‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر إخلاء سبيل علا القرضاوي.. رسائل ودلائل
مصر - يناير 3, 2022

إخلاء سبيل علا القرضاوي.. رسائل ودلائل

إخلاء سبيل علا القرضاوي.. رسائل ودلائل

 

 

من أجمل ما قرأت عن السجون في مصر، تصريحات للفنان الراحل سعيد صالح الذي قضى عدة شهور في السجن لأسباب سياسية بعدما انتقد الأوضاع في مصر بعض مسرحياته وأعماله الفنية. وفي لقاء تلفزيوني بعدما خرج من السجن، سألته المذيعة: بعد ما خرجت.. السجن أحسن ولا برة؟ قالها بصي: «السجن كل شيء فيه واضح.. فلان ده تاجر مخدرت.. فلان ده قتال قتلة.. فلان ده  حرامي وهجام.. فلان ده قواد وده بتاع مصلحته، وفلان ده مظلوم وبريء. كلنا نتلم على حصيرة ونصلي وندعي ربنا ونقول: يارب.  في السجن كل حاجة هناك واضحة جدا،  ومحدش بيلبس توب مش بتاعه، ويقول: أنا شريف وهو قواد.. ولا الحرامي بيقول إنه أمين.. ولا بتاع المخدرات بيغسل أموال ويبني عمارات بتقع على الناس. السجن هو العالم الحقيقي النقي.. لدرجة أننا كننا نتخيل أنهم عاملين أسوار وحاطين حرس بسلاح علشان يحمونا من السجن الكبير والعالم الكداب اللي بره.. أنا  خرجت أهه.. بس لسة بروح أزورهم لأنهم ناس حقيقية.. مش مزيفين».

بعد هذه المقدمة الصغيرة، يتعين الإقرار أن الإفراج عن أي معتقل سياسي هو بحد ذاته شيء إيجابي يستوجب الشكر لله، لا سيما وأن سجون الدكتاتور عبدالفتاح السيسي تكتظ بعشرات الآلاف من الأبرياء بين علماء وأساتذة جامعة وأطباء ومهندسين ودعاة إلى الله وطلاب جامعيين، وبالتالي فإن إخلاء سبيل السيدة: علا القرضاوي، نجلة الفقيه الإسلامي الكبير الدكتور يوسف القرضاوي، الرئيس السابق للاتحاد العام لعلماء المسلمين، يمثل بشرى خير لكل مؤمن أو صاحب ضمير حي. وكانت وكالة أنباء الشرق الأوسط  الحكومية،  قد نشرت ظهر الجمعة 31 ديسمبر 2021م، خبرًا مقتضبًا بإخلاء سبيل القرضاوي على ذمة التحقيقات بقرار من النيابة العامة، نقلًا عن مصدر وصفته بالـ«مسؤول» دون تسميته، ما تبعه محاميها أحمد أبو العلا ماضي، بعد دقائق، بالتأكيد عبر حسابه على فيسبوك على خروجها ووصولها منزلها.

ورغم ما يحمله هذا الإجراء من بشرى، فإنه أيضا يحمل في طياته الكثير من الرسائل والدلائل.

أولا،  يتعين التنبيه إلى أن مصر هي البلد الوحيد التي ذكر في القرآن أنها سجنت نبيا من أنبياء الله ظلما وعدوانا، وهو نبي الله يوسف عليه السلام، رغم سطوع أدلة براءته للجميع؛ لكنهم كادوا له ولفقوا له تهمة لا أساس لها، وزجوا به في السجن ظلما وبهتانا بضع سنين. كما أن مصر البلد الوحيد التي اقترن اسمها بالسجن كثيرا في القرآن الكريم.

ثانيا، يتعين التنويه إلى أن السيدة علا القرضاوي، جرى الزج بها في السجن ظلما لا لتهمة فعلتها ولا لجريمة اقترفتها، ولكن جرى التنكيل بها انتقاما من والدها العلامة يوسف القرضاوي، وهو الفقيه الذي أفنى حياته في خدمة الإسلام والمسلمين، وألف مئات الكتب وألقى آلاف المحاضرات والخطب والدروس ليُعلم الناس أمور دينهم، وله مواقف صريحة ضد الظلم والطغيان في بلادنا. وكان أحد أهم الداعمين لثورة يناير والربيع العربي وحق الشعوب في اختيار الحكام وعزلهم وفقا لمدى نجاهم في إدارة البلاد من ناحية، والتزامهم بحماية هويتها وسماتها الحضارية من جهة ثانية. فقد اعتلقت علا القرضاوي  برفقة زوجها حسام خلف القيادي بحزب الوسط، أثناء قضاء إحدى الإجازات  في الساحل الشمالي في شاليه عائلي، في 30 يونيو 2017، ووجهت لهما في البداية تهم بنقل بعض المفروشات من الشاليه، بحجة أن هذا الشاليه مملوك لوالدها رئيس الاتحاد العام لعلماء المسلمين السابق يوسف القرضاوي الموجود في قطر، المدرج اسمه على قوائم الإرهاب وقوائم التحفظ على الأموال وبعد إثبات القرضاوي أن الشاليه مملوك لوالدتها، أدرجتهما النيابة على ذمة القضية رقم 316 لسنة 2017 ووجهت لهما تهم بالانضمام لجماعة على خلاف القانون وتمويلها، وهي التهم التي استمر حبس القرضاوي وخلف على إثرها لمدة عامين، قبل أن تعيد النيابة حبسها على ذمة قضية جديدة برقم 800 لسنة 2019 بنفس التهم في يوليو 2019، وهو ما دخلت على إثره علا في إضراب عن الطعام وقتها. وأصر نظام السيسي على إيقاع المزيد من الظلم عليها وعلى زوجها، ورغم أن محكمة جنايات القاهرة قررت في  19 فبراير 2020 إخلاء سبيلها إلا أن النيابة استأنفت على هذا القرار في اليوم التالي لتستمر القرضاوي في الحبس حتى 12 ديسمبر 2021م، فيما لم  يتم الكشف عن مصير زوجها، وما إذا  كان ما زال محبوسًا على ذمة القضية الأولى طوال قرابة الخمس سنوات الماضية، أم تم تدويره على ذمة قضية جديدة.

