‫الرئيسية‬ المشهد السياسي جولة بايدن في الشرق الأوسط: الأهداف والنجاحات والاخفاقات
المشهد السياسي - أغسطس 31, 2022

جولة بايدن في الشرق الأوسط: الأهداف والنجاحات والاخفاقات

جولة بايدن في الشرق الأوسط: الأهداف والنجاحات والاخفاقات

أجرى الرئيس الأمريكي جو بايدن أول زيارة له، بوصفه رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية، إلى منطقة الشرق الأوسط، في الفترة 13-16يوليو 2022، شملت إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة والمملكة العربية السعودية[1]. وقد طرح الرئيس بايدن أربعة أهداف من وراء زيارته لمنطقة الشرق الأوسط، أشار إليها في مقالته التي نشرها بصحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية يوم 9 يوليو الجاري بعنوان: “لماذا أذهب إلى السعودية؟”، وفي التصريحات العديدة له، ولوزير خارجيته بلينكن، ولمستشاره للأمن القومي سوليفان؛ وهي عدم سماح واشنطن بوجود فراغ في المنطقة تملؤه الصين وروسيا، وإقامة تجمُع وتنسيق عسكري جوي بين دول المنطقة بما فيها إسرائيل ضد التهديد الإيراني للأمن الإقليمي، والعمل على دمج إسرائيل في منظومة العلاقات الإقليمية وتفاعلاتها والبناء على ما تحقق في الاتفاقيات الإبراهيمية، وإقناع دول الخليج لإنتاج المزيد من النفط والغاز لتعويض النقص الذي سببته الحرب الروسية في أوكرانيا[2].

وقد أسفرت تلك الجولة عن ثلاث وثائق رسمية: الأولى حملت عنوان “الإعلان المشترك بشأن الشراكة الإستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل”، وصدرت في أعقاب لقاء جرى في مدينة القدس في 14 يوليو بين الرئيس الأميركي ورئيس الحكومة الإسرائيلية يائير لابيد. وحملت الوثيقة الثانية عنوان “بيان أميركي حول العلاقة الأميركية الفلسطينية”، وصدرت عقب لقاء الرئيس الأميركي بالرئيس الفلسطيني محمود عباس في بيت لحم في 15 يوليو. أما الوثيقة الثالثة فحملت عنوان “البيان الختامي”، وصدرت في أعقاب القمة العربية الأميركية “قمة جدة للأمن والتنمية”، التي عقدت في مدينة جدة في 16 يوليو وحضرها، إلى جانب الرئيس الأميركي، قادة دول مجلس التعاون الخليجي (السعودية والإمارات وقطر والبحرين وعمان والكويت) بالإضافة إلى مصر والأردن والعراق. وتعكس هذه الوثائق الثلاث بدقة، سواء من حيث الشكل أو المضمون، مستوى الأهمية التي توليها الولايات المتحدة لعلاقتها بالأطراف الثلاثة الذين شملتهم الجولة، وهم: الطرف الإسرائيلي، والطرف الفلسطيني، والطرف العربي[3]. وهو ما سنحاول توضيحه خلال السطور القادمة، مع توضيح أهداف كل طرف وما تم إنجازه من تلك الأهداف وما فشلت في تحقيقه.

 

أولًا: الطرف الأمريكي:

يسعي الرئيس الأمريكي جو بايدن من خلال هذه الجولة إلي تحقيق عدة أهداف لعل أبرزها:

1- إبعاد حلفائها في الخليج، وعموم منطقة الشرق الأوسط، عن الصين وروسيا، والتأكيد على شراكاتها الاستراتيجية معهم. فقد كشف الغزو الروسي لأوكرانيا عن مدى تراجع النفوذ الأميركي في منطقة الشرق الأوسط، وخصوصًا في ضوء انكفاء واشنطن عنها وتراجع اهتمامها بها، ولا سيما بعد الانسحاب من أفغانستان؛ إذ رفض أغلب حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، بما فيهم السعودية والإمارات ومصر وإسرائيل، إدانة الغزو الروسي لأوكرانيا، وتجاهلت السعودية والإمارات طلبات أميركية متكررة بزيادة إنتاجهما من النفط لخفض الأسعار، وتسهيل استغناء أوروبا عن النفط الروسي.

ومن هذا الباب، أرادت إدارة بايدن أن تعلن عبر هذه الجولة عودتها بقوة إلى المنطقة وأنها “لن تنسحب منها وتترك فراغًا تملؤه الصين أو روسيا”، خاصة في ظل تزايد التقارير الاستخبارية التي تؤكد تنامي نفوذ الصين الاقتصادي في المنطقة، وسعي بعض حلفاء واشنطن الخليجيين لتعميق الشراكات التجارية القائمة، والتوصل حتى إلى شراكات استراتيجية معها ومع روسيا، ومحاولة شراء أسلحة منهما، بسبب التعقيدات التشريعية والإجرائية الأميركية في هذا المجال، وفي ضوء وقف واشنطن مبيعاتها من الأسلحة الهجومية، خاصة إلى السعودية. كما رصدت الاستخبارات الأمريكية سعي الصين لإنشاء قاعدة عسكرية لها في الإمارات، وسعيها للحصول على تكنولوجيا اسرائيلية متقدمة.

وما يدعم من إمكانية نجاح واشنطن في تحقيق هذا الهدف، إن السعودية ودول الخليج الأخرى تبقى معتمدة على نحو كبير على الأنظمة الدفاعية الأميركية، ولن يكون تغييرها سهلًا. وقد تبيّن خلال ما تعرّضت له السعودية والإمارات مؤخرًا من هجمات صاروخية أن الصين وروسيا لا تمثّلان بديلًا على الإطلاق. وإضافة إلى ذلك، لا تطمح الصين إلى أن تؤدي دورًا أمنيًا في المنطقة أو منافسة واشنطن في هذا المجال، بل تركّز على تطوير علاقاتها الاقتصادية فيها، فضلًا عن أن علاقة الصين القوية بإيران تثير شكوكًا لدى الرياض وأبوظبي، الأمر الذي يمنع أيّ رهانات على دور لها في أيّ صراع مستقبلي مع طهران[4].

وبالنظر إلي النتائج التي أسفرت عنها جولة بايدن، يمكن القول أن الولايات المتحدة قد نجحت بصورة جزئية في تحقيق هذا الهدف؛ فقد عملت واشنطن علي تأكيد شراكتها الاستراتيجية مع دول الإقليم، سواء على المستوى الثنائي أو الجماعي، وترجمة ذلك في مبادرات؛ تتعلق بأزمات الطاقة، فوفقاً لنص “بيان جدة” بشأن المباحثات الأمريكية – السعودية، وبيان “قمة جدة للأمن والتنمية”؛ توافق الجانبان السعودي والأمريكي على الحفاظ على استقرار أسواق الطاقة العالمية، ورحبت الولايات المتحدة بالتزام المملكة بدعم توازن أسواق النفط العالمية من أجل تحقيق النمو الاقتصادي المُستدام. واتفق الطرفان على التشاور بانتظام بشأن أسواق الطاقة العالمية على المديين القصير والطويل، وكذلك العمل معاً كشركاء استراتيجيين في مبادرات المناخ وانتقال الطاقة.

وفي مجال أمن الغذاء و الاستثمار في البنية التحتية في الدول مُنخفضة ومُتوسطة الدخل؛ وفقاً لإعلان “قمة جدة للأمن والتنمية”، توافقت مجموعة “التنسيق العربية”، التي تضم عشر مؤسسات تمويل تنموية وطنية وعربية ومتخصصة، على تقديم مبلغ لا يقل عن 10 مليارات دولار، لغرض الاستجابة لتحديات الأمن الغذائي إقليمياً ودولياً، وبما يتفق مع أهداف (خريطة الطريق للأمن الغذائي العالمي – نداء للعمل) التي تقودها الولايات المتحدة. كما قدمت واشنطن دعماً إضافياً بقيمة مليار دولار لتلبية حاجات الأمن الغذائي المُلحة على المديين القريب والبعيد لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. علاوة على إعلان عدد من الشركاء من دول مجلس التعاون الخليجي خططها لاستثمار ما مجموعه 3 مليارات دولار في مشاريع تتوافق مع أهداف مبادرة الشراكة العالمية للاستثمار والبنية التحتية التي أعلنت عنها الولايات المتحدة، وذلك للاستثمار في البنى التحتية الرئيسية في الدول مُنخفضة ومُتوسطة الدخل، بما في ذلك الاستثمار في مشاريع تعزز أمن الطاقة، والمناخ، والاتصال الرقمي، وتنويع سلاسل الإمداد العالمية.

وتكشف هذه المبادرات عن سياسة احتواء جديدة تنتهجها واشنطن في مواجهة بكين بالشرق الأوسط. وهذه السياسة ترتكز على العودة وتكثيف الانخراط في الإقليم، خاصةً على المستوى الدبلوماسي، وذلك بمبادرات جديدة تتجاوز فكرة التركيز على الدور العسكري الأمريكي في المنطقة.

كما تعمل واشنطن علي منافسة بكين في التكنولوجيا الجديدة، فخلال السنوات السابقة، نجحت بكين في تقديم نفسها بمنطقة الشرق الأوسط في مجالات التكنولوجيا الجديدة، خاصةً شبكة اتصالات الجيل الخامس G5، والتي تمثل واحدة من الشبكات المُتقدمة التي يُنظر لها باعتبارها ترتبط بالأمن القومي للدول. وفي هذا الإطار، عملت شركة “هواوي” الصينية على توقيع اتفاقيات مع الشركات السعودية لتوفير هذه الخدمة في المملكة. وهذا التطور دفع الولايات المتحدة إلى أن تجعل التنافس مع الصين في التكنولوجيا الجديدة جزءاً من أجندة زيارة بايدن للمملكة. وفي ضوء ذلك، تم توقيع مذكرة تعاون جديدة تربط شركات التكنولوجيا في كل من السعودية والولايات المتحدة؛ وذلك لتعزيز تطبيق تقنية الجيل الخامس باستخدام شبكات الراديو المفتوحة، وتمكين تطوير الجيل السادس عبر تقنيات مُشابهة[5]. جدير بالذكر هنا، أن الشركات الصينية، مثل هاواوي (Huawei)، التي أدى انخراطها مع دولة  الإمارات العربية المتحدة في تجديد شبكة الاتصالات الإماراتية، كانت من أهم الأسباب التي أدت إلي نشوب توتر كبير بين واشنطن وأبوظبي[6].

وفي المقابل، يتشكك العديد من المراقبين في إمكانية نجاح واشنطن في ابعاد دول المنطقة عن روسيا والصين؛ ويستدلون علي ذلك بمجموعة من البراهين تتمثل في؛ أنه لم يرد في كلمات القادة العرب ما يُشير إلى شعورهم بالخطر من علاقات بلادهم بالصين وروسيا أو أن هناك فراغاً على الولايات المتحدة التدخل لملئه ومنع استفادة بكين وموسكو منه. ومن المؤكد أنه لا يوجد من بين القادة العرب الذين شاركوا في هذه القمة من يُمكن وصفه بعدو أو خصم للولايات المتحدة، إذ توجد علاقات تاريخية سياسية واقتصادية واستراتيجية وثيقة بين بلادهم وواشنطن. ولكن هناك اختلاف في الرؤي بينهما حول طبيعة العلاقات مع بكين وموسكو.

