‫الرئيسية‬ إفريقيا حوار وطني بين الفصائل التشادية برعاية قطرية
إفريقيا - أغسطس 31, 2022

حوار وطني بين الفصائل التشادية برعاية قطرية

حوار وطني بين الفصائل التشادية برعاية قطرية

تولى محمد إدريس ديبي السلطة في إبريل 2021 بعد مقتل والده إدريس ديبي إتنو بعد حكم دام ثلاثين عامًا، خلال عملية عسكرية ضد المتمردين. عُيِّن ديبي الابن على رأس هيئة حاكمة مؤلفة من 15 جنرال موالين له، هي المجلس الانتقالي العسكري وتم تعليق الدستور وحل البرلمان. وكان الاستيلاء على السلطة قد أحدث موجة من الاضطرابات في تشاد التي شهدت انقلابات وثورات وحكمًا استبداديًا منذ استقلالها عن فرنسا في 1960. ومؤخرًا؛ بعد 18 شهرًا من حكم المجلس العسكري -وهو الموعد النهائي الذي حثَّته فرنسا والاتحاد الإفريقي وآخرون على الالتزام به- سعت الحكومة القطرية للوساطة بين الفصائل التشادية والمجلس الانتقالي لإتمام المصالحة، وبدء حوار وطني شامل. فما هي خلفيات الأزمة في تشاد؟ وكيف جرت الوساطة القطرية؟ وماذا كانت نتائجها؟ وكيف يجري الحوار التشادي الآن؟ تلك هي التساؤلات التي سنسعى للإجابة عليها خلال هذا التقرير..

 

خلفيات الأزمة في تشاد: بعد سنوات من التمرد المتكرر، قادت جماعة معارضة مسلحة تُعرف باسم جبهة المواءمة والوفاق في تشاد (FACT) أحدث غارة على الأراضي التشادية عبر الحدود مع ليبيا في ١١ إبريل ٢٠٢١. وتقدمت مجموعة من المقاتلين بسرعة عبر الصحراء الشمالية التشادية، حيث تغلبت على الجنود التشاديين في سلسلة من المعارك. وبحلول ١٨ إبريل، وصل مقاتلو جبهة المواءمة والوفاق في تشاد إلى منطقة في مقاطعة كانم بالقرب من بلدية نوكو، التي تقع على بعد ٣٠٠ كيلومتر تقريبًا شمال شرق العاصمة نجامينا. ورسميًا، انخرط جنود جبهة المواءمة والوفاق في تشاد والجنود التشاديون في قتال عنيف حول نوكو حيث انضم الرئيس إدريس ديبي إلى قواته على الخطوط الأمامية. وخلال القتال في ١٩ إبريل، أصيب ديبي بجروح وتم نقله إلى نجامينا حيث توفي متأثرًا بجراحه. وترك موت ديبي المفاجئ فراغًا في السلطة للجيش، والذي تم ملؤه على الفور تقريبًا من قِبل المجلس العسكري المكون من ١٣ عضوًا. واختار القادة العسكريون بالإجماع محمد ديبي لقيادة البلاد كرئيس مؤقت خلال فترة انتقالية. ثم علَّق المجلس العسكري الدستور والسلطة التشريعية وفرع السلطة التنفيذية في الحكومة. واختار ديبي الابن بسرعة العديد من المدنيين لشغل مناصب وزارية. ضمت الحكومة حلفاء بارزين من الدائرة الداخلية المقربة لديبي الأب، ومتمردين سابقين في دوائر انتخابية مهمة، وأعضاء أحزاب سياسية كانوا ينتمون إلى المعارضة. أدى تعيين الحكومة إلى تهميش أطراف المعارضة الديمقراطية الذين تجرأوا على تحدي سلطة وشرعية استيلاء المجلس العسكري على السلطة. كما نشر المجلس العسكري بسرعة ميثاقًا انتقاليًا ليكون بمثابة الإطار القانوني له. وهكذا؛ يُمكن القول أنه في أعقاب وفاة إدريس ديبي، نفذ المجلس العسكري انقلابًا دستوريًا للحفاظ على السلطة واستمرارية الحكم داخل عائلة ديبي ولحلفائه. وفي نهاية العام الماضي، أعلن المجلس العسكري الانتقالي في تشاد، عفوًا عامًا عما يقرب من ٣٠٠ شخص متهم بارتكاب “جرائم رأي” و”إرهاب” و”جرائم الإضرار بسلامة الدولة”، في محاولة للإيفاء -ولو جزئيًا- بالشروط المُسبقة التي طالبت بها المعارضة التشادية المسلحة مقابل مشاركتها في حوار وطني شامل.[1]

