دراسة..التفجيرات بالمؤسسات الإيرانية.. الأهداف والتداعيات والمآلات المستقبلية
الأحد الماضي، وقع حريق في مجمع “تندكويان” على ضفاف الخليج جنوب البلاد، بعدما تسرّبت مواد نفطية شديدة الكثافة في وحدة “بي تي إي” في مجمع “تندكويان” للبتروكيماويات، ويعد المجمع الذي وقع فيه الحريق، من أهم مراكز البتروكيماويات في إيران، كما شهدت إيران سلسلة تفجيرات هزّت مواقع عدّة، أبرزها في منشأة نطنز النووية، التي تقع على بعد 250 كيلومتراً جنوب العاصمة طهران، وهي أكبر منشأة لتخصيب اليورانيوم في البلاد. ونقلت “وكالة الأنباء الإيرانية” يوم الأحد عن بهروز كمالوندي، المتحدث باسم “منظمة الطاقة الذرية” قوله إن الحريق الذي اندلع في محطة نطنز النووية، يوم الخميس 2 يوليو، أحدث أضراراً جسيمة في المنشأة، وذلك على الرغم من الطبيعة الأمنية التي تتمتّع بها المنطقة الممتدة من محيط مدينة قم والطريق الدولي الذي يربط بينها ومدينة أصفهان والتي تُعتبر من الأعلى على مستوى إيران، لأنها تشمل محيط أهم وأبرز المنشآت النووية من محطة فردو إلى مفاعل أراك ومنشآت كاشان الموصولة عبر الجبال بمنشأة نطنز، وتخضع هذه المنطقة لمراقبة أمنية وحراسة مشدّدة لا تسمح لأي طرف بالتحرك في هذا المحيط ما لم يكن من أبناء المنطقة، ما يعني أن إمكانية حصول تسلّل لمجموعة تخريبية من خارج المنطقة والوصول إلى داخل هذه المنشأة يكاد يكون صعباً وشبه مستحيل، ما يسمح باستبعاد احتمالية حصول اختراق من الخارج. وتحدثت وكالة هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية يوم الجمعة 10 يوليو، عن دوي انفجار سُمع في غرب العاصمة طهران، ولم تقدم الهيئة أي معلومات إضافية عن سبب الحادث الذي وقع في “كرمدره” وبلدة “قدس”، لكنها ذكرت أن الكهرباء انقطعت في منطقة الانفجار بالضواحي الواقعة غرب طهران، كما أعلنت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية “إرنا” قد أفادت، يوم الثلاثاء 7 يوليو، بأن انفجاراً وقع في مصنع للأكسجين في مدينة باقر شهر، ما أدى إلى مقتل شخصين، في حين قالت السلطات إن الانفجار ناجم عن خطأ بشري، وفي 30 يونيو قُتل 19 شخصاً على الأقلّ جرّاء انفجار قوي هزّ مركزاً طبياً في شمال طهران، ونفى قائد شرطة العاصمة حسين رحيمي أن يكون الحادث ناجماً عن عمل “تخريبي“ وفي 26 يونيو، وقع انفجار في شرق طهران بالقرب من قاعدة بارشين العسكرية وقالت السلطات حينها إنه ناجم عن تسرّب في منشأة لتخزين الغاز في منطقة خارج القاعدة. مخاطر جمة تلك الانفجارات المتكررة، والتي تتعدد بشأنها الروايات الإيرانية، والأخرى الغربية، تكشف أن هناك خطرا محدقا بإيران ومشروعها النووي، سواء أكان التهديد من الداخل أو الخارج، حيث تتطال الانفجارات والحوادث الخطيرة، مواقع حيوية واستراتيجية شديدة الحراسة، بدءاً من منشأة نطنز النووية ومواقع تابعة لـ”الحرس الثوري”، وانتهاء بمناطق صناعية وبتروكيماوية، وخطوط أنابيب غاز من دون أن تعتقل السلطات أي شخص، وعلى الرغم مما يُشاع عن تدبير الاستخبارات الإسرائيلية، أو الأميركية لهذه الضربات، إلا أن ما يثير التساؤل هو كيف تمكن طرف معادِ لإيران من شن كل هذه الهجمات المتتالية خلال أسبوعين فقط، وكيف فشلت أجهزة الاستخبارات الإيرانية مراراً في وقف الهجمات، أوالإمساك بمرتكبيها، وما إذا كانت طهران تعتزم الرد؟ وبغض النظر عن أي تفسيرات وتحليلات، فإن مجرد حصول تفجير داخل هذه المنشآت، يُعدُّ حدثاً أو حادثاً غير طبيعي ويحمل الكثير من الدلالات، حتى إن لم يكن بفعل فاعل من الخارج – خارج البلاد، أو من خارج الحزام الأمني الذي يحيط بهذه المنشأة وأخواتها الأخرى. ولعل ما يثير الكثير من التكهنات أن الرواية الإيرانية حول ما حدث، تجعل الباب مفتوحا على جميع الاحتمالات، بين الخطأ البشري الذي يبدو أن طهران تميل إلى تكريسه كتفسير رسمي لما حصل، وبين تفجير مفتعل، وهو ما عزّزته وكالة الأنباء الرسمية “إرنا” التي أشارت إلى ضرورة حصول أو إحداث تغيير في الاستراتيجيات الإيرانية في التعامل مع الحادث، إذا ما كانت واشنطن تقف وراءه أو تل أبيب، لأنه يمسّ بالخط الأحمر الإيراني، والتي إذا ما تم التغاضي عن المساس بها، فإن إمكانية تكرارها تصبح أكثر وقعاً وخطراً على منظومة الردع الوطنية. تفسيرات ما يحدث! ولعل التفسيرات العديدة للحوادث الانفجارية، ومحاولة تفكيكها، يذهب بعضها إلى أن إيران قد تكون تعاني من ضعف بنيوي وهشاشة أمنية، سمحت بوقوع الحوادث، سواء بسبب الاهمال أو التراخي الأمني، ومن جانب آخر، تذهب بعض التحليلات نحو مخطط امريكي اسرائيلي، قد استهدف إيران. ضعف إيراني ولعل صعود تفسير الضعف والترهل الإيراني، الذي قد يكون عاملا مساعدا في تسهيل تنفيذ تلك الحوادث من الداخل او الخارج، مرتبط بالعديد من الشواهد او الفاعلين المحتملين، ومنها: نمور الوطن: وإذا ما تم تبنّي الرواية التي تتحدّث عن وجود اختراق عبر مجموعة “منشقين موجودين في الأجهزة الأمنية الإيرانية” ينتمون إلى جهة أطلقت على نفسها اسم “نمور الوطن”، وهو ما يمكن التأسيس عليه في حال كان التفجير بفعل أطراف معارضة للنظام استطاعت اختراق المنظومة الأمنية البشرية التي تقوم على حراسة هذا المرفق الحيوي، ما سمح لها بإدخال المواد التفجيرية وتركيبها، من دون التركيز على استهداف المباني الرئيسة، إنّما الاكتفاء بتوجيه رسالة مباشرة تكشف عن ضعف الأجهزة الإيرانية في توفير الحماية لأكثر المواقع أهمية للنظام. ولعل إعلان هذه المجموعة مسؤوليتها عن التفجير، والسياق الذي أتى به من خلال ما سرّبته هيئة الإذاعة البريطانية BBC عن تلقّيها معلومات عن حصوله قبل ساعتين من وقوعه، لا يلغي أو ينفي احتمالية أن يكون التفجير “مفتعلاً”، وأن جهات داخلية استغلّت هذه الجماعة المعارضة على ما فيها من خطورة وسلبيات وسهّلت عملية الوصول والتفجير، من أجل استخدام هذا الحادث في عملية الضغط على مراكز القرار في النظام لإجباره على تليين مواقفها الرافضة لأي حوار مع المجتمع الدولي. -أزمة أمنية: وعلى الرغم من أن أجهزة مكافحة التجسس الإيرانية تتمتع خلال السنوات الماضية بمستوى جيد وفقاً لتقارير غربية. فقد نجحت عملياً في الإيقاع بجواسيس بطريقة مهنية أقرب إلى مستوى القوى الكبرى في العالم، وعلى سبيل المثال، نجح النظام الإيراني بين أعوام 2010 و2013 في اختراق خلية تجسس تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه)، وتمكن من القضاء على عناصرها. كما اضطرت الولايات المتحدة، وإسرائيل إلى استخدام الاستخبارات الهولندية كي تتمكنا من اختراق النظام الأمني لبرنامج إيران النووي عبر استخدام فيروس “ستوكسنت” خلال عامي 2009، و2010. وتُعتبر هذه المنشآت بمثابة حصن دفاعي متطوّر ومجهّز بكل المنظومات الصاروخية المضادة للأهداف الجوية من طائرات وصواريخ من نوع “تور ام 1 وS300 وS200 ” التي طوّرتها إيران تحت اسم “سوم خرداد“، واستخدمت طهران المنظومة الأخيرة في إسقاط الطائرة الأميركية المسيّرة فوق مضيق هرمز قبل نحو عام من نوع BAMS-373D أو غلوبال هوك MQ-4 الأحدث في العالم والأكثر تطوّراً، علماً أن القيادات العسكرية في الجيش وحرس الثورة الإيرانيين أكدوا في الأيام الأخيرة أن قدرات إيران الصاروخية تسمح لها بإسقاط أي جسم طائر، إن كان صاروخاً أو طائرة مسيّرة…