وهنا يعود السبب المُباشر إلى أن واشنطن أدارت ظهرها للمنطقة في العقد الأخير، وأكد مسؤولوها أن التهديد الرئيسي للأمن الأمريكي قد انتقل إلى منطقة “الإندو- باسيفيك” أو المحيطين الهندي والهادي، وأن الهدف الأول هو حصار الصين التي تُعتبر الدولة الوحيدة التي تمتلك عناصر القوة الشاملة التي تُهدد الأمن والمصالح الأمريكية، وأن واشنطن تُريد تقليل التزاماتها العسكرية في الدول العربية، خصوصاً الوجود العسكري المُباشر، وأنها ليست على استعداد أن يموت جنودها في حروب عبثية لا نهاية لها. ورافق ذلك، الانتقادات والاتهامات الأمريكية المُتكررة لبعض الحكومات العربية بعدم احترام حقوق الإنسان.

وثمة سبب آخر؛ وهو ازدياد الشعور العربي بأن الحليف الأمريكي غير “موثوق به”، وذلك في ضوء الانسحاب الأمريكي من أفغانستان في أغسطس 2021، حيث سلمت واشنطن الحكم إلى حركة طالبان، وأيضاً في ضوء رد الفعل الأمريكي الضعيف تجاه هجمات الحوثيين على معامل تكرير النفط في السعودية.

كما جاءت زيارة بايدن بعد أن استفاقت واشنطن متأخرة إلى التغير في إدراك الدول العربية لمصالحها ولرؤيتها للعالم ولشكل التوازن بين القوى الكبرى فيه. ودون مُبالغة، يُمكن القول إن سياسات أغلب الدول العربية اليوم تقوم على مبدأ تنويع علاقاتها على مستوى القوى الكبرى (الولايات المتحدة والصين وروسيا)، ولم تعُد تنظر إلى واشنطن باعتبارها القُطب الواحد على قمة النظام الدولي. ولابُد أن الخُبراء في واشنطن تابعوا المواقف العربية – الرسمية والشعبية – تجاه الحرب الروسية في أوكرانيا، وأن الموقف الرسمي اتسم بعدم التأييد المُطلق لروسيا أو الولايات المتحدة، ولم تُشارك الدول العربية في تنفيذ العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الدول الغربية على موسكو[7].

وعلى الرغم من رغبة بايدن في أن تحذو دول الخليج حذو أوروبا في تقليل اعتمادها على الصين، خاصة في مجال التكنولوجيا والبنية التحتية، فإن الواقع القائم يوحي بصعوبة تحقيق ذلك. فقد باتت الصين الشريك التجاري الأول لدول مجلس التعاون منذ عام 2019، بعد أن أزاحت الاتحاد الأوروبي عن هذه المرتبة، بقيمة إجمالية بلغت 180 مليار دولار. وفي حين بلغت قيمة التجارة الثنائية بين الولايات المتحدة والسعودية 19.7 مليار دولار عام 2020، بلغت قيمة المبادلات التجارية بين الصين والسعودية 65.2 مليار دولار في العام نفسه. ويعود ذلك إلى أن السعودية ظلت حتى الغزو الروسي لأوكرانيا تحتل المرتبة الأولى في صادرات النفط إلى الصين. وقد نجحت الصين في ضمان تعاون عدد من دول الخليج مع مبادرة الحزام والطريق، وتعمل على تنفيذ عقود كبيرة لنشر شبكات الاتصال في المنطقة عبر شركة هواوي Huawei. ولا تقتصر العلاقات الخليجية – الصينية على الجوانب الاقتصادية فحسب، بل تعدّتها إلى جوانب استراتيجية؛ ففي ديسمبر 2021، تدخّلت الولايات المتحدة لوقف بناء ميناء رئيس في أبوظبي من جانب شركات صينية، وفي أبريل 2022، تدخلت لوقف صفقة كبيرة تشتري بموجبها السعودية أسلحة صينية. وكانت الرياض وبيجين أبرمتا “شراكة استراتيجية” في عام 2016 مرتبطة بـ “تعاون مستقر طويل الأجل في مجال الطاقة”. ونجحت بيجين في إقناع الرياض، في عام 2021، لتصبح “شريكًا في الحوار” في منظمة شنغهاي للتعاون. والواقع أن دول الخليج تُبدي ارتياحًا أكبر في التعامل مع الصين؛ لأن ذلك يأتي من دون شروط أو محاضرات عن حقوق الإنسان[8].

وبالتالي، فأنه ليس معنى وجود شراكة بين الولايات المتحدة ودول المنطقة في مبادرات أو استثمارات في تكنولوجيا جديدة، أنها ستُغير من علاقاتها مع بكين أو ستُحقق واشنطن ما تقول إنه محاولة لإزاحة دول المنطقة عن “المدار الصيني”؛ حيث إن دول المنطقة لها حساباتها الخاصة بها، ومن المُرجح أن تستمر علاقاتها وربما تتكثف مع الصين وروسيا في الفترة القادمة، في ظل سياسة تنويع الشركاء التي تنتهجها هذه الدول[9].

وقد أظهرت التحركات المتبادلة بين الدول العربية من جانب وروسيا من جانب أخر علي استمرار الدول العربية في توثيق علاقاتها بموسكو. فمن جانب، قامت موسكو بعدة اتصالات سياسية مباشرة عالية المستوى، حيث قام الرئيس بوتين بالاتصال هاتفياً بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في 21 يوليو، لبحث الوضع الحالي في سوق النفط العالمية والتشديد على ضرورة استمرار تفاهمات واتفاقات “أوبك +” التي تقودها موسكو والرياض. كذلك قام وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، بحراك سياسي ودبلوماسى ملحوظ، وتضمن ذلك زيارة مصر وإلقاء خطاب في جامعة الدول العربية يوم 24 يوليو. وسبق ذلك زيارة الوزير لافروف للمملكة العربية السعودية ومشاركته في اجتماع وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي في الأول من يونيو، وزيارة سابقة للجزائر وسلطنة عمان في مايو.

ومن جانب ثان، تحاول روسيا جذب الدول العربية نحو الأطر الدولية التي تقودها روسيا مثل بريكس والاتحاد الأوراسى وشنجهاي. فقد حصلت مصر والإمارات على عضوية بنك بريكس للتنمية العام الماضي، الأمر الذي يمهد لانضمامهم الكامل لمجموعة بريكس التي تضم كلاً من روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا. كما حصلت مصر والسعودية وقطر على وضع “شريك حوار” في منظمة شنجهاي التي تضم روسيا والصين والهند وباكستان وأربع من دول آسيا الوسطى خلال قمة سبتمبر الماضي. كما بدأت موسكو مفاوضات جادة مع دول المنطقة، وفي مقدمتها مصر أكبر شريك تجاري لروسيا في المنطقة، للتعامل بالعملات الوطنية واعتماد بطاقة “مير” الروسية بعد تعليق “ماستركارد” و”فيزا” خدماتها البنكية في روسيا، وتروج في هذا الخصوص لتركيا كنموذج حيث فعلت أنقرة بطاقة “مير” لتشجيع تدفقات السياحة الروسية إليها.

ومن جانب ثالث؛ تسعي موسكو إلي  الالتزام الصارم بتنفيذ التعهدات والتعاقدات المبرمة مع دول المنطقة. في هذا السياق، ورغم ما يواجهه الاقتصاد الروسي من صعوبات نتيجة العقوبات المفروضة على الدولة من جانب الولايات المتحدة وشركائها في أوروبا وآسيا، فإنها تمضي قدماً في تنفيذ التزاماتها وفق الاتفاقات والجداول الزمنية الموضوعة، خاصة فيما يتعلق بالمشروعات التنموية. ومن ذلك مشروع محطة الضبعة النووية لتوليد الطاقة الكهربائية في مصر والتي شهدت بدء أعمال الصبة الخرسانية لأول وحدة نووية بالمحطة في 20 يوليو في إطار حفل حضره أليكسي ليخاتشوف، المدير العام لشركة “روس آتوم” المسؤولة عن المشروع[10].

2- دفع دول الخليج العربية إلى زيادة إنتاجها من النفط، فقد أدت العقوبات الغربية المفروضة على روسيا علي خلفية حربها مع أوكرانيا إلى ارتفاع أسعار النفط نتيجة انخفاض العرض. وفي حين كانت الولايات المتحدة تطلب من أصدقائها في الخليج ضخ مزيد من النفط في الأسواق العالمية لزيادة العرض، وبالتالي تخفيض السعر، وهو ما كان يلقي استجابة فورية من دول الخليج. ولكن في هذه المرة، وجدت إدارة بايدن أن قيادات المنطقة تتعامل معها بقدر من الندية، وأن ثمة قناعة لدى هذه القيادات بأن العلاقات مع واشنطن تقوم على المصالح المتبادلة، وأن حاجة الولايات المتحدة لدول المنطقة لا تقل عن حاجة الأخيرة لها.

وفي ظل تحفظ هذه الدول على عدد من المواقف التي تبنتها إدارة بايدن مثل رفعها ميليشيا الحوثيين في اليمن من قائمة التنظيمات الإرهابية، بالإضافة إلى التأثير المُتزايد لما يُعرف بـ “التيار التقدمي” داخل الحزب الديمقراطي على سياسات البيت الأبيض تجاه الشرق الأوسط؛ لذا كان من الضروري أن يأتي بايدن إلى المنطقة للتعامل مع ملف النفط بشكل مباشر[11]، من أجل دفع دول الخليج العربية إلى زيادة إنتاجها من النفط والغاز لخفض أسعارهما، التي تُعدّ من أسباب ارتفاع الأسعار والتضخم في الولايات المتحدة، وهو ما يُمكن أن يؤثر على فرص الحزب الديمقراطي (حزب الرئيس بايدن) في الاحتفاظ بالأغلبية في الكونجرس في انتخابات التجديد النصفي المُقررة في نوفمبر 2022. كما قد يؤثر علي جهود واشنطن في تشجيع دول أوروبا على الاستغناء عن الواردات من روسيا، وبما يؤدي أيضًا إلى إضعاف روسيا عبر حرمانها من عائدات النفط التي تمثّل مصدر الدخل الرئيس لها[12].

وتشير معظم التحليلات إلي فشل بايدن في تحقيق هذا الهدف؛ فعلي الرغم من تأكيد بايدن على أنه حصل على تعهّدات بضخّ السعودية والإمارات مزيدًا من النفط لخفض أسعاره عالميًا، وتأكيد بيان البيت الأبيض علي أنه من المتوقع اتخاذ خطوات “خلال الأسابيع المقبلة” من شأنها “المساعدة في استقرار الأسواق”. فإن البيان السعودي حول الاتفاقيات المشتركة مع الولايات المتحدة لم يُشر إلى ذلك، وأكتفي بالإشارة إلي وعد الرياض بإعادة النظر في قضية إنتاج النفط في الاجتماع القادم لمنظمة أوبك بلس في أغسطس القادم، لذلك لن يتم اختبار تأثير بايدن بشأن هذه المسألة حتى يحين ذلك الاجتماع[13].

وبالتالي فإن زيادة الانتاج لن تكون متوقفة علي موافقة السعودية فقط ولكنها ستتطلب موافقة روسيا أيضًا بحكم أن الدولتين هما من يقودا عمليًا هذا التجمع فيما يتعلق بتنسيق سياسات النفط[14]، ومن غير المتوقع أن توافق روسيا علي ذلك.

كما أن إعلان ولي العهد السعودي عن عزم بلاده زيادة انتاج النفط حتى ١٣ مليون برميل يوميًا، وهو الحد الأقصى، يشير إلى رفض السعودية طلب بايدن بزيادة إنتاج النفط، على الأقل في الوقت الراهن، مما يؤكد أن أزمة الطاقة الحالية مستمرة حتى إشعار آخر، خاصة بعد أن عاد وأكد أن الزيادة المذكورة ستتم بحلول ٢٠٢٧[15].