 

وساطة قطرية لإتمام المحادثات: استضافت الدوحة، مارس الماضي، مفاوضات السلام التشادية التي جمعت ممثلين عن المجلس العسكري الانتقالي والحركات المسلحة في تشاد. وعكست الاستضافة القطرية لهذه المباحثات حرص الدوحة على مواصلة دورها كلاعب نشط وفعَّال لإرساء الأمن والسلم الدوليين انطلاقًا من قيم ومبادئ عربية أصيلة ورؤية وطنية وسياسة خارجية ركيزتها التعاون والوساطة لحل النزاعات بالطرق السلمية عبر الحوار والتفاوض لخير الشعوب كافة. وكان وزير الشؤون الخارجية والتكامل الإفريقي والتشاديين بالخارج في جمهورية تشاد شريف محمد زين، زار الدوحة في يناير الماضي والتقى نظيره القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، وناقش الوزيران، جهود تنظيم الاجتماع بين مُمثلِّي المجلس العسكري الانتقالي في تشاد والحركات المسلحة التشادية، إلى جانب مستجدات جهود الوساطة والمصالحة المتعلقة بالحوار الوطني الشامل وتحقيق المصالحة الوطنية.[2] ومطلع أغسطس الجاري، أشاد أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بالجهود القطرية لإتمام ورعاية اتفاق السلام بين الأطراف المتصارعة في دولة تشاد. ووصف غوتيريش في تصريحات صحفية، الاتفاق أنه “مرحلة مهمة في تاريخ تشاد”، مشيدًا بـ “دور قطر باحتضانها المحادثات التي أدت إلى الاتفاق”. من جهته، أكَّد وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في كلمته أثناء توقيع الاتفاق أن “قطر تتطلع بقوة ليكون الاتفاق نقطة تحول مهم على طريق الاستقرار”. وأضاف “ندرك جميعًا حجم التحديات لتحقيق السلام المنشود من خلال المفاوضات والحوار الوطني”. ودعا الوزير القطري إلى “تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لاغتنام هذه الفرصة التاريخية لإنجاح الحوار”، مؤكدًا استمرار بلاده بالتعاون مع جميع الأطراف التشادية لتحقيق الأهداف المرجوَّة من المفاوضات”.[3] ولم تتوقف الوساطة القطرية عند ذلك؛ بل شرعت أيضًا بالتواصل مع الرافضين للحوار، فبعد بدء مؤتمر الحوار الوطني الشامل في العاصمة نجامينا؛ التقى محمد بن أحمد المسند، مستشار أمير قطر والوسيط في مفاوضات السلام التشادية، رئيس حزب “المحوِّلون” المعارض. وقال رئيس حزب “المحوِّلون” سوكسيه ماسرا أنه شرح للوسيط القطري موقف حزبه الرافض للمشاركة في الحوار الوطني بصورته الحالية، وإن حزبه منفتح على الجهود والوساطة القطرية وينتظر ما يُمكن أن تُحقِّقه في المصالحة بين التشاديين، ليكون الحوار في تشاد شاملًا بمعناه الحقيقي. ويُشكِّل حزب “المحوِّلون” تحالفًا مع الأحزاب والجمعيات المعارضة للمشاركة في الحوار، والتي تطالب بتعهُّد المجلس العسكري الانتقالي والسلطة الانتقالية بعدم الترشح في الانتخابات المقبلة.[4]

 

