‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر تصفية شركة “النصر لفحم الكوك” .. دلالات وتداعيات على اقتصاد مصر
مصر - سبتمبر 24, 2022

تصفية شركة “النصر لفحم الكوك” .. دلالات وتداعيات على اقتصاد مصر

تصفية شركة "النصر لفحم  الكوك" .. دلالات وتداعيات على اقتصاد مصر

في ظل انكسارات مصرية متتالية، على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي، قررت الجمعية العمومية لشركة  النصر لفحم الكوك، يوم 5 سبتمبر الجاري، تصفية الشركة وبيع نصيبها في شركة حلوان للأسمدة.

وأنشئت “شركة الكوك” عام 1960، وبدأت إنتاجها عام 1964 ببطارية واحدة بعدد 50 فرناً، وبطاقة إنتاجية سنوية 328 ألف طن كوك تعديني، ثم أنشئت البطارية الثانية في عام 1974 بعدد 50 فرناً، بطاقة إنتاجية 328 ألف طن، والبطارية الثالثة عام 1979 بعدد 65 فرناً، بطاقة إنتاجية 560 ألف طن كوك، والبطارية الرابعة عام 1993 بعدد 65 فرناً بطاقة إنتاجية 560 ألف طن، لتصل الطاقة الإنتاجية للبطاريات الأربع إلى 1.6 مليون طن سنوياً.

وتمتلك الشركة ثلاثة أرصفة:

رصيفاً بميناء الإسكندرية خاصا بتصدير فحم الكوك إلى الخارج، وتفريغ الفحم الحجري، المادة الخام لفحم الكوك، بمعدل يومي حوالي 4000 طن، وبسعة 45 ألف طن.

ورصيفا بميناء الدخيلة بالإسكندرية لتفريغ الفحم الحجري بمعدل يومي حوالي 3000 طن، بسعة 100 ألف طن.

ورصيفا على النيل لاستقبال الصنادل (قوارب النقل النهري) لنقل الكوك والفحم الحجري، بمعدل شحن وتفريغ حوالي 4000 طن في اليوم.

أولا: دلالات قرار التصفية:

تواطؤ كامل لنظام السياسي:

حيث مهد للتصفية رفض وزارة البيئة خلال الشهر الماضي منح الشركة قرار بالتوافق البيئي، بسبب زيادة الانبعاثات عن الحد المسموح به، وهو الأمر الناجم عن توقف مشروعات التطوير في الشركة منذ أكثر من عشر سنوات.

وكانت وزارة البيئة خلالها تمنح الشركة قرارات مؤقتة بالتوافق البيئي، بدأت في تقصير مددها، حتى قررت منعها من استيراد الفحم، والسماح فقط باستمرارها في الإنتاج حتى نهاية مخزونها من الفحم، وهو ما حدث بالفعل في الرابع من أغسطس من العام الماضي، ومن حينها، يقوم العمل على بيع مخزون الشركة من الإنتاج فقط. وهو ما ححقق خسائر بالغة للشركة، يبدو أنها كانت مستهدفة من مستويات عليا بالدولة..

ويضاف لدور وزارة البيئة، تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات في 30-6-2022 حول وجود شك جوهري في مدى استمرارية شركة النصر لصناعة الكوك.

وفي إطار المخطط الحكومي للتخلص من الشركة وعدم حل مشاكلها، ودعمها لتطوير أداءها الاقتصادي، جاء قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1308 لسنة 2020 بتشكيل لجنة لدراسة أسباب تعثر شركة النصر لصناعة الكوك والتي أوصت بالاستعانة باستشارى عالمي لإبداء الرأي في مدى جدوى استمرارية الشركة والاستثمار فيها، حيث استعانت الشركة القابضة بالاستشاري العالميDMT وانتهت دراسته بالتأكيد على إن التكاليف الاستثمارية لإنشاء عدد 2 بطارية لإنتاج 1.3 مليون طن من فحم الكوك تبلغ 644 مليون يورو، بخلاف الاستثمارات المطلوبة لتجديد معدات المناولة والغربلة والتي تقدر بمبلغ 100 مليون يورو أي بما يعادل إجمالي تكلفة استثمارية حوالى 15 مليار جنيه.

وأشارت الدراسة إلى أن الاستثمار في إنشاء بطاريات تكويك الفحم الحجري لإنتاج فحم الكوك يرتبط بتواجد خطوط الإنتاج المتكاملة لإنتاج الصلب باستخدام تكنولوجيا الأفران العالية، حيث يمثل فحم الكوك ما يقرب من 47% من هيكل تكلفة انتاج الحديد.

