المشهد السياسي 7 إبريل 2019
أولاً المشهد المصري • النظام يفرض تعديلات الدستور بقوة حشد مؤسساتي لاقناع قطاعات من المترديين وتخويف المعارضين النظام يستمر في تجاهل أصوات المعارضة ما دامت لا تعوق المسار الذي اختاره ، أو يمعن في قمعها في حال اشتم في خطابها أو ممارساتها ما قد يمثل خطراً على مصالحه أو إعاقة لمواقفه. وهناك حملة إعلانات ضخمة تسوق للتعديلات، تخاطب شرائح المؤيدين وتخاطب المترددين أو قل بشكل أكثر دقة شرائح غير المهتمين بالمشهد السياسي برمته وينصب اهتمامهم باحتياجاتهم الأساسية، خاصة في ظل ارتفاع تكلفة المعيشة. ومن أبرز المشاهد التي ظهرت على هامش استعداد النظام لكرنفال الاستفتاء على التعديلات الدستورية: 1- شنت الأجهزة المحلية (البلدية) في مصر حملة واسعة على المحال التجارية في محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية، على مدار الأيام الماضية، مدعومة بضباط وأفراد المباحث في أقسام الشرطة التابعة لها، لمطالبة أصحاب المحال بطباعة لافتات ضخمة لتأييد التعديلات الدستورية المرتقب الاستفتاء عليها. مع التلويح بالغرامة وتلفيق المحاضر والاتهام بالانتماء للإخوان لمن يتلكأ1. 2- تمسكت اللجنة المكلفة من رئاسة الجمهورية والاستخبارات والأمن الوطني والرقابة الإدارية بمتابعة الملف مع الهيئة الانتخابية، بضرورة إجراء الاستفتاء على التعديل على مدار ثلاثة أيام، ليكون أمام الأجهزة الوقت الكافي لتدارك أي مشاكل قد تحدث نتيجة الحشد المعارض للتعديلات على مواقع التواصل الاجتماعي، وحثّ الناخبين على المشاركة والتصويت بـ"لا" وليس للمقاطعة أو الإبطال، كما كان الأمر في انتخابات الرئاسة الماضية2. 3- أطلقت الأجهزة الأمنية بياناً مزيفاً يدعو إلى مواجهة التعديلات الدستورية خلال مؤتمر في إحدى المدن الأوروبية، مُذيَّلاً بتوقيع عدد من الإعلاميين والسياسيين الذين شاركوا في «ثورة 25 يناير»، في محاولة لإظهار معارضة التعديلات وكأنها نتاج فوضى وبتأثير من القوى الخارجية. واللافت في ذلك البيان أنه جمع توقيعات لسياسيين مقيمين في مصر وآخرين مقيمين بين الدوحة وإسطنبول وعواصم أوروبية، في خطوة عكست السعي إلى تشويه المعارضة الداخلية، وخاصة بعد عمليات الاعتقال المنظمة لشباب الأحزاب الذين يشاركون في أنشطة سياسية مناهضة للتعديلات، فيما يُسمح للتظاهرات المؤيدة بالسير في شوارع العاصمة، في مخالفة لقانون التظاهر، بل إن تظاهرة خرجت قبل مدة قصيرة في ضاحية مدينة نصر قرب عدد من المنشآت العسكرية المهمة وجرى تأمينها من قوات الشرطة3. 4- وردت تعليمات إلى محكمة استئناف القاهرة بتجهيز قائمة القضاة الذين سيشرفون على الاستفتاء، ومضاعفة مكافأتهم لتصبح مكافأة القاضي الإجمالية لليومين 6 آلاف جنيه بالنسبة للجنة الفرعية، و10 آلاف جنيه للإشراف على اللجنة العامة، إلى جانب إصدار جهاز الاستخبارات العامة تعليمات إلى مقدمي البرامج الحوارية على شاشات الفضائيات، ورؤساء تحرير الصحف الحكومية والخاصة، بشنّ حملات ترويجية للتعديلات الدستورية. 5- يقوم النظام بممارسة الضغوط علي قيادات الرأي والشخصيات البارزة في القري والأحياء لحشدهم لدعم التعديلات والتصويت من جهة وتقديم اتاوات مالية مباشرة أو في شكل ملصقات من جهة أخري. معارضة التعديلات الدستورية: تراجع المصلحين والاختلاف حول طرق المواجهة. ما تزال عملية تعديل الدستور تثير النقاش داخل صفوف المعارضين لهذه التعديلات، بين من يرى ضرورة المشاركة في التصويت على التعديلات والذهاب لصناديق الاقتراع للتصويت على رفضها، وبين من يرى أن مقاطعة التصويت على التعديلات هو أفضل صيغ رفض التعديلات ومقاومة سياسات النظام، وأن التعديلات ستقر حتماً ومن