‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر قناة السويس بين اختلاس الإيرادات ومخاطر الخصخصة
مصر - سبتمبر 24, 2022

قناة السويس بين اختلاس الإيرادات ومخاطر الخصخصة

قناة السويس بين اختلاس الإيرادات ومخاطر الخصخصة

خلال احتفالية افتتاح القرية الأولمبية وتدشين وحدات بحرية جديدة لهيئة قناة السويس يوم الخميس 08 سبتمبر 2022م، أدلى الجنرال عبدالفتاح السيسي، بتصريحات حول قناة السويس (193 كم) اشتملت على المضامين الآتية:

  • أولا، قناة السويس حققت إيرادات كبيرة رغم الركود الذي يشهده العالم وجائحة كورونا. وأن قناة السويس الجديدة ساهمت في زيادة دخل القناة وأعداد السفن العابرة للمجرى الملاحي للقناة، حيث قال نصا: «دخلنا من القناة كان 4.8 مليار أو 5 بالكتير قبل القناة الجديدة، النهاردة إحنا بنتكلم في 5.5 و6 و7 مليارات، ولسه». مدعيا أن هذا الدخل يتم استخدامه في تطوير قناة السويس. مضيفا أن إيرادات القناة فاقت تكلفة حفر قناة السويس الجديدة، لافتا إلى أن جدلا أثير حول جدوى المشروع وهل نحن بحاجة إلى ازدواج المجرى الملاحي للقناة، وتم تداول الكثير من الأحاديث للتشكيك في خطوات الدولة عندما تم إطلاق حفر قناة السويس الجديدة عام 2014 والتي افتتحت في أغسطس عام 2015 وتكلفة 68 مليار جنيه تم جمعها من اكتتابات المصريين. وأعلن أنه سيتم إنشاء ثلاثة موانئ لليخوت من إيرادات قناة السويس دون المساس بمخصصات الموازنة العامة للدولة.
  • ثانيا، الشكوى من وجود حملات وصفها بالمغرضة تستهدف التشكيك في الإنجازات التي تم تحقيقها، منبها إلى أن المشككين يستهدفون إشاعة أجواء اليأس عند المصريين وتخويفهم وإضعافهم. ودعا السيسي جميع أجهزة الدولة إلى توضيح من وصفها بالحقائق لمواجهة حملات التشكيك المغرضة التي تستهدف جذب أنظار المصريين بعيدا عن الإنجازات والتشكيك في قدرات الدولة، قائلا: “يجب دحض أكاذيب المشككين بشأن الدولة والإنجازات والرد عليها بالحقائق”.
  • ثالثا، التراجع عن تصريحات سابقة للسيسي كان قد كشف فيها أنه رفض دراسات الجدوى للمشروعات من أجل تنفيذ هذه المشروعات بأقصى سرعة وفي وقت قياسي؛ حيث  قال السيسي: “نحرص على أن نصارح المصريين بكل أمانة حيث يتم تنفيذ كافة المشروعات بناء على دراسات علمية دقيقة”، وقال نصا: «مصر ربحت في 4 أو 5 سنوات، أموالا أكبر بكثير مما أنفقته في توسعة قناة السويس، بقول الكلام ده لينا وللإعلاميين، في حد ممكن يعمل موضوع يشككم في إجراء، وكأن الدولة دي مبتفكرش ومبتدرسش وبتشتغل بشكل عشوائي، لأ طبعا».[[1]]

فما حقيقة هذه الأرقام؟ وما حجم إيرادات القناة؟ وهل زادت إيراداتها بعد التفريعة؟ وأين تذهب هذه الإيرادات؟ وما حجم الفساد المنتشر داخل هيئة قناة السويس؟ ولماذا أنشأ النظام صندوقا فرعيا لإدارة ؟وهل يتجه السيسي نحو خصخصة القناة؟ ولماذا يشرع النظام في تداول شركات تابعة لهيئة قناة السويس في البورصة؟ وما مخاطر هذه الخطوة في سياق توسع النظام في سياسات الخصخصة وبيع أصول الدولة في ظل أزمته الاقتصادية والمالية الطاغية؟