وكانت “الكوك” تعتمد في تصدير منتجاتها بشكل رئيسي، على جارتها شركة الحديد والصلب، التي تعتمد بشكل أساسي على منتجات الشركة، وخاصة: “فحم الكوك، في تشغيل وتدوير أفرانها، وهي الشركة التي قررت الحكومة تصفيتها في النصف الأول من 2021، وأصبحت شركة الكوك تواجه ذات المصير.

-تخسير متعمد للشركة:

ووفق شهادات عمالية عدة، فقد جرت خطة لتخسير للشركة، طوال السنوات الماضية، حيث جرى وقف كل مشروعات التطوير من قبل الشركة القابضة للصناعات المعدنية، حتى أن قرارًا بالتراجع عن أحد مشروعات التطوير أدى إلى غرامة على الشركة تقدر بـ50 مليون دولار..

وقبل شهور اطلع موظفو الشركة  على تقرير من رئيس مجلس إدارة الشركة يصر فيه على أنها لن تتمكن من العمل نهائيًا، والذي استندت إليه الشركة القابضة للصناعات المعدنية في الترويج لضرورة تصفية الشركة، الرأي الذي تبنته وزارة قطاع الأعمال، رغم محاولات المنع من قبل عمال الشركة..

إلى أن جاء قرار وزارة البيئة، ليتم وقف الترخيص بعمل المصنع..

-رابع شركة قومية تصفى منذ 2018:

وتعد النصر للكوك، التي أسست في 1964، هي الشركة الحكومية الرابعة التي يتخذ قرارًا بتصفيتها منذ 2018، بعد شركات: القومية للأسمنت، والمصرية للملاحة، والحديد والصلب.

وتعمل شركة النصر للكوك على تحويل الفحم الناعم لفحم الكوك، الذي يستخدم كأحد مدخلات الإنتاج في عدد من الصناعات، من ضمنها السكر والمنجنيز والمسبوكات المعدنية والصلب، وفضلًا عن ذلك، كان جانب من الإنتاج يوجه للتصدير، والذي أوقف قبل عدة أشهر بناءً على زيادة طلب الشركات المحلية التي أصبحت في حاجة ماسة لمنتجات الشركة بسبب نقص الفحم في الأسواق العالمية تأثرًا بالحرب الروسية.

والغريب أن قرار التصفية، جاء بعد نحو 62 عاماً من تأسيسها، على الرغم من تحقيقها أرباحاً بقيمة 114 مليون جنيه من حجم مبيعات بلغ 613 مليون جنيه، وذلك خلال المدة من 1 يوليو 2021 وحتى 30 إبريل 2022.

-قرار مشبوه يحمل خفايا بعد تحقيق الشركة أرباحا مالية:

وقد جاء قرار وزير الاستثمار الجديد محمود عصمت -الذي وعد بالنظر في أمر الشركة- بالاغلاق، على الرغم من أنها حققت أرباحاً بلغت 114 مليون جنيه (نحو 6 ملايين دولار)، وفقاً للتقرير المالي للشركة خلال المدة من 1/7/2021 حتى 30/4/2022 في ظل الصعوبات التي تواجهها.

بجانب، تسديد الشركة أكثر من 100 مليون جنيه مؤخراً لمصلحة الضرائب، مقابل ضريبة القيمة المضافة على منتجاتها المُباعة، ومما يفاقم أزمات الاقتصاد المصري، هو إصرار الحكومة على قرارات تصفية الشركات الإستراتيجية المهمة، باعتبارها أضرت بالاقتصاد المصري بالتزامن مع ظروف اقتصادية شديدة الصعوبة.

ولعل ما يؤكد شبهات كثيرة أثيرت بالفترة الأخيرة، حول قرار التصفية، علم الحكومة بمدى التأثير السلبي للاغلاق على العديد من الصناعات الاستراتيجية، إذ أن تصفية “شركة النصر لصناعة الكوك” سيؤثر سلباً على أكثر من صناعة تقوم على منتجاتها..

فقطاع النترات في الشركة كان ينتج (نترات 33) المستخدمة في “مصنع 18” للإنتاج الحربي، بحسب العقد المبرم بينهما بقيمة 100 مليون جنيه.

كما تنتج الشركة ما بين 5 و 6 آلاف طن شهرياً من حامض النيتريك المخفف، الذي يستخدم في صناعات مختلفة، ويوزع على أكثر من 100 عميل، بالإضافة إلى إنتاجها محلول الأمونيا، الذي يدخل في العشرات من الصناعات القائمة.

