‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر قرض صندوق النقد الدولي لمصر نوفمبر 2022
مصر - نوفمبر 21, 2022

قرض صندوق النقد الدولي لمصر نوفمبر 2022

قرض صندوق النقد الدولي لمصر نوفمبر 2022

بعد نحو 8 شهور، من المفاوضات والوساطات والتوسلات ومطالبة الوسطاء الاوربيين والخليجيين للضغط على صندوق النقد الدولي، توصلت بعثة الصندوقإلى ممصر مع الحكومة الدولي على اقراض مصر للمرة الرابعة في عهد السيسي، بقرض يبلغ 3 مليارات دولار، وذلك يوم الخميس 27 أكتوبر 2022، على مدى 46 شهراً، وفق ما أعلنت إيفانا هولر، رئيسة بعثة صندوق النقد الدولي إلى مصر، وذلك بعد وقت قصير من إعلان البنك المركزي المصري تحرير سعر الجنيه.

كما طلبت مصر أيضاً تمويلاً، في إطار تسهيل الاستدامة المُنشأ حديثاً، والذي يمكن أن يتيح مليار دولار لمصر، ووفق بيان الصندوق، “من المتوقع أن يُحفّز الاتفاق مع مصر حزمة تمويل تشمل حوالي 5 مليارات دولار في العام المالي 2022-2023”.

القرض الجديد تضمن  اشتراطات ضاغطة على المجتمع المصري ، حاول نظام السيسي التخلص منها، أو عدم الالتزام بها، وهو ما خفض قيمة القرض إلى 3 مليارات دولار فقط، فيما كانت تطالب مصر نحو 20 مليار دولار..

ومثل اقتصاد الجيش العقبة الكؤود أمام الاتفاق، حيث كان الصندوق يطالب بتقليص اقتصاد الجيش، عبر بيع شركاته وأصوله الاقتصادية..

الورقة التالية؛ تناقش القرض واثاره واشتراطاته وجدواه الاقتصادية في حلحلة الأزمة الاقتصادية التي تعايشها مصر…

 

أولا-سياق اقتصادي مأزوم :

1-انهيار اقتصادي غير مسبوق:

دخلت مصر مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي للحصول على حزمة دعم مالي، في مارس 2022، بعد فترة وجيزة من بدء الأزمة الأوكرانية الروسية، التي زادت من اضطراب مواردها المالية غير المستقرة بالفعل، ودفعت المستثمرين الأجانب إلى سحب ما يقرب من 20 مليار دولار من أسواق الخزانة المصرية في غضون أسابيع.

وهو ما حاولت مصر معالجته، عبر الحصول على قرض صندوق النقد الدولي، والذي قد يساعد البلاد التي تعاني من ضغوط اقتصادية، على تجنّب التخلف عن سداد الديون وكانت بيانات البنك المركزي قد أظهرت أنَّ نقص النقد الأجنبي أدى إلى انخفاض حاد في الواردات غير النفطية، التي تراجعت بنسبة 20% في الربع من أبريل إلى يونيو.

أدى ذلك إلى نقص في المدخلات لكل من المصانع وتجار التجزئة، وتراكم البضائع والسلع، وضمن ذلك القمح، في الموانئ. وشددت البنوك قيود السحب بالدولار من الحسابات المصرفية من الجنيه المصري وشهدت الأسعار ارتفاعاً منذ مارس 2022، ما زاد من الضغوط الاقتصادية على المصريين، رغم قول الحكومة إنها كثفت جهودها لمكافحة الغلاء.

2-انفاق بذخي واهدار أموال مصر في مشاريع بلا جدوى اقتصادية:

مؤخرا، اعترف السيسي بفشل مشروع مدينة الأثاث في دمياط، خلال حديثه بالمؤتمر الاقتصادي ورغم ذلك، عبرت تصريحاته عن  اصرار غريب في عدم اعتماد دراسات الجدوى على مشاريعه، متباهيا بأنه لو اتبع دراسات الجدوى ما أنجز 30% مما أنجزه!! وتكلفت مدينة الاثاث بدمياط -وفق تقارير صحفية تابعة للنظام- ما يقارب 3.6 مليار جنيه، ومن ضمن المشاريع التي تمت بلا دراسة جدوى واهدرت مليارات الجنيهات على مصر..

مشروع حفر تفريعة جديدة لقناة السويس، جمعت فيه الحكومة من المصريين نحو 64 مليار جنيه للبدء في المشروع (نحو 10 مليارات دولار وقتها)، ولم يكفِ المبلغ بسبب الرغبة في ضغط المدة لعام واحد (دون أي مبرر) فاقترضت الدولة نحو 850 مليون دولار من البنوك المحلية، بينما تحملت الميزانية العامة للدولة حوالي 7.6 مليار جنيه سنوياً، هي مقدار خدمة الدين لـ64 ملياراً جرى جمعها.

ومع أول ذكرى لافتتاحها، عقب تداول الأحاديث عن انخفاض إيرادات القناة الرئيسية، وكثرة التساؤلات عن جدوى التفريعة الجديدة، قال السيسي بحوار تلفزيوني في يونيو 2016، إن الهدف من المشروع كان “رفع الروح المعنوية للشعب المصري!” وايضا مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، التي وصفت بكونها “ثقباً أسود” ابتلع موارد مصر عبر سنوات، دون وجود فائدة تذكر على المواطنين أو الاقتصاد، صرح المهندس خالد عباس، نائب وزير الإسكان للمشروعات القومية، والرئيس الحالي لشركة العاصمة الادارية بأن حجم الإنفاق به حتى شهر مارس 2021 بلغ من 400 مليار إلى 500 مليار جنيه وكذا مدينة العلمين الجديدة، التي كشف وزير الإسكان، العام الماضي، عن مجموعة أبراج بالمدينة، بلغت تكلفتها وحدها 38 مليار جنيه وبلغت تكلفة مشروعي المونوريل والقطار السريع -وفق تصريحات رسمية- 26 مليار دولار، أي ما يزيد على 400 مليار جنيه.

أما الطائرة الرئاسية الجديدة من طراز بوينغ (747-8) القصر الرئاسي الطائر، والملقبة بـ”ملكة السماء”، التي تعاقدت عليها حكومة السيسي، وتسببت أخبارها في صدمة للشارع المصري، بلغت تكلفتها نصف مليار دولار (9 مليارات جنيه بسعر الصرف وقتها) وهي تعتبر خامس طائرة رئاسية تشتريها مصر بزمن السيسي، ففي عام 2016 وقَّعت الحكومة المصرية عقداً مع شركة داسو الفرنسية لشراء 4 طائرات من طراز “فالكون إكس 7″ الفاخرة، الصفقة بلغت قيمتها 300 مليون يورو، أي ما يوازي قرابة 4 مليارات جنيه مصري، وتضاف جميعها إلى سرب طائرات رئاسية تملكه مصر يصل عددها إلى 24 طائرة. فضلاً عن شراء السيسي أيضاً قبل ذلك أنظمة مضادة تعمل بالأشعة تحت الحمراء لحماية طائراته الرئاسية بقيمة 104 ملايين دولار.

اضافة لصفقات شراء السلاح، التي جعلت من مصر، وفقاً لـ”معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام” (SIPRI) ثالث أكبر مستورد للسلاح بالعالم عام 2020، وأنفقت مصر عليها ما يقرب من 44 مليار دولار أمريكي (800 مليار جنيه مصري).

كما لم يقنع السيسي بما تملكه مصر من عدد 30 قصراً واستراحة رئاسية، فأضاف إليها قصراً في العاصمة الإدارية، مساحة السكن الرئاسي به (طبقاً لتقرير بموقع الجزيرة مباشر، اعتمد على صور ملتقطة بالأقمار الصناعية) تُقدر بـ50 ألف متر مربع، أي أنه 10 أضعاف مساحة البيت الأبيض، الذي تبلغ مساحته 5 آلاف متر مربع فقط.

يُضاف لها قصر رئاسي أسطوري، بمدينة العلمين الجديدة، على ساحل البحر المتوسط، ومجمع لرئاسة الجمهورية، بالغ الضخامة، يتم إنشاؤه قرب مدينة المستقبل بطريق مصر الإسماعيلية الصحراوي، كشفت عنه تقارير صحفية، رغم التكتم الرسمي بشأنه.

كما أراد السيسي تخليد اسمه ببناء مسجد أطلق عليه اسم “الفتاح العليم”، بالعاصمة الإدارية، تم افتتاحه في يناير 2019 ليُعد أكبر مساجد مصر بسعة 17 ألف مُصلٍّ.

وفور الانتهاء منه، تم البدء في مشروع بناء مسجد مصر، الذي سيعد رابع أكبر مساجد العالم بسعة تتجاوز 100 ألف مصلٍّ ويضم أعلى مئذنتين في مصر بارتفاع 140 متراً، وبتكلفة مبدئية قدرت بـ750 مليون جنيه.