وأخيرًا، فإن موافقة السعودية علي زيادة انتاج النفط سترتب جملة من النتائج المضرة عليها. وقد تكون تداعيات ذلك على الشكل التالي:

  • أ‌- ستتضرر عائدات الشركات النفطية الحكومية في السعودية، كما ستنخفض قيمة إيراداتها التي لن تستفيد أبداً من رفع الإنتاج الذي سيتسبب بخفض سعر برميل النفط عالمياً.
  • ب‌- الموافقة على طلب بايدن ستضع المملكة في مواجهة حلفائها في “أوبك +” مثل روسيا والإمارات وغيرهما من الدول النفطية، التي  من المرجّح أن ترفض السير بأيّ طرح لا يراعي مصالحها، وهذا لن يكون مفيداً لعلاقات المملكة مع أصدقائها وحلفائها.
  • ت‌- موافقة السعودية على مطالب بايدن سيظهره في مظهر المنتصر في الداخل الأمريكي من خلال تحسين حظوظ حزبه بالفوز في الانتخابات النصفية المقبلة بعد أشهر، وخسارة الحزب الجمهوري الذي أصبح أقرب إلي السعودية. كما سيظهره منتصراً في الخارج برغم كل سياسات “إدارة الظهر” بحق حلفائه في دول الشرق الأوسط، وخصوصاً السعودية التي أدار لها ظهره منذ وصوله إلى البيت الأبيض.
  • ث‌- رفع الانتاج النفطي سيحسن من موقع وقدرة الولايات المتحدة في إدارة الصراع الدائر في أوكرانيا، وسيسمح لإدارة بايدن في مواصلة محاولاتها عزل موسكو أكثر وأكثر، وهي الحليف المستجد للسعودية[16].

وفي المقابل، يري البعض أن الموقف السعودي الرافض لزيادة انتاج النفط قد يكون مؤقتًا؛ لأن الرئيس الأمريكي من المؤكد أنه لم يأتي إلى السعودية بعد عامين من الخلافات، وبعدما عرض نفسه وحزبه للانتقادات الداخلية، من أجل طلب يعلم أنه مرفوض، خاصة وأن الزيارة سبقها اتصالات ومباحثات على أصعدة مختلفة كتمهيد للزيارة[17]. فقد سبقت زيارة بايدن إلي السعودية العديد من الخطوات الأميركية، على رأسها زيارة قام بها مدير الاستخبارات الأميركية وليام بيرنز، وكانت التسريبات حينها تتحدث عن نتائج إيجابية. تبعها لقاء جمع وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، بوزير الدفاع السعودي، خالد بن سلمان آل سعود، أكد خلاله الوزير الأميركي التزام بلاده الدائم بتعزيز دفاعات السعودية، كما نقل موقع “أكسيوس” أن اثنين من كبار مستشاري الرئيس جو بايدن وصلا إلى السعودية، في زيارة سرية؛ لإجراء محادثات حول اتفاق محتمل لزيادة إنتاج النفط[18]. وجدير بالذكر، أن مجرد زيارة بايدن للسعودية أسهمت في انخفاض اسعار الطاقة، والوقود بوجه خاص في الولايات المتحدة[19].

3- الملف النووي الإيراني ودمج إسرائيل بالمنطقة، يمكن القول إن مفاوضات العودة الأمريكية للاتفاق النووي مع إيران، والتي بدأت في العاصمة النمساوية فيينا منذ أكثر من عام، تواجه تحديات كبيرة. ولكن من ناحية أخرى، فإن الإعلان عن عقد اجتماعات غير مباشرة بين واشنطن وطهران في العاصمة القطرية الدوحة، قد يعطى إشارة بإمكانية التغلب على العقبات التي تواجهها مباحثات فيينا، وزيادة فرص الوصول لاتفاق بين الطرفين. ومن ثم تأتي زيارة الرئيس بايدن للشرق الأوسط بهدف طمأنة الحلفاء والأصدقاء في المنطقة، والذين قد يتحفظون على عودة الولايات المتحدة للاتفاق النووي مع إيران، ويعترضون على رفع العقوبات عنها، ويخشون أن تستخدم طهران أرصدتها المالية الجديدة في تبني المزيد من سياسات عدم الاستقرار بالمنطقة.

كما تستهدف زيارة الرئيس بايدن مناقشة “الخطة البديلة” أو ما يُسمى “Plan B”، في حالة عدم التواصل إلى اتفاق مع إيران. وفي إطار الطمأنة أو “الخطة البديلة”، يحمل بايدن معه مجموعة من الأفكار تتعلق بزيادة التعاون العسكري مع دول المنطقة لمواجهة أي تهديدات إيرانية مُحتملة؛ ومنها فكرة دمج إسرائيل ودول عربية في منظومة أمنية إقليمية لمواجهة إيران، حيث تأمل إدارة بايدن قيام هيكل أمني إقليمي في المنطقة، بدعم أميركي، خاصة في مجال التعاون الدفاعي الجوي والبحري المتكامل، والذي يهدف إلي تخفيف انخراط واشنطن المباشر في قضايا الشرق الأوسط الأمنية ومن أعبائه الاقتصادية[20].

وقد اختلفت الأراء حول مدي إمكانية إنشاء مثل هذا التحالف، بين من يري أنه لا تزال هناك عدة عوائق رئيسية تحول دون تشكل منظومة للأمن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، منها؛ عدم نجاح الولايات المتحدة في تنفيذ العديد من المقترحات المشابهة على مدار العقود الماضية لأسباب متعددة، وربما أقرب هذه المقترحات هو مشروع “التحالف الاستراتيجي للشرق الأوسط- MESA ” الذي طرحته إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب في 2017 والذي عرف حينها باسم “الناتو العربي”[21].

كما أن دول مجلس التعاون الخليجي ذاتها رفضت اعتماد مثل هذا النهج (دفاع جوي مشترك) فيما بينها من قبل. بالإضافة إلى أن وجود مثل هذه منظومة تستدعي تبادل المعلومات عن مواقعهم الاستراتيجية والتفاصيل الاستخبارية الأمنية. فهل ستكون إسرائيل مستعدة لمنح العرب معلومات عن مواقع نشر دفاعاتها ومنها دفاعاتها الجوية بالقرب مفاعل ديمونة النووي على سبيل المثال[22].

فضلًا عن وجود تباينات بين الدول العربية حول إيران والإستراتيجيات المختلفة للتعامل معها. فمن جهة، تقيم قطر وعُمان علاقات جيدة مع إيران، فيما تحتفظ الكويت بعلاقات حذرة معها، وبالنسبة للرياض وأبو ظبي اللتين خاضتا حربا غير ناجحة مع وكلاء إيران في اليمن، فهما تبحثان اليوم عن تعايش وليس مواجهة مع طهران. وعادة ما تتبع البحرين الصغيرة السعودية في القضايا الأمنية والشؤون الخارجية.

وبالنسبة لبقية الدول العربية في الشام والعراق، فقد أصبحت سوريا بمثابة موطئ قدم لإيران، ويسير العراق ولبنان على هذه الخطى. وطالما حذر الملك عبد الله الثاني من التهديد الإيراني المتزايد، إلا أن جيشه الصغير لا يمكنه إلا لعب دور بسيط في أي حلف ضد إيران، تماما كدوره في الحرب ضد الحوثيين في اليمن.

وتوجد الجيوش القوية في شمال أفريقيا، وعادة ما تتعامل مع إيران بنوع من التردد نظرا لبعدها عنها. ولدى مصر أكبر جيش في العالم العربي، وكانت أول دولة تنسحب من مشروع التحالف الأمني للشرق الأوسط الفاشل[23].

أضف إلي ذلك، فأن العقبة الكبرى أمام تحقيق تحالف أكثر تنسيقًا بقيادة الولايات المتحدة تتمثل في كون أقوى شريكين لواشنطن – إسرائيل والسعودية – يفتقران للعلاقات الدبلوماسية فيما بينهما، ويبقيان مفترقين بشكل كبير على العديد من الأصعدة. وأدى غياب الضغط الأمريكي الفعال على إسرائيل فيما يتعلق بالفلسطينيين أو المبادرات الإيجابية التي تهم الفلسطينيين إلى تعقيدات كبيرة في مهمة بايدن المتمثلة في تقريب السعودية وإسرائيل من بعضهما بعضًا.

في الواقع، في أعقاب رحلة بايدن، كان واضحًا أن المسؤولين السعوديين يبذلون قصارى جهدهم لتثبيط فكرة أنه من الممكن إحراز تقدم كبير مع الإسرائيليين دون إحراز تقدم كبير بشأن تخفيف الاحتلال وإنهائه، إذا لم يعترفوا بحل الدولتين كاملاً. قد يكون هناك عنصر من المساومة والتظاهر بصعوبة المنال في هذا الموقف السعودي، لكنه يؤكد مجددًا بشكل فعال على موقف طال أمده، يقوم على مبادرة السلام العربية الخاصة بالرياض، ويعكس مخاوف لا يشاركها فيها جيرانها الأصغر الذين قاموا بتطبيع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل. لدى السعودية سياسات داخلية متقلبة وأكثر تعقيدًا، فضلاً عن دورها القيادي على المستوى الإقليمي العربي، ودورها القيادي على المستوى الإسلامي العالمي، مع حساسيات خاصة بشأن مصير القدس[24].

وعلي الجانب الأخر، يري البعض أن التطورات التي مرت بها المنطقة طوال السنوات الماضية كفيلة بمعالجة تلك العوائق بشكل أو بآخر، على نحو يجعل المنطقة حاليًا مهيأة بشكل أفضل للعمل بشكل جماعي في مواجهة تهديدات بعينها. وذلك للأسباب الآتية:

1- استعداد دول المنطقة للدخول في تحالفات دولية جزئية ذات طابع فني تختص بأهداف محددة غير موجهة ضد دول بعينها، وثبت خلال السنوات الماضية استعداد دول المنطقة لتغيير تصوراتها الأمنية من أجل تفعيل وتشغيل تلك التحالفات الجزئية، ومن ذلك التحالفات العسكرية لتأمين حرية الملاحة البحرية في مضيقي هرمز وباب المندب والتي أعلن عنها بعد تكرار الهجمات التي تعرضت لها ناقلات النفط والسفن العابرة في مضيق هرمز منذ مايو 2019، ونذكر على سبيل المثال “التحالف الدولي لأمن وحماية الملاحة البحرية وضمان سلامة الممرات البحرية” الذي أعلنت واشنطن عن تشكيله في  7 نوفمبر 2019  ويضم في عضويته إلى جانب الولايات المتحدة، كل من السعودية والإمارات والبحرين وبريطانيا وألبانيا وليتوانيا وإستونيا. كما تقود الولايات المتحدة تحالف “القوات البحرية المشتركة” التي تضم عدد 34 دولة منها الولايات المتحدة والبحرين ومصر والعراق والأردن والكويت وقطر والسعودية والإمارات وإسرائيل.

2- تبلور ثقافة أمنية جماعية جديدة بين عدد محدود من دول المنطقة ترتكز على وجود مصالح وتصورات مشتركة حول ما يهدد أمنها، وهو ما تحقق من خلال الآلية الثلاثية  بين كل من مصر والأردن والعراق، والآلية السداسية التي تعبر عنها قمة النقب، كذا آلية التشاور بين دول الخليج وكل من مصر والأردن والعراق والولايات المتحدة  والتي تعرف بآلية 6+3+1 والتي أطلقتها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس، والتي هدفت حينها للتنسيق بين هذه الدول مجتمعة لاحتواء تأثير تنامي نفوذ ايران على الأمن الاقليمي[25].

3- ما يدعم أيضًا من إمكانية إنشاء الناتو العربي بين هذه الدول، أنهم يواجهون قوة إيرانية يبدو أنها تتجه نحو امتلاك الأسلحة النووية، وقد أتقنت تكنولوجيا الصواريخ والطائرات المسيرة، وتمتلك شبكة إقليمية محكمة ومتكاملة من الحلفاء، وبالتالي فإن المزيد من التنسيق تحت مظلة أمنية بقيادة الولايات المتحدة سيكون له جاذبية منطقية واضحة.