 

إيرادات القناة

قبل حفر التفريعة (35 كم) التي أطلق عليها النظام مجازا (قناة السويس الجديدة) بالغ الفريق مهاب مميش، رئيس هيئة قناة السويس السابق، في تقدير المكاسب المتوقعة من القناة الجديدة، ووعد المصريين بالرفاهية والرخاء حتى وصل بالإيرادات المتوقعة  إلى 200 مليار دولار ثم تراجع إلى 100 مليار دولار، اتضح أن هذه التقديرات جزافية وكانت للاستهلاك الإعلامي والدعاية للمشروع الجديد بوصفه إنجازا عظيما للنظام العسكري بعد انقلاب يوليو 2013م، لاحقا وفي 2015م تحدث مميش عن تقديرات قال إنها بعد دراسات توقع خلالها أن يرتفع إيراد قناة السويس بعد القناة الجديدة إلى 8 مليارات دولار بعد سنتين فقط (2017)، ثم ترتفع الإيرادات إلى 13.4 مليار دولار  بحلول سنة 2023م.[[2]]

لكن الأرقام الرسمية تكشف أن إيرادات القناة تراجعت بعد افتتاح التفريعة قبل أن ترتفع بشكل طفيف بداية من 2019م؛ فقد سجلت القناة إيرادات تصل  إلى 5.5 مليارات دولار في 2014 وهي السنة التي سبقت التفريعة وشهدت البدء في حفرها. وتراجعت الإيرادات في 2015 إلى 5.1 مليارات دولار، ثم تراجعت أيضا في 2016 لتصل إلى 5 مليارات دولار فقط. قبل أن تعاود الارتفاع الطفيف في 2017 لتصل إلى 5.2 مليارات دولار.

وفي 2018 حققت 5.7 مليارات دولار. الانتقادات والضغوط التي تعرض لها النظام بإهدار 8 مليارات دولار على حفر التفريعة دون جدوى اقتصادي أو كما قالت وكالة “بلومبيرج” في تقرير لها (أغسطس 2015) إن مصر أهدرت 8 مليارات دولار على تفريعة لا يحتاج إليها العالم.[[3]]

هذه الانتقادات دفعت السيسي في يونيو 2016 إلى الاعتراف بأن الهدف من التفريعة كان رفع الروح المعنوية للمصريين.[[4]]

ومنذ 2019 بدأت ترتفع إيرادات القناة؛ حيث وصلت إلى 5.8 مليارات دولار، وفي 2020 حققت 5.6 مليارات دولار، وحققت في 2021  أعلى إيراد لها لتصل إلى 6.3 مليارات دولار.[[5]]

(الجدول التالي يوضح إيرادات القناة خلال السنوات العشر الماضية وفقا للأرقام الرسمية)

السنة الإيراد بالمليار دولار السنة الإيراد بالمليار دولار
2010 5.5 2017 5.2
2012 5.2 2018 5.7
2014 5.5 2019 5.9
2015 5.1 2020 5.6
2016 5 2021 6.3

 

ديون القناة

الملاحظة الأولى أن الأرقام الرسمية تكشف أن الوعود التي قطعها النظام على نفسه والدراسات التي وعدت المصريين بالرخاء وارتفاع إيرادات القناة إلى 13.2 مليار دولار تبخرت، وباتت نسيا منسيا، وحتى الزيادات الطفيفة على الإيرادات تحققت بفعل ارتفاع أسعار النفط وزيادة معدلات التجارة العالمية عبر القناة، وهي الإيرادات ذاتها التي كان يمكن أن تتحقق بدون التفريعة الجديدة التي أهدر النظام عليها نحو  مليارات دولار بخلاف نحو 7.6 مليار جنيه سنويا لمدة خمس سنوات، دفعتها خزانة الدولة كفوائد على شهادات الـ64 مليار جنيه التي جمعها السيسي لحفر التفريعة، بما يعني نحو 40 مليار جنيه  أخرى.