-صدمة مؤيدي السيسي من تصفية “الكوك:

ولعل ما يؤكد الاستهجان العام على كافة الأصعدة من قرار تصفية الشرطة، هو إصابة المؤيدين للنظام بالصدمة، كما المعارضين.

ورغم أن الشخصيات المحسوبة على نظام السيسي عُرفت بمساندتها الدائمة لقرارات النظام ومحاولة التبرير الدائم له، إلا أن قرار تصفية شركة الكوك مثل صدمة للجميع خصوصاً وأنها شركة رابحة.

ومن هؤلاء، مصطفى بكري النائب والاعلامي المعروف بالتأييد المطلق للسيسي، إذ أعرب عن صدمته من قرار التصفية ونشر على صفحته في تويتر ” بعد ٦٢ عاما علي إنشائها قررت الجمعيه العموميه للشركه القابضه لصناعة الكوك تصفية شركة الكوك، لا أعرف علي أي أساس اتخذ قرار التصفيه، فالشركة رابحه، وإنتاجها مضمون التوزيع، وهناك مطالب بمليون طن للتصدير سنويا، لا أعرف لماذا التصفيه”… تلك الحالة الاستهجانية ضربت عموم الساحة المصرية، وسط تبريرات حكومية باهتة، في ظل أهمية إنتاج المصنع في أوقات السلم والحرب، ورغم تحقيقه لأرباح معتبرة، وأهميته لعشرات الصناعات الاستراتيجية بالبلاد.

وهو ما يبرره البعض بأنه جاء بطلب إماراتي، لكي تستغل أراضيه الممتدة من الأوتوستراد ختى كورنيش النيل، بمنطقة استراتيجية على المستوى العقاري.. إذ يتجاور المصنع مع أرض مصنع الحديد والصلب، الذي جر تخريبه هو الاخر من قبل، وتحطيط أراضيه للاستثمار العقاري وبناء الكمبوندات السياحية، بعد بيع آلاته ومعداته كخردة!!

-استجابة لصندوق النقدد الدولي:

ووفق تقديرات اقتصادية، فإن تصفية القطاع العام ليست جديدة، إذ بدأت منذ تسعينيات القرن الماضي وتحديداً في عام 1991 مع استحداث وزارة قطاع الأعمال العام وبدء برنامج الخصخصة، استجابة لضغوط صندوق النقد الدولي الذي اشترط ولا يزال تصفية القطاع العام، باعتبار ذلك ركناً أساسياً من تصوراته للإصلاح الاقتصادي في الدول المدينة له.

فالخصخصة منذ إطلاقها قبل 30 عاماً شهدت أكبر عمليات فساد وسرقات دون حسيب أو رقيب، كما نتج عنها الاستغناء عن عشرات الآلاف من العمال والموظفين، من أجل تنفيذ شروط صندوق النقد الدولي، وإفساح المجال لحيتان القطاع الخاص للتحكم في المقدرات الاقتصادية والصناعية للشعب المصري.

لكن على الرغم من ذلك، فكان المخلوع حسني مبارك، عصياً على الاستجابة لصندوق النقد في بعض التفاصيل، منها تصفية الشركات المفصلية في الحياة الصناعية المصرية مثل الحديد والصلب والألومنيوم والسماد وغيرها، بينما يبدو أن النظام الحالي في مصر لا يتمتع بنفس الرؤية الاستراتيجية التي كان يتمتع بها مبارك، وإنما على العكس فإن العنصر الحاكم في تعامل عبدالفتاح السيسي مع هكذا ملفات هو الربح ولا شيء سواه.

سواء أكان عبر استغلال أراضي مصنع فحم الكوك، لبيعها لمستثمرين عقاريين، خاصة الاماراتيين والسعوديين الذين يتسارعون على الاستحواذ على أكبر أصول مصرية وأراضي ومباني، وصلت لسيطرة الامارات على 16,6% من أراضي القاهرة، وفق دراسة أجرتها مؤسسة “عشرة طوبة للدراسات العمرنية” مؤخرا..

ولعل تراجع الاحتياطي الدولاري بمصر وعجز الموازنة العامة بما يقدر بـ40 مليار دولار حتى نهاية العام المالي الحالي، وهو ما يسعى السيسي لتغطيته بمزيد من الديون وبيع الأصول .. وهو ما أفقد مصر قوتها الاقتصادية ببيع شركة الحديد والصلب وشركة القومية للاسمدة والمصرية للحاويات والكوك، وتدرس التخلي أيضا عن مصنع الألومنيوم، كما طرحت ممسب حاكمة للبيع للامارات في شركات محورية، كالاسكندرية للشحن البحري وفوري للخدمات المالية والاسماعيلية للاستثمار الزراعي، والدلتا للأسمدة، وأبو قير للاسمدة والبنط التجاري الدولي..

