يرى الأمين العام لحزب “التيار الديمقراطي، “غازي الشواشي ، في تصريييحات اعلامية، أن قرار مقاطعة الاستفتاء بـ”عدم وجود ضمانات لنزاهة التصويت، نظراً لأن رئيس الدولة غيّر تركيبة هيئة الانتخابات، لتصبح موالية للرئيس”، ولعدم تحديد “عتبة أو حد أدنى للمشاركة من أجل المصادقة على الدستور. وبالتالي، يكفي تصويت 100 ألف شخص ليمر هذا الدستور

رابعا: تحديات ما بعد تمرير الدستور

-ضبابية المسار السياسي بتونس:

وتطرح نتيجة الاستفتاء لذي مرر الدستور الجديد ، بنسبة مشاركة قليلة ، تراوحت بين 25-28% وسك اتهامات بالتزوير، الكثير  من التساؤلات  والاشكالات فسلطات رئيس الجمهورية لم تعد تقتصر على صلاحيات الدفاع والخارجية على نحو ما كانت في دستور 2014، بل توسعت لتشمل اختصاصات تعيين الحكومة والقضاة، وتقليص النفوذ السابق للبرلمان، كما أصبح لرئيس الجمهورية حق تعيين رئيس الحكومة وإقالته وليس البرلمان على نحو ما كان في دستور 2014، وله الحق أيضاً في تعيين الوزراء باقتراح من رئيس الحكومة، وأصبح للرئيس الذي يتولى منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة صلاحيات ضبط السياسة العامة للدولة وتحديد اختياراتها الأساسية، ولم يتضمن الدستور بنوداً لإقالة الرئيس خلافاً لما جاء في دستور 2014..ومع تلك النتائج التي أثارت غضب جميع الفاعلين السياسيين بتونس، عدا مؤيدو الرئيس فقط. وهو ما دفع الاتحاد العام التونسي للشغل، وهو التشكيل النقبي الأهم وأكبر المنظمات في تونس وأهمها ليعلن رفضه المشاركة في الحوار الوطني الذي اقترحه الرئيس قيس سعيّد من أجل «جمهورية جديدة» معتبراً أنه «حوار شكلي ويقصي القوى المدنية»، مع أن لأعضائه حرية التصويت بنعم أو لا على الدستور، ما يعني تفريغ القوة السياسية في البلاد من أهم فعالياتها ومرتكزاتها.

في ظل مثل هذا المناخ شديد التعقيد كيف يسير الرئيس بن سعيّد بالبلاد، وما هي خطواته بالنسبة للانتخابات البرلمانية المقررة في 17 ديسمبر القادم، وكذلك بالنسبة لوضعه كرئيس للجمهورية، هل سيظل يحكم لحين اكتمال مدة ولايته التي بدأت عام 2019 وتمتد لخمسة سنوات، ومع انتخاب برلمان جديد، أم سيقرر التبكير بانتخابات رئاسية قد تتزامن مع الانتخابات البرلمانية؟

 الوضع القانوني والطبيعي بعد الاستفتاء ب «نعم» على مشروع الدستور الجديد هو أن يتبع اعتماد الدستور الجديد الإعلان عن انتخابات رئاسية، لأنه إذا قرر الرئيس إكمال مدته الرئاسية معتمداً على دستور 2014 فإنه يكون قد سمح لنفسه البقاء في المنصب فترة أطول مما هو مسموح له قانوناً.. تساؤلات واستفسارات كثيرة تكشف مدى جدية التحديات التي تواجه تونس في عهدها الجدي

-نهاية عهد استقلال القضاء:

كما أصبح من اختصاصات سعيد أيضاً تعيين القضاة إثر تقديم ترشيحاتهم من جانب المجلس الأعلى للقضاء، الأمر الذي اعتبره عدد كبير من القضاة “تدخلاً في استقلال القضاء”..

