‫الرئيسية‬ العالم العربي السودان عودة الإسلاميين في السودان .. المظاهر والمخاطر
السودان - سبتمبر 19, 2022

عودة الإسلاميين في السودان .. المظاهر والمخاطر

عودة الإسلاميين في السودان .. المظاهر والمخاطر

شهدت الفترة الأخير مجموعة من الأحداث التي أثارت الجدل في الداخل السوداني حول عودة الإسلاميين إلى الساحة السياسية السودانية من جديد، بعد إقصائهم عقب أحداث الثورة الشعبية في السودان على نظام البشير. الأمر الذي يطرح مجموعة من التساؤلات حول مؤشرات عودة الإسلاميين في السودان، وأهدافهم، ومخاطر تلك العودة على مستقبل الوضع في السودان، وهي التساؤلات التي سنسعى للإجابة عليها خلال هذا التقرير..

 

مظاهر عودة الإسلاميين: تجدَّد الجدل في السودان بشأن عودة الإسلاميين للحكم على خلفية إطلاق سراح رئيس حزب المؤتمر الوطني المحلول إبراهيم غندور المُتهم في قضايا تتعلق بتقويض السلطة الانتقالية. جاء ذلك بعد نحو أسبوع من إعلان قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان حل مجلسي السيادة والوزراء في 25 أكتوبر 2021، قبل أن يُعاد اعتقال غندور مرة أخرى في غضون ساعات. وقرَّر البرهان عزل مدير جهاز الأمن الوطني ومدير جهاز الاستخبارات العسكرية، وتعيين اللواء محمد صبير مديرًا لجهاز الاستخبارات العسكرية، والفريق أحمد المفضل -الذي كان رئيسًا لحزب المؤتمر الوطني في ولاية جنوب كردفان إلى حين حله- مديرًا لجهاز الأمن والمخابرات.[1] وفي الأشهر القليلة الماضية، أعادت محكمة خاصة إلى العمل عشرات من موظفي البنك المركزي والقضاء والنيابة العامة ومكتب رئيس الوزراء ووزارة الخارجية ووسائل الإعلام الحكومية من بين مؤسسات أخرى. وتقول مصادر في وزارة الخارجية إنه تم تكليف بعض الدبلوماسيين العائدين بقيادة بعثات في الخارج، في حين تقرَّر استبدال رئيس هيئة البث الحكومية المُعين مدنيًا. وفي مارس تقرَّر رفع التجميد عن نحو ألف حساب بنكي، قبل أن يُعاد تجميدها بعدها بأسبوعين بموجب أوامر من البنك المركزي. من ناحية أخرى، يُودع السجن مسؤولون يترأسون فريق عمل تم تعيينه لتفكيك نظام البشير. وكان البرهان قد أعلن في 15 إبريل إن إعادة بعض المرتبطين بنظام البشير لمناصبهم ستكون محل مراجعة، وإنه يُمكن الإفراج عن قيادات اللجنة التي أمرت بالتفكيك ومصادرة الأصول المرتبطة بحزب المؤتمر الوطني.[2] كما تمَّ في إبريل الماضي إلغاء القضاء أمرًا بحل منظمة الدعوة الإسلامية التي كان لها دور بارز قبل انتفاضة عام 2019، وكذلك صدر أمر محكمة في وقتٍ سابق بإعادة نشاط جمعية القرآن الكريم.[3]

 

