تونس بين مسار التأزيم السياسي وخطورة استدارج الجيش إلى فخ السياسة
منذ انتخابه رئيسا للجمهورية في 2019م، لا يزال الرئيس التونسي قيس سعيد، يثير الكثير من الشكوك حول قدراته السياسية في لملمة شمل الفرقاء السياسيين؛ فالرجل يبدي قدرات عالية في قراءة النصوص الدستورية وتأويلها بما يمنحه سلطات وصلاحيات أوسع على حساب البرلمان والحكومة، لكنه في ذات الوقت يعاني ضمورا ملحوظا في قدراته السياسية وهو ما يتمثل في صدامه مع البرلمان من جهة والأحزاب والقوى السياسية من جهة أخرى. بالطبع يمكن تفهم هذا القصور السياسي في العام الأول للرئيس لاعتبارات تتعلق بعدم الخبرة السابقة من جهة وهي ما تكتسب بمرور السنوات، وكونه أكاديمي لم يمارس السياسة في حزب أو مؤسسة سياسية أو حكومية سابقا من جهة ثانية، كما لا تزال التجربة الديمقراطية حديثة في تونس من جهة ثالثة، في ظل تربص تحالف الثورات المضادة بالتجربة على مساري الثورة والديمقراطية والحيلولة دون تكريس جوهر الديمقراطية والمشاركة الشعبية والتداول السلمي للسلطة. ومن علامات قلة الخبرة الساسية لدى قيس سعيد اختياره لمستشاره القانوني السابق ووزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال، هشام المشيشي، بتشكيل حكومة جديدة، خلفا لرئيس الوزراء المستقيل إلياس الفخفاخ، فالرئيس قد استخدم حقه الدستوري في اختيار الشخصية التي يراها الأقدر لرئاسة الحكومة، ولكنه تجاوز كل ترشيحات الكتل النيابية، بما في ذلك فاضل عبد الكافي الذي رشحته أكبر كتلتين نيابيتين هما النهضة وقلب تونس. لكن الرئيس لم يضع في حسابه ما يمكن أن يمثله هذا الاختيار من إرباك للمشهد السياسي وتعميق للأزمة من خلال الأبعاد الآتية[[1]]: أولا: المخاوف من تحويل الحكم في تونس إلى نظام رئاسي، بالرغم من أن الدستور يجعل الحكم برلمانيا رئاسيا، ويفترض أن تشكيل الحكومة يتم بترشيحات الكتلة النيابية الأكبر، ولكن الرئيس استخدم حقا دستوريا أيضا يمنحه اختيار رئيس الحكومة في حال فشل رئيس الوزراء الذي اختارته الكتل النيابية بالحصول على ثقة أغلبية النواب. ثانيا: احتمالية حل مجلس النواب في حال عدم حصول رئيس الحكومة المكلف على ثقة البرلمان، وهو ما قد يؤدي لفراغ سياسي، وتحميل ميزانية البلاد لتكاليف إجراء انتخابات مبكرة. ثالثا: في حال حصول المشيشي على الثقة، بسبب اضطرار الكتل النيابية لذلك لمنع خيار حل البرلمان، فإن ذلك قد يؤدي لتشكيل حكومة ضعيفة لا تتمتع بحزام سياسي قوي، أو لسنوات من المناكفة بين رئيس الحكومة وبين البرلمان الذي منحه الثقة اضطرارا. مسار التأزيم تفسير ذلك أن الرئيس اختار مسار التأزيم بشكل متعمد؛ بهدف الرغبة في التحكم بمفاصل العملية السياسية من جهة، وإثبات رؤيته المتشككة تجاه البرلمان والأحزاب باعتبارها تعطل المسيرة السياسية “لمصالحها الضيقة” من جهة أخرى، ولكنه رغم هذا الوعي يخاطر بمسؤوليته عن تشكيل حكومة ستكون ضعيفة في أحسن الأحوال، وفاشلة في حال حدوث الأسوأ. فمن جهة أولى، اختيار الرئيس للمشيشي محفوف بالمخاطر بخلاف الرغبة في التحكم بمفاصل العملية السياسية، فهو أيضا لا يضمن استمرار ولاء رئيس الحكومة له كما حصل في الخلاف المشهور بين الرئيس الراحل الباجي السبسي ورئيس حكومته يوسف الشاهد، كما أنه لا يضمن سلوك البرلمان والأحزاب، التي قد تعطل مسيرة الحكومة، وهو ما يمكن أن يؤزم الوضع في البلاد، ويمنع تحقيق الحكومة للإنجازات المطلوبة منها، وسيكون هو الخاسر الأكبر لأن فشل الحكومة سيحسب عليه، فهي في نهاية الأمر حكومته التي اختار رئيسها. من جهة ثانية، فإن الأزمة تزداد عمقا بتلميح الرئيس أكثر من مرة إلى ضعف شرعية البرلمان، وإلى