بل على العكس من ذلك تماما، فقد اضطر النظام بعد إهدار السيولة الدولارية على حفر التفريعة إلى اقتراض 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي بعد 14 شهرا فقط من افتتاح التفريعة الجديدة، وتوسع السيسي في الاستدانة حتى وصلت الديون الخارجية إلى 158 مليار دولار في مارس 2022م وفقا لبيانات البنك المركزي المصري.

الملاحظة الثانية، وهي الأكثر خطورة،  أن هيئة قناة السويس اقترضت هي الأخرى بدلا من تحقيق الرخاء المزعوم؛ وباتت القناة لأول مرة في التاريخ منذ افتتاحها سنة 1869م، عليها ديون لدرجة أنها عجزت عن السداد في بعض الأحيان واقترضت من البنوك وحتى من خزانة الدولة لسداد بعض اقساطها. وهذه المحطات تكشف عن هذه الحقائق المؤلمة بعيدا عن تصريحات وأرقام السيسي المفبركة والملعوب فيها.[[6]]

  • في 2015م اقترضت الهيئة من 8 بنوك محلية مليار دولار لحفر مشروع التفريعة، ونحو 400 مليون دولار في 2017، بعضها لسداد حقوق الشركات الأجنبية والمحلية.
  • في مايو 2016، طلبت القناة من بنوك محلية قرضا بقيمة 600 مليون يورو.
  • وفي مايو/أيار 2018، طلبت الهيئة قرضا بـ400 مليون دولار من البنوك المحلية، لكنها في يونيو/حزيران 2018، طلبت 300 مليون يورو من بنوك خليجية لشراء حفارين من شركة هولندية، بعد تعثر طلبها لنفس الغرض من بنوك محلية في 2017.
  • وزارة المالية المصرية، وإثر تعثر قناة السويس ثلاث مرات في تسديد قروض الحفر دفعت في مايو 2019، نحو 600 مليون دولار لبنوك محلية وأجنبية، كانت مستحقة عن عامي 2017 و2018.
  • في أبريل/ نيسان 2021، اقترضت الهيئة 10 مليارات جنيه من 6 بنوك محلية بضمانات حكومية، بعد طلبها في نوفمبر 2020 تمويلا من بنكي الأهلي” و”مصر” بـ10 مليارات جنيه بضمانة وزارة المالية.
  • آخر ما طلبته هيئة القناة التي تتبع لها 8 شركات من قروض هو 20 مليار جنيه. وطالبت في 30 يوليو/تموز 2022 من البنوك المحلية مضاعفة قيمة قرض طلبته سابقا بتسهيل مدة 20 عاما، لتنفيذ مشروعات بمنطقتي “السخنة” و”شرق بورسعيد” الصناعيتين.

الملاحظة الثالثة،  أن السيسي لا يكتفي بما تسبب فيه من توريط لمصر وهيئة قناة السويس في التفريعة التي لم تسهم جديا في زيادة إيرادات القناة وجرى إهدار نحو 8 مليارات دولار (نحو 150 مليار جنيه بسعر اليوم حيث صل الدولار إلى 19.31)، ولا حتى في سقوط القناة تحت طائلة الديون، ويتجه نحو مشروع تفريعة جديدة تحت لافتة توسعة جديدة لمجرى القناة  بتكلفة نحو 14 مليار دولار في وقت عصيب حيث تعاني مصر من شح السيولة الدولارية وتفاقم حجم الديون الخارجية لنحو 158 مليارا بنهاية مارس 2022م.

فقد أعلن أسامة ربيع، رئيس الهيئة في مايو 2021 عن ضغط الجدول الزمني لمشروع ازدواج القناة بتكلفة إجمالية 14 مليار دولار، والخاص بتوسيع وتعميق الجزء الجنوبي من الممر المائي الذي علقت فيه سفينة الحاويات “إيفر غيفن” في مارس/آذار 2021، وعطلت المرور في القناة لمدة 6 أيام.