التيار الإسلامي العريض ودلالات تكوينه: في مؤتمر صحفي عُقد يوم 19 إبريل 2022 أعلنت 10 تنظيمات وتيارات إسلامية في السودان الاتحاد تحت مُسمى “التيار الإسلامي العريض” ضمَّ كيانات إسلامية، من ضمنها سلفية، وحدَّدت لها مجموعة أهداف. ووقَّع على ميثاق تأسيس التحالف؛ “حركة الإصلاح الآن” التي يرأسها غازي صلاح الدين العتباني، أحد أبرز مستشاري البشير السابقين قبل أن ينشق عن حزب المؤتمر الوطني في العام 2013 مُشكِّلًا تنظيمًا مُنفصلًا ينادي بالإصلاح والمحاسبة ويرفض القمع الذي مارسته السلطات ضد محتجين سلميين وقتها. كما ضمَّ التيار الإسلامي العريض “الحركة الإسلامية السودانية” والتي مثَّلها القيادي المعروف في النظام السابق أمين حسن عمر الذي شغل عدة مناصب تنفيذية وقيادية في الحكومة المعزولة. ومن المُوقِّعين كذلك “منبر السلام العادل”، وهي جماعة أسسها الراحل الطيب مصطفى الذي عرف بتأييده لفصل جنوب السودان، كما تربطه صلة قرابة بالبشير ويُعد من قادة التنظيم الإسلامي. كما ضمَّ التحالف “حزب دولة القانون والتنمية” وهو من التنظيمات الحديثة، ويقوده رجل الدين محمد علي الجزولي الأقرب للتيار السلفي المُتشدِّد لحد مجاهرته في وقتٍ سابق بتأييد تنظيم الدولة الإسلامية. ومن المُوقِّعين أيضًا “الإخوان المسلمون”؛ التنظيم العالمي بقيادة عادل على الله، وجماعة الإخوان المسلمين السودانية بزعامة عوض الله حسن، وهما جماعتان لكلٍّ منهما قيادتها ورؤيتها المنفصلة، كما انضم لهذا التيار “تحالف العدالة القومي” برئاسة التجاني السيسي، بجانب “تيار النهضة” تحت قيادة محمد مجذوب، و”مبادرة وحدة الصف” وهي تيار لإسلاميين اختاروا الوقوف على الحياد حين انقسمت الحركة الإسلامية في العام 1999. وقد تخلى “المؤتمر الشعبي” الذي يُعد أكبر القوى الإسلامية في السودان عن التيار العريض باعتباره ردة عن خط الحزب الذي يعمل الآن على جمع أهل السودان في مائدة مستديرة بحثًا عن حل شامل للأزمة وصولًا للانتخابات، وبالتالي لا يُمكنه الانكفاء والانغلاق داخل تيار أيديولوجي مُحدَّد وفقًا لمسؤول الإعلام في الحزب عوض فلسطيني الذي أكَّد أن حزبه لا يرتبط حاليًا بأي تحالفات أو تكتلات ويعمل كحركة مجتمع متكامل ليسع الجميع ومن غير المنطقي أن يعود بعد 30 عامًا من النشأة للانغلاق في تنظيم بعينه. ويُمكن قراءة دلالات هذه الوحدة في سياق الاستعداد للانتخابات وربما الدخول في العملية السياسية الانتقالية من خلال أي تسوية أو توافق قادم، وقد جاءت هذه الخطوة بسبب تغيُّر المشهد وتفاقُم صراعات القوى السياسية فيما بينها.[4]

 

تفسير سماح البرهان لعودة الإسلاميين: تواصل الجدل حول استعانة البرهان بمسؤولين سابقين ينتمون لحزب المؤتمر الوطني وإعادتهم إلى مواقع قيادية في الخدمة المدنية، في مقابل إعفاء العديد من الذين تولوا إدارة تلك المواقع في حكومة عبد الله حمدوك خلال عامين. ولم ينقطع الحديث عن عودة كوادر المؤتمر الوطني المحلول واستعانة البرهان بهم لتقوية موقفه، حتى بعد عودة حمدوك لرئاسة الحكومة، وكان بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء بعد يوم من حل الحكومة التي يرأسها؛ قد اتهم حزب المؤتمر الوطني بالوقوف خلف انقلاب البرهان. وفي السياق، اعتبر عادل محجوب الوزير السابق في ولاية شمال دارفور -قبل عزل الرئيس عمر البشير- أن اللجنة الأمنية التي جاءت إلى السلطة في الفترة الانتقالية وشكَّلت المُكوِّن العسكري كشريك للمدنيين، هي أصلاً من المحسوبين على الإسلاميين. وقال إن تعيين البرهان قيادات المؤتمر الوطني من الصف الثاني، تشير إلى حاجته لقوة سياسية يستعين بها في بسط سيطرته من ناحية، كما أنها بمثابة اعتذار للإسلاميين لمواقفه تجاههم منذ سقوط نظام الرئيس عمر البشير وحزب المؤتمر الوطني الحاكم وقتها. ويرى البعض أن هؤلاء ربما سيتحولون إلى نواة جديدة لحزب يرث المؤتمر الوطني. وما يدفع البرهان للجوء إلى الاستعانة بالإسلاميين وخاصةً أعضاء المؤتمر الوطني لمواجهة التيارات اليسارية التي كانت تسيطر على السلطة خلال العامين الماضيين من عمر الفترة الانتقالية، هو حاجته إلى حاضنة سياسية بديلة لقوى الحرية والتغيير.[5]