شكوى من دور الأحزاب وخلافاتها، وهو ما يشير إلى رغبته بتغيير النظام السياسي برمته، وقد يؤدي بالتالي إلى قتل الحالة السياسية النشطة في تونس منذ الثورة، فلا سياسة بدون أحزاب، ولا ديمقراطية حقيقية بدون برلمان قوي يتمتع بشرعيته وصلاحياته الكاملة التي يكفلها الدستور، وبالطبع فإن التشكيك في شرعية البرلمان من جانب الرئيس يأخذ أبعاد غامضة في أعقاب خطاب تكليف الرئيس لهشام المشيشي؛ إذ قال في كلمته القصيرة: «نحترم الشرعية ولكن آن وقت مراجعتها حتى تكون بدورها تعبيراً صادقاً وكاملاً عن إرادة الأغلبية”. ولقد بدأ سعيّد فعلاً هذه المراجعة عندما تجاهل “بوعي” كل الأسماء المقترحة من الأحزاب، وهو السلوك الذي لم يكن من باب الصدفة، بل تمّ بوعي حين عمد سعيّد إلى تجاهل مقترحات الأحزاب، رافضاً بوضوح التعامل إيجابياً مع البرلمان، في رسالة مبطنة مفادها عدم استعداده للتنازل عن أي صلاحية من صلاحياته، لمن يعتبرهم غير ممثلين حقيقة لإرادة الشعب التونسي، رغم انتخابهم من قبل المواطنين قبل أقل من سنة، يفهم من ذلك أن الرئيس يعتبر الديمقراطية التمثيلية تزييفا ومنظومة تجاوزتها حركة التاريخ. بناء عليه قرر أن يهمّش الأحزاب، مجهّزاً الأرضية لدفنها تدريجياً، ويعتمد في ذلك على شرعيته الانتخابية التي لا تزال استطلاعات الرأي تؤكدها رغم تراجع نسب المؤيدين له، إثر خسارته نحو 10 نقاط بعد تسعة أشهر من ممارسته السلطة. من جهة ثالث، تعتبر الطريقة التي اعتمدها سعيّد لتعيين المشيشي مثيرة للجدل، ويراها البعض تجاوزاً لمقتضيات الدستور، فاستناد سعيّد إلى الفصل 80 الذي يسمح لرئيس الجمهورية بتعيين رئيس حكومة جديد تحت ظرف “خطر داهم”، يفسّره البعض بكونه تأويلا غير دقيق للدستور، نظرا لتضمنّه تجاوزاً صريحاً للصبغة البرلمانية للنظام الذي تم اختياره من قبل المجلس الوطني التأسيسي (2014)، وهو ما تم تثبيته في الفصل 89، الذي ينصّ على أن الحكومات تنبثق عن البرلمان وأن الحزب الأول هو الذي يختار رئيس الحكومة، وأن رئيس الجمهورية ملزم بإجراء مشاورات مع هذا الحزب. غير أن سعيّد قفز عن هذا المسار، ولم يأخذ بعين الاعتبار موازين القوى الحزبية، بل اتجه نحو تشكيل حكومة الرئيس بامتياز. ويتوقع البعض أنه سيتعامل مع المشيشي كوزير أول وليس كرئيس حكومة بجميع صلاحياته الدستورية. ولرئيس الجمهورية الحق في الإشراف على الحكومة وتسييرها، ويعني هذا أن النظام السياسي خضع لتغييرات كبرى (تمثل انقلابا) من دون أن يتم الاتفاق حول محتوياتها وآلياتها. من جهة رابعة، يحاول الرئيس النأي بنفسه عن الإسلاميين وحركة النهضة، خصوصا بعدما دعمته الحركة بقوة في جولة الإعادة بانتخابات الرئاسة، ويبدو أنه يخشى من تصنيف نظامه للمحور التركي القطري الذي يدعم الربيع العربي وحق الشعوب وضمنها الحركات الإسلامية في المشاركة السياسية وصنع القرار على أسس ديمقراطية، لكن خشية الرئيس التونسي من مخاطر هذا التصنيف تميزت بالشطط والغلو الذي أفضى إلى قطيعة بين رئاسة الجمهورية وحركة النهضة، ولا يخفي سعيّد رغبته في تقليص حجم ودور رئيس البرلمان، رئيس الحركة، راشد الغنوشي. يدلل على ذلك مواقفه ورؤيته للأشياء، والتي يتبين من خطواته وتوجهاته السياسية أنه يتعمد حشر حركة النهضة في زوايا ضيقة، ويسير بنسق متسارع نحو تثبيت أولويته بالشرعية الحقيقية، وأن النهضة وبقية الأحزاب تتحرك في مجال لا يعكس حقيقة توجهات الرأي العام. وهو ما فهمه رئيس الحكومة المستقيل إلياس الفخفاخ حين عمد إلى إقالة وزراء النهضة رغم أن حكومته أصبحت حكومة تصريف أعمال.[[2]] وأشار الغنوشي إلى ذلك على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”…