بالإضافة لبناء أكبر كاتدرائية قبطية بالشرق الأوسط، تسمى كاتدرائية “ميلاد المسيح”، على مساحة 15 فداناً وتسع أكثر من 8000 آلاف فرد، وتتواجد كذلك بالعاصمة الإدارية كما تم بناء أعلى سارية علم في العالم بارتفاع 207.8 متر ويتخطى ارتفاعها برج القاهرة، تتكون من الحديد الصلب بوزن إجمالي 1040 طناً وتكلفة تجاوزت 55 مليون جنيه ويبقى الهوس الأعظم ببناء الكباري، السمة المميزة لعصر السيسي، الذي بشر المصريين في عام 2020 ببناء 40 كوبري جديداً في القاهرة وحدها تكلفة تنفيذها  تتخطى الـ16 مليار جنيه.

بينما نشرت وزارة النقل، في بيان لها في 29 يونيو من هذا العام، إنجازات الوزارة خلال 8 سنوات، فحدثتنا عن بناء 900 كوبري ونفق جديد في مختلف محافظات مصر وغير ذلك الكثير من المشاريع، التي أهدرت الأموال وضيعت الموارد، وجمدت الثروات في كُتل أسمنتية وحديدية، مع إهمال تام لأولويات المواطن من غذاء وصحة وتعليم.

والنتيجة، تضاعفت ديون مصر 3 مرات خلال سنوات حكم السيسي، وارتفع الدين الخارجي لها ليصل إلى نحو  160 مليار دولار. وارتفعت معدلات الفقر في البلاد، وفقاً لتقارير حكومية، لتصل إلى 32.5% من عدد السكان، بنهاية العام 2018، وما زالت تواصل الارتفاع.

وهوى الجنيه المصري إلى مستوى قياسي جديد أمام الدولار، ليتجاوز -حتى الآن- سعر الدولار الواحد  أكثر من 24 جنيهاً، عقب التعويم الثاني الذي شهدته مصر لعملتها هذا العام.

ثانيا: -أهداف الحكومة المصرية من الحصول على القرض:

1-سد الفجوة الدولارية وتسهيل الحصول على قروض أخرى:

وهدفت ادارة السيسي من وراء القرض، سد الفجوة الدولارية الحالية، وأن يمنح الاقتصاد المصري الثقة الغائبة، لهدف رئيسي، وهو الحصول على قروض أخرى من دول وبنوك ومؤسسات إقليمية ودولية حيث تتعاظم الفجوة الدولارية حتى نهاية العام المالي الجاري نحو 45 مليار دولار..

2-علاج الأزمة الاقتصادية الممتدة:

وسعت الحكومة من وراء القرض لحل مشكلة هبوط سعر صرف الجنيه المصري مقابل الدولار، وتراجع الاحتياطي النقدي الأجنبي وصدمات ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة وباقي الضغوط الاقتصادية الناجمة عن الحرب الروسية الأوكرانية واضطراب سلاسل التوريد.

3- تركيز حكومي على الاقتراض من الصندوق :

ووضعت الحكومة أملاً كبيراً في هذا القرض، فعلى مدار الشهور التسعة الماضية، لم يمر يوم واحد تقريباً دون أن يخرج مسؤولو الحكومة، وبالأخص وزير المالية، للحديث عن قرض صندوق النقد الدولي، ولم يفوّت أي فرصة للحديث عن آخر مستجدات المفاوضات التي كانت جارية بين مصر والصندوق وأيضا رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، لم يبخل بالإدلاء بتصريحات عن آخر تطورات القرض، وبالطبع فإن قرض صندوق النقد الدولي كان الملف الرئيسي لكل من طارق عامر محافظ البنك المركزي السابق، وحسن عبد الله رئيسه الحالي.

وبلغت ذروة ما يمثله القرض من أهمية لمصر، التي يعاني اقتصادها من أزمة اقتصادية غير مسبوقة، عندما طالب عبد الفتاح السيسي خلال زيارته إلى ألمانيا وساطة الدول الأوروبية ودعمها للضغط على صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للتخلي عن شروط الإقراض الصعبة ففي المؤتمر الصحفي الذي أقيم في العاصمة الألمانية برلين، في 18 يوليو 2022، دعا السيسي  “أصدقاءنا في أوروبا لإيصال رسالة إلى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بأن الواقع الموجود في بلادنا لا يحتمل المعايير المعمول بها خلال هذه المرحلة وحتى تنتهي هذه الأزمة”.

وزاد من رهان الحكومة على الحصول عل القرض، تراجع الاحتياطيات الأجنبية، وفجوة تمويلية تتراوح ما بين 40 و45 مليار دولار للأشهر الـ12 المقبلة، مما جعل هناك صعوبة في تغطية فاتورة الواردات دفعها إلى إغلاق الاستيراد، والأهم من ذلك ارتفاع الدين الخارجي.

-تعويض هروب 20 مليار دولار من السوق المصري:

وأيضا سعت الحكومة لتعويض الضربات الاقتصادية التي قصمت ظهرها، بعد هروب 20 مليار دولار من السوق المصري، خيث باع الأجانب السندات وأذون الخزانة المصرية بأقل من سعرها، هربا من الانهيار الاقتصادي، وطلبا لمزيد من الفوائد والأرباح بعد توجهات البنك الفيدرالي الأمريكي، لرفع الفائدة على الدولار، وهو ما جذب الأموال الساخنة إلى السوق الأمريكية من الأسواق الناشئة وفي مقدمتها مصر..

ومع فشل مشاريع الاستثمارات المحلية بعد أن غابت التنافسية عن السوق المصرية التي باتت في قبضة الجيش، وهو عامل اضافي لتطفيش رأس المال من السوق المصري، فلم يجد السيسي ونظامه أي مخرج سوى الاقتراض  من الصناديق الدولية التي باتت أكثر تشددا في اشتراطاتها أمام الاقتصاد المصري المنهار..

5-تعويض الانصراف الحليجي عن اقراض مصر:

وهو الأمر الذي اشتكى منه السيسي نفسه، خلال المؤتمر الاقتصادي مصر 2022، حيث أطد رفض الكثير من دول الخليج اقراض مصر أو تمويل البنك المركوي المصري بودائع دولارية لوقف نزيف الاقتصاد، مستعيضة عن ذلك بالتوسع في شراء الأصول المصرية من شركات رابحة، وهو ما تناغمت معه الحكومة المصرية باعلان نيتها لتنفيذ خطة واسعة لبيع الأصول المصرية والتخلي عن ملكية الدولة عن قطاعات عديدة، مسستهدفة جمع 40 مليار دولار ، حتى نهاية العام المالي الحالي…

وقد توسعت الامارات في شراء العديد من أصول الدولة المصرية، خاصة في مناطق قناة السويس والقاهرة ، والسيطرة التامة على قطاعات حيوية، باتت تقلق قيادات عسكرية، كقطاع الأدوية والصحة والموانئ والأراضي في المناطق الاستراتيجية..

ثالثا-اشتراطات صندوق النقد الدولي:

1-رفع أسعار الفائدة البنكية:

وضمن اتفاقات تمهيدية للموافقة على القرض، أعلن البنك المركزي المصري، يوم الخميس 27 أكتوبر الماضي، رفع سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة، وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي بواقع 200 نقطة أساس، ليصل إلى 13.25% و14.25% و13.75% على الترتيب، كما تم رفع سعر الائتمان والخصم بواقع 200 نقطة أساس، ليصل إلى 13.75% وجاء ذلك بعد اجتماع “استثنائي” للجنة السياسة النقدية، والتي أشارت إلى أن القرار يأتي “من أجل دعم هدف استقرار الأسعار على المدى المتوسط”.

2- تعويم الجنية:

وترافقت موافقة  صندوق النقد الدولي على اقراض مصر، مع تعويم الجنية، حيث أصدر البنك المركزي بياناً، يوم الخميس 27 أكتوبر 2022، أعلن فيه إجراءات اسماها بـ”إصلاحية لضمان استقرار الاقتصاد الكلي، وتحقيق نمو اقتصادي مستدام وشامل”، تضمنت تحرير سعر صرف الجنيه المصري مقابل العملات الأجنبية الأخرى، وذلك بناء على قوى العرض والطلب.

وقرر البنك المركزي رفع سعر الفائدة (الائتمان والخصم) بواقع 200 نقطة أساس ليصل إلى 13.75%.

وأضاف البنك المركزي أن الهدف من رفع أسعار العائد هو احتواء الضغوط التضخمية الناجمة عن جانب الطلب وارتفاع معدل نمو السيولة المحلية والتوقعات التضخمية والآثار الثانوية لصدمات العرض وتابع البنك المركزي في بيانه: أنه تحقيقاً لذلك سيعكس سعر الصرف قيمة الجنيه المصري مقابل العملات الأجنبية الأخرى، بواسطة قوى العرض والطلب، في إطار نظام سعر صرف مرن، مع إعطاء الأولوية للهدف الأساسي للبنك المركزي، والمتمثل في تحقيق استقرار الأسعار، وبالتالي سيمكن ذلك البنك المركزي المصري من العمل على تكوين والحفاظ على مستويات كافية من الاحتياطيات الأجنبية.