 هذه المميزات التي يتمتع بها رئيس الجمهورية في الدستور الجديد تطرح الكثير من علامات الاستفهام والأسئلة حول مستقبل العملية السياسية في تونس، على ضوء الكثير من الاعتبارات المهمة. منها الأزمة المتفجرة منذ أشهر مضت بين القضاة والرئيس بسبب إعفاء عدد كبير منهم من الخدمة لصلتهم بالفساد، ومنها نسبة التصويت المتدنية جداً على الدستور التي أعطت التونسيين فرصة الطعن في نزاهته والمطالبة بإسقاطه

– الاستحقاقات الاقتصادية والاجتماعية:

وعلى أية حال، فمع تصاعد قوة سعيد الدستورية، -وليست الشعبية- بعد تمرير دستوره، سيتواجه سعيد بتحديات جمة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، ستضعه أمام سؤال الشعب، الذي يحاول سعبد التهرب منه حاليا، بادعاء العراقيل السياسية والدستورية، التي تم تجاوزها بمواد دستوره الجديد، الذي يجعل منه حاكما متفردا وصاحب الكلمة الاولى في كل أروقة السلطة، التنفيذية والتشريعية، بل والقضائية أيضا..

ومن ثم فإن القوة الدستورية التي بات يتمتع بها سعيد بعد الاستفتاء، قد تكون سلاحا ذا حدين، فقد وضع نفسه المسؤول الأول في البلاد وبالتالي فإن أنظار الفئات الشعبية تتجه إليه بوصفه المنقذ الذي يجب عليه ان يغير أوضاعهم. وهذا ما فسرته عمليات سبر الآراء الأخيرة، فجل الفئات التي صوتت للدستور الجديد لم تقرأ ما جاء فيه ولا يعنيها الفقه الدستوري أو الجدل القانوني الدائر بل انها جاءت لصندوق الاقتراع آملة ان تجد حلولا لمشاكلها الحياتية العادية مثل البطالة أو غلاء الأسعار والصحة وغيرها.

ومع تعاظم مطالب التونسيين التي على سعيد الاستجابة لها، تتفاقم أزمات الاقتصاد التونسي، الذي يواجه انهيارا شاملا، وهو ما سيدفع بمواجهة شعبية طاحنة بين الشعب ونظام سعيد، قد تكون نتيجته فوضى شعبية عارمة..

لذلك فإن أولى التحديات التي تنتظر البلاد هما الملفان الاقتصادي والاجتماعي والعلاقة بالاتحاد العام التونسي للشغل الذي لديه مطالب لم تستجب لها الحكومة وتنتظر الحسم. ويرجح أن يذهب اتحاد الشغل باتجاه التصعيد إذا لم تستجب الحكومة لمطالبه وذلك تحت ضغط الطبقات الفقيرة، التي تعيش ظروفا اجتماعية صعبة تضطرها للمطالبة بالزيادات في كل مرة ترتفع أسعار المواد الأساسية بعد أن أصبحت الزيادات خبزا يوميا في حياة التونسيين وقدرا محتوما عليهم في السنوات الأخيرة على وجه الخصوص

وبالتالي فإن حكومة الرئيس سعيد، سواء بقيت نجلاء بودن على رأسها أو تم تغييرها، ستجد نفسها مجبرة على التعامل بجدية مع مطالب الإتحاد وإلا فإن صداما قد يحصل بين الطرفين مع نهاية فصل الصيف. وذلك نظرا للظروف الاقتصادية والاجتماعية المزرية التي تعاني منها الطبقة الشعبية والعمالية في تونس

كما سيجد الرئيس القوي، بمقتضى الدستور الجديد، نفسه مجبرا كما حكومته على إيجاد البدائل في حال رفض صندوق النقد الدولي إقراض تونس مبلغ 4 مليارات من الدولارات، وقد كان من المفروض أن يقع التفكير في هذه البدائل منذ مدة، وحتى قبل الاستفتاء الدستوري و”الحوار” الذي تبعها. كما أنه مطالب، وفي وقت قياسي، بإيجاد الحلول الكفيلة بتغطية العجز الجديد في الميزانية الناجم عن ارتفاع أسعار القمح والمحروقات نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية التي لم يكن أحد يتوقع حصولها عند إعداد الميزانية لهذا العام.