ثالثا، إخلاء سبيل علا القرضاوى تم فعليا في 12 ديسمبر 2021م، وذلك وفقا لتقرير أعده موقع “مدى مصر” السبت غرة يناير 2020م، نقلا عن ثلاثة مصادر حكومية مطلعة، وأنه جرى الاتفاق معها على عدم نشر أسرتها أو المقربين منها أية معلومات بشأن خروجها خصوصا وأن زوجها ما زال محبوسًا وهناك وعود بإخلاء سبيله، وترك لأجهزة الأمن مسؤولية تحديد الموعد المناسب لإعلان إخلاء سبيلها. وينقل الموقع عن عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، جورج إسحاق إنه عرف بإخلاء سبيل علا القرضاوي منذ فترة، مضيفًا: «لا نعرف سبب تأجيل نشر الخبر في وسائل الإعلام حتى أمس وقد يكون جزءًا من مفاوضات لخروج عدد من المساجين». ووفقا للتقرير فإن الدائرة الرابعة جنايات إرهاب نظرت تجديد حبس القرضاوي على ذمة التحقيقات في القضية رقم 800 لسنة 2019 في جلسة  12 ديسمبر الماضي في غيابها، وهو ما اعترض عليه المحامون، لكنهم عرفوا في اليوم التالي بقرار إخلاء سبيلها  من سجن القناطر دون معرفة أية تفاصيل أخرى عن مصدر القرار». وطالبت أسرة القرضاوي بعدم نشر أية معلومات عن إخلاء سبيل علا أملا في خروج زوجها حسام خلف قريبا.

رابعا، قد يبدو أن السبب في تأخير الإعلان عن إخلاء سبيل السيدة علا القرضاوي هو محاولة إنهاء سنة 2021التي حملت الكثير من الفواجع والآلام بقرار إيجابي على أمل تبييض صورة النظام. لكن الأمر لا يخلو من مفارقة؛ إذ إن النظام لا يمكنه التباهي بإطلاق سراح نجلة القرضاوي لأنها بالأساس لم ترتكب جرما تستحق عليه كل هذا التنكيل والعذاب؛ كما أن الإعلان عن إخلاء سبيل القرضاوي وإن كان مفرحا ويدخل السرور على قلب كل مؤمن أو صاحب ضمير حي. إلا منظمات حقوقية رصدت شيئا من جرائم النظام خلال سنة 2021م، فقد كشفت منظمة “نحن نُسجّل” الحقوقية عن مئات الانتهاكات في السجون ومقار الاحتجاز المختلفة في مصر، التي أدّت إلى وفاة 60 سجيناً نتيجة الإهمال الطبي، مُقسّمين إلى 52 ضحية من السجناء السياسيين، و8 جنائيين، بينهم 6 أطفال، فضلاً عن تعرض 277 سيدة للاحتجاز والإخفاء القسري على مدار عام 2021. وأكدت المنظمة، خلال إحصائياتها التي وثّقتها هذا العام وأصدرتها الخميس 30 ديسمبر 2021م. وتنوّعت حالات الوفاة الستين ما بين 27 سجيناً بسبب الإهمال الطبي، و7 سجناء بفيروس كورونا، و6 نتيجة حريق، و4 نتيجة التعذيب، بخلاف حالة وفاة نتيجة شجار، وحالة وفاة واحدة نتيجة غرق في مياه السيول داخل الزنزانة، وحالة انتحار واحدة، وثلاث حالات وفاة طبيعية. وأوضحت المنظمة أنّ 277 من النساء والفتيات رهن الاعتقال والاختفاء القسري، من بينهم 187 سيدة رهن الحبس الاحتياطي، و40 سيدة حاصلة على قرارات إخلاء سبيل لكن لم تنفذ، و39 سيدة صادرة بحقهن أحكام قضائية، و10 سيدات رهن الإخفاء القسري، وسيدة واحدة انقضت مدة الحكم عليها كاملة من دون إفراج.