البيان أضاف أنه سيقوم البنك المركزي المصري بإلغاء تدريجي للتعليمات الصادرة بتاريخ 13 فبراير 2022، والخاصة باستخدام الاعتمادات المستندية في عمليات تمويل الاستيراد، حتى إتمام الإلغاء الكامل لها، في ديسمبر 2022.

ويعد ذلك بمثابة حافز لدعم النشاط الاقتصادي على المدى المتوسط، كما سيعمل البنك المركزي على بناء وتطوير سوق المشتقات المالية، بهدف تعميق سوق الصرف الأجنبي، ورفع مستويات السيولة بالعملة الأجنبية.

3-تحجيم اقتصاد المؤسسة العسكرية:

وهو الشرط الذي تعثر الاتفاق عليه، على اثر خلاف بين القيادات العسكري والرئاسة المصرية، حيث رفض الجيش التخلي عن ما اسماه “عرق الجيش”، وهو أحد أسباب طول فترة التفاوض بين الصندوق والحكومة المصرية، وأيضا قلل حجم القرض من 20 مليار دولار إلى 3 مليار دولار…

وهو م سيؤثر سلبا على حركة الاستثمارات في مصر، لما يمقله من إهدار لقيم التنافسية والشفافية في الإجراءات الاقتصادية، حيث يتم ترسية المناقصات والمشاريع للجيش عبر الأمر المباشر، واعفائه من الضرائب والرسوم بجانب تشغيل المجندين بلمجان، ما يمثل ميزة كبرى تقتل التنافسية وتصعب منافسته من قبل الشركات الخاثة..

4-تقليص الدعم الحكومي:

وكانت الحكومة المصرية قد دخلت المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، بسقف طموحات مرتفع، بشأن قيمة القرض الذي ترغب في الحصول عليه.

وذلك بطلب قرض بقيمة 20 مليار دولار، قبل أن تنخفض القيمة تدريجياً خلال جولات المفاوضات، لتصل إلى الرقم المعلن عنه خلال المؤتمر الصحفي الخميس 2 أكتوبر والمقدر بـ3 مليارات مباشرة من الصندوق والسبب وراء تراجع قيمة القرض، كان عدم قدرة الحكومة المصرية على الالتزام بمجموعة من شروط الصندوق، كانت السبب الرئيس وراء هذا التباين الكبير بين ما طلبته من بعثة الصندوق، والرقم النهائي الذي تمّت الموافقة عليه..

أحد الأسباب الرئيسية وراء قرار تحديد الصندوق لرقم الثلاثة مليارات دولار، “مرتبط بعدم قدرة الحكومة المصرية على إلغاء بعض بنود الدعم المقدم للشرائح المجتمعية الأكثر عدداً في البلاد، وعلى رأسها دعم الخبز.

وذلك على الرغم من إيمان مستويات صناعة القرار في مصر، بضرورة التحلّل تدريجياً من الدعم المقدم من الحكومة للمواطنين، إلا أنها في الوقت ذاته تتعامل مع هذا الملف بحذر شديد، خصوصاً في ظلّ الأزمة الاقتصادية الراهنة، وتصاعد دعوات الاحتجاج، وتنامي حالة الغضب الشعبي بسبب تردي الأوضاع المعيشية، وارتفاع الأسعار لمستويات مرتفعة..

وكانت بعثة الصندوق تتمسك بضرورة تقديم الحكومة المصرية تصوراً أكثر صرامة تجاه ملف دعم الخبز والمواد التموينية والطاقة فيما الطرف الحكومي، شدّد على صعوبة المساس الحاد بهذه البنود نظراً لما قد تسبّبه من أزمة سياسية أعمق، تطاول السلام المجتمعي والاستقرار السياسي…

وفي منتصف يونيو الماضي، ذكر وزير المالية المصري محمد معيط أن الموازنة الجديدة تتضمن تخصيص 356 مليار جنيه (15 مليار دولار) لباب الدعم والحماية الاجتماعية، تضمنت تخصيص 90 مليار جنيه (حوالي 4 مليارات دولار) لدعم السلع التموينية ورغيف الخبز لضمان توفرها لنحو 71 مليون مواطن، و22 مليار جنيه لبرنامج “تكافل وكرامة”، تتضمن زيادة المستفيدين من البرنامج لأربعة ملايين أسرة.

وكانت الحكومة قد نفت مؤخرا، ما تردد من أنباء بشأن عزمها إلغاء الدعم العيني للخبز وتحويله إلى دعم نقدي، تزامناً مع الأزمة الاقتصادية العالمية.

وأكدت وزارة التموين والتجارة الداخلية، استمرار الدعم العيني للخبز كما هو من دون أي تغيير في المنظومة، حيث يتم صرف الخبز المدعم للمواطنين على البطاقات التموينية بواقع 5 أرغفة يومياً لكل فرد بمعدل 150 رغيفاً للمواطن شهرياً.

رابعا:أثمان باهظة للقرض:

1-قرارات غير مجدية للحماية الاجتماعية:

عملاً بمبدأ من “المداواة قبل الصدمة”، أعلنت الحكومة في 26 أكتوبر ، عن حزمة إنفاق اجتماعي بقيمة 67 مليار جنيه، ورفع الحد الأدنى للأجور الحكومية والمعاشات، بنحو 300 جنيه؛ ليصبح 3 آلاف جنيه بدلاً من 2700 جنيه.

فوفقاً لوزير المالية محمد معيط، سيتم إقرار علاوة “غلاء معيشة” استثنائية، تُصرف بفئات مالية مقطوعة بمبلغ 300 جنيه شهرياً لكل المستويات الوظيفية، بدءاً من الدرجة السادسة وحتى الدرجة الممتازة، لجميع العاملين بوحدات الجهاز الإداري للدولة، وهذه المنحة الاستثنائية تشمل أيضاً أصحاب المعاشات، على أن يتم تطبيق تلك الزيادات بدءاً من شهر نوفمبر 2022..

كما أرجأت مصر رفع أسعار المحروقات والكهرباء، ومددت برنامجاً لدعم السلع التموينية، إلا أنه في 27 أكتوبر، استيقظ المصريون على الصدمة المنتظرة بإعلان البنك المركزي المصري تحرير سعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية، أصدر قرارات أخرى تضمنت رفع سعر الفائدة 2% على الإيداع والإقراض، بهدف مواجهة الارتفاع الجنوني للتضخم الذي سيحدث بعد انخفاض قيمة العملة.

وخلال الفترة المقبلة من المتوقع اتخاذ قرارات أكثر إيلاماً للمواطنين من قبيل زيادة أسعار البنزين والكهرباء والخبز المدعم وهو ما يقوض آثار الاجراءات الحمائية الحكومية لمواجهة انفلات الأسعار والتضخم بل إن مسئولين حكوميين، صرحوا بعدد من القرارات المقوضة لسلسلة الاجراءات الحمائية، من عينة عدم شمول موظفي القطاع الخاص المقدر عددهم بنحو 30 مليون مصري بااستحقاق صرف العلاوة الاستثنائية، المقدرة بـ300 جنيها، وأيضا عدم حثول الموظفين الحكوميين على العلاوة الاستثنائية من الذين يتقاضون بدل غلاء معيشة، وهو الأمر الذي أثار مزيدا من الغموض وعدم اليقين حول قرارات الحكومة..

2- زيادات سعرية غير مسبوقة وغير منضبطة:

ومع تزايد أعبء الديون والعجز في الموازنة المصرية، تبدو الحكومة عاجزة مستقبلاً عن تقديم الدعم الكافي للمواطن في ظل ارتفاع معدلات التضخم عالمياً ومحلياً، وذلك نتيجة تسخير أغلب إيرادات الدولة وتوظيفها في مخصصات أقساط الدين وفوائده على حساب المخصصات التي تلمس المواطن بالدرجة الأولى، كالدعم والأجور والصحة والتعليم.

فوسط تداعيات التضخم العالمي التي تنعكس على الأسعار في الداخل؛ تشهد السلع في السوق المصرية ارتفاعاً ملحوظاً، فنتيجة ارتفاع أسعار الأعلاف التي تستوردها مصر، والتي بلغ سعرها محلياً 11500 جنيه للطن بعد زيادته بنحو 2500 جنيه خلال شهر واحد، ارتفعت أسعار الدواجن واللحوم بنحو 5.4% خلال شهر أبريل الماضي، ومن المتوقع أن تشهد مزيداً من الارتفاع وتحركت أسعار مئات السلع لأعلى بنحو 30 %، وخاصة السلع الغذائية والزيوت والمنظفات والأدوية وفيرها.

فيما أوقفت الكثير من الشركات عملياتها التجارية والبيع، حتى اعتماد تسعيرة جدبدة وفق اسعار الدولار المتزايدة امام الجنية، ومنها شركات الحديد والصلب والسيارات والملابس وغيرها…

3-تأثيرات أكبر وأشد من قرار التعويم المترافق مع قر 2016:

ولمعرفة إلى أي مدى سيدفع المصريون ثمن القرض الجديد، والتعويم المرن الذي أقدمت عليه الحكومة، والذي يمكن توقعه مع مطالعة النتائج السابقة التي ترافقت مع قرض العام 2016، والذي وصلت قيمته إلى 12 مليار دولار وتضمن برنامج الصندوق الذي استمر 3 سنوات.