تصاعد وتمدد المعارضة وعدم اقتصارها على الاسلاميين وحلفائهم:

ومن بين التحديات التي سيواجهها سعيد، تنامي المعارضة لمساره السياسي، فلم يعد الأمر يقتصر على المتضررين من الإطاحة بمنجزات “الربيع العربي”، وبمنظومة 2011 مثلما كان عليه الأمر خلال الأشهر الماضية، بل تجاوزه إلى تيارات وأحزاب سياسية ومنظمات من المجتمع المدني وشخصيات وطنية معروفة تحظى بالاحترام على الأقل في اختصاصاتها. فقد استفزّ الدستور الجديد شرائح كثيرة كانت تؤيد الرئيس قيس سعيد أو تتحفظ على انتقاد بعض تجاوزاته، وهو ما جعلها تتحرك ضد هذا الدستور، خوفا على الحريات أو انتقادا للنظام السياسي الجديد الذي يجعل الرئيس فوق المحاسبة والمساءلة

فهناك عدد كبير من المنظمات الحقوقية عبرت عن خشيتها على الحقوق والحريات من هذا الدستور وهي تستعد لمعركة حقوقية مع ساكن قرطاج دفاعا عن الحريات التي ترى أنها باتت مقيدة وأقل بكثير من سقف التوقعات والآمال. ولبعض هذه المنظمات تاريخ حافل في مقارعة نظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، وهي معارضة شرسة، ولا تمل دفاعا عن قضاياها الحقوقية ولديها امتداداتها في قطاعات حساسة مثل الإعلام والمحاماة والأحزاب والنقابات المنضوية تحت لواء الاتحاد العام التونسي للشغل

وتعارض هذه المنظمات ومن هو على نهجها أيضا، إضافة إلى موضوع الحريات والجدل الذي يحوم حول الفصل الخامس، مسألة بقاء الرئيس من دون رقابة ومساءلة خلافا لرئيس الحكومة الذي هو بالأساس وزير أول ينفذ التعليمات لكنه يحاسب مع فريقه الحكومي، فيما صاحب القرار ومن يصدر التعليمات منزه ولا يمكن المساس به بأي حال من الأحوال. ففي النظامين الرئاسيين الأمريكي والفرنسي، وهما نظامان ديمقراطيان، لا يوجد شيء اسمه رئيس الحكومة، ولا لائحة لوم تصدر ضد الحكومة، فهي من مميزات الأنظمة البرلمانية التي تجعل رئيس الحكومة صاحب الصلاحيات التنفيذية الواسعة هو الذي يحاسب فيما لا يتعرض رئيس الجمهورية للمحاسبة والمساءلة باعتباره مجردا من الصلاحيات التنفيذية

وينتظر أن تضغط هذه المنظمات ورجال القانون والقوى الديمقراطية باتجاه إدخال التعديلات اللازمة على نص الدستور الذي جاء مخيبا لآمالهم في مسألتي الحريات وسير عمل النظام السياسي. إذ يجب حسب هؤلاء استبدال عبارة رئيس الحكومة بعبارة الوزير الأول كما النظام الرئاسي الفرنسي أو حذف هذه الخطة تماما أسوة بالنظام الرئاسي الأمريكي مع اخضاع صاحب السلطة التنفيذية والصلاحيات الواسعة أي رئيس الجمهورية إلى الرقابة والمحاسبة والمساءلة لضمان عدم استبداده بالسلطة ولضمان ترسيخ نظام رئاسي ديمقراطي لا ينحرف ليصبح نظاما ديكتاتوريا، مثلما يحصل في باقي الأنظمة الجمهورية العربية.

  • تحدي الانتحارات البرلمانية القادمة:

وينتظر قيس سعيد استحقاق هام لمرحلة ما بعد الاستفتاء على الدستور وهو الانتخابات التشريعية والتي كان من المفروض أن تجرى معها انتخابات رئاسية على أساس الدستور الجديد. وللإعداد إلى هذه الانتخابات وجب الشروع فورا في تنقيح القانون الانتخابي وكذا قانون الأحزاب، وفي هذا الإطار يبدو توجه الرئيس سعيد نحو إلغاء نظام الاقتراع على القوائم المغلقة في دوائر كبيرة واستبداله بنظام الاقتراع على الأشخاص في دوائر صغيرة، غير مفضل بالنسبة للبعض باعتباره يخلق انقسامات ويعيد إحياء القبلية والانتماءات العرقية الضيقة، من جديد.