وأيضا ترغب إدارة السيسي في التخلي عن مسئوليتها عن أكبر قدر من عمال القطاع العام والموظفين الحكوميين باعتبارهم يمثلون عبئا ماليا عليها..

-توجه صريح من السيسي نحو تحقيق أرباح سريعة على حساب البناء المجتمعي:

وتعبر قرارات بيع الشركات العامة وتصفيتها، بشكل متلاحق في عهد السيسي، عن إعلان من السلطة عن توجهها الحقيقي الذي يتجاهل بناء المجتمع وتطويره لصالح بناء الكتل الخرسانية وجني الأرباح السريعة منها.

فإقدام السيسي على بناء نحو 20 مدينة بالمناطق الصحراوية وإصراره على بناء الأبراج الفندقية والسياحية بالعاصمة الإدارية الجديدة وفي العلمين، بالقروض والاستدانة، في ظل تنامي الديون وفوائدها بما يبتلع أكثر من 130% من الناتج القومي، هو اتجاه تدميري لاقتصاد مصر وتدمير لكل مصادر قوة الدولة المصرية.

ثانيا: نتائج كارثية للتصفية:

-تضرر عشرات الصناعات المرتبطة بفحم الكوك:

ووفق تقديرات اقتصادية، فإن تصفية شركة الكوك ستؤثر كثيراً على صناعات عدة أخرى تستخدم فحم الكوك، مثل صناعة السكر المصرية التي طالبت مجالس إدارات شركاتها مراراً وتكراراً بضرورة الحفاظ على الشركة، وعلى منتجها الجيد من فحم الكوك، مع استعدادها لشراء 34 ألف طن من منتج الشركة من الفحم شهرياً.

وإلى جانب، تشريد العمال، فإن تصفية الشركة سيؤدي لارتفاع أسعار العديد من السلع الأساسية التي تعتمد في مراحل تصنيعها على إنتاج الشركة لفحم الكوك (السكر والنترات والأمونيا والأسمدة)، ما يزيد من أعباء المواطن المصري، ويؤدي إلى موجة جديدة من التضخم غير المحتمل من قبل المواطنين.

-خسائر استراتيجية مضاعفة:

اذ تعد شركة النصر لإنتاج فحم الكوك إحدى أكبر شركات الصناعة في مصر والشرق الأوسط، وتحتوي على 4 مصانع هي “مصنع الكوك والأقسام الكيماوية”، و”مصنع تقطير القطران”، و”مصنع النترات” و”الوحدة متعددة الأغراض”.

-تقزيم مصر وحرمانها من مصادر قوتها:

وبحسب الخبير الاقتصادي المصري المقيم بواشنطن، مصطفى يوسف، فإن تصفية شركة الكوك مرتبط ارتباطاً شديداً بتصفية شركة الحديد والصلب لأن تصفية الشركتين كان قراراً له علاقة بالفساد وله علاقة بتصفية الشركات الاستراتيجية والصناعات الاستراتيجية في مصر

ووفق ما ذهب إليه يوسف، تقف وراء  قرار تصفية شركة الكوك، كلا من الامارات واسرائيل، لأن ما يجري هو تصفية للصناعات الاستراتجية في مصر، مبررا قوله بأن تصفية الصناعة والزراعة والتكنولوجيا التي تجعل للأمم قدرة تصنيعية وتصديرية وفائض في الميزان التجاري، وزيادة الصادارات  عن الواردات هو مخطط مشبوه.

إذ أن تصفية الشركات لتمكين المخطط الصهيو اماراتي لتحجيم وتقزيم مصر وبيع أصولها، هو جزء من مخطط بيع شركات التصنيع والأسمدة والحاويات الحديد والصلب ومجمع الألمونيوم والتي هي شركات بعضها عمره 100 عام وأقصرهم عمراً له عشرات السنين ومنها شركات رابحة تؤدي الى زيادة عوائد الخزينة العامة للدولة كل سنة وتحافظ على  العمالة وتزيد من الانفاق والانتاج المحلي وتساهم في الصناعة المحلية..

كما أن اغلاق هذه الشركات يتم لسداد ديون تم الحصول عليها حتى يقوم النظام بعمل القطار الكهربائي والعاصمة الجديدة واكبر جامع وأطول سارية علم وأكبر كنيسة وأكبر قصر رئاسي مساحته عشرة أضعاف مساحة البيت الأبيض وطائرة من أكبر الطائرات التي لا يركبها الا الرئيس الامريكي وعدد قليل من رؤساء الدول الغنية أو الدول المستبدة

وهذه السياسات تؤدي الى انهيار اقتصادي شامل وأن بيع الأصول المصرية الناجحة والرابحة للبيع خطأ استراتيجي فادح يقود البلاد نحو الهاوية.