وبدأت مصر سريعاً في تنفيذ العديد من الإجراءات الصادمة، ومنها خفض دعم الطاقة، تحديد ضريبة القيمة المضافة، وتحرير سعر صرف الجنيه المصري وتركه للعرض والطلب، ورفع سعر الفائدة بنسبة 3%.

بالإضافة إلى حزمة أخرى من القرارات ذاق المصريون مرارتها، من تخفيض قيمة الدعم على المشتقات البترولية التي تشمل وقود السيارات والمنازل.

وكذلك رفع سعر تذكرة مترو الأنفاق والمواصلات العامة، وتخفيض الدعم على الكهرباء سواء للأغراض المنزلية أو الصناعية.وتمثلت صدامية هذه السياسات، في فقدان معظم المصريين قيمة مدخراتهم وانخفاض قيمة الدخل الأساسي إلى مستويات متدنية، ولا يمكن للأرقام والإحصاءات وحدها أن تصور كارثية تبني سياسات صندوق النقد الدولي على الأوضاع المعيشية للمصريين.

وأدى ما كان يدعى بالإصلاحات الاقتصادية إلى ارتفاع معدلات التضخم خلال الشهور التي تلت قرار التعويم حتى وصلت إلى نحو 35%.

وبعد أن كان قيمة الدولار 8.86 جنيه قبل التعويم، وهوى بعدها بشكل متسارع إلى 18.89 جنيه، وفي تقرير للبنك الدولي، أشار إلى أن الإصلاحات الاقتصادية التي انتهجتها الحكومة المصرية منذ 2016 أثرت سلباً على الطبقة المتوسطة، وأدت إلى ارتفاع نسبة الفقر إلى 32.5% بعد أن كانت 27.7%، وأن هناك تفاوتات جغرافية كبيرة في معدلات الفقر جعلتها تصل في بعض المحافظات إلى نسبة 60%.

وكان البنك الدولي قد أصدر بياناً في شهر مايو2019، يتناول فيه برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي يتم بالتنسيق مع صندوق النقد الدولي منذ 2016، وقال إن نحو 60% من سكان مصر إما فقراء أو عرضة للفقر.

تبدو هذه الأرقام أكثر صدمة، ولربما رعباً، عندما يضاف إليها توقع خبراء الاقتصاد بأن يزيد هذا العدد بشكل أكبر بعد القرارات التي اتخذتها الحكومة مؤخراً.

وأشارت دراسة للدكتورة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة بني سويف، هند مرسي، أن توزيع الدخل الحقيقي في مصر يظهر أن أكثر من 50% من المواطنين يعيشون تحت خط الفقر العالمي الذي يعادل ما يقرب من 31 جنيهاً يومياً للفرد.

وتشير الدراسة إلى أن ارتفاع خط الفقر القومي في مصر يعود إلى تدهور قيمة الجنيه بسبب السياسات الحكومية منذ 2014، التي أدت إلى تدهور مستويات المعيشة، وتحول فئات من الطبقة الوسطى المصرية إلى فقراء، بارتفاع قيمة خط الفقر.

لأن انخفاض قيمة الجنيه المصري يعني عملياً انخفاض القوة الشرائية للجنيه في مقابل السلع المختلفة محلياً وخارجياً. ما يؤدي إلى زيادة معدلات الفقر، واتساع نطاق الفئات والطبقات المهمشة وزيادة فرص عدم المساواة الاجتماعية.

4- زيادة التضخم:

وفي حين أنَّ السماح بتحديد سعر الصرف بناءً على قوى السوق يمكن أن يساعد في جذب المزيد من الاستثمار الأجنبي في مصر، يرجح المحللون أيضاً أنه سيزيد الضغط على التضخم، الذي وصل إلى أعلى مستوى له خلال أربع سنوات عند 15% في سبتمبر على خلفية ارتفاع أسعار الغذاء وتكاليف الوقود.

وتبقى  التكلفة قصيرة الأجل لتعويم الجنية هي مزيد من الألم للمستهلكين المصريين؛ نظراً لأن ضعف الجنيه يقوض قوتهم الشرائية، في ظل اعتماد السوق المصري على أكثر من 70 % من احتياجاته من الاستيراد من الخارج.

5- انهيار القوة الشرائية للجنية:

وبقرار التعويم الجديد الذي بلغت نسبته حوالي 16%، تصل نسبة انخفاض الجنيه المصري أمام الدولار خلال العام الحالي 46%، حيث جرى خفض قيمة الجنيه المصري أمام الدولار في مارس  الماضي بنسبة 16%، واستمر الانخفاض التدريجي خلال الشهور التالية بحوالي 8%، حتى الخفض الذي جرى .

6- زيادة تكلفة التمويل:

ويظل الأثر الأكبر الأسعار بالأسواق، في ضوء استيراد مصر حوالي 60% من الغذاء في مصر، وكذلك كون الصناعة المصرية تعتمد على نسبة 61% من مكوناتها من خلال الاستيراد، حسب بيانات النصف الأول من العام الحالي، مما يعني رفع الأسعار المحلية، والذي سيدعمه رفع نسبة الفائدة 2% مما يزيد من تكلفة التمويل أيضاً لدى الشركات.

ومع ارتفاع الأسعار يقوم الحرفيون ومقدمو الخدمات من أطباء ومحامين ومهندسين وغيرهم برفع أسعار خدماتهم، للحصول على دخل يكفل لهم الحصول على نفس سلة الغذاء والخدمات التي كانوا يحصلون عليها قبل التعويم، مما يزيد من نطاق ارتفاع أسعار السلع والخدمات حتى للسلع غير المستوردة.

7- تأخر مشروعات البنية الأساسية التي تقوم بها الحكومة:

وذلك نتيجة قيام وزارة المالية بخفض مخصصات الاستثمارات الحكومية، فزيادة نسبة الفائدة بمعدل 1% تزيد من تكلفة خدمة الدين الحكومي بالموازنة بنحو 28 مليار جنيه حسب بيانات وزارة المالية، وبالتالي فإن زيادة الفائدة 2% معناها إضافة 56 مليار جنيه إلى مخصصات الفائدة بالموازنة، البالغة قبل هذا الرفع للفائدة 690 مليار جنيه.

ولأن موازنة العام المالي الحالي 2022/2023 توجه نسبة 54% من الإنفاق بها إلى خدمة الدين الحكومي من فوائد وأقساط، فإن رفع الفائدة سيزيد من ذلك وهو ما يأتي على حساب خفض نفقات الدعم والاستثمارات، من مدارس ومستشفيات وطرق وبنية أساسية، وشراء السلع والخدمات التي تتجه للجهات الحكومية، مثل المستلزمات الطبية بالمستشفيات الحكومية والمستلزمات التعليمية بالمدارس الحكومية وحتى مدى توافر ورق الطباعة بالجهات الحكومية لأداء الخدمات وغير ذلك.

8 -خفض قادم لدعم المحروقات :

وإذا كانت الحكومة قد أجلت خفض دعم المحروقات، الذي كان مقرراً ببداية الشهر الحالي إلى بداية العام الجديد كما قالت، فربما تقوم برفع تلك الأسعار بعد انتهاء مؤتمر المناخ العالمي بشرم الشيخ في 18 نوفمبرالجاري، وكذلك بعد مرور توقيت الدعوة إلى التظاهر المقرر له يوم 11 نوفمبر، كما أجلت زيادة أسعار الكهرباء إلى يونيو من العام القادم، لتجزئة تنفيذ طلبات الصندوق بخفض الدعم.

وربما تعوض ذلك من خلال وقف المبادرات المصرفية التي تقوم على أسعار فائدة لبعض الأنشطة أقل من أسعار الفائدة بالسوق، أو فرض المزيد من الرسوم التي لم يتوقف فرضها منذ الاتفاق مع الصندوق عام 2016 وحتى الآن، سواء من جانب الوزارات والهيئات الحكومية أو المحليات، حتى كانت مثار شكوى رجال الأعمال خلال جلسات المؤتمر الاقتصادى الأخير لما تسببه من إرباك لحسابات الشركات.

سادسا: جدوى القرض الجديد في مداواة الأزمة الاقتصادية:

1-تدني قيمة القرض لـ3 مليار دولار أمام الفجوة التمويلية الكبيرة:

ولعل النظرة التقييمية الأولى لمردود القرض الجديد على الاقتصاد المصري، تبدو كارثية، نظرا لقلة قيمة القرض إلى 3 مليار دولار، وزيادة الفجوة التمويلية لنحو 45 مليار دولار.

