‫الرئيسية‬ إفريقيا أبعاد التآمر  الإسرائيلي على مصر في ملف سد النهضة
إفريقيا - أكتوبر 10, 2022

أبعاد التآمر  الإسرائيلي على مصر في ملف سد النهضة

أبعاد التآمر  الإسرائيلي على مصر في ملف سد النهضة

تعود الأطماع الإسرائيلية في مياه النيل إلى عقود، وهو ما أعلنته رئيسة الوزراء السابقة، جولدا مائير، في خطاب لها: “التحالف مع تركيا وأثيوبيا يعني أن أكبر نهرين في المنطقة (النيل والفرات) سيكونان في قبضتنا”.

وقد لخص الصحفي الإسرائيلي شلومو نكديمون الذي عمل مستشاراً إعلامياً لرئيسي وزراء إسرائيل الأسبقين، مناحيم بيجن وإسحاق شامير، الموقف الصهيوني من مياه النيل، بقوله: “إن الحكومات الإسرائيلية أدركت أنه بواسطة العلاقة مع إثيوبيا وإريتريا يمكن تهديد مصالح مصر الاستراتيجية في منابع نهر النيل”.[[1]]

ومما يؤكد جدية المواقف الإسرائيلية بشأن المياه، ما صرّح به إسحاق شامير في مارس (آذار) 1991 بأنه على استعداد لتوقيع معاهدة حظر أسلحة الدمار الشامل وقبول التفتيش على المنشآت النووية الإسرائيلية مقابل اشتراك إسرائيل في اتفاقيات لإعادة توزيع المياه في المنطقة، ورصدت مجلة “أكتوبر” المصرية هذه التصريحات في حينه.

وفي سياق هذه الأهمية المركزية للمياه، كان الملف المائي حاضراً في كل ترتيبات التطبيع تحت لافتة السلام بين العرب وإسرائيل، كان أحد بنود المناقشات المصرية الإسرائيلية في كامب ديفيد (1978 ـ 1979)، كما أُعلن في إطار مفاوضات مدريد أن إسرائيل تطالب بالمياه والأمن في مقابل الانسحاب من الأراضي العربية، كما أن اتفاقاً للسلام بين سوريا وإسرائيل عام 1996 واجه معضلتي المياه والترتيبات الأمنية.

وتفاقم مشكلة تراجع الموارد المائية لإسرائيل من ورطة صناع القرار في تل أبيب؛ فمشكلة تزايد السكان يمثل هاجسا مزعجا لإسرائيل الأمر الذي يشكل تهديداً كبيراً على الموارد عموما, وعلى المياه بشكل خاص, وهذا ما أكدهُ تقرير “إسرائيل 2020 ”, إذ تسببت الزيادة السكانية في (إسرائيل)  في تناقص المعدل الذي يحصل عليه الفرد من المياه العذبة المتجددة سنويا من 1229 م3 للفرد عام 1955 م, إلى(461 م3) للفرد/ عام 1991 م, ومن المتوقع أن يقل هذا المعدل إلى ( 264 م3) للفرد/ عام 2025 م.[[2]]

ويزيد الأمر سوءا بسبب هبوط منسوب بحيرة طبرية إلى مستويات قد تصبح دون مستوى أنابيب السحب الإسرائيلية بما يعني خروجها من الموارد المائية تماما؛ فصناع القرار في تل أبيب يعلمون أن مسألة المياه تحتل مكانة محورية في الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي، ليس فقط بسبب وقوع الأراضي الفلسطينية التي تحتلها تل أبيب في إقليم صحراوي وشبه جاف في الجنوب، وصحراوي وشبه ممطر في الشمال، لكن أيضاً لطبيعة المشروع الإسرائيلي التاريخي القائم على ركيزتين أساسيتين هما الهجرة والاستيطان.

لذلك فإن اهتمام إسرائيل بملف المياه لا يقتصر على سد النهضة أو إثيوبيا فقط بل إن تل أبيب عبر مراكز أبحاثها أعدت خطة شاملة لمنظومة المياه والسدود في أفريقيا بشكل يجعلها صاحبة الكلمة العليا ويمكنها من الاستفادة القصوى من المياه الأفريقية.

إزاء ذلك،

هل لإسرائيل أطماع في مياه النيل؟

وما الدليل على ذلك؟

وما الأبعاد الخفية للدور الإسرائيلي في أزمة سد النهضة مع إثيوبيا؟

وهل فعلا تمد تل أبيب أديس أبابا بالتقنيات الفنية والأسلحة التي تمكن إثيوبيا من استكمال بناء السد وحمايته ضد أي هجوم مصري محتمل؟

وماذا تريد إسرائيل من وراء ذلك؟

وهل يمكن أن يكون السيناريو مرسوما بعناية ليكون توصيل مياه النيل إلى “إسرائيل” هو الحل الأخير أمام النظام المصري لحل أزمة سد النهضة؟

وهل يمكن اعتبار التعامل السطحي والاستخفاف وعدم الاحترافية من جانب السيسي وأجهزته جزءا من المؤامرة على مصر أم هو انعكاس لانعدام الانتماء والكفاءة؟!