ففي حال تم اعتماد هذا النظام سترشح كل جهة “ابن قبيلتها” لتمثيلها في البرلمان الذي سيتحول إلى مجلس لأعيان القبائل، بدلا من برلمان مدني تمثل فيه مختلف الأحزاب والتيارات السياسية. وحتى الأحزاب ستضطر لترشيح أبناء القبيلة في كل جهة لتمثيلها لضمان أوفر حظوظ الفوز في سعيها لكسب أوفر عدد ممكن من المقاعد داخل البرلمان

وتبقى المعضلة التي تواجه الانتخابات التشريعية المقبلة هي المقاطعة من قبل بعض الأحزاب والتيارات السياسية والتي قد تحد من مصداقيتها في حال أجريت من دون هؤلاء المقاطعين. تضاف إلى ذلك ظاهرة العزوف عن المشاركة في الانتخابات والتي تنامت كثيرا مقارنة بانتخابات المجلس التأسيسي لسنة 2011 والتي وجب إيجاد الحلول الكفيلة بمعالجتها لضمان أكبر قدر من المصداقية لأي استحقاق انتخابي مقبل

سؤال اللحظة الراهنة

وأمام المشهد السياسي التونسي، بعد تمرير الدستور الجديد، بشرعية منقوصة، ونسبة مشاركة متدنية عن باقي الاستحقاقات التي شهدتها تونس، عقب الربيع العربي المتفجر منذ 2011، تقف الساحة السياسية التونسية ومعارضي قيس سعيد أمام تحولات خطرة، تستدعي التفكير مليا في مواجهتها وصياغة   سياسات مستقبلية، للتعاطي مع الموقف والمستقبل، وذلك ما قد يشهد بروز عدة سيناريوهات.

-السيناريو الأول: نحاح جهود القوى المعارضة لقيس سعيد، ودستوره في الاجتماع حول أجندة سياسية موحدة وتنطلق في حوار وطني جامع لإيجاد الوسائل الكفيلة بإسقاط الدستور الجديد وتكوين حكومة موازية للحكومة الموجودة في القصبة وتدويل قضيتها لرفع الغطاء الدولي عن الرئيس ودفعه للاستقالة في مرحلة متقدمة

السيناريو الثاني: التحضير من الآن للمشاركة في الانتخابات البرلمانية في ديسمبر القادم والسعي للحصول على الأغلبية في الغرفتين البرلمانيتين، وعند تحقيق هذا الهدف تقوم المعارضة بطرح مشاريع قوانينها لتعديل الدستور الحالي والحد من صلاحيات الرئيس الواسعة التي يحظى بها بفضل دستور 2022

السيناريو الثالث: أن يواصل الرئيس ملاحقة معارضيه السياسيين قضائياً خصوصاً من داخل حركة النهضة وإصدارأوامر اعتقال عن طريق القضاء الذي أصبح يتحكم فيه عن طريق المراسيم وعن طريق المجلس الأعلى للقضاء المعيّن، وهو ما سيصعد المواجهة بين الحركة والرئيس وربما يضعها في مواجهة السيناريو المصري الذي بدأت إرهاصاته تظهر منذ فترة ولعل ما يفاقم المشهد التونسي ، اتجاه سعيد نحو تعديل النظام الانتخابي ليعيد تشكيل مخرجات العملية السياسية ، وفق ما يحقق له استبداد كامل وسيطرة مطلقة على الدولة التونسية…وهو ما يستوجب العمل على مواجهته وتجاوزه من ققبل القوة الوطنية، سواء عبر تالفات انتخابية بين القوى الوطنية، تدفع نحو مغايرة مسار قيس سعد السلطوي.

خاتمة:

ولعل ما تشهده تونس اليوم، من وأد للديمقراطية وترسيخ لدولة الاستبداد، مثلما شهدته مصر، منذ العام 2013، وهو ما يمثل وأدا كاملا لثورات الربيع العربي، ودخلة المنطقة العربية في منعطف أسودا من الاستبداد والديكتاتورية.