وفي هذا السياق، كانت تقارير صندوق النقد الدولي خلال تنفيذ الإجراءات الاقتصادية  الصعبة على المواطنين، عقب قرض 2016، تثني على الاقتصاد المصري وانضباط الحكومة في تنفيذ برنامجها، على أساس أنه سيعود عليها بمزيد من النمو وارتفاع الاستثمارات الأجنبية وزيادة الصادرات المصرية.. ولكن أي الوعود الآن؟

فبعد قيام مصر في 2016 بتنفيذ “روشتة” الصندوق وتحرير سعر العملة، كان من شأن هذه الإجراءات الصعبة والضاغطة على حياة المواطنين، زادت من جاذبية مصر للمستثمرين الأجانب، بالنظر إلى أسعار الفائدة المرتفعة في مصر، وقام الأجانب بضخ مليارات الدولارات في سوق ديونها.

واعتمدت مصر على هذه الأموال في تسديد الديون وفوائدها وتمويل فاتورة الواردات المرتفعة، وقبل بداية عام 2022 كانت الحكومة متفائلة، وترى أن هذه الاستثمارات كانت نتيجة إيجابية للسياسة التي انتهجتها.

لكن كل شيء تغير مع بدء الحرب الروسية الأوكرانية، التي تسببت في هروب 20 مليار دولار من الأموال الساخنة، ووجدت الحكومة نفسها في ورطة سداد عشرات المليارات من ديون وفوائد لم تتوقع الاضطرار لها قبل الحرب، وخرج وزير المالية محمد معيط وأظهر أن الحكومة المصرية أخطأت، لأنها اعتمدت على الأموال الساخنة.

الأمر الذي يمكن أن يعني أن كل المعاناة التي تكبدها المواطن المصري، على أثر سياسات الحكومة الصادمة خلال تنفيذ برنامج الصندوق منذ 2016، والمرشحة الآن للتكرار، ذهبت بلا طائل بعد قيام المستثمرين الأجانب بالهروب بأموالهم من مصر، وبعد كل ما قدمته الحكومة المصرية من وعود بأن الاقتصاد المصري تحسن وأصبح أكثر جاذبية للاستثمار الأجنبي.

ظهر بعد ذلك أن المواطن تكبد المعاناة دون أن يجني الفائدة في تحسن أحواله المعيشية، أو تحسن الاقتصاد المصري، الأمر الذي يدعو إلى التساؤل عن الفائدة التي سيجنيها المواطن من تكبده الصدمة والمعاناة القادمة على أثر  قيام مصر مرة اخرى بتنفيذ سياسات الصندوق، وهل هي مثل سابقتها معاناة بلا جدوى أو فائدة؟

ومن المؤشرات المثيرة للقلق بالنسبة للاقتصاد المصري، أن القرض أقل بشكل كبير من القرض الذي تم خلال عملية التعويم الأولى في عهد عبد الفتاح السيسي، والذي تضمن قرضاً قيمته 12 مليار دولار على ثلاث شرائح من صندوق النقد وحده إلى جانب مليارات من القروض من شركاء مصر الدوليين من دول عربية وغربية إضافة للصين.

بينما في الوقت الحالي أصبح الاقتصاد المصري أكبر حجماً، كما زادت الديون الخارجية بشكل كبير؛ مما يجعل هناك حاجة لكتلة نقدية أكبر لحل الفجوة الدولارية.

ومع تكرار الأزمات، فإن القرض الجديد، يفاقم ديون مصر ويرفعها بصورة غير مسبوقة، تقدر بنحو 190 مليار دولار حتى نهاية العام، ولا يجذب استثثمارات جديدة لمصر ، في ظل عد الاستقرار المالي والاقتصادي، وجاذبية الأسواق الغربية الأكثر استقرارا عن مصر.

ويبقى الحقيقة الاقتصادية أن تحسن الاقتصاد مرتبط بزيادة الانتاج وتخليق فرص العمل  وزيادة الصادرات وتوطين الصماعات هو الحل الأنجع  للاقتصاد المصري المأزوم.

2-سياسات مالية فاشلة أمام أسعار صرف الجنية:

ولعل ما يضرب فكرة قدرة القرض الجديد على حلحلة الأزمة الاقتصادية، هو الخبرات المريرة لادارة اقتصاد مصر بعد الحصول على قرض الـ12 مليار دولار عام 2016، ويرى الخبراء أن مصر تراجعت عن التعويم الذي نفذ عام 2016 خاصة بعد أن تلقت شرائح صندوق النقد الثلاث.

فلقد تم تثبيت سعر العملة ليصبح في حدود 18 أو 17 جنيهاً للدولار لنحو عامين قبل أن يتراجع الدولار أمام الجنيه المصري ليستقر لبضعة أعوام عند سعر يدور حول 15.5 جنيه.

واعتبر كثير من الاقتصاديين في ذلك الوقت أن الحكومة بخفضها لقيمة الجنيه أمام الدولار، قامت بالخطوة الصعبة والمؤلمة، ولكنها عادت لتثبيته لسنوات، وهو ما يعني أنها قد تخلت عن المفهوم العلمي لتحرير سعر الصرف وهو أن يتحدد سعر العملة وفقاً لآليات العرض والطلب، وأنه لجأت بدلاً من التعويم إلى أشكال تثبيت سعر صرف الجنيه المصري أو التعويم المدار في أفضل التقديرات.

وأدى ذلك إلى انخفاض التضخم ولكنه في الوقت ذاته أضعف تنافسية الصادرات المصرية وعزز تنافسية الوارادت القادمة من الخارج.

وأدت قوة العملة المصرية خلال تلك السنوات، وارتفاع الفائدة عليها في ذلك الوقت، إلى تحول مصر إلى واحد من المقاصد المفضلة للأموال الساخنة، التي حققت أرباحاً لا مثيل لها من حيازة الجنيه المصري في تلك الفترة؛ حيث حققت مكسباً مزدوجاً من شرائها العملة المصرية رخيصة عند سعر 18 جنيهاً للدولار، ثم باعتها بسعر 15.5 مع بدء الأزمة الأوكرانية، إضافة للمكاسب المتحققة من سعر الفائدة المرتفع خلال هذه السنوات؛ مما جعل الاستثمار في العملة المصرية بين عامي 2016 و2021 أفضل من أي عملة أخرى.

ونتيجة لهذه السياسات النقدية التي صاحبها توسع في المشروعات القومية وتراجع دور القطاع الخاص، ارتفعت الديون بشكل كبير، وكانت مصر تلجأ لسوق الدين الخارجي لسداد الديون القديمة، ولكن مع حدوث الأزمة الأوكرانية هربت هذه الأموال الساخنة من الأسواق الناشئة، وبدأت مصر تعاني من نقص كبير في احتياطياتها الدولارية وزاد من هذه الأزمة أن مصر عليها التزامات خارجية تكاثرت بعد التعويم الأول بسبب التوسع في الاقتراض والذي أنفق أغلبه في مشروعات البنية الأساسية التي لا تدر دخلاً بالدولار.

وبعد الأزمة الأوكرانية، وتحديداً في 21 مارس 2022، نفذت مصر ما يمكن وصفه بالتعويم الثاني، ولكنه كان جزئياً؛ حيث خفضت قيمة الجنيه المصري أمام الدولار بنحو 15% ليصل الدولار إلى 18.15 و18.29، بحسب بيانات البنك المركزي، بدلاً من 15.74 جنيه. وتزامن ذلك مع رفع سعر الفائدة بنسبة 1%.

ومنذ ذلك الوقت، تزايد سعر الصرف الرسمي  للدولار أمام الجنيه بشكل بطيء، فيما فرضت الحكومة قيوداً شديدة على الاستيراد، أفضت لوقف فعلي لتوريد بعض المنتجات وارتفاع حاد في الأسعار.

وبدأت تعود السوق السوداء أو السوق الموازية فيما كان سعر الجنيه مقابل سعر الدولار يدور حول 19.7، فإنه كان يدور حول 22 جنيهاً في السوق الموازية، ووصل إلى 23 جنيهاً للدولار.

ولكن يعتقد أن من أسباب عدم ازدياد الفجوة بين السوق الموازية والسعر الرسمي بشكل كبير هو تقييد الحكومة المصرية بطريقة غير مسبوقة للواردات الخارجية، وهو الأمر الذي حال دون انحدار الجنيه، ولكنه أدى في المقابل إلى نقص للسلع وارتفاع في أسعارها في كثير من الأحيان بشكل رأى البعض أنه يفوق حتى قيمة الدولار في السوق الموازية، بل يفوق قيمة الدولار المفترضة لو تم تحرير الجنيه.

ومع التعويم الثالث، سيتأثر أسعار السلع الأساسية والتي كانت تفرض الحكومة تقييما ثابتا لها مرتبطا بأسعار البنوك الرسمية للدولار، وهو ما سيمس كل الشب المصري، وهو ما يؤكد تصاعد الأزمة الاقتصادية وليس حلها، مع زيادة التضخم في الأسواق..