العلاقات القطرية التشادية وتاريخ وساطات قطر: شهدت علاقة قطر وتشاد انقطاعًا عقب الأزمة الخليجية، بعدما دخلت تشاد مع عددٍ قليل من الدول الإفريقية ضمن الأزمة، وقطعت علاقاتها مع الدوحة. لكنها سريعًا ما أعادت علاقاتها مع قطر بعدما وقَّعت، في فبراير 2018، في العاصمة القطرية الدوحة، مذكرة تفاهم تقضي باستئناف العلاقات وعودة السفراء. وكانت السلطات التشادية أعلنت، في 23 أغسطس 2017، إغلاق سفارة قطر في العاصمة التشادية إنجمينا في سياق الأزمة الخليجية. وأصدرت الخارجية التشادية في ذلك التاريخ بيانًا بهذا الشأن برَّرت خطوتها بما سمتها “الرغبة في الحفاظ على السلم والاستقرار” في المنطقة. وردَّت قطر بإغلاق سفارة جمهورية تشاد في الدوحة، ووصفت اتهامات تشاد بأنها “مجرد ادعاءات عارية عن الصحة ولا سند لها”. وكثَّفت قطر مؤخرًا نشاطها الدبلوماسي المعتاد في المنطقة، بعد المصالحة الخليجية التي تم التوصُّل لها، في 5 يناير 2021، كما أنها لم تتوقف بالأصل خلال الأزمة الخليجية، ونجحت بتحقيق بعض الوساطات والاختراقات، إلا أنها تنشط الآن بشكلٍ مُكثَّف في ملفات إقليمية ودولية معقدة. وفي هذا الإطار؛ كانت الوساطة القطرية في تشاد. فخلال السنوات الماضية، نجحت الوساطة القطرية في وضع نهايات سعيدة لأزمات وصراعات عديدة بالمنطقة، سواء بين دول أو جماعات سياسية أو حركات مسلحة أو حتى قوى معارضة. وهي نجاحات تعود إلى إمكانيات الدوحة الدبلوماسية وعلاقاتها القوية مع الأطراف المختلفة، بالإضافة إلى الأهمية التي توليها لهذا الدور. وآخر تلك الوساطات كانت في إفريقيا أيضًا، بعدما تدخلت لإنهاء خصومة بين الصومال وكينيا، لتعلن الدولتان، في 6 مايو 2021، عودة العلاقات بينهما، بعد انقطاعها منذ نحو 5 أشهر، إثر اتهام مقديشو لنيروبي بالتدخل في شؤونها الداخلية. ومن أبرز وساطاتها في إفريقيا، في السنوات الأخيرة، الإفراج عن أسرى جيبوتيين لدى إرتريا (2016)، واتفاق قبيلتي “التبو” و”الطوارق” بليبيا (2015)، واتفاق دارفور غربي السودان (2013)، ووثيقة سلام دارفور (2011)، والمصالحة بين جيبوتي وإرتريا (2011)، وأزمة الممرضات البلغاريات بليبيا (2008).[5]

 

اتفاق الدوحة: بعد أشهر من المحادثات؛ وقَّع عدة أحزاب وجمعيات مدنية، ونحو 40 من الحركات المسلحة مع المجلس العسكري الانتقالي، يوم 8 أغسطس، على اتفاق الدوحة للسلام في تشاد برعاية قطرية. ونصَّ الاتفاق على وقف إطلاق النار قبل انطلاق الحوار الشامل في العاصمة التشادية، كما تعهَّد المجلس العسكري بعدم القيام بأي عمل عسكري ضد الحركات المُوقِّعة على الاتفاق. ونصَّ الاتفاق أيضًا على برنامج لنزع السلاح، والعفو عن المتمردين الموجودين في الخارج وتأمين عودتهم إلى البلاد. أما النقاط الخلافية الأخرى، فقد أحالها اتفاق الدوحة إلى جلسات الحوار الوطني الشامل التي اقترحها رئيس المجلس العسكري الحاكم ووقَّع مرسومًا بشأنها لتكون قراراتها سيادية وقابلة للتنفيذ.[6] وقال تيمان ارديمي رئيس “اتحاد قوى المقاومة”، -يقيم في المنفى في قطر منذ 2009، بعد اتفاق بين السودان وتشاد برعاية قطرية بنقل قيادات المعارضة من السودان إلى الدوحة، وإطلاق مبادرة سلام بين تشاد والسودان عام 2009، والذي عاد إلى نجامينا للمشاركة في الحوار- “وقَّعنا هذا الاتفاق لإعادة بناء تشاد”. والموقف نفسه عبَّر عنه محمد نوري زعيم حركة “اتحاد القوى من أجل الديموقراطية والتنمية”.[7]