 

 أولا: الأطماع الإسرائيلية في النيل

تقوم السياسة الإسرائيلية منذ إنشاء «الكيان الصهيوني» في مايو 1948م، على استثمار العلاقات مع القوى العظمى من أجل تحقيق أطماعها؛ فهي ترتبط ارتباطا وثيقا بالقوى الدولية صاحبة النفوذ العالمي، فعلاقة الحركة الصهيونية ببريطانيا العظمى مكنها  من الحصول على وعد بلفور سنة 1917م والحصول كذلك امتيازات واسعة لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

وعلاقتها الوثيقة بالولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد الأوروبي لضمان حمايتها ومساندتها على الدوام سياسيا ودعائيا واقتصاديا.

بالتوازي تعمل تل أبيب على التحالف مع القوى المحيطة بالعالم العربي، كان على رأسها إيراه الشاه قبل سقوطه، وتركيا ما قبل أردوغان، والأكراد وإثيوبيا.

بجانب التحالف مع الأقليات داخل العالم العربي للضغط على القلب الجغرافي للعالم العربي، واصطلح على هذه الإستراتيجية بسياسة شد الأطراف. وعملت تل أبيب بجد من أجل بسط نفوذها في إفريقيا خصوصا في القرن الإفريقي لتحقيق هدفين: التأثير المباشر في صناعة القرار في إثيوبيا  باعتبارها تضم منابع النيل من أجل التحكم في مسار المياه والضغط من أجل مد مياه النيل إلى “إسرائيل”.

والثاني، تعزيز العلاقات مع الدول المطلة على البحر الأحمر (إريتريا ــ جيبوبي ـ السودان)؛ للحد من قوة الدول العربية الإسلامية وعدم تكرار ما حدث في حرب 1973 عندما أغلق العرب مضيق باب المندب ومنعوا مد الولايات المتحدة وأوروبا بالبترول بوصفها دول داعمة لإسرائيل.

المحطة الأولى، في ثمانينات القرن الماضي، أصدر نقيب الصحفيين ورئيس اتحاد الصحفيين العرب الأسبق كامل زهيري، كتابا تحت عنوان «النيل في خطر: مشروعات تحويل مياه النيل، من هرتزل إلى بيجن (1903-1980)» يتناول قضية التطلعات الإسرائيلية إلى الحصول على حصة في مياه نهر النيل.

وكشف أن أطماع الصهيونية العالمية في مياه النيل تعود إلى ما قبل نشأة الكيان الصهيوني نفسه سنة 1948م؛ إنما تعود إلى نشأة المنظمة الصهيونية نفسها على يد تيودور هرتزل، الذي اهتم  بالقضية وأولاها اهتماما كبيرا.

وقد استعان زهيري في كتابه بمصدرين مهمين للغاية:

الأول، يوميات هرتزل المنشورة في نيويورك سنة 1960م بعد 50سنة من وفاته.

والثاني، نص مشروع امتياز توطين اليهود في سيناء الذي عرض على اللورد كرومر وبطرس غالي رئيس النظار المصري، ونص تقرير البعثة الفنية التي أرسلتها الحكومة البريطانية إلى سيناء، بالاتفاق بين هرتزل والزعيم السياسي البريطاني جوزيف تشمبرلين.[[3]]

وبحسب مذكرات هرتزل، فقد بدأ اهتمام الصهيونية العالمية بالنيل سنة 1903م؛ حين بحثت عن خيارات بديلة لإقامة وطن قومي لليهود في أوغندا أو الأرجنتين بشكل مؤقت، لكن أحد الخيارات كان توطين اليهود في العريش المصرية كنقطة متقدمة للوثوب إلى فلسطين، وسعت للحصول على امتيازات من الاحتلال البريطاني والحكومة المصرية لهذا التوطين، بجانب إنشاء موانئ وفنارات في منطقة شرق قناة وخليج السويس.

ولمواجهة مشكلة ندرة المياه في تلك المنطقة، اقترح هرتزل على لانسدون وزير خارجية بريطانيا، مد أنبوب على عمق كبير تحت قناة السويس لضخ مياه النيل إلى شبه جزيرة سيناء.

يقول هرتزل في مذكراته بتاريخ 20 يناير/ كانون الثاني 1903، «في سرية أتمت بعثة فنية أعمالها، وأعدت تقريراً من 8 صفحات مؤرخ بـ26 مارس/آذار 1903، عن السكان والحياة الحيوانية والزراعية في تلك المنطقة من سيناء، بالإضافة إلى مقترحات عن بناء خزانات مياه واستغلال المياه الجوفية، ومقترحات عن أنواع المحاصيل والأشجار التي يمكن زراعتها هناك، والصناعات الممكن تدشينها، المرتبطة بتلك الزراعات.

في تلك الأثناء، كان هرتزل قد وصل إلى مصر، وتحديدًا في 23 مارس/آذار 1903، والتقى في القاهرة باللورد كرومر، وشرح له حاجة مشروعه إلى المياه من النيل، والتقى هناك أيضًا برئيس الوزراء المصري بطرس غالي.

بناء على التقرير الفني، تقدم تيودور هيرتزل للحكومة المصرية بمشروع اتفاقية للحصول على امتياز الاستيطان في سيناء، يحتوي على 14 بندًا، منها بند ينص على أن «تكون مسألة توفير مياه النيل لشبه الجزيرة، موضع اتفاق لاحق».

لكن بريطانيا رفضت المشروع لأسباب فنية تتعلق بصعوبة تنفيذ الفكرة في هذا التوقيت. واقتصادية تتعلق بالخوف على محصول القطن المصري الذي تعتمد عليه شركة لانكشير البريطانية لصناعة الملابس.