ويستهدف المشروع ــ يتم العمل فيه حاليا ـ  تطوير المجرى الملاحي للقناة بطول 10 كيلومترات، وتوسعة وتعميق المنطقة الجنوبية لها بعرض 40 متراً، وعمق 72 قدماً بدلاً من 62 قدماً حالياً. ومن المقرر الانتهاء من المشروع بعد عامين.[[7]]

وهو ما يعني إصرار النظام على تكبيل مصر بالديون الباهظة وإهدار نحو 22 مليار دولار(8 على تفريعة 2015+ 14 على التفريعة والتوسعة الحالية جنوب القناة) وهي مشروعات بلا جدوى حقيقية؛ لأن الزيادات الطفيفة في إيرادات القناة هي زيادات طبيعية وليست بسبب التفريعة الجديدة؛ فالأمر يتعلق بحجم التجارة العالمية من جهة وأسعار الوقود من جهة أخرى.

وحتى عمليات التوسعة الجارية لن تسهم في زيادة الإيرادات بما يكافئ التكلفة الباهظة (14 مليار دولار)، ومع غموض جهات تمويل هذه التوسعة وإصرار النظام على بيع أصول الدولة، لتسديد ما عليه من ديون وأقساط واستكمال مشروعاته العبثة  في العاصمة الجديدة وغيرها من المدن الجديدة المخصصة للأثرياء فإن مصر تفتقر كل يوم بهذه السلطة السفيهة بينما هم يزدادون ثراء وفحشا  وسفاهة.

الملاحظة الرابعة، هي التعتيم على الفساد الواسع في هيئة قناة السويس؛ وقد أصدرت شبكة مكافحة الفساد البحري (MACN) الدانمركية تقريرًا مفصلًا في فبراير 2022م، عن وقائع الفساد في قطاع النقل البحري، وقال التقرير إن قناة السويس المصرية التي يمر بها نحو 30% من حاويات الشحن في العالم ونحو 12% من إجمالي التجارة العالمية، تصدرت قائمة “أكثر الممرات الملاحية فسادًا وطلبًا للرشوة  بواقع 1793 حادثة فساد على مدار السنوات العشر الماضية.[[8]]

كذلك حرص النظام على التعتيم على الجهات التي تحصل على إيرادات هيئة قناة السويس؛ وقد أشار الباحث الدكتور أحمد ذكرالله في قراءته لموازنة العام المالي (2020/2021) إلى بنود الإيرادات غير الضريبية ووصفها بالمحيرة تماما، وأهمها الحصيلة المتوقع سدادها للخزانة العامة للدولة من قناة السويس، والتي قدرتها وزارة المالية بحوالي 33.5 مليار جنيه، رغم أن هيئة القناة حققت إيرادات وصلت إلى (5.9 مليار دولار في 2019)، بما يقارب 97 مليار جنيه.  وانتهى إلى أن هيئة قناة السويس اعتادت خلال السنوات الماضية توريد ثلث إيراداتها فقط بينما تحوم الشبهات والغموض حول ثلثي الإيرادات، على الرغم من أن الخزانة العامة للدولة تكفلت بتسديد أقساط على هيئة القناة عجزت عن سدادها.

يقول ذكرالله: «الموازنة العامة تحتاج الى أربع سنوات كاملة لكي تسترد ما انفق علي مشروع التفريعة الجديدة، وأن الإيراد الصافي للقناة بعد خصم أقساط تكلفة التفريعة هو صفري حتى الآن (يونيو 2020)، هذا علي فرض استبعاد أقساط القرضين الدين اضطرت هيئة القناة لاقتراضهما لسداد مستحقات شركات الحفر».

ويضيف: « توالي تحصيل الموازنة العامة ثلث إيرادات القناة فقط يفتح باب التساؤل المشروع، حول أين تذهب بقية إيرادات القناة، وكيف تتسرب خارج الموازنة العامة للدولة، وهل من المنطقي أن تنفق الهيئة ثلثي الإيرادات (حوالي 60 مليار جنيه تقريبا) على مصروفات التشغيل، وأجور ومكافآت العاملين الذين يبلغ عددهم 25 ألف عامل فقط طبقا لتصريح اللواء مميش الرئيس السابق للهيئة، والذي نفى سابقا أن تكون هناك أي مخصصات من إيرادات القناة تذهب الى جهات سيادية بعينها، أو الى رئاسة الجمهورية، وأكد أن جميع الإيرادات تذهب الى الموازنة العامة للدولة».[[9]]