ومع زيارة المسؤولين الروس لإيران مؤخرًا، ربما لشراء طائرات مسيرة وتوطيد علاقة موسكو الاستراتيجية مع إيران، فإن أصدقاء واشنطن الشرق أوسطيين يرون في ذلك تحالفًا دوليًا على الجانب الآخر، يتكون من روسيا وإيران وسوريا وحزب الله وحماس والحوثيين. ونظرًا لأن هذا المعسكر يزداد قوة على ما يبدو، فإن الدول العربية، بما في ذلك السعودية ودولة الإمارات والبحرين ومصر والأردن، قد تتجه نحو تعاون أكبر مع بعضها بعضًا، ومع إسرائيل، ومع الولايات المتحدة[26].

كذلك فإن هذا التحالف مدعوم من قبل الولايات المتحدة باعتباره جزء من عدة تحالفات إقليمية أقامتها واشنطن حول العالم للتعامل مع التهديدات القديمة والجديدة، فقد شكّلت تحالفات دفاعية مهمة في آسيا: أولاها التحالف الناطق باللغة الإنجليزية AUKUS، وهو اختصار لأستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، وثانيها التحالف الرباعي ويضم الولايات المتحدة وأستراليا واليابان والهند، وثالثها مجموعة رباعية أخرى من الولايات المتحدة وإسرائيل والإمارات والهند، ويُطلق على التحالف باللغة الإنجليزية I2U2، وهو مسعى أمريكي واضح مع الهند لربط التحالفات الآسيوية بتحالف الشرق الأوسط، على أن يكون لإسرائيل مكانة مركزية فيها، وقد تم تصميم التحالفات لتطوير تعاون هادف في مختلف المجالات العسكرية والأمنية، ولم تخف الصين تخوفها من أن هذه التحالفات موجهة ضدها، وانتقدتها بشدة[27].

وبالنظر إلي البيانات والتصريحات الصادرة من قبل الرئيس الأمريكي وقادة الدول الخليجية، يمكن القول بأن هناك دفع أمريكي لتنفيذ هذا المشروع مقابل تردد واضح، قد يصل لمرحلة الرفض، من قبل دول الخليج. ففي حين أن البيان الصادر من البيت الأبيض المتعلق بالجزء السعودي من الزيارة سلط الضوء على قضية الدفاع الجوي الإقليمي هذه، إلا أن بيان جدة المتفق عليه بشكل مشترك لم يتطرق لهذه القضية، وركز بدلاً من ذلك على الأمن البحري وغيره من المبادرات[28].

ولم يُشر أي زعيم عربي في كلمته بالقمة إلى فكرة إنشاء تجمُع عسكري ضد إيران، بل أشارت كلمتا ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، وولي العهد الكويتي، الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، إلى رغبة العرب في إقامة علاقات أفضل مع إيران ودعوتها إلى الاستجابة لذلك، ووصفها ولي العهد السعوي بأنها “دولة جارة”[29].

وسبق أن أعلن مستشار الرئيس الإماراتي للشؤون الدبلوماسية، أنور قرقاش، في الـ15 من الشهر الحالي، بحث الإمارات مسألة تعيين سفير في طهران، مشيراً إلى سعي بلاده إلى إعادة بناء العلاقات مع طهران، مضيفاً أن النهج التصادمي مع إيران لا تدعمه أبو ظبي، وفقاً لـ”رويترز”. بعدها بيوم، وخلال مؤتمر صحافي على هامش القمة، أكد وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، أن يد السعودية ممدودة لإيران، مضيفاً: “نحرص على الوصول إلى علاقات طبيعية معها، وهذا مرتبط بإيجاد حلول لمصادر قلقنا”. كما أكد علي أن “قمة جدة لم تناقش بتاتاً التعاون العسكري أو التقني مع إسرائيل، ولم يطرح الموضوع لا في القمة ولا قبلها”. فيما أشار البعض إلى أن الرياض لم تبدِ حماسة للموضوع عندما طرح في الصالات المغلقة مع المسؤولين الأميركيين، خلال الاجتماعات التي استبقت الزيارة[30]. ويبدو من ذلك، أن دول الخليج باتت تتجه أكثر نحو تصفير مشاكلها، بعيداً عن التصعيد، وقد تجلى ذلك من خلال إعادة رسم العلاقة مع تركيا، والتحاور مع إيران عبر الوسيط العراقي كما تفعل السعودية، والانفتاح الاقتصادي والدبلوماسي كما في التوجه الإماراتي[31].

وفي مقابل هذا التردد العربي، فقد كان هناك دفع من قبل بايدن نحو هذا المشروع، فقد جاء تأكيد بايدن من إسرائيل أن إدارته ستُبقي خيار القوة العسكرية على الطاولة ضد إيران إن لم تفلح الجهود الدبلوماسية معها، كما أكد علي التزام الولايات المتحدة بتسريع العمل الجاري مع الحلفاء والشركاء في الشرق الأوسط لدمج وتعزيز التعاون الأمني فيما بينهم، وعلى وجه الخصوص تطوير بنية دفاعية جوية وصاروخية أكثر تكاملًا وشبكات إقليمية لمواجهة انتشار الأنظمة الجوية والصواريخ والطائرات من دون طيار إلى أطراف غير حكومية تهدد السلام والأمن في المنطقة[32].

تصريحات بايدن تؤكد أن التعاون الأمني بين دول المنطقة ذو طبيعة جزئية ويقتصر حسب ماهو معلن منذ قمة النقب التي عقدت في مارس 2022 على انشاء نظام مشترك للدفاع الجوي لمواجهة سياسات إيران القائمة على تطوير واستخدام الصواريخ الباليستية وطائرات بدون طيار في العراق واليمن وسوريا ولبنان. ووفق ما هو مقترح، يضم هذا المشروع الجديد كل من السعودية والإمارات والبحرين وقطر وعمان والكويت ومصر والأردن والعراق وإسرائيل[33]. وذُكر في يونيو أن الولايات المتحدة عقدت اجتماعًا سريًا لكبار المسؤولين العسكريين من إسرائيل والسعودية وقطر والأردن ومصر ودولة الإمارات والبحرين – تحديدًا لنواة التحالف المحتمل والمرتقب في قمة مجلس التعاون الخليجي زائد ثلاثة – في مصر لمناقشة التنسيق المحتمل ضد التهديدات الإيرانية المتزايدة بالصواريخ والطائرات المسيرة[34].

وقد تم اتخاذ خطوات فعلية لتنفيذ هذا التعاون، منها؛ قيام الإدارة الأمريكية بنقل تبعية إسرائيل من القيادة الأوروبية إلى القيادة المركزية  منذ سبتمبر 2021، وتم تعيين ضابط اتصال إسرائيلي في قيادة الأسطول الأمريكي الخامس في البحرين، وتعقد عدة تدريبات عسكرية مشتركة ولقاءات أمنية تضم إسرائيل ودول عربية تحت مظلة القيادة المركزية الأمريكية. كما تقدم عدد من أعضاء الكونغرس الأمريكي في يونيو 2022 بمقترح خاص بهذا المشروع، والذي يعطي توجيهاته للبنتاجون للمساعدة في تطوير نظام دفاع جوي وصاروخي إسرائيلي عربي متكامل [35]. وفي أعقاب هجمات الحوثيين الأخيرة على أبوظبي، وعلى الرغم من رفض إسرائيل بيع نظام القبة الحديدية المضاد للصواريخ البالغ الفاعلية بشكله الكامل، إلا أن التقارير ذكرت أنها وضعت أنظمة رادار متقدمة للإنذار المبكر في الإمارات والبحرين[36].

 

ثانيًا: الطرف الإسرائيلي:

يمكن القول أن الأهداف التي تسعي إسرائيل إلي تحقيقها من خلف جولة بايدن تتمثل بصورة رئيسية في:

الهدف الأول: تحقيق مزيد من التطبيع النوعى مع الدول العربية مع التركيز على السعودية التى تعتبر بالنسبة لها أهم دولة عربية متبقية فى هذا الشأن.

الهدف الثانى: استثمار الدعم الأمريكى نحو مزيد من إدماج إسرائيل فى المنطقة خاصة فى المنظومة الأمنية أو العسكرية لمواجهة المخاطر التى يمكن أن تواجهها المنطقة وتحديدًا ضد إيران.

الهدف الثالث: سعى رئيس الوزراء الجديد يائير لابيد لدعم العلاقات مع الدول العربية وبما يمكن أن يصب فى مصلحته خلال الانتخابات المقبلة فى مواجهة نتنياهو .

الهدف الرابع: الفصل التام بين القضية الفلسطينية وبين تطور العلاقات مع الدول العربية[37].

ويمكن القول أن إسرائيل قد نجحت في تحقيق كل أهدافها؛ بل يمكن القول أن تحقيق هذه الأهداف كان أولوية في جولة بايدن، وهو ما يمكن أن نستدل عليه؛ في أن إسرائيل كانت قبلة بايدن الأولى، وفي الوثيقة التي حملت عنوان “الإعلان المشترك بشأن الشراكة الإستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل”، وصدرت في أعقاب لقاء جرى في مدينة القدس في 14يوليو بين الرئيس الأميركي ورئيس الحكومة الإسرائيلية يائير لابيد.

فعنوان الوثيقة يؤكد أن العلاقة بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” تستند إلى “شراكة إستراتجية” عميقة بين طرفين متكافئين، تستحق أن يصدر بشأنها “إعلان مشترك” وموقّع رسمياً من جانب رئيسيّ السلطة التنفيذية في كلا البلدين، ما يكاد يرقى بالإعلان نفسه إلى مستوى الاتفاقيات القانونية الملزمة.

كما كُتب “الإعلان المشترك بشأن الشراكة الإستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل”، بعبارات تعكس الحرص على الدقة المتناهية في تحديد حجم الالتزامات الواقعة على عاتق الولايات المتحدة تجاه “إسرائيل” بموجب عقد الشراكة المبرم بينهما، وينص صراحة أن عليها “التزاماً راسخاً بأمن إسرائيل من خلال المحافظة على تفوقها العسكري النوعي وضمان قدرتها على ردع أعدائها والدفاع عن نفسها من أي تهديد أو مجموعة من التهديدات”.

ويوضح الإعلان أن هذه الالتزامات “مدعومة من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وليست مجرد التزامات أخلاقية، بل التزامات إستراتيجية ذات أهمية حيوية للأمن القومي للولايات المتحدة نفسها”، تفرض عليها، أي على الولايات المتحدة، “عدم السماح لإيران مطلقاً بامتلاك سلاح نووي” وأن تكون مستعدة دائماً “لاستخدام جميع عناصر قوتها الوطنية لضمان التوصل إلى هذه النتيجة”، وأن تعمل مع الشركاء الآخرين ليس “لمواجهة العدوان الإيراني وحسب، وإنما لمواجهة النشاطات المزعزعة للاستقرار، سواء أكانت مدفوعة مباشرة أو من خلال وكلاء ومنظمات إرهابية مثل حزب الله اللبناني وحركتي المقاومة الإسلامية (حماس) والجهاد الإسلامي في فلسطين”.

ولا تكتفي هذه الوثيقة بكلام فضفاض عن حجم المعونات المادية التي يجب أن تقدّمها الولايات المتحدة إلى “إسرائيل”، وإنما تشير إلى التزامات بالأرقام، كتلك الواردة في “مذكرة التفاهم التي وقّعت عام 2016” والتي تتضمّن التزاماً بتقديم معونة إجمالية قدرها 38 مليار دولار، والتزاماً آخر بتمكين “إسرائيل” من الحصول على “مساعدة دفاعية صاروخية إضافية، تتجاوز مستويات مذكرة التفاهم في الظروف الاستثنائية”، وعلى “مليار دولار إضافي لتمويل الدفاع الصاروخي التكميلي في أعقاب صراع عام 2021”[38].