وسياسيا؛ الخوف من تهديدات على مجرى قناة السويس من جهة والاتفاق مع فرنسا على منح اليهود حق الاستيطان في فلسطين لا سيناء.

المحطة الثانية، بدأ الاهتمام الأمريكي بفكرة بناء سد إثيوبي على النيل من أجل حصار مصر في الحقبة الناصرية وتوجهات عبدالناصر نحو الفكر الاشتراكي الشيوعي، وتوثيق علاقاته بالإتحاد السوفيتي؛

لذلك جاءت الفكرة عن طريق المكتب الأمريكي لاستصلاح الاراضي الذي كان يجري دراسة على نهر النيل الفترة بين 1956- 1964، إذ طرح لأول مرة فكرة بناء سد في موقع سد النهضة تحت ما يسمى بمشروع ( X )  الذي كان مشروعا سريا في بدايته.

والهدف من السد المقترح إلى جانب حصار القاهرة هو العمل على إضعاف مصر لتمكين وتعزيز مكانة “إسرائيل” في المنطقة  على حساب جيرانها العرب.

المحطة الثالثة، مشروع رئيس هيئة تخطيط المياه في إسرائيل، المهندس «إليشع كالي»، والذي تبناه في مقال له سنة 1974م؛ يقترح فيه إحضار مياه النيل من مصر إلى صحراء النقب، بعد إتمام السلام لحل أزمة المياه القادمة في إسرائيل. أعطى إليشع في مقاله تصورًا تفصيليًا عن المشروع، الذي يتم من خلاله إمداد إسرائيل بـ30 متراً مكعباً من المياه في الثانية، بما يكفي لاحتياجاتها في ذلك الوقت، عبر أنابيب تمر تحت قناة السويس عند محافظة الإسماعيلية، وفي الجانب الآخر، تصب المياه في قناة مبطنة بالخرسانة، بالقرب من طريق العريش – القنطرة، ومن هناك تسير بمحاذاة طريق (غزة – العريش) حتى خان يونس. ومن هناك يتشعب مجرى المياه إلى خطين، خط اتجاه قطاع غزة، وخط آخر للنقب في اتجاه بئر سبع.

تفسير هذا المقال أن الإسرائيليين كانوا على علم بسيناريو السلام مع الجانب المصري في أعقاب حرب أكتوبر مباشرة، وكانوا يعدون الخطط لاستثمار هذا التطبيع على نحو يحقق أطماع إسرائيل في مياه النيل؛

لذلك رأي كامل زهيري في كتابه أن هذه الفكرة بدت أكثر خطورة من اتفاق التطبيع نفسه؛ فالمعاهدات تنتهي بالحروب وتغيير موازين القوى لكن مد مياه النيل لإسرائيل يحول العلاقة بين الطرفين إلى علاقة تعاقدية وأبدية ويمنح إسرائيل حقا مكتسبا في مياه النيل. ويبدو أن هذا المشروع مركزي لإسرائيل، فهو يطرح دورياً وفي كل مناسبة على مصر اعتباراً من عام 1974، وطُرح عامي 1986 و1989، كما طُرح في إطار مفاوضات مدريد عام 1991م.[[4]]

لأن حصول إسرائيل على هذا القدر من المياه يكون بمثابة ولادة جديدة لها، لأنه يعطيها 20 ضعف المساحة المزروعة حالياً ويمكّنها من زيادة المساحات المزروعة في صحراء النقب بما يساوي 500 ألف فدان، إضافة إلى أنه يدعم القدرات الإسرائيلية في استجلاب المزيد من المستوطنين.

المحطة الرابعة، في عام 1977 قام الخبير الإسرائيلي (ارلوزوروف)، بطرح مشروعٍ تضمن شق( 6 قنوات ) تحت قناة السويس تعمل على دفع المياه العذبة إلى نقطة سحب رئيسية، ليتم بعد ذلك ضخ المياه إلى ارتفاع يبلغ عشرات أمتار لتدفع بقوة الثقل نحو ساحل سيناء وعبر أقنية فرعية إلى صحراء النقب.

المحطة الخامسة، كان ملف توصيل مياه النيل إلى “إسرائيل” أحد بنود المناقشات المصرية الإسرائيلية في مفاوضات كامب ديفيد Camp David Accords سنتي 1978-1979، وبدأت هذه المناقشات بشكل واضح مع دراسة اليشع كالي Elisha Kali سنة 1974، ومشروع شاؤول أرلوزوروف Shaul Arlozorov الذي عرف بمشروع (يؤر) سنة 1977، وكلاهما من خبراء هيئة المياه الإسرائيلية.

وترتب على هذه الأفكار طرح مشروع قناة جونجلي Jonglei Canal في جنوب السودان كوسيلة لتعويض مصر عن المياه التي ستذهب للنقب طبقاً لذلك، وهو ما أفرز مشكلات عديدة في جنوب السودان، أسهمت في نهاية المطاف مع عوامل أخرى في تأجيج النزاع في السودان لينتهي بانفصال الجنوب وتحوله إلى إحدى الدول الإفريقية الأكثر تقارباً مع “إسرائيل”.

المحطة السادسة، بعد توقيع اتفاق التطبيع بين السادات وإسرائيل سنة 1979؛ جرت محاولات لإحياء مشروع “1903” من جديد تحت لافتة السلام، فالرئيس الأسبق محمد أنور السادات أعلن يوم الثلاثاء  27 نوفمبر 1979م أنه أعطى إشارة البدء في حفر ترعة السلام بين فارسكور والتينة عند الكيلو 25 طريق الإسماعيلية وبورسعيد لتتجه نحو قناة السويس لتروي نصف مليون فدان.