ويشير ذكر الله إلى نقطة غريبة إلى حد بعيد «وللمقارنة فان وزارة التربية والتعليم يعمل بها حوالي 1.7 مليون، وبلغت كامل مخصصاتها للعام المالي الحالي (2020/2021) 132 مليار جنيه، تلتهم الأجور 80% منها (105 مليار جنيه)، وهذا يعني أن 25 ألف موظف فقط في قناة السويس ينفقون أكثر من مليون موظف في وزارة التعليم، بفرض صحة عدم تسرب إيرادات القناة الى جهات سيادية بعينها.

 

خصخصة القناة

التحول الخطير بشأن مستقبل هيئة قناة السويس هو  التعديل الذي أدخلته الحكومة على بعض أحكام قانون هيئة قناة السويس رقم 30 لسنة 1975، وهو التعديل الذي يستهدف إنشاء صندوق تحت اسم “صندوق هيئة قناة السويس”، تكون له شخصية اعتبارية مستقلة، ويُعين له مدير تنفيذي من ذوي الخبرة العملية في مجال الاستثمار متفرغ لإدارته. وحدد التعديل محافظة الإسماعيلية مقراً رئيسياً لمجلس إدارة الصندوق، وله أن ينشئ فروعاً أو مكاتب أخرى داخل مصر. ويصدر النظام الأساسي للصندوق بقرار من رئيس الجمهورية، بناءً على عرض رئيس هيئة قناة السويس، وموافقة مجلس الوزراء، خلال ستين يوماً من تاريخ إصدار القانون.

التعديل على هذا النحو جعل الصندوق كيانا اقتصاديا مستقلا مقره محافظة الإسماعيلية، دون أن يدري به أحد، رغم خطورته، ورغم أن البرلمان أقر سابقا بحظر  إنشاء صناديق مستقلة، تتولى إدارة المال العام، بعيدا عن الموازنة العامة، وضرورة الحفاظ على وحدة الموازنة  العامة، إلا أن السيسي وحكومته استهزآ بالقرار، وأنشأ النظام  عدة صناديق، لا يملك أحد حق معرفة ما يدور حول أموالها، ومنها الصندوق السيادي. الملفت في الأمر، أن صندوق قناة السويس، وفقا لقرار تأسيسه، سيعمل على استخدام الموارد والأصول بهيئة قناة السويس، ويسمح للقطاع الخاص بالعمل مع القطاع العام من الاستخدام الأمثل لتلك الموارد، دون استنزاف موارد الدولة.

بهذا النص، لا نعلم هل تختفي موارد القناة من الموازنة العامة، أم جزء منها؟ لكن المؤكد أن هذا الصندوق هو بوابة لخصخصة قناة السويس على المدى المتوسط والطويل، رغم أن القناة هي المصدر الثاني للعملة الصعبة للبلاد. تحقق ريعا دون نفقات كبيرة، بلغت العام الماضي (2021/2022) نحو 7 مليارات دولار. يظل المصدر الأول للدخل القومي، عوائد المصريين في الخارج، الذين لا يكلفون الدولة أية نفقات، ويرسلون لأهليهم ما يزيد عن 32 مليار دولار، أمام باقي الموارد فلها نفقات تشغيل وتستورد مكونات من الخارج، ومنها السياحة أو الزراعة والصناعة.[[10]]

وفي مؤشر خطير على نزوع النظام نحو خصخصة هيئة قناة السويس بالتدريج كشف الفريق أسامة ربيع رئيس هيئة القناة الخميس 08 سبتمبر2022م، الهيئة ستطرح أواخر هذا العام أو مطلع العام المقبل أولى شركات القناة بالبورصة المصرية، على أن يلي ذلك طرح شركتين أخريين لاحقا. وكانت الهيئة قد أعلنت في مارس 2022، عن دراستها طرح ما بين 10 و15 بالمئة، من حصص شركات ذات عالية الربحية تابعة لها بالبورصة المحلية. ويتبع هيئة قناة السويس ثمان شركات تضم كلا من: “التمساح لبناء السفن”، و”القناة للموانئ”، و”القناة لرباط وأنوار السفن”، و”القناة للإنشاءات البحرية”، و”القناة للحبال ومنتجات الألياف”، و”ترسانة السويس البحرية”، و”الأعمال الهندسية البورسعيدية”، و”القناة للترسانة النيلية”.