-استمرار خطة السيسي لتصفية كل شركات القطاع العام والاستغناء عن عشرات الآلاف من العاملين في الجهاز الحكومي:

منذ تورط الحالي عبدالفتاح السيسي في الاقتراض من صندوق النقد الدولي وهو يسير في اتجاه تنفيذ كل شروط الصندوق بداية من رفع الدعم وتحرير أسعار الوقود والخدمات الحكومية، وهو في طريقه كذلك إلى تصفية ما تبقى من شركات القطاع العام، حيث بدأت رحلة التصفية بالشركة القومية للأسمنت، والشركة المصرية للملاحة البحرية، وفي الطريق شركة الألومنيوم في نجع حمادي وشركة سماد طلخا، حيث تم بيع أراضي المصنع في ديسمبر الماضي، لبناء مجمعات سكنية.

ولا ننسى أيضاً المحاولات المستمرة لتخفيض أعداد العاملين في الجهاز الحكومي للدولة بناءً على رغبة الصندوق، حيث تم الاستغناء عن 7300 عامل بشركة الحديد والصلب، وهناك خطة للاستغناء عن عشرات الآلاف من الموظفين في الوزارات بحجة عدم تناسب قدراتهم مع الشروط المطلوبة في الموظفين الذي سينتقلون للعمل في مقار الوزارات بالعاصمة الإدارية الجديدة.

ثالثا: مستقبل مظلم

وإلى جانب البيع المباشر للشركات القومية الرابخة والخاسرة، تلوح في الأفق المصري الكثير من برامج التخلي عن أصول مصر ومنها:

-برامج الطروحات الحكومية وبيع الأصول:

ولعل الأخطر من بيع الشركات القومية الأربعة الكبار خلال الفترة من 2018 حتى الآن، هو ما تخطط له الحكومة في الفترة المقبلة..

حيث تستعد الحكومة المصرية لإعادة إطلاق برنامج الطروحات لأصولها وشركاتها الرابحة للمستثمرين المصريين والعرب والأجانب مرة أخرى في البورصة المحلية، في توقيت مثير للجدل وفي ظل وضع سييء للاقتصاد المصري، ما يفاقم المخاوف من بيع بخس وتسليم للأجانب بأقل من قيم تلك الأصول.

والحديث عن طروحات جديدة يأتي استكمالا لخطة تنتهجها حكومة السيسي، لجذب استثمارات بنحو 40 مليار دولار من المستثمرين المحليين والدوليين عن طريق التخارج من بعض الشركات المملوكة للدولة خلال 4 سنوات.

ويأتي إعادة الحكومة برنامج الطروحات في ظل توجه الدولة نحو التخارج من العديد من القطاعات وفقا لوثيقة ملكية الدولة التي طرحتها مؤخرا.

كما يأتي الطرح الحكومي الجديد لشركات مصرية رابحة على الأغلب وأصول حكومية بالبورصة المحلية في توقيت تحتاج فيه البلاد لنحو 40 مليار دولار لتسديد خدمة ديونها المستحقة حتى نهاية العام المالي الجاري، لدين خارجي بلغ، وفق تقديرات البنك المركزي، 157.8 مليار دولار.

ومطلع أغسطس الماضي، كشفت إحصائية للبنك الدولي احتياج مصر إلى 31 مليار دولار لسداد جزء من التزامات الديون الخارجية عليها، منيوليو 2022 حتى مارس 2023، غير 16 مليار دولار كانت مستحقة الدفع ما بين أبريل حتى يونيو 2022.

ويتزامن برنامج الطرح الجديد مع مفاوضات مصرية وصندوق النقد الدولي لنيل قرض بنحو 3 مليارات دولار، فيما يرى مراقبون، أن الطرح يتوافق مع رغبة الصندوق وتوجيهاته، وتوقيته يدعم موقف مصر بمفاوضات يتوقع بنك “بي إن بي باريبا” انتهائها الشهر المقبل كأقصى تقدير.

فيما رجحت “إنتربرايز” النشرة الاقتصادية اليومية أن يطلب مسئولو صندوق النقد المزيد من التقدم في برنامج الطروحات الحكومية كأحد شروط منح الصندوق قرض جديد لمصر.