سابعا: تحديات ما بعد التعويم:

وفي ظل تفاقم الديون الخارجية وهروب الأموال الساخنة، ستزداد الفجوة التمويلية، وقد تكون أكثر وطأة على الاقتصاد المصري من فجوة عام 2016، كما أن ردات فعل السوق السلبية على التعويم واحتمال حدوث انتشار حالة خوف من الجنيه المصري قد تؤدي إلى ارتفاع مبالغ فيه للدولار (وهي سمة أساسية لأزمات العملة).

في المقابل فإن تراجع دور القطاع الخاص في الاقتصاد وتراجع معدلات الاستهلاك الخاص وتأثير الأزمات السابقة، وارتفاع الضرائب والأسعار في السنوات السابقة، قد قلل السيولة في أيدي المواطنين والقطاع الخاص بشكل قد يحد من موجة التضخم المتوقعة، خاصة أن البنك المركزي قام بإجراءات لتقليل السيولة لدى البنوك.

فعلى عكس ما حدث في تعويم 2016، لم يلاحظ في مصر حالة تهافت على شراء العقارات والسيارات والتي تعد في نظر الكثيرين وسيلة للحفاظ على قيمة النقود.

لكن في الأزمة الحالية لم يحدث إقبال على العقار بينما حدث بعض الإقبال على شراء السيارات ولكن بمعدلات أقل، خاصة أن الحكومة استبقت الأزمة بفرض قيود على استيرادها في وقت مبكر.

كما كان لافتاً أنه على عكس أزمات سابقة لم يحدث إقبال كبير على شراء الدولارات من قبل المواطنين المصريين، وهي ظاهرة كانت واضحة في عام 2016 لدرجة أن ربات البيوت المصريات كن يحولن مدخراتهن إلى الدولار في ذلك الوقت.

في كل الأحوال، فإن المؤكد أن مصر سوف تشهد موجة تضخم جديدة، ولكنها قد تكون أقل من عام 2016، وذلك لأن جزءاً من التضخم قد حدث بالفعل خلال الأشهر الماضية (بعضه تضخم مستورد من الخارج)، كما أن عملية التعويم تتم بشكل تدريجي مقارنة بـ2016، حين أعلن محافظ البنك المركزي طارق عامر في ذلك الوقت، تخفيض الجنيه من سعره الرسمي آنذاك 8.9 للدولار إلى نحو 13 جنيهاً أي بنسبة تدور حول 50% ثم سرعان ما وصلت الدولار إلى 18 جنيهاً، أي أن الجنيه فقد 100% من قيمته أمام الدولار في ذلك الوقت.

ولكنه منذ التعويم الثاني في مارس الماضي، تسعى السلطات لإبطاء وتيرة تراجع الجنيه، حتى في السوق الموازية حتى لو كان الثمن نقص السلع.

ويظل التحدي الرئيسي أمام الحكومة المصرية هو قدرتها على إعادة الاستيراد لوضعه الطبيعي، وهل يؤدي ذلك الى تهافت على العملة الأجنبية يُفاقم تدهور الجنيه المصري، وأن يتم إجراء ذلك بشكل تدريجي وفعال بحيث يؤدي إلى فتح الأسواق وعودة الحركة التجارية بدون تهديد الجنيه المصري.

كما تواجه الحكومة المصرية تحدياً آخر هو استعادة ثقة المستثمرين الأجانب ومنهم حتى مستثمري الأموال الساخنة ليضخوا استثماراتهم في الأوراق المالية المصرية لمعالجة فجوة التمويل الموجودة حالياً لتمكين الحكومة من توفير الدولار للسوق المحلي وديونها الخارجية.

وفي الوقت ذاته، فإن الحكومة مطالبة بتوفير مناخ استثماري ايجابي لدخول رأس المال المباشر لتقديم قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد المصري، بعض التحديات قد تكون أكبر مما كانت عليه في 2016

بالطبع هناك شكوك من مجتمع الأعمال المحلي والدولي والدول الداعمة في مدى التزام الحكومة المصرية بهذه الأجندة هذه المرة، في ظل تراجعها عن التعويم الذي تم في 2016 وإخفاقها في توفير ظروف استثمارية ملائمة للقطاع الخاص المحلي والخارجي، مقابل صعود دور شركات الجيش والتركيز على المشروعات القومية الكبرى.

كما يزيد من الأعباء على الاقتصاد هذه المرة مقارنة بتعويم 2016، أن حجم قرض المقدم من صندوق النقد الدولي، أقل من المرة السابقة خاصة أن مصر قد استنفدت أرصدتها لدى الصندوق واضطرت إلى اللجوء إلى برامج جانبية من الصندوق لتمويل الحزمة الجديدة.

وتتطلع القاهرة إلى دعم دول الخليج العربية التي تحسنت موازنتها العامة بفضل ارتفاع أسعار النفط والغاز، ولكن من الواضح أن هذه الدول تميل هذه المرة إلى أن يكون دعمها لمصر في شكل الاستثمارات أكثر منه مساعدات اقتصادية.

وفي كل الأحوال، يظل تحقيق تنمية مستدامة لمصر مرتبطاً بسياسات اقتصادية مشجعة للإنتاج المحلي وللاستثمار الداخلي والخارجي ومحددة لدور الدولة في سياقه الطبيعي القائم على تنظيمها للمنافسة وتنفيذ مشروعات البنية الأساسية الواقعية والضرورية والمدروسة بشكل علمي بناء على احتياجات وإمكانيات البلاد.

ثامنا: مخاطر ما بعد التعويم والاقتراض:

وأمام التحديات  المستقبلية وما تستلزمه من معالجات اقتصادية ومالية، تبرز العديد من المخاطر حول مستقبل الاقتصاد المصري، في المرحلة المقبلة.. ومنها:

1-زيادة الديون:

ومع القرض الجديد، باتت مصر ثاني أكبر مستدين من صندوق النقد الدولي بعد الأرجنتين، ويعد القرض الجديد، هو  الرابع منذ تولي عبد الفتاح السيسي السلطة في انقلاب عام 2013.

وباتت مصر مدينة للمؤسسات متعددة الأطراف بنحو 52 مليار دولار. في السنوات العشر الماضية، وارتفع الدين الخارجي لمصر من 37 مليار دولار عام 2010 إلى ما يقرب من 158 مليار دولار في مارس الماضي، ويعتقد اقتصاديون أنه سيتجاوز 190 مليار دولار بحلول نهاية العام.

2-تراجع شامل للاقتصاد المصري وتحول النظرة الدولية له إلى سلبية:

ودفعت مخاطر التمويل وكالة “موديز” للتصنيف الائتماني، لتغيير نظرتها المستقبلية إلى الاقتصاد المصري من مستقرة إلى سلبية، مع إبقاء تصنيف القاهرة عند B2، خاصة مع تزايد مخاطر تراجع قدرة الدولة السيادية على امتصاص الصدمات الخارجية.

ويعد أبرز ما يقود الرؤية السلبية لمصر من قبل الوكالة العالمية، هو وجود توقعات بضعف التدفقات النقدية من الخارج، خاصة في ظل شروط التمويل العالمية المشددة؛ ما يعني زيادة أسعار الفائدة على القروض الخارجية التي تلجأ إليها القاهرة؛ ما يجعلها أقل قدرة على استدامة الديون.

وينذر هذا المؤشر السلبي الذي وضعته الوكالة باتجاه “موديز” مستقبلاً إلى خفض تصنيفها لمصر في تقييمات مقبلة للمرة الأولى منذ عام 2013؛ ما قد يدفع البلاد إلى تراجع نسبي في ثقة المقرضين الدوليين.

كما أن تغيير النظرة المستقبلية لمصر إلى سلبية يعني وجود شكوك لدى المؤسسات الدولية حول قدرة الدولة على استيعاب ما يحدث من أزمات اقتصادية في الوقت الحالي، وتحديداً ارتفاع أسعار الفائدة العالمية.

وهذا لأن اقتصاد مصر يعمل على تمويل احتياجاته من خلال الاقتراض، وبالتالي في الوقت الحالي مع ارتفاع أسعار الفائدة؛ فإن خدمة الدين أو بمعنى آخر الفوائد التي ستكون مصر مطالبة بتسديدها على قروضها القادمة سوف تكون مرتفعة.

ما يعني أن حجم الدين العام سوف يرتفع خلال الفترة القادمة، وأن أعباء الموازنة المصرية سوف تزيد أكثر في وقت تعاني فيه الموازنة من التهام أقساط وفوائد الدين لنحو أكثر من 85% من إيرادات الدولة؛ ما ينذر بأن تلك النسبة قابلة للزيادة، وبالتالي يزيد هذا المشهد من خطورة ارتفاع حجم الفوائد على مصر.

3-تنامي مخاطر الافلاس المالي:

وتأتي تلك المخاطر في ظل تنامي توقعات بضعف مصر في مواجهة وامتصاص الصدمات بشكل عام، وتحديداً قدرتها على سداد مديونيتها الخارجية في مواعيدها المحددة مسبقاً، ما قد يضطرها مستقبلاً إلى إعادة هيكلة تلك الديون، وهو ما قد يقرب البلاد من حد الافلاس.