وفي المجال العلمي والتكنولوجي، “أطلق القائدان حواراً استراتيجياً جديداً رفيع المستوى، لتشكيل شراكة تكنولوجية بين البلدين في التقنيات الحاسمة والناشئة”. وفسر المُراقبون ذلك بأنه إشارة إلى التعاون الأمريكي – الإسرائيلي في مجال الاستخدام العسكري لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لدعم منظومة القبة الحديدية الإسرائيلية ضد الهجوم بالصواريخ والطائرات المُسيّرة[39].

وتشير الوثيقة إلى الدور الذي أدته الولايات المتحدة في التوصل إلى “اتفاقيات السلام والتطبيع التي أبرمتها (إسرائيل) مع الإمارات والبحرين والمغرب” وإلى عقد “(قمة النقب) التاريخية التي شكلت حدثاً بارزاً في الجهود الأميركية الإسرائيلية المشتركة لبناء إطار إقليمي جديد يغيّر وجه الشرق الأوسط”، وشدّدت على “التزام الولايات المتحدة مواصلة أداء دورٍ نشط لبناء هيكل إقليمي قوي لتعميق العلاقات بين (إسرائيل) وجميع شركائها الإقليميين، ودفع التكامل الإقليمي الذي يستهدف دمج (إسرائيل) في المنطقة بمرور الوقت، وتوسيع دائرة السلام لتشمل مزيداً من الدول العربية والإسلامية”، ومواصلة العمل معاً “لمحاربة الجهود الرامية إلى مقاطعة (إسرائيل) أو نزع الشرعية عنها، أو إنكار حقّها في الدفاع عن النفس، أو استبعادها على نحو غير عادل في أي منتدى، بما في ذلك الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية”[40].

وتعمل الإدارة الأمريكية منذ فترة علي تنفيذ كل بنود هذه الوثيقة علي أرض الواقع، وهو ما تجلي في إعلان إدارة بايدن تأييدها لاتفاقيات السلام الإبراهيمي، والتي بدأت في عهد الرئيس السابق ترامب، وسعيها لتوسيع نطاقها. وتستهدف الإدارة الأمريكية الحالية ترسيخ وضعية إسرائيل كدولة شرق أوسطية، وطرفاً في آليات التعاون الإقليمي، وهو ما بدأته إدارة ترامب بضم إسرائيل إلى منطقة القيادة المركزية الأمريكية؛ وهي المسؤولة عن العمليات العسكرية في الشرق الأوسط.

كما تعمل إدارة بايدن على تضييق فجوة الخلاف بين إسرائيل ولبنان بشأن ترسيم الحدود البحرية بينهما، لتسهيل التنقيب عن الغاز في المناطق التابعة لكل منهما في منطقة شرق المتوسط. كما تساند الولايات المتحدة الخطط المُتعلقة بالتعاون بين مصر وإسرائيل والاتحاد الأوروبي لتصدير الغاز لدول الاتحاد[41].

ورغمًا عن عدم إتمام التطبيع العلني الكامل بين السعودية ودولة الاحتلال، على الأقل حالياً، فإنهما أنجزا كامل الترتيبات الخاصة بنقل ملكية جزيرتي تيران وصنافير من مصر إلى السعودية بإشراف أمريكي، وتلبية مطالب الاحتلال المتعلقة بإبقائهما منزوعتي السلاح، والتزام المملكة بذات الالتزامات المصرية الواردة في معاهدة ”كامب ديفيد“، وهو ما يتطلب تنسيقًا أمنيًا بين السعودية وإسرائيل، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد أعلنت المملكة سماحها للطيران ”الإسرائيلي“ بعبور أجوائها، وهذه المرة رسمياً وعلانية، ومن جهة ثالثة الموافقة السعودية الأولية على سفر حجاج فلسطينيي 48 مباشرة من مطار بن غوريون إلى مطار جدة، دون المرور بالعاصمة الأردنية كما جرت العادة. فضلًا عن كل ما تقدم، فقد أوفدت وسائل الإعلام ”الإسرائيلية“ موفديها ومراسليها إلى المملكة، وأرسلوا تقاريرهم التلفزيونية المصورة من هناك، صحيح أنهم دخلوها بجوازاتهم الأجنبية، لكنهم تحدثوا مع مسؤولي مطار جدة، والتجار، بصفتهم ”إسرائيليين“ دون أن يواجهوا مضايقة أو رفض، مما قوبل بترحيب ”إسرائيلي“ كبير باعتباره نقلة نوعية في علاقات الجانبين، وإزاحة للرفض السعودي التقليدي لوصول ”إسرائيليين“ إلى أراضيهم[42].

أيضًا يمكن تفسير زيارة الرئيس الأمريكي ولقائه برئيس الوزراء المؤقت يائير لابيد بأنه تعكس نوع من الدعم له في الانتخابات المقبلة، فقبل أيام قليلة من بدء جولة بايدن في المنطقة، قام البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) بحل نفسه، بعد انهيار الائتلاف الحاكم الذي كان يقوده نفتالي بينت وتشكل في يونيو من العام الماضي (2021). وبموجب هذا الاتفاق الائتلافي، يتولى رئيس حزب يش عتيد (هناك مستقبل) بزعامة يائير لابيد، والذي كان الشريك الأكبر لبينت، رئاسة الحكومة الانتقالية أو حكومة تصريف الأعمال، لحين إجراء الانتخابات العامة في نوفمبر القادم[43].

ولا يختلف اثنان في تل أبيب وواشنطن على وجود حالة من التناغم بين إدارة ”بايدن“ الديمقراطية وحكومة التغيير القائمة والتي يقودها بصورة مؤقتة ”يائير لابيد“ الذي خلف ”نفتالي بينيت“ عقب استقالته في يونيو، ولم يتبق أمامها سوى عدة أشهر في موقعها الحالي إلى حين إجراء الجولة المبكرة الخامسة من انتخابات ”الكنيسيت“ في نوفمبر، وهو ذات التاريخ الذي ستشهد فيه الولايات المتحدة إجراء الانتخابات النصفية للكونغرس.

تعيش دولة الاحتلال حالةً من الحملة الانتخابية المبكرة، توصف بأنها حامية الوطيس، وجرت العادة ألّا تشهد الدولة زيارات رسمية خشية أن تفسر بأنها دعم لأحد الأطراف المتنافسة، وجاءت زيارة ”بايدن“، الرجل الأول في العالم، لتشكل خرقاً لهذا العرف السياسي الدبلوماسي الأمريكي، ومع ذلك فقد آثر ”بايدن“ ارتكاب هذه المخالفة من أجل تقديم دعم لا تخطئه العين لمرشحه المفضل ”لابيد“ على خصمه اللدود زعيم المعارضة  ”بنيامين نتنياهو“، الذي خاض مع الرئيس الأسبق ”باراك أوباما“ علاقة عاصفة كان ”بايدن“ شاهداً عليها.

حرص ”لابيد“ في المقابل على إظهار أفضليته على سواه من المرشحين ”الإسرائيليين“، سواء من خلال الاستقبالات البروتوكولية التي تبقى عالقة في ذاكرة الناخبين ”الإسرائيليين“ وهم في طريقهم إلى صناديق الاقتراع بعد أربعة أشهر، أو توقيعه على “إعلان القدس” مع ”بايدن“ الذي تضمن تعهداً أمريكيا واضحاً بحفظ أمن دولة الاحتلال، واعتباره أولوية متقدمة على سواها من القضايا، فضلاً عن حرص ”لابيد“ على عدم إظهار أي خلاف مع ضيفه الأمريكي في مسائل مهمة كالنووي الإيراني مثلاً، وهو الذي كان مثار شدٍ وجذبٍ حقيقيين بين الإدارات الأمريكية الثلاث الأخيرة وحكومة اليمين برئاسة “نتنياهو”، وهذا التوافق بنظر ”لابيد“ يجعل الأمريكيين حريصين على دعمه وإسناده في الانتخابات القادمة، بل وأكثر من ذلك، لم يخف ”لابيد“ اعتباره لزيارة ”بايدن“ دعمًا شخصيًا له، وزيارة ذات طعم انتخابي بامتياز[44].

السؤال الذي يبدو مطروحًا على طاولة صناع القرار الإسرائيلي يتعلق بالأثمان المطلوب دفعها للولايات المتحدة لتحقيق هذه الفوائد الاستراتيجية، وأهمها؛ أنه يمكن لإسرائيل الشروع في تجديد الحوار مع السلطة الفلسطينية، ليس بالضرورة كمفاوضات سياسية، ولكن كخطوة شاملة لتعزيز حكمها، وتحسين نسيج الحياة على غرار “خطة مارشال” لإنعاشها. ومع أن التنمية الاقتصادية المتسارعة في الضفة الغربية ستفيد إسرائيل أيضاً، لأنها ستسمح بمشاركة السعودية والخليج في تطوير بناها التحتية ومشاريعها الكبيرة، بزعم أنها ستساعد على استقرار الوضع الأمني[45]، إلا أن ذلك أيضًا مرفوض من قبل اليمين ”الإسرائيلي“، الذين اتهمو لابيد بالتبعية الكاملة ل ”بايدن“، وتضحيته بالمصالح الأمنية ”الإسرائيلية“ مقابل عدم إغضابه، من خلال موافقته على منح السلطة الفلسطينية سلسلة من التسهيلات الاقتصادية المعيشية، وتخوف اليمين من انخراط ”لابيد“ بمشروع سياسي معها، رغم أنه لم يصرح بذلك، ولا ينوي فعلا الدخول معها في مثل هذا المشروع، لأنه بالأساس لا يؤمن بوجود أقدام يمشي عليها مثل هذا المشروع بسبب مواقفه اليمينية، واعتقاده أن العلاقة مع السلطة الفلسطينية لا تتجاوز الدعم المالي والتنسيق الأمني، فقط لا غير[46].

أثمان أخرى مطلوب من إسرائيل دفعها للولايات المتحدة تتمثل بوقف نقل التكنولوجيا والابتكار إلى الصين، لأنه مصلحة أمنية أمريكية عليا، فضلًا عن موقف أكثر وضوحًا انحيازًا للجانب الغربي ضد روسيا في الحرب على أوكرانيا[47].

أضف إلي ذلك، فإن فشل الرئيس بايدن في اقناع دول الخليج ومصر والعراق والأردن في الانخراط في تحالف اقليمي بجانب إسرائيل لمواجهة إيران يعتبر نوع من الإخفاق الإسرائيلي. خاصة وأنه قد تحدثت تقديرات سياسية عن أن ”بايدن“ سيصطحب معه إلى “قمة جدة” مسؤولًا ”إسرائيليا“ كبيرًا، ليكون بين الزعماء العرب، بل إنها سمّتهم بأن يكون رئيس جهاز الموساد ”ديفيد بارنياع“، أو رئيس مجلس الأمن القومي ”آيال خولتا“، وهو ما لم يتحقق[48].

 

ثالثًا: الطرف العربي:

في أعقاب “القمة العربية الأميركية” التي عقدت في مدينة جدة في 16 يوليو وحضرها، إلى جانب الرئيس الأميركي، قادة دول مجلس التعاون الخليجي، والأردن، ومصر، والعراق، صدرت وثيقة حملت عنوان “البيان الختامي”.  ويوحي عنوان الوثيقة بأن علاقة الولايات المتحدة بالدول العربية تجري بين طرف يعرف ما يريد من الآخرين وأطراف شتى يصعب أن يتفقوا على شيء، ومن ثم فليس المطلوب أكثر من بيان ختامي يحدّد القضايا التي جرت مناقشتها في القمة، من دون أن يترتب على هذا التحديد أي التزامات متبادلة بالضرورة.