ثم فمقاطعة التعديلات أفضل كثيراً من مشاركة تمنحها شرعية أوسع. وعلي الرغم من حالة التراجع في سياق معارضة التعديلات بعد فشل الحركة المدنية في تنظيم حتي مجرد تظاهرة صغيرة ضدها، فإن هناك بؤر مقاومة لهذا التسكين والتنميط، يأتي على رأسها أهالي جزيرة الوراق الذين يحاربون مساعي الجيش والشرطة على مدى عامين لتشريدهم. هذا إلى جانب عودة الإضرابات الجزئية -لكن المتكررة- في شركة غزل المحلة، علاوة على المظاهرات التي خرجت عقب كارثة القطار في عدة محافظات للمرة الأولى. وأثارت ردود الأفعال الشعبية المتعاطفة مع حملة “اطمن انت مش لوحدك”، التي نظمها الإسلاميون والمستقلون، والتي أثرات فزع إعلام النظام. وما يخيف النظام هو احتماات توسع هذه البؤر الرافضة لسياساته واستمرارها، وإمكانية ظهور بؤر جديدة، خاصة أن الوضع المأزوم في الداخل يغذي ذلك. كما أن ما يحدث عربيًا في الجزائر والسودان يغري بالرفض والصدع بالمقاومة6. • حقيقة زيادة الحد الأدنى للأجور التي أعلن عنها السيسي. خلال مشاركته في احتفالية الأم المصرية، أعلن السيسي عن عدد من الإجراءات المرتبطة بمخصصات الأجور، على رأسها رفع الحد الأدنى لأجور العاملين في القطاع الحكومي من 1200 إلى 2000 جنيه، ليصل إجمالي مخصصات الأجور في الموازنة الجديدة إلى 300.5 مليار جنيه. بحسب تقرير صندوق النقد الدولي، بناء على مراجعته الثالثة لأداء "برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري"، الصادر في يوليو 2018، فإن مخصصات الأجور في الموازنة العامة المصرية للعام 2019/ 2020 ستبلغ 306 مليار جنيه، ويشير التقرير إلى أن هناك انخفاض في مخصصات الأجور من 7,9% من الناتج المحلي الإجمالي في موازنة 2015/ 2016، وهي السنة التي شهدت توقيع الإتفاق بين مصر والصندوق، إلى نسبة 5% في 2018/ 2019. وتوقع التقرير أن يصل انخفاض نسبة بند الأجور في الموازنة العامة للدولة إلى 4,9% في العام 2019/ 2020. وهو ما يعني أن حجم بند الأجور في الموازنة في تراجع رغم قرار السيسي برفع الحد الأدنى للأجور ليصل إلى 2000 جنيه. جدير بالذكر أن مخصصات الأجور في الموازنة العامة للدولة قد تراجعت بشكل ملفت خلال السنوات الماضية؛ فبينما جاوزت نسبة مخصصات الأجور في الموازنة العامة للدولة حد الـ 20% في الفترة التي امتدت من اندلاع ثورة يناير حتى 2013/2014. نجد أن هذه النسبة قد تراجعت بشكل كبير خلال الفترة 2014/ 2015 لتصل إلى 9% فقط من الموازنة العامة للدولة؛ ما يعني نسبة تراجع تصل 11%. يلاحظ أن الفترة التي شهدت ذروة الانخفاض في معدلات ارتفاع مخصصات الأجور هي التي شهدت في المقابل ذروة ارتفاع معدلات التضخم في أسعار المستهلكين. لو قارنا نسبة الزيادة في الحد الأدني من أجور العاملين خلال الفترة من مطلع 2014 حين طبق 1200 جنيه حد أدنى، وحتى ما أقره السيسي كحد أدنى جديد (2000جنيه) ما يعني نسبة زيادة 66%. لو قارنا هذه النسبة بالزيادة في حجم التضخم خلال نفس الفترة، أظهر زيادة بنحو 107% في معدل التضخم خلال فترة المقارنة. ما يعني أن القيمة الحقيقية للزيادة التي أقرها السيسي أقل بكثير من قيمتها الشرائية. (يقارن هذا الرسم بين الزيادة المقرة في الحد الأدنى للأجور وبين متوسط التضخم) ما يكشف زيف ادعاءات الحكومة. لو استخدمنا نفس المنطق في فهم باقي الزيادات التي أعلن عنها السيسي، ولو قارنا هذه الزيادات بحجم التضخم؛ سنجد أن هذه الزيادات غير حقيقية ولن تسهم بشكل فعلي في تقليل معاناة المواطنين. وفي الواقع فإن هذه الزيادات في الأجور -وإن كانت غير حقيقية ولن تسفر عن تحسن فعلي فى الأوضاع الاجتماعية للناس- جاءت كمحاولة من النظام لنيل شئ من رضا الجماهير قبيل الاستفتاء…