لكن ومع ما سبق، فإن الطرح يأتي في ظل تراجع كبير للاستثمار الأجنبي بمصر، وهروب نحو 20 مليار دولار أموالا ساخنة، وإحجام لافت من المستثمرين الأجانب، وتراجع بمبيعات السندات المقومة بالجنيه المصري بنسبة 38 % منذ بداية العام وحتى الشهر الماضي، وفق “بلومبرغ”.

كما أن الطرح يأتي وسط مطالبات من مؤسسات دولية ومن صندوق النقد الدولي بتخفيض الجنيه رغم ما يسببه ذلك من ارتفاع لنسب التضخم، لكنه وفق تقرير “بلومبرغ”، مؤخرا، قد يكون الطريقة الوحيدة لإعادة المستثمرين على المدى الطويل.

ومن ثم فإن الطروحات الحكومية في ظل كل تلك الظروف، يبخس قيمة الأصول المصرية المطروحة، ويمنحها للأجانب بأقل من قيمها السوقية والفعلية.

فيما تتعالى تحذيرات المؤسسات الاقتصادية الدولية، من بيع الشركات المصرية والأصول الرابحة، وطرحها بالبورصة المحلية يأتي بعد أن وصلت أسعارها الحضيض عمدا،  وسط ترجيحات أن النظام بهذا  الخفض يغري شركات الخليج، ويبيع أصول مصر بثمن بخس .

وعن الأصول المحتمل طرحها، أشارت نشرة “إنتربرايز” الأحد قبل الماضي، إلى تعرض برنامج الطروحات الحكومية للعديد من التأخيرات هذا العام بسبب اضطرابات الأسواق المحلية والعالمية، مما أدى إلى إرجاء طرحي “بنك القاهرة” وشركة “أمان” بالبورصة المصرية.

وألمحت إلى أنه بجانب “بنك القاهرة” وشركة “أمان”، يتضمن البرنامج خطط للتخارج من أصول مملوكة للدولة بالبيع المباشر لمستثمرين استراتيجيين، وطرح شركات أخرى كـ”الوطنية للبترول” و”صافي” التابعتين للقوات المسلحة، إلى مستثمرين استراتيجيين، قبيل طرحها بالبورصة.

وشهد البرنامج منذ إطلاقه عام 2018، طرح شركة “إي فاينانس”، والطرح الثانوي لحصص في شركتي “الشرقية للدخان” و”أبوقير للأسمدة”.

بجانب شراء الاماراتيين، حصص بخمسة شركات مصرية رابحة ، وهي الدلتا للاسمدة وابو قير للاسمدة ، والبنك التجاري الدولي، وفوري للخدمات المالية، والاسماعيلية للاستثمار الزراعي، بقيمة تصل لنحو 2,5  مليار دولار..

وبجانب استحواذ الشركة القابضة (ADQ) أبو ظبي على 5 شركات مصرية، في قطاعات الأسمدة والبنوك ، استحوذت مع شركة الدار العقارية على شركة التطوير العقاري الرائدة سوديك، وكذلك شركة آمون فارما، و75% من شركة الإسماعيلية للاستثمارات الزراعية والصناعية المالكة للعلامة التجارية “أطياب”.

وفي عام 2019، أسست مصر والإمارات منصة استثمارية استراتيجية بقيمة 20 مليار دولار للاستثمار في العديد من القطاعات والأصول الحيوية على أن تتم إدارتها من قِبل الصندوق السيادي المصري و”القابضة ADQ”.

وفي مايو  الماضي، قدم بنك أبو ظبي الأول عرضا ماليا للاستحواذ على حصة أغلبية في شركة “هيرميس”، أقوى وأكبر بنك استثماري بمصر.

وهذه ثاني صفقة كبرى للبنك الإماراتي، الذي استحوذ على بنك عودة مصر العام الماضي، وبذلك أصبح أحد أكبر البنوك الأجنبية في مصر من حيث الأصول التي تتجاوز 130 مليار جنيه (8.5 مليارات دولار).

وكانت أذرع الإمارات الاستثمارية قد استحوذت قبل سنوات على عدد من المستشفيات الكبرى الخاصة في مصر، حيث تصل إلى 15 مستشفى، مثل: النيل بدراوي، وكليوباترا، والقاهرة التخصصي.

وسيطرت شركة “أبراج كابيتال” الإماراتية على سلسلتين من أكبر سلاسل معامل التحاليل، وهما “البرج” التي تضم 926 فرعا و55 معملا بيولوجيا، ومعامل “المختبر” التي تضم 826 فرعا في كافة المدن والمراكز المصرية.