وبالنظر إلي مضمون “البيان الختامي”، وهو بيان مطوّل يحتوي على 21 فقرة، فسوف نجد أنه مملوء بكلام فضفاض عن “شراكة تاريخية وتعاون مشترك بين الولايات المتحدة والدول العربية”، و”التزام الولايات المتحدة تحقيق السلام الدائم والعادل في المنطقة”.. وقد حرصت الدول العربية على أن يتضمن هذا البيان إشادة ببعض ما تقوم به من نشاطات، كمشروع “السعودية الخضراء” و”الشرق الأوسط الأخضر” و(مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي السابع والعشرين) الذي تستضيفه مصر، ومؤتمر (الأمم المتحدة للتغير المناخي الثامن والعشرين) الذي تستضيفه الإمارات، و(المعرض الدولي للبستنة 2023) الذي تستضيفه قطر.

وإضافة إلى ذلك أكدت القمة الخليجية “أهمية تحقيق أمن الطاقة، واستقرار أسواقها، وتعزيز الاستثمار في التقنيات والمشروعات التي تهدف إلى خفض الانبعاثات وإزالة الكربون، والتنويه بجهود (أوبك +) “الهادفة إلى استقرار أسواق النفط بما يخدم مصالح المستهلكين والمنتجين ويدعم النمو الاقتصادي”، وبقرار (أوبك +) “زيادة الإنتاج لشهري يوليو وأغسطس”، “والإشادة بدور المملكة العربية السعودية القيادي في تحقيق التوافق بين أعضاء (أوبك +)، وتجديد الدعم لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ولهدف منع انتشار الأسلحة النووية في المنطقة، ودعوة الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومع دول المنطقة، لإبقاء منطقة الخليج العربي خالية من أسلحة الدمار الشامل، وللحفاظ على الأمن والاستقرار إقليمياً ودولياً”.

وتضمن البيان “إدانة للإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره”، و”دعماً كاملاً لسيادة العراق وأمنه واستقراره، وترحيباً بدوره الإيجابي في تسهيل التواصل وبناء الثقة بين دول المنطقة”، وبالهدنة في اليمن، وتأكيداً لـ”ضرورة تكثيف الجهود للتوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية، بما يحفظ وحدة سوريا وسيادتها، ويلبي تطلعات شعبها”، فضلاً عن تجديد الدعم “للجهود الساعية لحل الأزمة الليبية وفق قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، والجهود الرامية إلى توحيد المؤسسات العسكرية بإشراف الأمم المتحدة”. و”لجهود تحقيق الاستقرار في السودان، واستكمال وإنجاح المرحلة الانتقالية”.

ولم ينسَ البيان التعبير عن دعم القادة للأمن المائي المصري، ولـ “حل دبلوماسي لأزمة سد النهضة يحقّق مصالح جميع الأطراف”، ومطالبتهم “بضرورة التوصل إلى اتفاق بشأن ملء وتشغيل السد في أجل زمني معقول”[49].

وإذا أضفنا الإشكاليات والشكليات التي سبقت الزيارة، سيتضح لنا مدي الفشل العربي في تحقيق انجازات حقيقية. فقبل الزيارة طرحت التساؤلات حول كيف سيصافح الرئيس الأميركي ولي العهد السعودي؟ إذ سربت إدارة بايدن أن الرئيس لن يصافح محمد بن سلمان، وسيستعيض عن ذلك بالقبضة، وهذا ما حصل. صافح بايدن الملك بيد مبسوطة، واستخدم القبضة خلال لقائه الأمير الشاب، ما اعتبره البعض إهانة لولي العهد[50]. وهو ما يعني أن إدارة بايدن لن تتوقف عن انتقاد الدول العربية، في ظل اعتماد الولايات المتحدة على سردية استراتيجية كبيرة تشير إلى مواجهة بين الأنظمة الديمقراطية والأنظمة السلطوية، وبالتالي فأمريكا ستستمر في توجيه الانتقادات الحادة فيما يتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وستكون هناك حساسيات مستمرة مع الدول العربية[51].

 

وإذا ما حاولنا أن نخرج بمجموعة من المكاسب التي خرج بها القادة العرب من هذه الزيارة، فيمكن الإشارة إلي أبرزها كما يلي:

1- تمثل زيارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، إلي المنطقة ولقائه بالقادة العرب، نقطة تحول في سياسة إدارته تجاه هذه المنطقة، وعودة إلى الاهتمام بها وبقضاياها بعد تجاهل طويل، على الأقل على المستوى الرئاسي. ومنذ حملته الانتخابية للرئاسة، نادراً ما تحدث بايدن عن قضايا الشرق الأوسط، فيما عدا إشارات سريعة للعودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، الذي انسحب منه الرئيس السابق، دونالد ترامب، في مايو 2018. وقد استمر هذا التوجه بعد وصول بايدن إلى البيت الأبيض.

وقد عكس هذا السلوك اقتناعاً لدى عدد من دوائر صُنع القرار في الولايات المتحدة بأن منطقة الشرق الأوسط أصبحت أقل أهمية للمصالح الاستراتيجية الأمريكية؛ في ظل انخفاض حاجة واشنطن لواردات النفط من المنطقة، وانخفاض وتيرة التهديدات الإرهابية المُرتبطة بها. ويُضاف إلى ذلك، أن الوجود الأمريكي في المنطقة لحماية إسرائيل لم يعد له ما يبرره؛ في ظل تمتع الأخيرة بمستوى أمن غير مسبوق على المستوى الإقليمي، ومن دون حاجة لمظلة الولايات المتحدة.

وبالتالي فإن كل هذه الأسباب أدت إلى انخفاض اهتمام إدارة الرئيس بايدن بالشرق الأوسط، وتحول الاهتمام إلى مناطق أخرى؛ على رأسها القارة الآسيوية لمواجهة الصعود الصيني. ولذا كان الإعلان عن زيارة بايدن للمنطقة بمنزلة مراجعه لسياسة التجاهل، وعودة جديدة للاهتمام بالشرق الأوسط وبعض قضاياه[52]. وهو ما يصب في صالح هذه الدول العربية، خاصة وأن الانسحاب الأمريكي من المنطقة قد خلق فراغًا ملأته قوي معادية مثل إيران وتركيا.

2- يمكن القول أن زيارة بايدن للسعودية قد أزالت الحساسيات في التعامل بين المسئولين الأمريكان ونظرائهم العرب. فقد أزالت تلك الزيارة الحساسية في التعامل بين الرئيس الأمريكي ونظيره المصري، بعدما توعد الرئيس الأمريكي جو بايدن، خلال حملته الانتخابية، بالتوقف عما سماه تدليل الطغاة العرب، كما يفعل ترامب، وتغيير السياسة الأمريكية تجاه المنطقة لتصبح حقوق الإنسان في قلبها[53].

وبدا أن إدارة بايدن في مراحلها الأولى تدير ظهرها للقاهرة. فعلى الرغم من أن وزير الخارجية أنتونى بلينكن اتصل بشكري في غضون شهر بعد إقرار تعيينه، إلا أن الرئيس بايدن لم يتحدث مع السيسي إلا بعد مرور خمسة أشهر على توليه منصبه – وهي فترة طويلة بالنظر إلى أن الرئيس أوباما اتصل بالقاهرة في اليوم الأول من ولايته الأولى. وبعد أن أدت مصر في مايو من عام 2021 دوراً مهماً جداً في التفاوض بشأن وقف إطلاق النار في غزة[54].

إلا أن بايدن حرص علي عدم لقاء السيسي بصورة مباشرة، ومن ذلك علي سبيل المثال؛ فشل لقاء السيسى ببايدن في قمة المناخ في غلاسكو ـ اسكتلندا. حيث أبلغت السلطات الأميركية الخارجية المصرية بأن مشاركة بايدن في قمة المناخ ستكون مختصرة وتقتصر على المشاركة في الجلسة الرئيسية، ولن تتوسع للقاء زعماء من أي دولة، عدا رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، لضيق الوقت وتعدد الطلبات المقدمة لعقد لقاء معه. مع العلم أن بايدن التقى بمن يريد من الزعماء بشكل عاجل خلال حضوره قمة العشرين، وبالتالي لم تكن لدى البيت الأبيض أولوية لتنسيق لقاءات له في غلاسكو؛ نظراً للانتقادات الحادة من داخل الحزب الديمقراطي، تحديداً في ملف حقوق الإنسان[55].

كما أزالت زيارة بايدن الحساسيات بين المسئولين الأمريكان والسعوديين، خاصة مع ولي العهد السعودي، حتى ولو على المستوى الظاهري، باعتبار أن تنفيذ الزيارة كان هو الخطوة الأهم والأكثر صعوبة وحساسية[56]. وتعود هذه الحساسيات إلي مواقف بايدن حيال السعودية منذ ترشحه إلى الرئاسة الأمريكية وثم بعد وصوله إلى البيت الأبيض:

  • أ‌- تعهد خلال حملته الانتخابية ثم بعد دخوله البيت الأبيض بممارسة المزيد من التشدّد حيال السعودية بسبب حربها على اليمن، متجاهلاً هجمات جماعة الحوثي المدعومة من إيران ضد المملكة منشآتها النفطية.
  • ب‌- حاول بداية عهده الضغط على السعودية من زاوية حقوق الإنسان، فاتحاً باب محاسبتها أمام المجتمع الدولي، بسبب مقتل الصحافي جمال خاشقجي في العام 2018.
  • ت‌- رفض التعامل مع ولي العهد وحصر التواصل مع السعودية بوالده الملك سلمان، وما زال إلى اليوم يتهرّب من أسئلة الصحافة ويطلق الإجابات الرمادية حول عزمه لقاء بن سلمان من عدمه. تارة يقول لن يلتقيه وتارة أخرى يؤكّد أنه سيلتقي بالملك وربّما بحضور ولي العهد.
  • ث‌- أعلن عن وقف الدعم العسكري المقدم من واشنطن إلى السعودية في الحرب على اليمن، وحظر حصولها على بعض الأسلحة الدقيقة.
  • ج‌- رفع جماعة الحوثي عن قوائم الإرهاب الأمريكية في فبراير 2021، والتي كانت إدارة ترامب أدرجت الجماعة عليها.
  • ح‌- سحب بطاريات صواريخ “باتريوت” من السعودية، في وقت كانت تتعرّض فيه لهجمات حوثية متكرّرة بصواريخ باليستية وطائرات من دون طيار، وذلك في أيلول/ سبتمبر من العام 2021.
  • خ‌- رفع السرّية عن تقرير لوكالة المخابرات المركزية (سي آي إيه) حول اغتيال الصحافي جمال خاشقجي، وفرض عقوبات على المسؤولين عن الجريمة.
  • د‌- سمح برفع السرّية عن وثائق تعود لمكتب التحقيقات الفدرالي (إف. بي. آي) حول أدلة لمزاعم ضلوع السعودية بأحداث 11 سبتمبر 2011، عازياً ذلك إلى ضغط أقارب الضحايا.
  • ذ‌- عمل علي العودة للاتفاق النووي الإيراني الموقع عام 2015 دون الالتفات للمخاوف السعودية من هذا الاتفاق[57].

ورغم ما أظهرته الزيارة من استمرار حالة الفتور بين بايدن وبن سلمان من قبيل استخدم بايدن القبضة خلال لقائه الأمير الشاب، ما اعتبره البعض إهانة لولي العهد. كما قارن ناشطون ووسائل إعلامية عربية وعالمية استقبال السعودية للرئيس الأميركي دونالد ترامب حيث حضر كل من الملك وولي عهده إلى مطار جدة لاستقباله في أجواء إحتفالية، بينما لم يحضر لاستقبال بايدن سوى أمير مكة وسفيرة المملكة في واشنطن، بينما استقبل ولي العهد السعودي الرؤساء والملوك القادمين إلى المملكة للمشاركة في قمة جدة مع بايدن[58].