وقد التفت الرئيس السادات إلى المختصين، وطلب منهم عمل دراسة علمية كاملة لتوصيل مياه النيل إلى القدس لتكون في متناول المؤمنين المترددين على المسجد الأقصى ومسجد الصخرة وكنيسة القيامة وحائط المبكى.[[5]]

تبرير السادات للفكرة بتغليفها بشعار السلام وترعة السلام مدعيا أنها لنقل المياه إلى القدس حتى يشرب منها الفلسطينيون وأهل الأديان الثلاثة، وأطلق عليها زمزم الجديدة، تشبيها بماء زمزم في مكة، لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيجن فضحه وأعلن أن الاتفاق تم بينهم على مد مياه النيل إلى النقب وليس القدس. لكن قوة الرفض الشعبي أسقطت مشروع مد مياه النيل لإسرائيل؛ وهو ما دونه كامل الزهيري في كتابه “النيل في خطر”.[[6]]

لكن الخطير أن تصريحات بيجين تكشف أن توصيل مياه النيل إلى “إسرائيل” هو أحد البنود السرية في معاهدة التطبيع المصرية الإسرائيلية سنة 1979م.

 

ثانيا، سد النهضة

فشل مشروع ترعة السلام ومد مياه النيل إلى صحراء النقب؛ دفع تل أبيب إلى البحث عن طريقة تجبر المصريين على القبول طوعا أو كرها بمد مياه النيل إلى “إسرائيل”؛ فلجأت إلى تعزيز نفوذها في إثيوبيا بوصفها تضم منابع النيل الكبرى التي تمد مصر بنحو 80% من المياه العذبة.\

وفي الوقت الذي تخلت فيه مصر عن السودان سنة 1957م في عهد عبدالناصر؛

كانت إسرائيل تعزز وجودها في إثيوبيا وأوغندا وكينيا والسودان وزائير (الكونغو حاليا)، كما وطدت علاقتها بكثير من دول إفريقيا، وعندما شنت إريتريا حرب الاستقلال عن إثيوبيا ساعدت تل أبيب أديس أبابا في أول الأمر، وعندما رأت أن ميزان القوى يميل إلى الإريتريين أمدتهم بالسلاح وقدمت لإريتريا مساعدات عاجلة وأقامت معها علاقات دبلوماسية مباشرة بمجرد إعلان استقلالها سنة 1993م.

ومن خلال الوجود القوى للموساد في إفريقيا تمكنت إسرائيل من تقسيم السودان إلى شمال وجنوب، وحرضت إثيوبيا على إقامة سد النهضة وغيره من السدود من أجل التحكم في حصص المياه ورسم خريطة المنطقة على نحو يضمن تعزيز النفوذ  الإسرائيلي وضمان بقائه وتفوقه.

في 2001، أعلنت الحكومة الإثيوبية عن نيتها إنشاء عدد من المشروعات على أنهارها في إطار استراتيجية وطنية للمياه.

وفي أغسطس 2010 أعلنت الحكومة الإثيوبية الانتهاء من عملية مسح موقع سد النهضة، والتي بدأت في أكتوبر عام 2009.

وفي نوفمبر 2010م، انتهت الحكومة الإثيوبية من تصميم السد، وأعلنت اعتزامها البدء في تنفيذه.

وهو نفس العام الذي وقعت فيه أديس أبابا ودول بحوض النيل على اتفاقية عنتيبي التي تضع معايير جديدة لتوزيع مياه النيل وهي الاتفاقية التي رفضتها مصر والسودان، ولم يوقعا عليها حتى اليوم.

وانتهزت إثيوبيا فرصة ثورة يناير للإعلان عن البدء في مشروع سد النهضة، خلال هذه الفترة الانتقالية انشغل المجلس العسكري وباقي مؤسسات الدولة التي تسيطر عليها مافيا الدولة العميقة الموازية وغير المنتخبة (الجيش ــ المخابرات ــ أمن الدولة ـ القضاء ـ الإعلام) بكيفية إفشال الثورة واسترداد نفوذهم بدلا من حماية حقوق مصر المائية وحدودها ومكانتها الإستراتيجية، وهو ما تكلل بانقلاب 3 يوليو 2013م. وانتهزت إثيوبيا الفرصة ثانية؛

بالإطاحة بمصر من الإتحاد الإفريقي لأن الجيش استولى على الحكم بأداة غير دستورية وغير ديمقراطية (انقلاب عسكري)؛ وحتى يضمن السيسي عودة مصر إلى الإتحاد والاعتراف بشرعية انقلابه وقع على اتفاق المبادئ بالخرطوم في مارس 2015م؛ وهو الاتفاق الذي شرعن بناء السد؛ لأنه قبل هذا التوقيع  كان مخالفا للقانون الدولي للأنهار؛ وبذلك  قدم السيسي أكبر خدمة جليلة  لإثيوبيا وإسرائيل.

 

ثالثا، أدوار إسرائيل الخفية

أولا، تقف تل أبيب وراء فكرة إنشاء السد، وتحريض الحكومة الإثيوبية على البدء فيه بمجرد فشل توصيل مياه النيل إلى صحراء النقب عبر ترعة السلام. بالطبع  كل عمليات التحريض والتخطيط جرت في دهاليز الغرف المغلقة ويقف خلفها جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد) بشكل مباشر.