ويتخطى عدد الشركات الإماراتية العاملة في مصر حاليا 1100 شركة بحجم استثمارات يزيد على 7 مليارات دولار -وفق تقديرات حكومية- في قطاعات النفط والغاز والموانئ البحرية والصحة والعقارات والاتصالات والزراعة والتعليم وتجارة التجزئة وغيرها.

فيما تسحوذ السعودية عبر صندوقها السيادي على حصص بشركات بترول وآبار نفطية وشركات مالية بقيمة تصل 2 مليار دولار، وأيضا الكويت وقطر.. ولعل ما يفاقم أزمات مصر الاقتصادية في تلك المرحلة، هو ضعفها الاقتصادي الشديد وديونها المتراكمة التي تدفعها نحو الافلاس، بما يضع مصر في موقف تفاوضي ضعيف جدا، ما يجعلها تطرح نسب حاكمة في الشركات المراد طرحها للبيع، وهو ما تطلبه الدوائر الاستثمارية في الامارات والصين والسعودية..

كما تبرز مخاطر استراتيجية محتملة، إزاء عمليات تخلي الدولة المصرية عن أصولها الاقتصادية، في التحالف الاقتصادي الإسرائيلي الإماراتي، والتنسيق الإسرائيلي السعودي والذي كشف عنه تصريح للمسؤول السابق بالإدارة الأمريكية جاريد كوشنر، بأن السعودية ليس لديها مانع في الاستثمار بإسرائيل.

وأكد أن “إسرائيل تقف خلف الإمارات وتريد السيطرة على قطاعات مصرية معينة”، مضيفا: “والمشكلة كبيرة بسيطرة إسرائيل والإمارات على قطاعات رئيسية، والسعودية على قطاعات كثيرة بعد (تيران وصنافير) والتنسيق الإسرائيلي معها، وسيطرة الصين على وموانئ وأصول مهمة”.

كما تلوح بالافق امكانية تمرير الأصول المصرية عبر الإمارات الى اسرائيل..

– بيع الأصول المصرية مقابل الديون:

وأمام الديون المتراكمة منذ انقلاب السيسي في 2013، والتي ارتفعت من 43 مليار دولار ديونا خارجية، إلى 157,8 مليار دولار حتى مارس 2022، وبلغت الديون المحلية لأكثر من 6 تريليون جنيه، وهو ما يبتلع أكثر من 130% من إجمالي الناتج المحلي، كفوائد ديون، وبدلا من أن يفكر السيسي بحلول اقتصادية لتقليص الديون، استمر في الاقتراض ومواصلة مسلسل الديون، مقدما أصول مصر للبيع والتنازل للدائنين، رافعا شعار “الأصول مقابل الديون”..

وتتضمن خطة السيسي التخلص من كبريات الشركات المصرية.

كشف ذلك المدير التنفيذي الجديد لصندوق مصر السيادي “أيمن سليمان”، بعد إعلانه اعتزام الحكومة التخلص من بعض ديونها ببيع أصول مملوكة للدولة لمستثمرين (عرب وأجانب) بالشراكة مع الصندوق الذي تم تدشينه وتعديل قانونه.

واعتبر سليمان أنه إذا تمت المعاملات الاستثمارية على تلك الأصول، فسترفع من على كاهل الاقتصاد القومي ديونا في ميزانية الدولة..

وجاء ذلك، بعد موافقة مجلس النواب على تعديل مقدم من الحكومة بخصوص قانون إنشاء صندوق مصر السيادي، يجيز لرئيس الجمهورية نقل ملكية الأصول المستغلة المملوكة للدولة، أو غير المستغلة إلى الصندوق.

كما حصن التعديل العقود التي يبرمها الصندوق من الطعن عليها أمام القضاء.

ووفق إحصاءات إبريل 2020، فقد بلغ رأس مال الصندوق 200 مليار جنيه، والمدفوع 5 مليارات جنيه، بالرغم من أن مصر لا تملك أي فوائض مالية أو ثروات كبيرة لاستغلالها، ودائما ما يصفها “السيسي” بأنها “فقيرة أوي”.

وتعمل الحكومة المصرية حالياً على تجهيز شركات حكومية للطروحات العامة الأولية بقيم تتراوح ما بين 5.5 إلى 6 مليارات دولار، بحسب هالة السعيد وزيرة التخطيط .

تبلغ قيمة الشريحة الثانية من الشركات نحو 3 مليارات دولار، تمهيداً لدخولها في شراكات مع المستثمرين.

وقال محمد معيط في وقت سابق من هذا الشهر أن بلاده تستهدف طرح حصص من 10 شركات حكومية في بورصة مصر قبل نهاية يونيو المقبل.