ويأتي ذلك وسط ما تعيشه اقتصادات العالم من تضخم وأزمة في سلاسل التوريد، فضلاً عن ارتفاع تكاليف بعض السلع الاستراتيجية وأسعار الطاقة نتيجة الحرب القائمة بين روسيا وأوكرانيا؛ ما يزيد من أعباء الاقتصاد المصري الذي يعتمد على الخارج في ديونه واحتياجاته.

4-زيادة أعباء الموازنة المصرية:

وفي ظل اعتماد الاقتصاد المصري على تمويل احتياجاته، وبخاصة الاستهلاكية منها، عبر الاقتراض، فإن اتساع حجم الدين العام وتحديداً الدين الخارجي أصبح أمراً حتمياً، خاصة في ظل اقتصاد استهلاكي بالدرجة الأولى لا يعتمد على الإنتاج أو خلق قيمة مضافة حقيقية وهو الأمر الذي أدى إلى ارتهان الاقتصاد المصري للخارج، نتيجة عدم وجود موارد أو حلول اقتصادية محلية قادرة على إسعاف الاقتصاد المحلي في الأزمة الاقتصادية العالمية التي خلّفها وباء كورونا، ومن ثم الغزو الروسي لأوكرانيا.

وساهم ارتفاع الدين في زيادة الأعباء على الموازنة العامة للدولة عاماً بعد عام، فضلاً عن عجز الدولة عن القيام بدورها، حيث أصبحت خدمة الدين (فوائد الدين وأقساطه) تلتهم نحو أكثر من 85% من إيرادات الموازنة العامة فقد بلغ حجم أقساط الديون في مشروع الموازنة المالية لعام 2021-2022 نحو 593 مليار جنيه، والفوائد نحو 579.58 مليار جنيه، أي إجمالًا نحو تريليون و172.5 مليار جنيه من إجمالي إيرادات متوقعة بنحو تريليون و365 مليار جنيه، وسط توقعات بارتفاع هذه الأرقام بنحو 5% إلى 7% بسبب التضخم العالمي وما تفرضه الحرب الروسية الأوكرانية من أزمات.

ودفعت تلك المعطيات وكالة “ستاندرد آند بورز” العالمية للتصنيف الائتماني، إلى توقع وصول إجمالي الديون السيادية لمصر مع نهاية العام الحالي 2022 إلى 391.8 مليار دولار أمريكي، بعد أن كان 184.9 مليار دولار فقط عام 2017.

وأوضح التقرير الذي وصف الديون المصرية بـ”الكارثية”، أن مصر تستحوذ على 0.6% من إجمالي الديون التجارية في العالم، وهي نسبة مرتفعة إذا ما قورنت بالعديد من الدول المماثلة لمصر، أو إذا ما قورنت بالاقتصادات الناشئة بشكل عام.

كما توقعت وكالة “موديز”، وفق تقديراتها، أن يصل حجم الدين المصري الإجمالي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي من المرجح أن يصل إلى 93.5% في العام المالي 2022-2023.

وبالتالي أصبحت أيادي الدولة مكبلة بالقروض؛ ما جعلها عاجزة عن القيام بدورها من خلال دعم الاستثمار الحقيقي الذي يغنيها عن الاقتراض أو من خلال دعم الصادرات بشكل كافٍ، أو دعم صناعات كبرى ذات قيمة مضافة حقيقية، وبخاصة الصناعات التقنية، لخلق موارد دولارية، بل أصبحت تبحث عن آلية تدعم منهجها المتبع في سداد الديون المستحقة كترقيع الديون، من خلال اقتراض ديون جديدة لسداد ديون قديمة.

وهو الأمر الذي خلق حالة من العوز الدولاري من الخارج، خاصة أن مصر تستورد 70% من احتياجاتها وتعاني من عجز تجاري بنحو 35 إلى 40 مليار دولار سنوياً، كما أنها تعتمد في صناعتها المحلية المحدودة على السلع الوسيطة التي يتم استيرادها أيضاً، فضلاً عن تراجع الاحتياطي الأجنبي من 40 مليار في يناير الماضي إلى 37 مليار دولار مع نهاية أبريل الماضي.

4-  زيادة أرقام التضخم:

ومن أبرز المعضلات والمخاطر الحالة بالاقتصاد المصري، هو اتساع معدل التضخم العالمي الذي دفع البنوك المركزية في دول العالم، وبخاصة البنك الفدرالي الأمريكي إلى رفع سعر الفائدة ثلاث مرات، المرة الأولى في 16 مارس الماضي  بـ0.25%، والمرة الثانية بـ0.5% خلال شهر مايو الماضي، ليصبح إجمالي الفائدة 1% ثم في يوليو الماضي وسبتمبر وأكتوبر ليصل إجمالي الفوائد لنحو 3.5% وهو الأمر الذي أدى إلى جذب الأموال الساخنة التي تملأ الأسواق الناشئة والنامية مثل مصر، التي تعتمد على هذا النوع من الأموال لتمويل احتياجتها وبخاصة الدولارية، وخروجها إلى الأسواق الأمريكية بحثاً عن مكاسب أكثر ومخاطر أقل.

وأدت قرارات الفيدرالي الأمريكي إلى خروج نحو 20 مليار دولار من الأموال الساخنة منذ بداية العام من السوق المصرية، وفق تصريحات رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، ومن المتوقع أن يقوم الفيدرالي برفع الفائدة أكثر ولكن بشكل تدريجي خلال جلساته القادمة، ما يعني خروج مزيد من الأموال الساخنة من مصر.

ودفعت كل تلك المعطيات إلى خروج زمام المسكنات التي تستعملها الحكومة المصرية في تسيير أزماتها الاقتصادية عن السيطرة، والضغط على قيمة الجنيه المصري الذي ما زال يواصل نزيفه ليسجل  24.30 حتى كتابة تلك السطور..

تاسعا: التوغل العسكري في الاقتصاد عقبة كؤود أمام الاصلاح الاقتصادي:

وعلى الرغم من عظم التحديات المؤثرة على الاقتصاد المصري، سواء قبل القرض الأخير أو بعده، يبقى المتغير الأكثر تأثير والذي يمثل عقبة كؤؤد أمام أي خطط اقتصادية لتحفيز أو تطوير الاقتصاد المصري، والمتمثلة في سيطرة الجيش المصري على نحو 60% من الاقتصاد المصري، وهو الأمر الذي ترفضه المؤسسات المالية العالمية ويتصادم مع قواعد الاقتصاد الحر، علاوة على ضعف الإنتاج والاعتماد على الاستيراد في سد احتياجات الدولة المصرية، وهو ما يقتل أي فرص للتطور والتحديث والخروج من دائرة الديون والفقر..

وبحسب  هاميش كينير، المحلل في شركة Verisk Maplecroft الاستشارية للمخاطر، فيي حديثه لـ”نيزظزيط الأمريكية مؤخرا، “الأسئلة الأكثر تعقيداً هي إصلاح المؤسسات المملوكة للدولة، لا سيما تلك المرتبطة بالجيش.

إذ إنَّ ثقلها يشكل عبئاً على نمو القطاع الخاص، لكن الإصلاح الشامل يهدد المكانة المتميزة للجيش في الاقتصاد؛ ما يجعل مثل هذه الإصلاحات مستبعدة”.

ومؤخرا، جرت محاولات إقناع  الحلفاء الاستراتيجيين للنظام بإيداع أموال في البنك المركزي المصري لتعزيز فرص مصر في الحصول على القرض قوبلت بالرفض من قبل السعودية والإمارات، وطرحت الأخيرة تصوراً مثلت فيه استثمارات تابعة للقوات المسلحة بشكل مباشر 30% مما تستهدف الاستحواذ عليه.

وكان السيسي يعوّل كثيراً على طرح مجموعة من الشركات المملوكة للمؤسسة العسكرية في البورصة، في ظل اهتمام بالغ من جانب الصناديق الخليجية بهذه الفئة من الشركات، لكن يبدو أن خلافاً وتبايناً كبيراً وقع بين قادة المؤسسة العسكرية، والسيسي، بشأن خطوة طرح الشركات المملوكة للقوات المسلحة في البورصة، ما أدى لتأجيل تلك الخطوة التي كان مقرراً أن تكون أولى حلقاتها نهاية سبتمبر الماضي، ما أثر سلباً على حجم العوائد الدولارية التي كانت تعوّل عليها الحكومة المصرية في المفاوضات مع صندوق النقد، طالبت قيادات الجيش السيسي بأن يكون طرح شركاتهم هو الحل الأخير، وأن يعيد طرق أبواب الخليج مرة أخرى.

فيما  طلبت مصر من كل من السعودية وقطر والإمارات والكويت، الدفع بودائع دولارية تقدر بنحو 2.5 مليار دولار، هذا بخلاف مسار المفاوضات الجارية بشأن الاستحواذات الاستثمارية من جانب الصناديق الخليجية على عدد من الشركات المصرية، وأن القاهرة “تلقت ردوداً سلبية من كل من السعودية والإمارات بشأن المطلب الخاص بتقديم ودائع، مؤكدتين استعدادهما للانخراط الجاد في أية مفاوضات بشأن استحواذات جديدة تطرحها القاهرة”.