ثانيا، تقف إسرائيل وراء تصميم سيناريو المفاوضات على النحو الذي جرى حتى تصل إلى طريق مسدود من أجل إجبار المصريين على القبول بصفقة تضمن حصول مصر على حصتها المائية مقابل حصول مصر على 1% من هذه الحصة (نصف مليار م مربع).

بمعنى أن العناد والتعنت الإثيوبي هو جزء من الخطة المرسومة من جانب “إسرائيل”؛ فمسار المفاوضات يبدو أنه مدروس ومخطط له بعناية فائقة تتجاوز قدرات صانع القرار الإثيوبي؛ بحيث ينهك الجانب المصري في مفاوضات ماراثونية لا جدوى منها سوى أنها تتيح لأديس أبابا الوقت للانتهاء من عملية البناء وفقاً للمخططات والتصميمات التي حددتها هي، لتجد مصر في النهاية نفسها أمام سد مكتمل على أرض الواقع في وقتٍ تكون قد فقدت فيه القاهرة الوسائل كافة لتغيير مسار السد”.

وتنقل صحيفة “العربي الجديد” اللندنية في أكتوبر 2019م، عن مصدر دبلوماسي غربي بالقاهرة شارك في ورشة عمل سابقة بشأن حروب المياه في أفريقيا نظمها الاتحاد الأوروبي وشارك في إعداد أوراق بشأن مسألة المياه والسدود في أفريقيا، قوله إن “آلية التفاوض التي اتبعتها إثيوبيا مع مصر وضع أسسها فريق تفاوضي في الخارجية الإسرائيلية ومنهم وزير الخارجية السابق شاؤول موفاز، رئيس الأركان السابق، وديفيد كمحي أحد القيادات البارزة السابقة في الموساد الإسرائيلي”.[[7]]

ثالثا، يؤكد الدبلوماسي الغربي أن “الحضور الإسرائيلي في إثيوبيا، والذي يصل إلى حد الشراكة في قطاعات عديدة أهمها مجالات الاستثمار الزراعي ومجال المياه، له خطط تطلعية كبيرة”، مضيفاً “هناك 23 شركة إسرائيلية تعمل في مجالات لها علاقة بسد النهضة عبر 7 عقود موقعة بين حكومتي أديس أبابا وتل أبيب.

ومن الشركات الإسرائيلية العاملة في إثيوبيا: شركة سوليل بونيه Solel Boneh للإنشاءات في كل من كينيا، وإثيوبيا، وأوغندا، إلى جانب شركة أغروتوبAgrotop للزراعة، وشركة كور CORE للإلكترونيات، وشركة موتورولا الإسرائيلية Motorola Israel للكهرباء والماء، وشركة كارمل Carmel للكيماويات. ورفعت “إسرائيل” من حجم استثماراتها في قطاع الطاقة سنة 2018 بقيمة 500 مليون دولار من خلال شركة جيجاوات جلوبال Gigawatt Global، وهي شركة لها علاقات مع عشر جامعات إثيوبية، وهناك عشر مؤسسات أخرى إسرائيلية تعمل في إثيوبيا، كما أكد النائب المصري أحمد العضوي أن النشاط الإسرائيلي في إفريقيا، وخصوصاً في إثيوبيا، يستهدف التأثير على المصالح المصرية وأبرزها حصة مصر من النيل من خلال الدعم الإسرائيلي لمشروع سد النهضة.

وتؤكد مصادر مختلفة وجود طابق كامل في مبنى وزارة المياه والكهرباء الإثيوبية يقيم فيه خبراء المياه الإسرائيليون، وهم يقدمون الخبرة التفاوضية والفنية للفرق الإثيوبية، وأكد ذلك وزير الري والمياه المصري السابق محمد نصر علام، وكرره مسؤولون سودانيون من ذوي العلاقة بالمؤسسات الخاصة بالري والمياه.

كما أعاد ذكره نائب رئيس الأركان المصري محمد علي بلال في أيار/ مايو 2013 متحدثاً عن وجود أعداد كبيرة من الإسرائيليين يعملون في السد الذي يتم بناؤه بتمويل غربي وأمريكي (البنك الدولي، وإيطاليا، وبنك الاستثمار الأوروبي)، وبنك التنمية الإفريقي، والصين، و”إسرائيل”.

رابعا، لا يتوقف الدعم الإسرائيلي  لإثيوبيا عند حدود التحريض على إقامة السد وتصميم سيناريو المفاوضات تحت إشراف الموساد بشكل مباشر، وتوفير الدعم الدولي والتمويل اللازم، بل تجاوز ذلك إلى دعم إثيوبيا عسكريا بمنظومة صاروخية متطورة لتأمين سد النهضة، وربما لتضييق آفاق الحل أمام صانع القرار المصري من خلال جعل الخيار العسكري أكثر صعوبة”، هذه المنظومة الصاروخية الإسرائيلية مُنحت لإثيوبيا  بتسهيلات كبيرة حسب الدبلوماسي الغربي.[[8]]