غير أن ذلك كله لم يخرج عن كونه شكليات استعراضية لم تغير من واقع أن الرئيس الأميركي جلس، في نهاية المطاف، إلى طاولة واحدة مع متخذ القرار السعودي وحاكمها الفعلي ابن سلمان، لمناقشة الملفات ذات الاهتمام المشترك وليس مع الملك. فيما كتبت “نيويورك تايمز” أنه مجرد وصول بايدن إلى السعودية يعدّ ذلك بمنزلة “انتصار” لولي العهد السعودي[59].

3- هذه العودة الأمريكية، تحت ضغط التحولات الجارية حالياً في النظام الدولي، لمراجعة علاقتها ببعض الأنظمة العربية المتهمة بانتهاكات كبيرة لحقوق الإنسان[60]، يعني تراجع الضغوطات الأمريكية علي هذه الدول فيما يتعلق بهذا الملف، ما يمثل انتصارًا كبيرًا لأنظمة هذه الدول واستمرار انتهاكاتها لحقوق الإنسان دون ضغوطات. ويأتي علي رأس تلك الأنظمة النظام المصري.

4- حجم المساعدات والدعم الناتج عن هذه القمة، والذي يبدو أن دول مثل مصر والأردن سيكونان من أكبر المستفيدين من هذا الدعم. فوفقاً لإعلان “قمة جدة للأمن والتنمية”، توافقت مجموعة “التنسيق العربية”، التي تضم عشر مؤسسات تمويل تنموية وطنية وعربية ومتخصصة، على تقديم مبلغ لا يقل عن 10 مليارات دولار، لغرض الاستجابة لتحديات الأمن الغذائي إقليمياً ودولياً، وبما يتفق مع أهداف (خريطة الطريق للأمن الغذائي العالمي – نداء للعمل) التي تقودها الولايات المتحدة.

كما قدمت واشنطن دعماً إضافياً بقيمة مليار دولار لتلبية حاجات الأمن الغذائي المُلحة على المديين القريب والبعيد لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. علاوة على إعلان عدد من الشركاء من دول مجلس التعاون الخليجي خططها لاستثمار ما مجموعه 3 مليارات دولار في مشاريع تتوافق مع أهداف مبادرة الشراكة العالمية للاستثمار والبنية التحتية التي أعلنت عنها الولايات المتحدة، وذلك للاستثمار في البنى التحتية الرئيسية في الدول مُنخفضة ومُتوسطة الدخل، بما في ذلك الاستثمار في مشاريع تعزز أمن الطاقة، والمناخ، والاتصال الرقمي، وتنويع سلاسل الإمداد العالمية[61].

جدير بالذكر هنا، أن عامل النفط كان ولايزال من أهم العوامل المؤثرة في العلاقات الأمريكية- العربية، وهو العامل الذي يصب بصورة كبيرة في صالح الدول العربية. فعلي الرغم من تزايد إنتاج الولايات المتحدة من النفط الصخري وتغطية المزيد من احتياجاتها للنفط من إنتاجها المحلي، إذ انخفضت الكمية التي تحتاج لاستيرادها من النفط من نحو 60% من استهلاكها الكلي في عام 2005، لتصل إلى أقل من 30% في عام 2015، وإلى شبه اكتفاء ذاتي حالياً. ومع هذا الانخفاض الشديد في الواردات من الخارج، باتت هناك الكثير من الكتابات التي تذهب إلى فقدان منطقة الشرق الأوسط لأهميتها الاستراتيجية للولايات المتحدة، بل والدعوة الصريحة، من قبل البعض، إلى الانسحاب الأمريكي من هذه المنطقة غير المستقرة الغارقة في نزاعاتها السياسية والدينية والمذهبية.

علي الرغم من ذلك، فقد حظر العديد من المحللين الاستراتيجيين من ذلك، لعدة أسباب تتمثل أهمها في: أن أي اضطراب في تدفق البترول من الخليج العربي، أو أي دولة منتجة كبيرة، سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط وإبطاء النمو الاقتصادي حول العالم وفي الولايات المتحدة. لذا يظل الحفاظ على تدفق النفط من المنطقة مصلحة اقتصادية أمريكية مباشرة لإبقاء الأسعار ضمن مدى مقبول لديها.

كما يشير البعض إلى أن التحدي المتمثل في التأكد من أن نفط الخليج العربي لن يقع في أيدٍ غير صديقة -أو يتوقف عن التدفق كلية- سوف يبقى مصلحة جوهرية طالما أن الولايات المتحدة والعالم مستمرون في الاعتماد على الهيدروكربونات. وقد استطاعت الولايات المتحدة لفترة طويلة من الوقت الاستفادة من هذا الموقف، إذ كانت تشير دوماً إلى أنها تتولى حماية التدفق الحر للنفط لمصلحتها ومصلحة حلفاءها الأوروبيين ومن أجل حرمان أعداء الغرب (روسيا، والصين وغيرهما) من الهيمنة على المورد الذي يمكنه أن يؤثر على مختلف أوجه الحياة ويشل الحركة الاقتصادية في الغرب. وحاليًا، فمن المهم في الوقت الذي اتخذ فيه الاتحاد الأوروبي قراراً بحظر استيراد النفط الروسي مع نهاية هذا العام، أن تسعى الولايات المتحدة وأوروبا إلى زيادة الإنتاج من أماكن أخرى للتعويض عن النفط الروسي.

إلى جانب هذا البعد الاستراتيجي/الاقتصادي، هناك بالطبع مصلحة اقتصادية صافية لبعض من أهم الشركات النفطية الأمريكية الكبرى التي تستثمر في حقول المنطقة (في المملكة السعودية، والعراق، والكويت، والإمارات، وقطر وغيرها) مثل إكسون موبيل وشيفرون.

وهناك أيضاً إلى جانب ذلك كله المصلحة الاقتصادية الأمريكية الحيوية المتمثلة في الدور الذي يلعبه الدولار كعملة احتياطي دولي، ويشير البعض إلى أهمية تسعير النفط بالدولار في تعزيز هذا الدور والحفاظ عليه، وهو أمر في غاية الأهمية خاصة في وقت تتدهور فيه بشكل مستمر المكانة الاقتصادية النسبية للولايات المتحدة عالمياً[62].

 

رابعًا: الطرف الفلسطيني:

علي الرغم من وجود حملة سياسية إعلامية تصور أن مجرد قدوم بايدن ولقائه بالرئيس الفلسطيني محمود عباس في بيت لحم في 15 يوليو، في أول زيارة له إلى بلد عربي مهمة بحد ذاتها، وتم تضخيمها والمبالغة فيها بوضعها بمنزلة اعتراف أو شبه اعتراف بالدولة الفلسطينية؛ لذلك تم تضخيم كل قول أو ممارسة إيجابية مثل زيارته إلى مستشفى المطلع من دون مرافقة إسرائيلية (مع أنه لم توجد أيضًا مرافقة فلسطينية، فلا أحد مثّل السلطة حتى وزارة الصحة)، وتشبيهه لما يجري في فلسطين بما جرى في إيرلندا، وتحيته للعلم الفلسطيني.[63]

فقد بدا لافتاً أن جولة ”بايدن“ إلى دولة الاحتلال التي استمرت ثلاثة أيام، وجاءت مزدحمة باللقاءات والزيارات والاجتماعات، قابلتها زيارة لرئيس السلطة الفلسطينية لم تتجاوز ساعتين اثنتين فقط، وهي مسألة بالغة الدلالات والمؤشرات السلبية، وتؤكد أنّ الموضوع الفلسطيني ليس مدرجاً على أجندة الإدارة الأمريكية؛ سواءً بسبب عدم إغضاب الاحتلال من جهة، وعجزها عن التقدم في مشروع سياسي متكامل من جهة أخرى، ومن جهة ثالثة طغيان ملفات إقليمية ودولية على القضية الفلسطينية بنظر الأمريكان و”الإسرائيليين“[64].

أكثر من ذلك فقد أسهمت زيارة بايدن في زيادة التهميش والمعاناة للقضية الفلسطينية. وهو ما يمكن تلمسه في الوثيقة التي صدرت عقب لقاء بايدن وعباس، وحملت عنوان “بيان أميركي حول العلاقة الأميركية الفلسطينية”. فعنوان الوثيقة  يشير إلى أن العلاقة بين الولايات المتحدة وفلسطين لا ترقى إلى مستوى الندية بين طرفين متكافئين، ولا تستحق تالياً أن يصدر بشأنها إعلان أو بيان مشترك، وإنما يكفي أن تتولى الولايات المتحدة إصدار بيان من طرف واحد تحدّد فيه رؤيتها للمستوى الذي يجب أن تكون عليه هذه العلاقة [65].

وأخطر ما أدت إليه زيارة بايدن أنها كرّست التعامل مع القضية الفلسطينية بغطاء فلسطيني، باعتبارها قضيةً إنسانيةً بسقف اقتصادي أمني، وهذا يكرس القضاء على أي أمل بتحقيق ما يسمى “حل الدولتين”[66]. فقد ركز بايدن فقط على الجوانب الإنسانية والاقتصادية لحياة الفلسطينيين، وأعلن عن تقديم دعم مالي للمُستشفيات الفلسطينية بمبلغ 100 مليون دولار، ولوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) بـ 200 مليون دولار[67]. فضلًا عن تقديمه سلسلة “تسهيلات” تقدمها حكومة الاحتلال إلى السلطة الفلسطينية، ومنها زيادة 500 تصريح سفر للفلسطينيين عن طريق مطار ”بن غوريون“، و200 تصريح لزيارة مدينة إيلات المحتلة، وتوسيع ساعات عمل معابر ”برطعة والجلمة وجسر اللنبي“، والادعاء بأن الفلسطينيين في قطاع غزة سيمنحون 400 تصريح زيارة للقدس المحتلة، عقب مرورهم بالفحص الأمني، فضلاً عن دعم المشافي الفلسطينية في شرقي القدس.

فيما لم يتخذ بايدن موقفاً تجاه طلب الرئيس الفلسطيني بعودة القنصلية الأمريكية في القُدس الشرقية للعمل، وإلغاء اعتبار منظمة التحرير الفلسطينية منظمة إرهابية، أو رهان تقديم المساعدات للسلطة الفلسطينية بعدم صرف رواتب عائلات الشهداء والأسرى وتغيير المناهج الفلسطينية، والتشديد على تحقيق العدالة لشيرين أبو عاقلة، ووقف مخطط التقسيم الزماني والمكاني في الأقصى، وإلغاء القرارات الأميركية السابقة بالإعلان عن عدم اعتبار الاستعمار الاستيطاني منافيًا للقانون الدولي، وبوسم صادرات المستوطنات إلى الولايات المتحدة بوصفها منتجات إسرائيلية المنشأ[68].