خامسا، رغم أن المعالجات الإعلامية لم تشر مطلقا إلى أي دور خارجي في عملية إخلاء سبيل نجلة العلامة القرضاوي، وجرى إخراج الأمر على أنه إجراء قضائي طبيعي وقرار صادر من المحكمة، إلا أن النظام يستهدف من وراء ذلك التغطية على الحقيقة، وهي أن الحكومة القطرية تدخلت في الأمر في ظل حالة التقارب بين الدولتين مؤخرا؛ ويبدو أن الأمير القطري قد طالب الدكتاتور السيسي بالإفراج عن علا القرضاوي لثلاثة أسباب: الأول أنها بالأساس بريئة ولم ترتكب أي تهمة تستوجب كل هذا التنكيل. والثاني، المكانة التي يتمتع بها العلامة القرضاوي عند أمير قطر والحكومة القطرية عموما. والثالث، هو التدليل على أن قطر تستهدف من التقارب مع نظام السيسي جملة من الأهداف بعضها يتعلق بالتخفيف عن بعض المعتقلين في سجون العسكر.

سادسا، لا أستبعد أن يوظف النظام هذا الإجراء من أجل محاولة تبييص صورته دوليا وإقليميا، باعتباره برهانا على أن النظام قد شرع في عمليات الإفراج عن عدد من المعتقلين في سجونه، وربط ذلك بإطلاق ما تسمى بالإستراتيجية القومية لحقوق الإنسان في سبتمبر 2021م. فالتباهي بتخفيف الظلم عن المظلومين هو سلوك فرعوني قديم. فعندما قتل نبي الله موسى مصريا عن طريق الخطأ {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ}، وفر إلى مدين بضع سنين، ثم عاد إلى مصر،  تعامل معه فرعون بكثير من المن والأذى، فراح يذكر موسى بأنه تربى في قصر فرعون بعدما التقطوه من النهر رضيعا،  لكنه لم يحفظ هذا الجميل وقتل مصريا وفر هاربا،{أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21)}. لكن موسى رد على فرعون بأنه ليس من الإحسان في شيء أن تحسن إلى فرد واحد بينما يتم  التنكيل بأمة كاملة، في إشارة إلى قومه بني إسرائيل. {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22)}. وبالتالي لا يصح أن يتباهى السيسي بالإفراج عن بعض المعتقلين ظلما، بينما لا تزال سجونه تكتط بعشرت الآلاف من الأبرياء. ورغم ذلك فليس من  المستبعد أن يتم إخلاء سبيل بعض المعتقلين والمحبوسين احتياطيا، وقد يتم العفو عن عناصر “خلية الأمل” الذين جرى الحكم عليهم مؤخرا، حتى يتم توظيف كل ذلك لتبييض صورة النظام وزعيمه الدكتاتور؛ فهذا سلوك فرعوني قديم، وعلى خطى فرعون يمضي السيسي نحو مصيره المحتوم.

سابعا، تبقى مشكلة المعتقلين السياسيين خصوصا من أبناء  التيار الإسلامي بلا حل جذري؛ والمؤشرات تؤكد أنها ستبقى كذلك ما بقي السيسي على رأس السلطة في مصر منذ انقلابه المشئوم في يوليو 2013م؛ لأنه ما صعد إلى السلطة إلا عبر جماجم الآلاف من الضحايا والزج بعشرات الآلاف في السجون ظلما وعدوانا؛ وبالتالي فإن أي قراءة تذهب باتجاه اعتبار إخلاء سبيل نجلة العلامة القرضاوي بداية غيث الإفراج عن المعتقلين ليست في محلها لاعتبارات تتعلق بالطبيعة الخاصة بحالة السيدة علا القرضاوي من جهة، والطبيعة الخاصة بالنظام العسكري في مصر من جهة أخرى؛  وبالتالي فإن ترقب أن يتم حلحلة أزمة المعتقلين هو أمر غير وارد في الأفق المنظور وفقا للمعطيات الراهنة إلا إذا جرى شيء غير متوقع يغير موازين المشهد السيسي في البلاد. ولا يتعين تحميل جماعة “الإخوان المسلمين” شيئا فوق طاقتها بهذا الشأن؛ لأن أي صفقة تتعلق بالمعتقلين تعني الاعتراف بشرعية النظام القائم رغم أنه مغتصب للحكم بأداة من أدوات العنف والإرهاب وهي الانقلاب العسكري. أنحاز إلى الرأي الذي يرى ضرورة أن تبقى الجماعة على موقفها الثابت بوصفه دفاعا عن القيمة الإسلامية أولا وهي رفض أي شكل من أشكل اغتصاب الحكم إلا عبر الشوري والانتخابات الحرة النزيهة. وأن يتم تفويض كل معتقل بإدارة موقفه؛ فمن شاء أن يأخذه بالعزيمة فليفعل ومن شاء أن يأخذ بالرخضة فليفعل، حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

‫شاهد أيضًا‬

قراءة في تصريحات وزير التموين حول مشروع «دمغ الذهب بالليزر»

    تصريحات وزير التموين والتجارة الداخلية، الدكتور علي المصيلحي يوم السبت 15 ين…