لينتهي الدبلوماسي الغربي إلى التأكيد على أن “هناك تقارير عدة دبلوماسية وفنية تؤكد نقل مياه النيل إلى إسرائيل في مرحلة من المراحل عبر آلية مشتركة، واتفاق ثلاثي بين مصر وإثيوبيا وإسرائيل. ورغم النفي الإسرائيلي الرسمي حول ملف منظومة الصواريخ (سبايدر إم آر Spyder-MR) حول سد النهضة إلا تقارير إسرائيلية منه موقع “ديبكا” المخابرات الإسرائيلية، بخلاف تقارير دولية وعربية  أكدت الخبر في يوليو سنة 2019م؛ وهذه المنظومة يمكنها إسقاط الطائرات الحربية من على بعد 5-50 كم، وقد قامت ثلاث شركات إسرائيلية هي شركة رفائيل Rafael المتخصصة في الصواريخ، وفرع إم.بي.تي MBT للصواريخ التابع للصناعات الجوية الإسرائيلية، وشركة أنظمة إلتا Elta المتخصصة في الرادارات، بإنجاز هذا النظام الدفاعي لإثيوبيا.[[9]]

خامسا، تستهدف إسرائيل تعزيز العلاقات مع  إثيوبيا على نحو يعزز المصالح الإسرائيلية ويجعل لها دورا مؤثرا في توزيع حصص المياه على دول حوض النيل بما يجبر مصر لاحقا على توصيل مياه النيل لتل أبيب؛ وخلال زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو إلى إثيوبيا في تموز/ يوليو 2016 ضمن جولة في دول الشرق الإفريقي، أعلن عن سعادته لأنه أول رئيس وزراء إسرائيلي يزور إثيوبيا، وأكد استعداد “إسرائيل” لتقديم العون التكنولوجي لإثيوبيا لاستكمال مشاريعها مركزاً في خطابه أمام البرلمان الإثيوبي على قطاع الزراعة، وقد ورد في خطابه العبارة التالية ذات الدلالة الواضحة، قال نتنياهو حرفياً: “هذه هي رؤيتي لتعاوننا: أن يتمتع المزارعون الإثيوبيون بفوائد المعرفة know-how الإسرائيلية، ويعملون معنا لتوجيه المياه إلى كل اتجاه يريدونه”.[[10]]

 

رابعا، لغز سحارات سرابيوم

في ظل هذا الوضع المأزوم في ملف سد النهضة والعناد الإثيوبي الذي يصر على تحويل النيل الأزرق إلى بحيرة إثيوبية من أجل تسليع المياه؛ لابتزاز دولتي المصب ماليا وسياسيا؛ وعجز نظام السيسي عن التصدي لهذه العجرفة الإثيوبية؛ شرع النظام في مشروع سحارات  سرابيوم والمحمسة الذي بدأ العمل فيه بالتزامن مع مشروع تفريعة قناة  السويس سنة 2015م، وتم افتتاح المرحلة الأولى في يونيو 2016م، والمرحلة الثانية في يونيو 2020م[[11]]؛

ويتكون المشروع من ٤ بيارات ضخمة لاستقبال ودفع المياه، حيث يبلغ عمق البيارة الواحدة ٦٠ مترًا، ويبلغ قطر السحارة الداخلي ما يقرب من ٢٠ مترًا، مع ٤ أنفاق أفقية طول النفق الواحد ٤٢٠ مترًا محفورة تحت القناة الجديدة، ويبلغ قطر النفق الواحد ٤ أمتار، وعمقه ٦٠ مترًا تحت منسوب سطح المياه، وأسفل قاع القناة الجديدة بعمق ١٦ مترًا تحسبًا لأى توسعات أو تعميق مستقبلًا، ويبلغ طول النفق ٤٢٠ مترًا لنقل مياه نهر النيل من ترعة الإسماعيلية كمصدر رئيسي لتبدأ رحلتها من غرب القناة القديمة بترعة السويس.[[12]]

المشروع غامض وغريب في توقيته وأهدافه؛ لأنه يستهدف كما هو معلن من جانب النظام توصيل مياه النيل إلى سيناء من أجل تعميرها وزراعة نحو مائة ألف فدان. عدم منطقية المشروع في هذا التوقيت  تتعلق بأمرين:

  • الأول أنه يتزامن مع أزمة سد النهضة واحتمال نقصان حصة مصر المائية؛ فكيف تقيم م مشروعا لنقل المياه الفائضة إلى سيناء ضمن مشروع التنمية والنيل نفسه مهدد؟!.
  • الثاني، أن الهدف الذي تم من أجله الترويج لمشروع سحارات سرابيوم كان خدمة المخطط القومي لتنمية سيناء، وهو ما يتعارض فعليا على أرض الواقع مع إخلاء مساحات شاسعة من السكان الأصليين وتهجيرهم إلى أماكن أخرى كما حدث في رفح على سبيل المثال، بخلاف تجريف مساحات زراعية واسعة تحت مبرر الأسباب الأمنية لملاحقة العناصر الإرهابية هناك”.

إضافة إلى ذلك فقد تم تصميم السحارات بذات المواصفات التي ذكرها هرتزل في مشروعه سنة 1903م، ورغم عملية التعتيم المفروضة على المشروعات في شرق مصر، وعدم الوضوح فإن التصريحات يفهم منها أن هناك إمكانية لتنفيذ سحارة ثالثة لزيادة الكمية من ماء النيل التي يتم نقلها من شرق القناة إلى غربها لما يقارب الرقم الذي طرحه هرتزل وهو 51 م3 في الثانية، يما يساوي نصف مليار م مكعب سنويا(1%) من حصة مصر المائية.

وخلال زيارة وفد إسرائيلي للقاهرة التقى مسئولين مصريين في وزارتي الزراعة والري، قال مسئول إسرائيلي إن “مياه النيل من الممكن أن تكون وسيلة لترسيخ السلام بين الشعوب”.