 

مؤتمر الحوار الوطني الشامل: بدأ الحوار الوطني الشامل في تشاد، الذي كان مُقرَّرًا عقده في فبراير قبل تأجيله مرات عدة، وذلك على الرغم من مقاطعة عدد من مجموعات المعارضة المدنية والمسلحة. واجتمع نحو 1400 مندوب يُمثِّلون نقابات وأحزاب سياسية والمجلس العسكري الانتقالي في قصر 15 يناير في قلب العاصمة نجامينا، من أجل مناقشة إصلاح المؤسسات ووضع دستور جديد يفترض أن يعرض للتصويت في استفتاء، وستُناقَش أيضًا قضايا السلام والحريات الأساسية.[8] وفقًا لنائب رئيس اللجنة المنظمة للحوار، فإن المؤتمر سيفضي إلى وضع دستور جديد للبلاد سيتم طرحه على الاستفتاء العام. وانطلق الحوار -الذي يستمر لمدة 3 أسابيع- بحضور منظمات دولية وإقليمية، وكلٍّ من رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي موسى فكي، مستشار أمير قطر للشؤون الأمنية محمد بن أحمد المسند. وامتنعت عدة أحزاب سياسية وجمعيات مدنية عن المشاركة في الحوار، أبرزها اتحاد نقابات تشاد، كما امتنعت أيضًا 18 حركة مسلحة عن المشاركة في الحوار بحجة عدم تلبية المجلس العسكري لمطالبها بإعادة تشكيل اللجنة المنظمة للحوار، والتعهُّد بعدم مشاركة المجلس العسكري في الانتخابات القادمة. وفي كلمته خلال الجلسة الافتتاحية، دعا رئيس المجلس العسكري الانتقالي محمد إدريس ديبي إلى الوحدة، والاتفاق على عقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة وقبول الاختلاف. ومن جهته، دعا مستشار أمير قطر للشؤون الأمنية جميع المكونات التشادية -التي لم تشارك في مفاوضات الدوحة- إلى اللحاق بالحوار الوطني لتحقيق المصالحة والحفاظ على وحدة تشاد وأمن التشاديين. كما دعا رئيس المفوضية الإفريقية، الأطراف الغائبة عن الحوار في نجامينا، إلى الحضور والمشاركة لتكون عملية السلام شاملة.[9]

 