كما جاء “إعلان القدس” الذي وقعه الرئيس الأمريكي ”جو بايدن“ ورئيس الوزراء ”الإسرائيلي“ الانتقالي ”يأير لبيد“، تعهد الولايات المتحدة بتقديم مساعدات عسكرية إلى ”إسرائيل“ بمليارات الدولارات، وإمكانية مضاعفة هذا الدعم بشكل غير محدود في حالات الاستثناء، مثل العدوان ”الإسرائيلي“ على قطاع غزة، وتشير هذه الحيثية إلى انحياز أمريكي مباشر ضد الشعب الفلسطيني، وتبني رواية ”إسرائيل“ في العدوان على قطاع غزة، وإنكار حق الشعب الفلسطيني في المقاومة، وما يعزز ذلك، أن الإعلان ربط حركات المقاومة الفلسطينية بوكلاء إيران في المنطقة، مؤكدًا على أن الولايات المتحدة ستعمل مع شراكائها على مواجهتها، كما أكد الإعلان على مساعي تعميق التطبيع ومشاريع دمج ”إسرائيل“ في المنطقة، وتوسيع دائرة التطبيع لتشمل دولًا عربية وإسلامية  جديدة، ولم يكتفِ الإعلان بالتأكيد على دعم ”إسرائيل“ عسكريًا، وتجاوز القضية الفلسطينية، وإنكار حق الشعب الفلسطيني في المقاومة، وإنما تعدى ذلك إلى إنكار حق الشعب الفلسطيني ومناصريه بأي انتقاد أو إدانة ل”إسرائيل“ وسياساتها، وقد أكد الإعلان على أن الولايات المتحدة و”إسرائيل“ ستواصلان العمل معًا لمحاربة كل الجهود الرامية إلى مقاطعة ”إسرائيل“ أو نزع الشرعية عنها، أو إنكار حقها في الدفاع عن النفس، أو استبعادها بشكل غير عادل في أي منتدى، بما في ذلك في الأمم المتحدة أو المحكمة الجنائية الدولية، وفوق كل ذلك رفض حملة المقاطعة BDS ومواجهتها[69].

 

 

 

 

[1] “جولة بايدن في الشرق الأوسط: حدود النجاح والفشل في استدراك نفوذ واشنطن المتراجع”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تقدير موقف، 21/7/2022، الرابط: https://bit.ly/3zHKXlq

[2] ” Joe Biden: Why I’m going to Saudi Arabia”, The Washington Post, July 9, 2022, accessed on 11/8/2022, at: https://wapo.st/3BVNfAf

[3] ” قراءة نصية في وثائق جولة بايدن الشرق أوسطية”، الميادين، 30/7/2022، الرابط: https://bit.ly/3zHnP6C

[4] “جولة بايدن في الشرق الأوسط: حدود النجاح والفشل في استدراك نفوذ واشنطن المتراجع”، مرجع سابق.

[5] “احتواء جديد: كيف عكست زيارة بايدن مواجهة الصين في الشرق الأوسط؟”، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 19/7/2022، الرابط: https://bit.ly/3JLMEmr

[6] “رحلة بايدن للشرق الأوسط أنجزت ما يمكن تحقيقه”، معهد دول الخليج العربية في واشنطن، 22/7/2022، الرابط: https://bit.ly/3A7fdYr

[7] ” فجوات الواقع والرمز في زيارة بايدن إلى الشرق الأوسط”، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 21/7/2022، الرابط: https://bit.ly/3Pf9GTO

 

[8] جولة بايدن في الشرق الأوسط: حدود النجاح والفشل في استدراك نفوذ واشنطن المتراجع”، مرجع سابق.

[9] “احتواء جديد: كيف عكست زيارة بايدن مواجهة الصين في الشرق الأوسط؟”، مرجع سابق.

[10] “تعزيز الشراكات: خمسة تحركات روسية لمواجهة زيارة بايدن للشرق الأوسط”، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 1/8/2022، الرابط: https://bit.ly/3Adzw6x

[11] ” ملفات زيارة بايدن.. العودة “الواقعية” للشرق الأوسط”، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 30/6/2022، الرابط: https://bit.ly/3A9WZ8x

[12] “جولة بايدن في الشرق الأوسط: حدود النجاح والفشل في استدراك نفوذ واشنطن المتراجع”، مرجع سابق.

[13] المرجع السابق.

[14] “النفط ومكانة الشرق الأوسط في الاستراتيجية الأمريكية”، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 20/7/2022، الرابط: https://bit.ly/3bIIjnq

[15] ” هل حققت زيارة “بايدن” إلى السعودية أهدافها؟”، مركز رع للدراسات الاستراتيجية، 25/7/2022، الرابط: https://bit.ly/3zOGHAy

[16] ” هل عاد بايدن من السعودية بـ”خفيّ حنين”؟”، القدس العربي، 15/7/2022، الرابط: https://bit.ly/3JMA6LD

[17] ” هل حققت زيارة “بايدن” إلى السعودية أهدافها؟”، مرجع سابق.

[18] “هل عاد بايدن خالي الوفاض من الرياض؟”، الميادين، 22/7/2022، الرابط: https://bit.ly/3vQxK8M

[19] ” هل حققت زيارة “بايدن” إلى السعودية أهدافها؟”، مرجع سابق.

[20] ” ملفات زيارة بايدن.. العودة “الواقعية” للشرق الأوسط”، مرجع سابق.

[21] “لماذا يحتاج الشرق الأوسط لترتيب أمني إقليمي جديد؟”، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، 20/7/2022، الرابط: https://bit.ly/3vSEq6d

[22] ” ما بين السطور: “الناتو العربي الإسرائيلي” وباب القاهرة “الموارب””، مصر360، 27/6/2022، الرابط: https://bit.ly/3njnHEq

[23] “بلومبيرغ: “ناتو عربي” فكرة غير قابلة للتطبيق ويعاندها الواقع السياسي والعسكري للمنطقة”، القدس العربي، 30/6/2022، الرابط: https://bit.ly/3NrHlc8

[24] “رحلة بايدن للشرق الأوسط أنجزت ما يمكن تحقيقه”، مرجع سابق.

[25] “لماذا يحتاج الشرق الأوسط لترتيب أمني إقليمي جديد؟”، مرجع سابق.

[26] “رحلة بايدن للشرق الأوسط أنجزت ما يمكن تحقيقه”، مرجع سابق.

[27] ” دلالات وأهداف زيارة بايدن إلى الشرق الأوسط”، المعهد المصري للدراسات، تقرير سياسي، 7/7/2022، الرابط: https://bit.ly/3zHcXpu

[28] “رحلة بايدن للشرق الأوسط أنجزت ما يمكن تحقيقه”، مرجع سابق.

[29] ” فجوات الواقع والرمز في زيارة بايدن إلى الشرق الأوسط”، مرجع سابق.

[30] ” للمرة الثالثة… لماذا يفشل محور الاعتدال في خلق ناتو عسكري ضد إيران؟”، رصيف22، 30/7/2022، الرابط: https://bit.ly/3BXFkT5

[31] “هل عاد بايدن خالي الوفاض من الرياض؟”، مرجع سابق.

[32] “جولة بايدن في الشرق الأوسط: حدود النجاح والفشل في استدراك نفوذ واشنطن المتراجع”، مرجع سابق.

[33] [33] “لماذا يحتاج الشرق الأوسط لترتيب أمني إقليمي جديد؟”، مرجع سابق.

[34] “رحلة بايدن للشرق الأوسط أنجزت ما يمكن تحقيقه”، مرجع سابق.

[35] “لماذا يحتاج الشرق الأوسط لترتيب أمني إقليمي جديد؟”، مرجع سابق.

[36] “رحلة بايدن للشرق الأوسط أنجزت ما يمكن تحقيقه”، مرجع سابق.

[37] ” ماذا تريد إسرائيل من الدول العربية؟”، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، 4/7/2022، الرابط: https://bit.ly/3QwQrWY

[38] ” قراءة نصية في وثائق جولة بايدن الشرق أوسطية”، مرجع سابق.

[39] ” فجوات الواقع والرمز في زيارة بايدن إلى الشرق الأوسط”، مرجع سابق.

[40] ” قراءة نصية في وثائق جولة بايدن الشرق أوسطية”، مرجع سابق.

[41] ” ملفات زيارة بايدن.. العودة “الواقعية” للشرق الأوسط”، مرجع سابق.

[42] “زيارة ”بايدن“ إلى المنطقة.. قراءة ”إسرائيلية“ في الدلالات والمخرجات”، مركز رؤية للتنمية السياسية، 21/7/2022، الرابط: https://bit.ly/3zPjGgR

[43] ” إيران أولاً: ما الذي تريده إسرائيل من زيارة بايدن للمنطقة؟”، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 6/7/2022، الرابط: https://bit.ly/3vSrNbC

[44] “زيارة ”بايدن“ إلى المنطقة.. قراءة ”إسرائيلية“ في الدلالات والمخرجات”، مرجع سابق.

[45] ” دلالات وأهداف زيارة بايدن إلى الشرق الأوسط”، مرجع سابق.

[46] “زيارة ”بايدن“ إلى المنطقة.. قراءة ”إسرائيلية“ في الدلالات والمخرجات”، مرجع سابق.

[47] ” دلالات وأهداف زيارة بايدن إلى الشرق الأوسط”، مرجع سابق.

[48] “زيارة ”بايدن“ إلى المنطقة.. قراءة ”إسرائيلية“ في الدلالات والمخرجات”، مرجع سابق.

[49] ” قراءة نصية في وثائق جولة بايدن الشرق أوسطية”، مرجع سابق.

[50] “هل عاد بايدن خالي الوفاض من الرياض؟”، مرجع سابق.

[51] “جلسة استماع: تأثيرات زيارة بايدن للمنطقة على الدول العربية”، الحائط العربي، 9/8/2022، الرابط: https://bit.ly/3dnS8b6

[52] ” ملفات زيارة بايدن.. العودة “الواقعية” للشرق الأوسط”، مرجع سابق.

[53] ” غزة مقابل السد وحقوق الإنسان.. إليك أهم قضايا الحوار الاستراتيجي الأمريكي المصري، ومن يفرض شروطه؟”، عربى بوست، 9/11/2021، الرابط: https://bit.ly/3D5UPWy

[54] “أهم بنود جدول أعمال الحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة ومصر”، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، 5/11/2021، الرابط: https://bit.ly/3C7qupk

[55] ” بعض أسباب تعثر لقاء بايدن والسيسي في غلاسكو”، العربى الجديد، 4/11/2021، الرابط: https://bit.ly/3HcNJlN

[56] ” هل حققت زيارة “بايدن” إلى السعودية أهدافها؟”، مرجع سابق.

[57] ” هل عاد بايدن من السعودية بـ”خفيّ حنين”؟”، مرجع سابق.

[58] “جولة بايدن الشرق أوسطية:أخطاء وهفوات”، المدن، 17/7/2022، الرابط: https://bit.ly/3zJEiqZ

[59] “هل عاد بايدن خالي الوفاض من الرياض؟”، مرجع سابق.

[60] ” قراءة نصية في وثائق جولة بايدن الشرق أوسطية”، مرجع سابق.

[61] “احتواء جديد: كيف عكست زيارة بايدن مواجهة الصين في الشرق الأوسط؟”، مرجع سابق.

[62] “النفط ومكانة الشرق الأوسط في الاستراتيجية الأمريكية”، مرجع سابق.

[63] ” ما بعد زيارة بايدن: تنفيذ القرارات أم تجديد الرهانات‎‎؟”، مسارات، 19/7/2022، الرابط: https://bit.ly/3pboOas

[64] “زيارة ”بايدن“ إلى المنطقة.. قراءة ”إسرائيلية“ في الدلالات والمخرجات”، مرجع سابق.

[65] ” قراءة نصية في وثائق جولة بايدن الشرق أوسطية”، مرجع سابق.

[66] ” ما بعد زيارة بايدن: تنفيذ القرارات أم تجديد الرهانات‎‎؟”، مرجع سابق.

[67] ” فجوات الواقع والرمز في زيارة بايدن إلى الشرق الأوسط”، مرجع سابق.

[68] ” ما بعد زيارة بايدن: تنفيذ القرارات أم تجديد الرهانات‎‎؟”، مرجع سابق.

[69] ” القضية الفلسطينية في جولة ”بايدن“.. الرؤية والدلالات”، مرجع سابق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

تطبيع العلاقات المصرية القطرية.. قراءة في زيارة السيسي للدوحة

تعتبر الزيارة التي قام بها الجنرال عبدالفتاح السيسي إلى قطر واستغرقت يومين (الثلاثاء والأر…