‫الرئيسية‬ إفريقيا ماذا بعد فوز حسن شيخ محمود برئاسة الصومال؟
إفريقيا - مايو 24, 2022

ماذا بعد فوز حسن شيخ محمود برئاسة الصومال؟

ماذا بعد فوز حسن شيخ محمود برئاسة الصومال؟

 

 

بعد سلسلة من التأجيلات لأكثر من عام، ومع وجود التوترات السياسية والاجتماعية، علاوة على مرور الصومال بأسوأ موجة جفاف منذ أربعين عاما وهو الأمر الذي يهدد نحو 5 مليون صومالي من مناطق الجنوب والوسط، بجانب انفلات أمني كبير، وتهديدات سياسية، على خلفية عنف تشهده البلاد منذ عقود، والتناحر بين العشائر.

جاءت انتخابات الرئاسة الصومالية، التي جرت تحت حماية قوات الاتحاد الافريقي، بمطار مقديشيو، لتفتح بابا على مستقبل ينتظره الصوماليون، الذين يعانون الفقر والجوع والأمراض، وعلى وقع التفجيرات التي وقعت الأربعاء 11 مايو الجاري، وقبل ثلاثة أيام من موعد اجراء الانتخابات يوم الأحد 15 مايو الجاري، حيث أدى تفجير انتحاري تبنته حركة الشباب إلى إصابة سبعة أشخاص خلال تجمعات سياسية بالقرب من حظيرة الطائرات التي اجتمع فيها أعضاء البرلمان، كما اشتبك مقاتلون من جماعة إسلامية صوفية يوم الجمعة 12 مايو، مع القوات الحكومية للسيطرة على عاصمة إحدى الولايات”1″.

في ظل تلك الأوضاع المضطربة، أجريت الأحد 15 مايو الجاري، الانتخابات الرئاسية الصومالية، من خلال تصويت أعضاء البرلمان بمجلسيه المنتخبين عبر الانتخاب غير المباشر من قبل قادة العشائر وممثلي القبائل، على منصب رئيس الصومال. وذلك على ثلاثة مراحل، حيث شارك في الجولة الأولى 39 مرشحا، قبل أن تنحسر المنافسة بالجولة الثانية بين 4 مرشحين، وفي الثالثة بين حسن شيخ محمود والرئيس محمد عبد الله فرماجو.

وعلى أية حال فإن مجرد اجراء الانتخابات الرئاسية الصومالية، يعد انجازا نحو استكمال العملية السياسية وبناء المؤسسات بالبلد المأزوم سياسيا واقتصاديا وبيئيا. ووسط إجراءات أمنية مشددة وحراسة من قوات الاتحاد الإفريقي، وحظر لحركة الطيران وحظر تجوال في العاصمة مقديشيو، جرت الانتخابات على ثلاث جولات، وحصل شيخ محمود على 214 من أصوات أعضاء البرلمان بمجلسيه الشعب والشيوخ في اقتراع سري، مقابل 110 للرئيس المنتهية ولايته محمد فرماجو. وهو ما أهل محمود ليكون الرئيس العاشر للصومال لـ 4 سنوات قادمة.

يقدم الاستعراض التالي، قراءة في أهمية تلك الانتخابات ودورها في تخفيف مشكلات الصوماليين، وأبرز التحديات المستقبلية للرئيس الجديد، ومهامه العاجلة، مع قراءة مستقبلية في مآلات الأوضاع بالصومال..

أولا: أهمية الانتخابات الرئاسية:

وتبرز أهمية تلك الجولة الفاصلة من انتخابات الرئاسة الصومالية، كونها تمثل المعبر الذي يأمل من ورائه صوماليون ومجتمع دولي للخروج من حالة العنف والاضطرابات بالبلاد، وكذلك تحاوز مسارات صعبة تكتنف العملية السياسية، بجانب أن تلك الانتخابات هي الضمانة الأساسية لاستمرار برامج الدعم والمساعدات الاقتصادية الدولية.