الموقف من اتفاق الدوحة والحوار: يمثل عشرات المندوبين المتمردين في المؤتمر الذي يُشارك فيه أيضًا مندوبو جمعيات أهلية ونقابات عمالية والحكومة.[10] وكانت أهم الحركات المُوقِعة على الاتفاق؛ حركة اتحاد قوى المقاومة، برئاسة تيمان إرديمي، وإرديمي هو أحد أبرز المعارضين في تشاد، لجأ إلى الدوحة منذ عام 2009 بعد وساطة قطرية. كما وقَّع على الاتفاق ممثلو نحو 30 حركة سياسية وعسكرية، منهم: زعيم اتحاد قوى الجمهورية محمد عبد الكريم حنو، ونائب رئيس تجمع وحدة أبناء تشاد للتنمية محمد عثمان طاهر راكب، والمتحدث باسم حركة اتحاد القوى للتغيير الديمقراطي محمد أحمد كبير، ورئيس الحركة التشادية للتغيير عمر محمد الدقي، والمستشار التنفيذي للجبهة الشعبية لتحرير جنوب تشاد، كابي بامينغار. كما وقَّع على الاتفاق رئيس الجبهة الوطنية من أجل الديمقراطية والعدالة في تشاد عبد الله شيدي جوركودي، ورئيس المجلس العسكري لإنقاذ الجمهورية قاسم شريف، ورئيس التجمع الوطني الديمقراطي الشعبي، بشر أسد محمد عقيد، ورئيس التحالف الجديد من أجل استعادة الجمهورية علي نناي محمد طاهر. أما عن الحركات الرافضة للاتفاق؛ ففي المقابل، كانت حركة جبهة الوفاق من أجل التغيير في تشاد، “فاكت”، قد أعلنت رفضها التام لاتفاق السلام في تشاد الذي وُقع في الدوحة. وقالت الحركة في بيان، إن هذا الرفض يأتي لعدم أخذ مطالبها بعين الاعتبار، وأهمها تكافؤ المندوبين في اللجنة المكلفة بتنظيم الحوار الوطني الشامل في أنجمينا، وإنشاء لجنة جديدة للحوار، وإطلاق سراح الأسرى فور توقيع الاتفاقية، وتعديل الميثاق الانتقالي الحالي. وأبرز الحركات التي غابت عن التوقيع على اتفاق السلام أيضًا المنسقية الوطنية من أجل التغيير والإصلاح بزعامة بشير الخليل حمدي، وحركة المجلس الوطني للمقاومة من أجل الديمقراطية بزعامة أبكر توليمي، وحركة المجلس الوطني لنهضة تشاد بزعامة بشارة إدريس حقار، والحركة الديمقراطية التصحيحية بزعامة محمد بشير خليل. وأعلنت 18 حركة سياسية وعسكرية تشادية معارضة، والتي رفضت التوقيع، في بيان صحافي، عن رغبتها في البقاء “موحدة”، وتشكيل “إطار دائم للتشاور والتفكير”، وذلك لـ”استكشاف السبل والوسائل لتحقيق سلام نهائي” في تشاد”. وأكَّدت أنها لا تزال منفتحة على الحوار، على الرغم من عدم الأخذ بمطالبها وملاحظاتها، ومنها “إلغاء لجنة تنظيم الحوار الوطني الشامل بشكلها الحالي، وإطلاق سراح سجناء الرأي وتعديل ميثاق الفترة الانتقالية وإعادة هيكلة قوات الدفاع والأمن”. كما شكرت دولة قطر والمجتمع الدولي على جهودهما.[11] وقلَّل المتحدث باسم الحكومة عبد الرحمن كلام الله من أهمية المتغيبين. وقال إن “جميع الأحزاب السياسية التي كان لها مقاعد في المجالس التشريعية السابقة مُمثَّلة ولم تنسحب سوى مجموعات صغيرة قليلة”. ووصف المحادثات بأنها “لحظة فاصلة بالنسبة لتشاد، وفرصة لوضع استخدام السلاح وراءنا مرة واحدة وإلى الأبد”.[12] واختلفت مواقف الشارع التشادي من الحوار ما بين مؤيدٍ ومعارض، فبينما يرى البعض أن افتتاح الحوار الوطني يؤدي بشكلٍ مباشر إلى طريق مسدود لأن أطيافًا سياسية متعددة والمجتمع المدني لا يشاركون في هذه العملية، يرى البعض الآخر أن الحوار الوطني يُمكن أن يساهم في إحلال السلام بشكلٍ نهائي في تشاد، التي عانت كثيرًا من أهوال الحرب.[13]

 

عقبات على طريق الحوار: بالرغم من كون الحوار من المُفترض به أن يسمح بوضع دستور جديد سيُطرح للاستفتاء؛ إلا أن المراقبين يرون أن العملية تواجه مشاكل كبيرة إحداها الوقت، إذ تنتهي مهلة 18 شهرًا في أكتوبر مما يجعل الوقت ضيق لتنظيم استفتاء ثم انتخابات في هذا البلد الشاسع القاحل. وتحدَّث ديبي بعيد توليه السلطة، عن خيار تمديد الفترة الانتقالية لمدة 18 شهر أخرى إذا لزم الأمر. وقالت إنريكا بيكو من مجموعة الأزمات الدولية إن “الجدول الزمني للحوار الذي يُفترض أن يستمر 21 يومًا لا يوحي بالجدية، فمن غير المُمكن التوصُّل إلى اتفاق في مثل هذا الوقت القصير”، مُشيرةً إلى ترجيح تمديد الفترة الانتقالية.[14] كما شهدت المفاوضات، التي سبقت الحوار، العديد من العقبات، تمكَّن الوسيط القطري من تذليل أغلبها، وأهمها العدد الكبير للحركات التي شاركت في الحوار والمفاوضات، حيث جرى توحيدها في ثلاث مجموعات، هي مجموعات الدوحة وقطر وروما، من أجل تسهيل عملية التفاوض.[15]

 

 