 

أهداف الإسلاميين ومخاوف المدنيين: يذكر ميثاق “التيار الإسلامي العريض” أن الهدف من تأسيس هذا التحالف الإسلامي هو “الحرص على تنزيل قيم الدين على أوجه الحياة السودانية. بالإضافة إلى بسط الحريات العامة وصيانة الحقوق. وأيضًا إصلاح الشأن السياسي في البلاد. مع تأكيد حاكمية الشورى وإعلاء البعد المؤسسي وتوسعة قاعدة المشاركة في الشأن العام”. وقد بدأت المطالب بإطلاق سراح قادة إسلاميين كانوا في السجون على خلفية بلاغات من لجنة إزالة التمكين المجمدة، وعلى رأسهم زعيم حزب دولة القانون والتنمية محمد علي الجزولي. وهذه الأهداف المُعلنة لقوى “التيار الإسلامي العريض” في حد ذاتها يُنظر لها من القوى المدنية باعتبارها مُهدِّدة لمسار الانتقال الديمقراطي، الذي لا يزال يشهد حالة لا مُتناهية من الجدل والتشتُّت بين أطراف الشارع السياسي. حيث يتردد بين القوى السياسية أن سكوت المكون العسكري على عودة الإسلاميين، بل وإضفاء حالة من الشرعية عليها من خلال السماح لهم بالإعلان عن كيان سياسي وإخلاء سبيل عدد من القيادات الإسلامية، هو محاولة لإضعاف التيار المدني. خاصةً وأن القوى الإسلامية لا تزال تحظى بنوع من التنظيم والقدرة على الحشد، ما يُمكِّنها من الحفاظ على وضعها عبر أي انتخابات مقبلة. وما يزيد من مخاوف التيار المدني من احتمالية وجود دعم عسكري مستتر للإسلاميين هو توقيت الإعلان عن “التيار الإسلامي العريض”، والذي جاء بعد أيام من الإفراج عن 13 قياديًا إخوانيًا. كما أن أحد أهم مخاوف المدنيين هو التعجيل بموعد الانتخابات؛ إذ يرى العديد من التيارات المدنية أهمية تأجيل خطوة الانتخابات لإتاحة الفرصة للأحزاب والتيارات الثورية الجديدة، لكسب أرضية واسعة داخل الشارع السوداني. وهي المخاوف التي سرعان ما ترجمتها تصريحات قادة “التيار الإسلامي العريض” منذ الإعلان عن تأسيسه، والذي دعا منتمون إليه إلى أهمية انعقاد الانتخابات في أقرب وقت، كونها المسار الديمقراطي الآمن لاختيار الحكومة وبناء مؤسسات الدولة، باعتبار أنهم التيار الوحيد الأكثر تنظيمًا والأكثر قدرة على الحشد والفوز بصناديق الاقتراع.[6]

 

مخاطر عودة الإسلاميين: يرى البعض أن عودة التيار الإسلامي العريض إلى الساحة السياسية والمجتمعية الآن سيكون إحدى العقبات أمام إنجاح المباحثات السودانية– السودانية التي تسيرها الآلية الأممية الثلاثية، وتضم بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، وتحالف قوى إعلان الحرية والتغيير المجلس المركزي وقوى إعلان الحرية الموالية للجيش وغيرها من الأحزاب كالحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل. إذ كانت أولى شروط الحرية والتغيير، رفض الدخول في أي حوار يأتي بمن أسمتهم “فلول نظام الإخوان” الذي أسقطته الثورة. وهو ما أكدته قوى الحرية والتغيير مع انطلاق الجولة الثانية من المباحثات في مايو الماضي، في بيان صحفي لها، حيث أعلنت أنها أبلغت الآلية الأممية بعدم السماح لمن أطلقت عليهم فلول النظام والقوى الانقلابية والإسلاميين، ببناء حاضنة سياسية عبر العملية السياسية. الأمر الذي تخشى أن يؤدي إلى الانحراف عن أهداف قوى الشارع التي تتمسك بإنهاء الحكم العسكري، وتأسيس مسار مدني حقيقي. ويبقى الرفض الدولي لعودة الإسلاميين لتصدُّر المشهد السياسي في السودان هو الخطر الأكبر، خاصةً مع ربط القوى الدولية المساعدات ورفع العقوبات بعدم وجود الإسلاميين في الحكم أو الحياة السياسية في السودان. وقد علَّق وفد أوروبي أمريكي في إبريل الماضي على عودة الإسلاميين. وقال بيان صحفي إن هذه العودة ستزيد من حدة التوترات في المجتمع السوداني. كما أنها تُعرقل تنفيذ الإصلاحات التي تُعد وحدها الضامن لاستمرار المساعدات والدعم المالي المُقدَّم للحكومة السودانية، بما في ذلك الإعفاء من الديون. إلا أنه مع ذلك؛ لا يُمثِّل التعويل على دور للقوى الدولية ذو أثر كبير في التجربة السياسية بالسودان. إذ تبقى الإدانات الدولية والضغوط على قادة مجلس السيادة الانتقالي منذ الإطاحة والانقلاب على المكون المدني غير ذي جدوى، لاسيما في ظل التجاذُبات الدولية القائمة حول السودان، وتفاوُت مواقف القوى الدولية والإقليمية من الوضع هناك. وهو ما بدا في تنفيذ الانقلاب الأخير رغم التهديد بخفض المعونات الدولية والتلويح الأمريكي بالعقوبات على المشاركين فيه، عقب تصويت بالإجماع من مجلس الشيوخ الأمريكي بإدانة الانقلاب العسكري.[7]