وتستهدف مصر إطلاق برنامج للطروحات لجمع 40 مليار دولار على مدار 5 سنوات، بحسب الوزيرة.

فيما تجري مفاوضات استحواذ الصندوق السيادي القطري على حصة الحكومة المصرية المتملكة في الشركة المصرية للاتصالات، والمقدرة بـ45% من أسهم شركة فودافون للاتصالات، وذلك قبيل زيارة السيسي لقطر.

ويمكن توصيف استراتيجية بيع الأصول مقابل الديون، بانها “أم الكوارث”، ففي إطار الديون المتراكمة وغير المحدودة والتي وظفها نظام السيسي من أجل الإنفاق على سباق تسلح مشبوه، وعلى عاصمة إدارية لا حاجة بها، مما حوّل الديون المصرية بلا عائد استثماري أو ربح؛ تصبح أصول مصر رهن البيع في أي وقت.

وهو ما تفتح الأبواب لسيطرة دول أجنبية وعربية على مقدرات المصريين عن طريق الدخول في شراكات مشبوهة، مثل تلك المنصة المصرية الإماراتية المشتركة بقيمة 20 مليار دولار تساهم فيها مصر بنصيب النصف، متمثلا في رهن أصول مصرية بقيمة 10 مليارات دولارات في مقابل النصيب الإماراتي المدفوع نقدا.

وهو ما يتماشى مع السياق الطبيعي للهاوية التي يدفع السيسي إليها الدولة المصرية..

إجمالا، فإن السياسة الجديدة، التي يتبعها لسيسي، عدم اللجوء إلى الحصول على ودائع جديدة من دول مجلس التعاون الخليجي، على الرغم من أن هناك رغبة بين صانعي السياسات لتمديد الودائع الخليجية في البنك المركزي المصري، والتي يعتقد أنها تبلغ نحو 15 مليار دولار، وفقا لمصادر مطلعة لموقع “إنتربرايز” المتخصص، وبدلا من ذلك، سيعمل صناع السياسة على تسريع عملية عرض أصول الدولة الجذابة للبيع للمشترين الخليجيين.

ويبلغ رصيد الودائع الخليجية في البنك المركزي المصري 12 مليار دولار بنهاية سبتمبر من العام الماضي، منها 5.7 مليارات دولار للإمارات، 4 مليارات للكويت، و2.3 مليار دولار للسعودية، وفق تقرير الوضع الخارجي للاقتصاد المصري الصادر عن البنك المركزي الذي كشف عن مد أجل استحقاق وديعة سعودية لدى مصر قيمتها 2.3 مليار دولار حتى 2026.

خلاصة:

وأمام تلك الحالة الاقتصادية المتدهور والعلاجات الخاطئة التي يعاقرها السيسي للخروج من النفق الاقتصادي المظلم، الذي قاد البلاد إليه، فإن بيع أصول الحكومة يعد أكثر اختيار خاطئ.

فسياسات بيع الأصول لجلب موارد مالية تنم عن الوضع المتردي للاقتصاد المصري، ولن تصلح من وضع الاقتصاد، وهي حلول مؤقتة مثل المسكنات للمريض ليس أكثر..

كما أن بيع الشركات الكبرى وتصفية 4 شركات انتاجية كالحديد والصلب والقومية للاسمنت والمصرية للاسمدة وفحم الكوك، يعد كارثة كبرى ستدفع الأحيال الحالية والمقبلة ثمنها..

ولعله من جملة القول، التأكيد على أن الأزمة هي مشكلة هيكلية في الاقتصاد المصري الذي يعتمد على الجباية والقروض وإقامة مشروعات ليس لها مردود مالي، وليس أدل على ذلك من أن مصر تعاني من عجز كبير ودائم في الميزان التجاري يبلغ نحو 40 مليار دولار سنويا، وتستورد 60% من غذائها من الخارج، وإهدار القيمة الحقيقية لثروات البلاد من خلال اتفاقيات مجحفة في مجال الغاز الطبيعي، وغيرها من الأخطاء الإستراتيجية.

كما أن الاقتراض بنهم من الخارج لتمويل عجز الموازنة ومشروعات غير إنتاجية مهّد بلا شك للأزمة الحالية، وهو ما يفاقم عجز كبير في مواردها بالنقد الأجنبي ما لم تعتمد على إستراتيجية الإنتاج والتصنيع وتقوم بترشيد المشروعات غير التنموية إلى وقت لاحق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

لماذا فشلت الدعوة للاحتجاج في 11 نوفمبر؟ محاولة للفهم والتقييم!!

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يدعوا فيها نشطاء بالخارج المجتمع المصري إلى التحرك ضد النظ…