الخُلاصة؛ يثير تركيز المجلس العسكري الشديد على الانخراط مع الجماعات السياسية العسكرية في هذا الحوار أسئلة مهمة حول من سيُحدِّد مستقبل تشاد، حيث استخدم قادة هذه الجماعات العنف المميت والتمرد كوسيلة لكسب النفوذ والسلطة السياسية، في الوقت الذي لا تزال تشاد في ترددها القديم ما بين الحرب والسلام. فالجهات الفاعلة التي تجلس للحوار ليس من المُنتظر منها تحقق الاستقرار، ناهيك عن السلام المستدام أو الازدهار أو الديمقراطية. وقد تم استبعاد أولئك الذين يدعمون الانتقال المدني من المرحلة الانتقالية. ومن ثمّ؛ فإن الحوار الوطني الشامل الذي يجريه المجلس العسكري يخدم مصالحهم ضيقة النطاق من خلال استرضاء المجموعة الحالية من المعارضين المسلحين لهم، واستدامة سلطتهم السياسية من خلال القوة العسكرية والقمع العنيف. وهكذا؛ فمن المُتوقع بشكلٍ كبير خلال الفترة القادمة تمديد الفترة الانتقالية بدعوى المزيد من الحوار، الأمر الذي سيؤدي بطبيعة الحال إلى مزيد من التوتر وبسط سيطرة الحكم العسكري على حساب المدني في الدولة التشادية.

 

 

[1] دانيال إيزنجا، “لحظة حاسمة في المرحلة الانتقالية في تشاد”، Africa Center for Strategic Studies، 3/1/٢٠٢٢. متاح على الرابط: https://cutt.us/kKX6s

[2] أحمد يوسف، “الدوحة تجمع الفرقاء التشاديين أملًا في المصالحة (تقرير مقدمة)”، وكالة الأناضول، 13/3/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/fwsTQ

[3] الفضل بن معروف، “برعاية قطرية.. انطلاق الحوار الوطني في تشاد”، وكالة أنباء تركيا TR، 20/8/2022. متاح على الرابط: https://tr.agency/news-161945

[4] “تشاد.. جلسات الحوار تتواصل والوسيط القطري يلتقي رئيس حزب “المحوِّلون” المعارض”، الجزيرة نت، 22/8/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/qkdZP

[5] يوسف حمود، “هل تصل وساطة قطر إلى تشاد وتنهي العنف بين أطراف النزاع؟”، الخليج أون لاين، 13/9/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/o855Y

[6] “بعد اتفاق الدوحة.. انطلاق الحوار الوطني بين السلطة والمعارضة في تشاد”، الجزيرة نت، 20/8/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/4hIMs

[7] “بدء الحوار الوطني الشامل في تشاد بعد إرجائه عدة مرات”، إيلاف، 20/8/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/18U5B

[8] “بدء “حوار وطني شامل” في تشاد وديبي يعتبره “لحظة حاسمة””، SWI swissinfo.ch، 20/8/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/Tzw7S

[9] “بعد اتفاق الدوحة.. انطلاق الحوار الوطني بين السلطة والمعارضة في تشاد”، مرجع سبق ذكره.

[10] “الحوار الوطني في تشاد.. رهانات الاستقرار و”إسكات البنادق””، العين الإخبارية، 18/8/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/9io2E

[11] أنور الخطيب، “سلام تشاد: اتفاق الدوحة لبدء الحوار”، العربي الجديد، 9/8/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/HkX14

[12] “تشاد تبدأ السبت حوارا وطنيا شاملا تغيب عنه فصائل متمردة”، SWI swissinfo.ch، 18/8/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/m3HR9

[13] “بدء “حوار وطني شامل” في تشاد وديبي يعتبره “لحظة حاسمة””، مرجع سبق ذكره.

[14] “تشاد تبدأ السبت حوارا وطنيا شاملا تغيب عنه فصائل متمردة”، مرجع سبق ذكره.

[15] أنور الخطيب، مرجع سبق ذكره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

أبعاد التآمر  الإسرائيلي على مصر في ملف سد النهضة

تعود الأطماع الإسرائيلية في مياه النيل إلى عقود، وهو ما أعلنته رئيسة الوزراء السابقة، جولد…