وحتى ندرك خطورة الموقف فإن هذه الأنباء تأتي بعد نحو شهر واحد على اجتماع مسؤولين مصريين وصينيين في سويسرا لدراسة مبادلة الديون الصينية لدى مصر والمقدرة بنحو 8 مليارات دولار بأصول سيادية بينها موانئ ومطارات. وفي مايو 2022 أعلن مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء، عن “دمج أكبر سبعة موانئ مصرية في شركة واحدة وطرحها في البورصة، بالإضافة إلى عدد من الفنادق المملوكة للدولة ومشاريع النقل الحديث”. بخلاف ذلك فقد كشف موقع “القاهرة 24″، أن هناك لجنة حكومية تدرس مدى ملاءمة طرح أي من الموانئ المصرية في البورصة للمستثمرين العرب والأجانب.[[11]]

الخلاصة أن السيسي بحديثه عن زيادة إيرادات القناة ودور التفريعة  الجديدة في زيادة هذه الإيرادات وأن هذه الإيرادات فاقت  تكلفة حفر التفريعة هو من قبيل الكذب والتدليس بهدف التغطية على الفشل في إدارة القناة وإدارة مواد الدولة عل نحو صحيح، فالقناة لم تعرف المديونية إلا في عهد السيسي؛ كما أنها لم  تحقق الرخاء الذي وعد به السيسي، ولم تحقق الإيرادات التي توقعها النظام قبل مشروع التفريعة في 2015، لدرجة أنها عجزت عن سداد ما عليها من أقساط في 2019 وتكفلت الخزانة العامة للدولة بتسديد هذه الأقساط.

تصريحات السيسي تستهدف أيضا التغطية على الفساد المنتشر في إدارة هيئة القناة، وغموض الجهات التي تحصل على ثلثي إيرادات القناة في ظل توريد الثلث فقط للخزانة العامة للدولة وفقا لأرقام الموازنة خلال السنوات الماضية. وفي الموازنة الحالية (2022/2023)، تتوقع الخزانة العامة للدولة أن تورد هيئة القناة 6 مليار جنيه رغم أن القناة حققت أرباحا تصل إلى 7 مليارات دولار  (130 مليار جنيه)، فإين تذهب الـ45 مليار المتبقية من إيرادات القناة؟!

تصريحات السيسي تستهدف أيضا التغطية على شروع النظام في خصخصة هيئة قناة السويس من أجل سداد ما عليه من قروض باهظة للإمارات والصين والسعودية وجهات تمويل أخرى كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي وغيرها. ولذلك يتجه السيسي نحو بيع أصول الدولة المربحة من أجل حل أزمة شح السيولة الدولارية. فهل يبيع السيسي حصة من القناة للخروح من الأزمة التي أوقع البلاد فيها؟! وهل يسكت الشعب ومؤسسات الدولة على هذه السياسات التخريبية؟ وهل يمكن أن تفضي هذه السياسات والفشل في إدارة موارد الدولة في اندلا ثورة جديدة تطيح بهذا النظام الذي توافرت فيه كل صفات الظلم والبطش والفشل والطغيان والسفاهة؟ ألم يصل الشعب وحتى مؤسسات الدولة إلى أن كل يوم يبقى فيه السيسي على رأس الدولة هو إيذان بمزيد من الخراب والكوارث؟ لكل هذه الأسباب فإن مستقبل مصر مفتوح على كافة الاحتمالات خلال الشهور والسنوات المقبلة لكن المؤكد أن مصر دخلت بالفعل في مرحلة بالغة الخطورة تهدد ليس النظام فحسب بل الدولة نفسها باتت مهددة مع فشل النظام في كافة الملفات والقطاعات فهو عاجز عن إدارة موارد الدولة بشكل صحيح وغير قادر على حماية أمنها القومي ضد التهديدات الوجودية التي تحاصرها.