وعندما طولب بمزيد من التوضيح، قال إن المياه المهدرة من النيل من الممكن أن تصل إلى القدس وتحقق منافع مشتركة عبر مشروعات يمكنها تحقيق هذا الغرض”. ثم تطرق إلى تفاصيل فنية دقيقة عن مشروع ترعة السلام التي دشنها السادات وعدم جدواها بسبب ارتفاع درجة الملوحة بها بشكل يؤثر على جودة وكفاءة المياه التي تمرّ عبرها.

الخلاصة،  أن أطماع  “إسرائيل” في مياه النيل تسبق نشأة الكيان الصهيوني نفسه؛ وقد كان تيودور هرتزل، رئيس ومؤسس المنظمة الصهيونية هو أول من طرح فكرة توصيل مياه النيل إلى الضفة الشرقية لقناة السويس ضمن مشروع توطين اليهود في سيناء سنة 1903 قبل مشروع التوطين في فلسطين.

واهتمت دوائر صنع القرار في “إسرائيل” ومراكز البحث على الدوام بضرورة توصيل مياه النيل إلى صحراء النقب، كما كان ملف المياه حاضرا بقوة في جميع اتفاقات التطبيع التي عقدتها “إسرائيل” مع الدول العربية.

الأكثر أهمية وخطورة أن مشروع توصيل مياه النيل إلى إسرائيل كان أحد البنود التي تم مناقشتها في اتفاقية التطبيع المصرية الإسرائيلية سنة 1979م؛ والدليل على ذلك أن السادات عندما برر مشروع ترعة السلام بدعوى أنها آبار زمزم الجديدة التي تسقي المؤمنين بكل الديانات السماوية في القدس؛ فضحه رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيجين مؤكدا أن الاتفاق هو توصيل المياه إلى النقب وليس القدس.

بما يعني أن توصيل مياه النيل إلى “إسرائيل” هو بند من البنود السرية لاتفاقية التطبيع المصرية الإسرائيلية المعروفة باسم (كامب ديفيد) التي تمت برعاية أمريكية بدءا من زيارة  السادات للقدس سنة 1977 ثم مباحثات كامب ديفيد سنة 1978م، ثم التوقيع في مارس 1979م.

عندما فشلت مشروعات توصيل مياه النيل إلى إسرائيل أمام الرأي العام المصري، لجأت تل أبيب إلى تعزيز التعاون مع إثيوبيا وتحريض حكومتها على إقامة سدود على النيل الأزرق من أجل حصار مصر وتجويعها وإضعافها، حيث تقف “إسرائيل” وراء فكرة إنشاء السد، وهي من وسوست إلى أديس أبابا من أجل البدء في المشروع في ظل انشغال مصر بأحداث الثورة؛

ليمثل ورقة ضغط في يد تل أبيب حال جاء نظم حكم مصري معاد لإسرائيل، أو للضغط لفرض المزيد من التطبيع والتعاون الأمني؛ وهي أيضا من صممت سيناريو المفاوضات على النحو الذي عاينه الجميع من أجل أن تصل إلى مسار مسدود لتخيير المصريين بين العطش بحرمانهم من حصتهم المائية أو على الأقل تقليلها، أو الحصول على الحصة كاملة مقابل مد المياه إلى إسرائيل بنحو (1%) بما يعادل نحو نصف مليار م مكعب من المياه سنويا.

الفشل المصري في مسار التفاوض، وميوعة الردود المصرية، وعدم تحرك مؤسسات الدولة (الجيش ــ المخابرات) لحماية الأمن القومي المصري المهدد بالفعل من جانب إثيوبيا؛ قد يعكس  تواطؤا من النظام للوصول إلى هذه النتيجة؛ حتى يخضع المصريون ويذعنون لتوصيل مياه النيل إلى “إسرائيل” ضمن صفقة ثلاثية (مصرية ـ إسرائيلية ــ إثيوبية)، وبالتالي يقبل المصريون على مضض هذه الخطوة التي رفضوها على الدوام لأنها تعني تكريس الوجود الإسرائيلي في فلسطين واستقطاب مستوطنين يهود جديد على حساب فلسطين وشعبها.

ويمكن فهم تصريحات سامح شكري أمام البرلمان في إبريل 2022 عندما أعلن عن وجود مخططات لثلاثة سدود إثيوبية جديدة إلى جانب سد النهضة يمكن تخزين نحو “200” مليار م مكعب من المياه أمامها، ضمن هذا السياق (سياق التخويف والترهيب للقبول بمد المياه أبيب). [[13]]  ويمكن أيضا فهم المغزى الحقيقي لمشروع سحارات سرابيوم بوصفه جزءا من المخطط المرسوم وفق بنود اتفاق “كامب ديفيد” السرية. فهم يريدون  ،، ا

تشييد البنية الأساسية كاملة قبل الدخول في المرحلة النهائية بتفكيك ملف المياه وأزمة سد النهضة بضم إسرائيل إلى دول حوض النيل. يبرهن على ذلك أن صحيفة “العربي الجديد”  اللندنية[[14]] نقلت عن مصادر رسمية مصرية عدم استبعاد هذا السيناريو، بل وصفته هذه المصادر بأنه قد يكون السيناريو الأقرب في ظل الموقف الصعب الذي تمرّ به مصر في  ملف المياه.