وهو ما يضع تونس أمام أزمة ديمقراطية وعصف بالحقوق والحريات، بل والانهيار الاقتصادي ولأحترب الاجتماعي أيضا. وفي هذا الإطار، كانت وكالة فرانس 24، ذكرت في تقرير لها سابق أن الربيع لعربي الذي بدأ من تونس، قد ينتهي فيها أيضا. حيث يقول تقرير وكالة فرانس 24، إن تونس كانت الشمعة الوحيدة التي بقيت مشتعلة من الثورات التي هزت المنطقة، فقد نجحت البلاد في تنظيم ثلاثة مواعيد انتخابية تعددية على مدى العقد الماضي، والتي لاقت إشادة دولية، كما تم إقرار دستور توافقي خلال سنة 2014، يضمن الحريات العامة والفردية والتعددية السياسية في البلاد لكن وفي ظل عبور المرحلة الانتقالية بسلام، عانت تونس أزمات اقتصادية ومالية وأمنية، جعلت المكتسبات الديمقراطية يُنظر إليها على أنها “نقمة” لبعض التونسيين، مع تعطل محركات الاقتصاد الأساسية ومنها بالأساس السياحة، وتصدير الفوسفات، وتوالي أزمات المال العام، واعتمادها على قروض صندوق النقد الدولي الذي يفرض حزمة اجراءات  اقتصادية ذات كلفة اجتماعية ثقيلة وجاءت أزمة فيروس كورونا وتداعياتها الصحية والاقتصادية العالمية لتدمر الوضع الاجتماعي والاقتصادي في البلاد، وهو ما استغله الرئيس الشعبوي سعيّد، لفرض ما سمّاها “إجراءات استثنائية” بحجة “الخطر الداهم”، ويستحوذ على معظم السلطات، ويقر خارطة انتقال سياسي لم تقبل بها القوى السياسية والمدنية والنقابية بالبلاد ولعل اللحظي الراهنة، وتجلياتها السياسية تمثل العقبة الكؤود أمام التونسيين، ان تجاوزوها وتكاتفوا لمواجهتها، قد تعد تونس لمسار الديمقراطية، وإن فشلوا أمام سلطوية قيس سعيد ، فستدخرج تونس بسرعة نحو هاوية الديكتاتورية المؤمنة بالقانون والجيش والأمن وتغييب القضاء الذي بات تحت سيطرة شعبوية سعيد..وهو ما ستجيب عنه الأيام المقبلة.

………

مراجع:

………..

  1. الجزيرة نت، بلينكن: تونس شهدت تآكلا مقلقا للمعايير الديمقراطية على مدار العام الماضي، 28/7/202
  2. د. محمد السعيد إدريس، تونس وتحديات ما بعد الاستفتاء، صحيفة الخليج، 29 يوليو 2022
  3. بي بي سي عربي، تونس بعد الاستفتاء.. انفراجة أم أزمة جديدة؟، 26 يوليو 202
  4. عربي بوست، دستور تونسي جديد بمشروعية مشكوك فيها: لماذا تمت مقاطعته؟ وما هي السيناريوهات المحتملة لمعارضيه؟، 2022/07/26
  5. القدس العربي، تونس ما بعد الاستفتاء: دستور جديد وجمهورية ثالثة وتحديات جسيمة، 31 يوليو 2022
  6. جريدة الطريق، تونس ما بعد الاستفتاء.. كيف سيّغير الدستور الجديد المعادلة السياسية؟، 30 يوليو 2022
  7. عربي بوست، دستور تونسي جديد بمشروعية مشكوك فيها: لماذا تمت مقاطعته؟ وما هي السيناريوهات المحتملة لمعارضيه؟، 2022/07/26
  8. رويترز، قيس سعيد يكشف خطوته القادمة بعد الموافقة على الدستور الجديد: سيغير شكل الانتخابات بتونس 2022/07/26،
  9. عربي بوست، بدأ من تونس وانتهى فيها.. هل كتب دستور قيس سعيد السطر الأخير في حكاية ثورات الربيع العربي؟، 2022/07/30

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

ملامح التحول السلطوي في تونس والموقف الشعبي منه .. مع الإشارة للتجربة المصرية

كان الاستفتاء على مشروع الدستور هو الخطوة الثالثة في خارطة الطريق التي أعلنها الرئيس التون…