 

 

[1] الرئيس السيسي: قناة السويس حققت إيرادات كبيرة رغم الركود الذي يشهده العالم/ بوابة الشروق ــ الخميس 8 سبتمبر 2022// شريف سليمان/ السيسي: قناة السويس الجديدة رفعت الدخل الإجمالي من 5 لـ7 مليارات جنيه/ الوطن ــ الخميس 08 سبتمبر 2022

 

[2] لمعرفة تفاصيل الدراسة التي  قامت بها هيئة قناة السويس حول الإيرادات المتوقعة للقناة حتى سنة 2023م انظر: المركزى يتطلع بشغف لعائد الممر الملاحى !/ جريدة المال نيوز ــ الخميس, 6 أغسطس 154 سنوات على تفريعة قناة السويس: هل حققت هدفها؟/ الجزيرة مباشر ــ 07 أغسطس 2019م

[3] وكالة: السيسي أهدر 8 مليارات دولار على تفريعة لا يحتاجها العالم/ “عربي 21” ــ  الأربعاء، 05 أغسطس 2015//4 سنوات على تفريعة قناة السويس: هل حققت هدفها؟/ الجزيرة مباشر ــ 07 أغسطس 2019م

[4] السيسي: القناة الجديدة لرفع الروح المعنوية للمصريين ـ قناة الحياة ــ  03 يونيو 2016م (https://www.youtube.com/watch?v=1zBTixYjHsk)

[5] قناة السويس تحقق أعلى إيرادات مالية في تاريخها.. حصدت 6.3 مليار دولار خلال العام  2021/ عربي بوست ــ 02 يناير 2022

 

[6] انظر تفاصيل ذلك في التقارير الآتية: عفاف عمار/ تحالف مصرفى ينتظر موافقة «المالية» لتحمل الوزارة سداد ديون مستحقة على «قناة السويس»/ بوابة الشروق ــ الأحد 19 مايو 2019// قناة السويس تلجأ إلى خزينة الدولة لتسديد أقساط الديون بعد تراجع الإيرادات/ العربي الجديد ــ 19 مايو 2019// نيرمين عباس/ بعد التفريعة الجديدة.. ديون أكثر وإيرادات أقل/ المال نيوز ـ الأحد, 15 مايو 16

[7] توسعة جديدة لقناة السويس المصرية بتكلفة 14 مليار دولار/ العربي الجديد ــ 26 مايو 2021// أحمد العيسوي/ تفاصيل مشروع توسعة قناة السويس وازدواج جديد بالمنطقة الجنوبية بموقع جنوح إيفر جيفن/ بوابة الشروق ــ الثلاثاء 11 مايو 2021 // رئيس قناة السويس: زيادة عدد الكراكات العاملة في مشروع تطوير القطاع الجنوبي إلى 9/ بوابة الشروق ــ الإثنين 18 يوليه 2022

 

[8] شبكة مكافحة الفساد البحري: قناة السويس أكثر ممرات العالم المائية فسادًا وطلبًا للرشوة/ الجزيرة مباشر ــ 24 فبراير 2022م

[9] د. أحمد ذكرالله/ المال الضائع: أين تذهب أموال قناة السويس.. وبقية الإيرادات؟!/ الجزيرة مباشر ــ 24 يونيو 2020م

 

[10] عادل صبري/ الصندوق المخفي لخصخصة قناة السويس!/ العربي الجديد ــ 15 اغسطس 2022// مصر تنشئ صندوقاً لهيئة قناة السويس لـ”مجابهة الأزمات والحالات الطارئة”/ العربي الجديد ــ 20 يوليو 2022

[11] ما خطورة طرح شركات تابعة لـ”قناة السويس” بالبورصة؟/ “عربي 21” ــ الأحد، 11 سبتمبر 2022

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

لماذا فشلت الدعوة للاحتجاج في 11 نوفمبر؟ محاولة للفهم والتقييم!!

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يدعوا فيها نشطاء بالخارج المجتمع المصري إلى التحرك ضد النظ…