 

الخُلاصة؛ منذ الإطاحة بعمر البشير، وتقاسم السلطة بين العسكريين والجماعات المدنية التي قادت الاحتجاجات على مدى شهور في 2019؛ انتهت هذه الترتيبات في الخامس والعشرين من أكتوبر 2021 عندما قام نفس القادة العسكريين بانقلاب أدخل البلاد في دوامة اضطرابات اقتصادية وسياسية. وفي هذه الأثناء؛ وقَّعت عشرة أحزاب وحركات إسلامية على ميثاق تأسيس ما سُمى بـ “التيار الإسلامي العريض” لتحقيق الاندماج التنظيمي بينها، في محاولة من تلك التيارات للاستفادة من حاجة المكوِّن العسكري إلى وجود ظهير شعبي يساعده على الصمود في وجه إصرار العديد من القوى المدينة على استمرار الاحتجاجات في الشارع، والسعي نحو إزاحة الجيش عن السلطة بعد تمسُّك قيادته بانقلابها العسكري في الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي. ويأتي هذا في الوقت الذي تعكس التطورات توجهات مضادة للثورات بعد أحداث “الربيع العربي”. ومخاوف الجماعات المطالبة بالديمقراطية، والتي ساعدت في الإطاحة بالبشير لكن الانقلاب زج بها خارج ترتيب لتقاسم السلطة، من عودة الحكم الشمولي الذي جاهدت لإنهائه. وتسعى قوى إقليمية مهمة، منها مصر وبعض دول الخليج، لتحجيم نفوذ جماعة الإخوان المسلمين دولياً، والتي قد يتملَّكها قلق حيال عودة نشاط الشبكات الإسلامية السودانية، لكنها في المُقابل لا تزال ترى الجيش السوداني أفضل حليف في دولة هشة ذات موقع استراتيجي. الأمر الذي يزيد من تعقيد المشهد السوداني بكافة أبعاده سواء الداخلية، أو الخارجية على المستويين الإقليمي والدولي.

[1] أمير بابكر، “السودان.. هل يعود الإسلاميون إلى الحكم عبر بوابة البرهان؟”، الجزيرة نت، 30/11/2021. متاح على الرابط: https://cutt.us/NHCYe

[2] “الإسلاميون في السودان يعودون للساحة.. على مرأى ومسمع الجيش!”، DW، 22/4/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/JHMVC نقلًا عن رويترز.

[3] “تطبيع رسمي في السودان مع عودة الإسلاميين إلى الواجهة”، العرب، 1/5/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/NfaH9

[4] مزدلفة عثمان، “سؤال وجواب حول تكتل “التيار الإسلامي العريض” في السودان”، الجزيرة نت، 20/4/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/Aah1J

[5] أمير بابكر، مرجع سبق ذكره.

[6] آية أمان، “عودة الإسلاميين تربك المشهد الملتهب في السودان”، مصر 360، 16/5/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/4WpYH

[7] آية أمان، مرجع سبق ذكره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

قراءة في الوثيقة التوافقية لإدارة الفترة الانتقالية بالسودان

  في ظل حالة التعثُّر التي يعاني منها السودان؛ طرحت بعض الأحزاب السياسية السودانية وث…