“إسرائيل” معنية بإضعاف أيّ دولة عربية “أكثر” من عنايتها بإضعاف الأنظمة العربية مع أهمية إضعاف الأنظمة، لكن تغير النظام السياسي غير المعادي في دولة ضعيفة وتحوله إلى نظام معادٍ لـ”إسرائيل” لن يكون له تأثير استراتيجي نظراً لضعف الدولة، لكن تنامي قوة دولة عربية تقنياً أو اقتصادياً أو عسكرياً أو اجتماعياً هو رصيد لأي نظام سياسي يأتي معادياً لـ”إسرائيل”، وعليه فالضمان الحقيقي لأمن “إسرائيل” هو بقاء الدولة ضعيفة.

و“إسرائيل” تدرك مركزية المكانة المصرية في النظام الإقليمي العربي، وعليه فإن تغير النظام في مصر إلى نظام معادٍ لها، كما حدث بعد ثورة يناير، سيكون له مخاطر أمنية كبيرة على “إسرائيل” إذا كانت مصر قوية، وعليه لا بدّ من إبقائها ضعيفة سياسياً (بإضعاف مركزيتها الإقليمية والدولية)، واقتصادياً (بحرمانها أو التأثير على مواردها المركزية ومنها النيل)، وعسكرياً بإغراقها في مواجهات داخلية (في سيناء)، وعلى حدودها مع ليبيا والسودان (حول حلايب وغيرها)، ومع إثيوبيا…إلخ. يبرهن على ذلك الحوار الذي دار بين رئيسة وزراء “إسرائيل” السابقة جولدا مائير Golda Meir، ووزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر Henry Kissinger حيث قالت مائير لكيسنجر: «إن نظم الحكم في العالم العربي عرضة للتبدل والتغير، لنفرض أن حدثاً جرى للسادات، وأن أحداً أكثر منه عداء أتى للسلطة، فما مصير كل هذه الاتفاقيات؟».[[15]]

وهو ما نستنتج منه أن إضعاف الدولة المصرية هو الاستراتيجية الدائمة لإسرائيل؛ والحكم العسكري الاستبدادي هو خير من يقوم بهذا الدور التخريبي لصالح إسرائيل وأمنها القومي.

 

 

[1] بدر شافعي/ إسرائيل وإثيوبيا ومياه النيل/ العربي الجديد ــ 07 مايو 2018

[2] بشرى جاسم محمد حسين/ الدور الاسرائيلي في أزمة سد النهضة/ المركز العراقي الإفريقي للدر سات الإفريقية ـ 17 أكتوبر 2020م

 

[3] معتز ممدوح/ تاريخ الأطماع «الإسرائيلية» في مياه النيل/ إضاءات ــ 24 نوفمبر  ــ 2019م

 

[4] أماني الطويل/ ماذا يعني سد النهضة في الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي؟/ إندبندنت عربي ــ الخميس 6 مايو 2021

[5] المرجع: مجلة أكتوبر، العدد 46، 24 ديسمبر/كانون الأول 1979

[6] عامر عبد المنعم/ حصة “إسرائيل” من مياه النيل!/ الجزيرة مباشر ــ 28 مايو 2018م

[7] المقترح الإسرائيلي لأزمة سد النهضة: نقل مياه النيل للأراضي المحتلة/ العربي الجديد ــ 21 أكتوبر 2019

[8] المرجع السابق

[9] دفاعات صاروخية إسرائيلية لأثيوبيا لحماية سد النهضة/ القبس الدولية الكويتية ــ ٠٧ يوليو ٢٠١٩// أ. د. وليد عبد الحي/ورقة علمية: الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه سدّ النهضة الإثيوبي/ مركز الزيتونة //”أنظمة دفاعية إسرائيلية لحماية سد النهضة”.. إسرائيل تعلق وسط أزمة مصر وإثيوبيا/ سي إن إن عربي ــ الأربعاء، 23 أكتوبر  2019

 

[10] انظر خطاب نتنياهو في البرلمان الأثيوبي 7 يوليو 2016، ورد النص الكامل على موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية في:

 

[11] إسماعيل جمعة/ افتتاح المرحلة الأولى من سحارة سرابيوم.. نقل مياه النيل إلى سيناء لرى 100 ألف فدان/ الأهرام اليومي ــ الثلاثاء 27 من جمادي الآخرة 1437 هــ 5 أبريل 2016 السنة 140 العدد 47237// افتتاح المرحلة الثانية من “سحارة سرابيوم”/ البورصة نيوز ــ  الإثنين 8 يونيو 2020 

[12] أسامة حمدي/ أكبر مشروع مائي بالشرق الأوسط.. 8 معلومات عن سحارة سرابيوم/ بوابة أخبار اليوم ــ 17 فبراير 2022م

 

[13] سباق مصري مع الزمن قبل إنشاء إثيوبيا سدوداً جديدة / العربي الجديد ــ الثلاثاء 19 ابريل 2022

[14] مرجع سابق: المقترح الإسرائيلي لأزمة سد النهضة: نقل مياه النيل للأراضي المحتلة/ العربي الجديد ــ 21 أكتوبر 2019

[15] أ. د. وليد عبد الحي/ورقة علمية: الاستراتيجية الإسرائيلية تجاه سدّ النهضة الإثيوبي/ مركز الزيتونة ـ

‫شاهد أيضًا‬

إفريقيا بين عامي 22 و23

  تعيش إفريقيا بين عامي 2022 و2023 في موجة من التغيرات والأحداث على المستويات الداخلي…