وفي هذا السياق يمكن تفهم الحركة المكثفة لرئيس الوزراء والوزراء لمحاولة الابتعاد عن الحل الأخير، فوفقاً لصحيفة اليوم السابع، بتاريخ ٢٥ أغسطس الماضي، غادر الفريق أول محمد زكي القائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع والإنتاج الحربي، على رأس وفد عسكري رفيع المستوى متوجهاً إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، في زيارة رسمية استغرقت عدة أيام، لم يبد الأمر مجرد لقاءات عسكرية روتينية، بل يرجح أن الأمر تطرق لفكرة شركات الجيش ومحاولة تخفيف الضغط الدولي من أجل طرحها في السوق أمام الاستثمارات العربية والدولية.

وعلى ما  يبدو أن الأمور لا تسير على هوى السيسي إذاً، لأن الجنرالات رفضوا طرح شركاتهم التي يعتبرونها عرقاً خالصاً للجيش، ويخافون من فقدان الامتيازات الاقتصادية التي كسبتها المؤسسة خلال فترة حكمه في سبيل الإبقاء عليه، كما أن الداخل الذي تحمل ما لم يتحمله شعب آخر طوال سنوات حكمه لم يعد قادراً على احتمال المزيد في إطار التنصل من أي وعود بالتحسن.

ومثل وضع المؤسسة العسكرية في الاقتصاد المصري، وسيطرتها على قطاعات متعددة، بالشكل الذي يتسبب في قلق لدى المستثمرين من الاقتراب من تلك القطاعات.. وخلال جولات التفاوض، لم يقتصر الأمر من جانب بعثة الصندوق على الحديث عن تواجد المؤسسة العسكرية فقط، بل إنه للمرة الأولى يتم التطرق إلى دور الأجهزة السيادية في الاقتصاد، وسيطرتها على قطاعات بعينها، وهو الأمر الذي يجعل من الصعوبة وجود تنافس حقيقي يسمح بمناخ استثماري آمن..

ومع هذا الموقف من قبل اصندوق، وجد صانع القرار المصري نفسه في موقف حرج، بين الضغط على المؤسسة العسكرية، والقبول بتخفيض قيمة القرض الذي لن يتجاوز تأثيره حد التسكين المؤقت للأزمة المالية الحاصلة، على أمل حدوث انفراجة في التفاوض مع بعض الدول الخليجية بشأن حزم مالية واستثمارية خلال الفترة المقبلة..

ومن ضمن دلائل الأزمات التي خلفتها جولات التفاوض مع بعثة الصندوق، إطاحة محافظ البنك المركزي السابق طارق عامر.  والذي كان متمسكاً بعدم تحرير سعر الصرف قبل تقديم الصندوق دفعة من القرض يمكن بها ضبط سعر الجنيه أمام الدولار الأميركي، وهو الأمر الذي رفضته البعثة، متمسكة ببدء الحكومة المصرية في خطواتها بتنفيذ الشروط أولاً.. وكان عامر منحازا لجانب المؤسسة العسكرية وتوغلها في الاقتصاد المصري..

وهو نا سيبجة أنه سيظل ملفا مفتوحا بين المؤسسات المالية الدولية ونظام السيسي في الفترة المقبلة..

خاتمة:

وأمام تلك المعطيات، يمكننا استنتاج أن القرض  لن يحل أزمات مصر، وهو ما يمكن استنباطه من تقصي تجارب الاقتراض من الصندوق في كل من لبنان والارجنتين وزامبيا وغيرها من الدول المدينة إذ أن المشكلة تكمن، في أن أغلب الدول المقترضة لا تملك أنظمة حكم ديمقراطية، بل العكس تمتاز بقدر كبير من الفساد، وانعدام الشفافية، فتذهب أموال القرض لتنفيذ مطالب الدول صاحبة الأموال (أغلبها الدول الأعضاء في صندوق النقد) الراغبة في الاستثمار بتلك الدولة، وبذلك بدلاً من أن تحسّن أوضاع الفقراء، تزيد من رفاهية الطبقة الحاكمة وأصحاب الأعمال داخل تلك الدولة، مما يزيد الإنتاجية والأسعار، مقابل زيادة شريحة الفقراء الذين تقطع من ضرائبهم الأموال لتسديد أموال القرض وفوائده.

وفي ظل نظام ديكتاتوري هو الأعنف في تاريخ الدولة المصرية، تكون مصر النموذج المثالي لفشل قروض الصندوق في علاج الازمة الاقتصادية.. ففي 11 نوفمبر 2016، اقترضت مصر 12 مليار دولار بهدف معالجة الاقتصاد وتعزيز النمو الشامل لخلق فرص عمل.

ففرض الصندوق شروطاً، منها تحرير نظام سعر الصرف أي تعويم الجنيه المصري، وخفض الإنفاق الحكومي، أي نزع الدعم عن المواطنين، وزيادة الضرائب.

فانخفضت قيمة الجنيه المصري بشكل أكثر مما توقعه خبراء صندوق النقد، مما أدى إلى ارتفاع جميع السلع الاستهلاكية الأساسية، بجانب ذلك فرضت الدولة رسوماً جديدة وضرائب جديدة كضريبة القيمة المضافة، مما زاد نسبة المصريين الفقراء من 27.8% في العام 2015 إلى أكثر 35% على الأقلّ.

في ظل نظام يقبع بمستنقع فساد، ولا يأبه بدراسات الجدوى ولا يعرف غير القوة، يتضح أن القروض لا تفيد، وإن وجدت فهي تدعم استمرار النظام القائم على إفقار المصريين وإهانتهم بوصفهم دائماً بـ”الفقراء أوي”، في مقابل زيادة الأغنياء من الجيش وأصحاب الأموال.

كما تعظم بيئة الاستبداد والقمع الحاكمة لمصر، من فرص الفقر والغلالاء وسط اسكات وثضم سلطوي للرأي وحريات التعبير، وهو ما قد يقود للانفجار المجتمعي إثر تصاعد الإسعار بصورة كبيرة وغياب الرقابة على الأسواق وانشغال المؤسسات الأمنية بتأمين كرسي الحاكم فقط دون معالجة الأوضاع الاجتماعية المضطربة بفعل الغلاء وتقلص المجخرات وانهيار الققوة الشرائية للجنية.

……………

مراجع:

بي بي سي، “النقد الدولي” يُقرض مصر 3 مليارات دولار، 2022/10/27

عربي بوست، الجنيه المصري يهوى لمستوى قياسي بعد التحوّل لنظام سعر صرف “مرن”،2022/10/27

رويترز، مصر تحرر سعر صرف الجنيه، 2022/10/27

العربي الجديد، رضخت لشروط صندوق النقد وعوّمت الجنيه.. هل ينقذ القرض الجديد مصر أم يفاقم أزمتها؟، 2022/10/27

عربي بوست، إلى أين يتجه الجنيه المصري بعد تعويمه الثالث.. وهل يؤدي لموجة تضخم مماثلة لما حدث في 2016؟،  2022/10/27

عربي 21، هل يحمي قرض صندوق النقد مصر من الثورة؟، 2016/11/15

نون بوست، لماذا وصل الاقتصاد المصري إلى هذا الحد من الانهيار؟، 2022/11/04

الخليج الجديد، ماذا يعني تغيير “موديز” رؤيتها للاقتصاد المصري من مستقر إلى سلبي؟ هذا ما سينعكس على القاهرة، 2022/05/31

عربي بوست، “أنا نفسي أعمل كتير لكن مش قادر”.. لماذا يصر السيسي على تنفيذ مشاريعه العملاقة دون دراسات جدوى؟، 2022/10/31

العربي الجديد، الإصلاح يتوقف على إزاحة الجيش من الاقتصاد”.. لماذا لن يحل تعويم الجنيه أزمة الاقتصاد المصري؟، 2022/10/29

عربي بوست، بعد تصريحاته “الجريئة” عن الأزمة الاقتصادية.. هل يستكمل السيسي الطريق لآخره؟ ، 2022/10/26

يسري عبد العزيز، “لم أقدم لكم وعوداً جميلة”.. هل كشف خطاب السيسي الأخير حقيقة الأوضاع بمصر؟، عربي بوست، 2022/10/25

عربي بوست، السيسي بين غضب الشارع وسطوة الجيش على الاقتصاد.. هل يتخذ الرئيس المصري القرار الصعب؟، 2022/11/01

الجزيرة، فشل في زامبيا ولبنان.. لماذا لن ينجح قرض صندوق النقد في تحسين حياة المصريين؟، 2022/10/31

عربي بوست، رغم أن ديون اليابان 20 ضعف ديون مصر! لماذا أنجحت القروض اقتصاد طوكيو وأفشلته في القاهرة؟، 2022/10/28

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

لماذا فشلت الدعوة للاحتجاج في 11 نوفمبر؟ محاولة للفهم والتقييم!!

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يدعوا فيها نشطاء بالخارج المجتمع المصري إلى التحرك ضد النظ…