1-تأهيل الصومال لاستمرار المساعدات الدولية:

ووفق تقديرات سياسية، تعد تلك الانتخابات مؤهلا لضمان استمرار حصول الصومال على مساعدات مالية من الخارج، عبر برنامج صندوق النقد الدولي الذي تبلغ تكلفته 400 مليون دولار. حيث أكدت مديرة صندوق النقد الدولي، في فبراير الماضي إنه لابد من تشكيل حكومة جديدة بحلول 17 مايو، حتى يتسنى للصومال مواصلة الحصول على دعم للميزانية من الصندوق. ويعتمد اقتصاد الصومال المثقل بالديون ونقص البنى التحتية على المساعدات الدولية. وكانت الخلافات قد هددت برنامج مساعدات من صندوق النقد الدولي، كان من المقرر أن يتوقف تلقائياً في 17 مايو إذا لم تصادق الإدارة الجديدة على إصلاحات محددة.  وطلبت الحكومة تمديد هذا الموعد النهائي مدة ثلاثة أشهر.

2- تجاوز التعطيل والخلافات السياسية بين الرئيس السابق والبرلمان:

وكانت الانتخابات مقررة منذ عام، لكنها تأجلت عندما حاول الرئيس “محمد عبد الله محمد” تمديد فترته الرئاسية المحددة بأربع سنوات لعامين آخرين، في خطوة أجهضها البرلمان ورئاسة الحكومة. وسبق تلك الانتخابات، الانتخابات البرلمانية في أبريل 2022. وقد جرت المنافسات على منصب الرئيس بين المرشحين البالغ عددهم 39، بينهم امرأة واحدة فقط وهي وزيرة الخارجية السابقة فوزية يوسف آدم. ويحق لنحو 329 برلمانياً من مجلسي النواب والشيوخ التصويت. وقد حالت الظروف الأمنية دون تصويت الصوماليين البالغ تعدادهم نحو 15 مليون، بشكل مباشر على منصب الرئيس. ومحمود، هو أكاديمي سابق وناشط في جهود السلام واتهمه المانحون بعدم القيام بما يكفي لمحاربة الكسب غير المشروع أثناء توليه المنصب”2″.

3- خطوة نحو الاستقرار:

وعلى الرغم من حجم المخالفات والأجواء السياسية غير المواتية للعملية الانتخابية، وشكاوى البعض من تأثيرات التحالفات العشائرية وشراء الأصوات، الا ان اجراء الانتخابات الرئاسية يمثل في حد ذاته خطوة مهمة نحو الاستقرار السياسي في البلد الأكثر اضطرابا في شرقي افريقيا. فمنذ أواخر عام 2020 وبسبب الخلافات وحالة الشد والجذب بين الأطراف السياسية الأساسية (الحكومة الفدرالية والولايات)، وهو ما أدى لاستمرار العملية الانتخابية نحو 9 أشهر منذ أغسطس 2021 الذي انطلقت فيه الانتخابات البرلمانية.

4-نظام انتخابي معقد:

ونظرا لتعقد النظام الانتخابي بالصومال، فإن مجرد تجاوزه واعتراف الأطراف المتنافسة بنتائج العملية الانتخابية، يعد انجازا مهما في حد ذاته. إذ تختلف الانتخابات الرئاسية الصومالية عن مثيلاتها في العالم، لاعتمادها على نظام المحاصصة القبلية كأساس لانتخاب أعضاء البرلمان بغرفتيه (مجلسا الشعب والشيوخ) بدلا من التصويت الشعبي المباشر الذي أجري لآخر مرة في الصومال عام 1969، إبان الحكم المدني الذي أطاح به العسكر بقيادة الجنرال محمد سياد بري في العام نفسه. وخلال حكم العسكر الذي استمر 21 عاما، كانت البلاد تحت حكم حزب واحد انفرد بإدارة دفة السياسة، فلم يكن التعدد الحزبي مسموحا به، مما جعل تنظيم انتخابات ديمقراطية أمرا مستحيلا، وبعد الإطاحة بالنظام العسكري من قبل فصائل مسلحة عام 1991 دخلت البلاد في حرب أهلية تسببت في انقسام الصوماليين وتمزق وحدة بلادهم. لكن وبعد محاولات عديدة فاشلة اتفق الصوماليون في مؤتمر انعقد بجيبوتي عام 2000 على بناء دولتهم من جديد من خلال التوصل إلى تشكيل حكم انتقالي يعتمد على المعادلة القبلية كحل مؤقت لانتخاب أعضاء البرلمان وتوزيع المناصب. وبعد خروج البلاد من المرحلة الانتقالية عام 2012 وتبني الصوماليين دستورا مؤقتا اتفقوا على تجاوز النظام القبلي كمعيار للانتخابات. وتم التوافق على تنظيم انتخابات مباشرة عبر صناديق الاقتراع كما يطالب الشعب الصومالي ومن ورائه المجتمع الدولي الذي يمول العملية السياسية في الصومال، غير أن هذا الحلم لم يتحقق كما كان مقررا، لا في عام 2016 ولا في 2020.

وترجع أسباب عدم إجراء الانتخابات كما تم التوافق عليها للفشل في تحقق جملة من الأمور الضرورية التي تمهد لهذا الإنجاز “مثل إعادة صياغة الدستور، وإجراء الاستفتاء عليه، وإجراء إحصاء سكاني، وتسلم القوات الحكومية الملف الأمني من بعثة الاتحاد الأفريقي الداعمة لها منذ 2007، وتحرير كل المناطق خارج سيطرة الحكومة، إضافة إلى إقناع إقليم أرض الصومال (بالشمال) المنفصل عن الصومال منذ عام 1991 بالعودة إلى حضن الصومال عبر حوار جاد”.، وفق خبراء تحدثوا لـ “بي بي سي عربي”، 12 مايو 2022″.وعلى غرار ما حدث في عام 2016 فإن الأطراف الصومالية تبنت في 2020 عملية انتخابية غير مباشرة واستمرار الاعتماد على المعادلة القبلية كمعيار لانتخاب أعضاء البرلمان، وذلك على الرغم من الخلافات الشديدة المتسببة في تأجيل العملية الانتخابية عن مواعيدها المحددة نتيجة سعي كل طرف لتحقيق الهيمنة على البرلمان ليمهد له ذلك الفوز بكرسي الرئاسة.  وعلى الرغم من الأخطاء الجسيمة التي شابت الانتخابات وطعنت في نزاهتها من المحسوبية وشراء الولاءات والمحاباة والانتقائية والإقصاء، بل والقتل وإراقة دماء، بما شمل مقتل المرشحة الشابة أمينة محمد التي كانت من أشد منتقدي الحكومة”3″. الا إن تقبل نتائجها بات أمرا ضروريا، لأن البديل هو الفوضى والمواجهة المسلحة. لذلك فإن وصول الانتخابات إلى نهايتها يمثل نصر للجميع.. وذلك لأن بديل الانتخابات واكتمالها هو الحرب الأهلية”4”.

5-مسار صعب:

وأيضا، تعد الانتخابات الصومالية الأكثر تعقيداً في التاريخ السياسي الحديث، فقد استغرقت في مسار امتد عامين، وهي أضعاف المدة التي يستغرقها إجراء انتخابات أكبر ديمقراطية انتخابية في العالم، الهند، التي يصوّت فيها أكثر من 600 مليون شخص، بينما تقتصر الانتخابات في الحالة الصومالية على تصويت 329 عضواً برلمانياً. ويعود هذا إلى أنها تجري بصورة غير مباشرة، لا يصوت فيها الشعب، بل يختار الرئيسَ البرلمان بغرفتيه، مجلسي الشعب (275 عضواً) والشيوخ (54)، وهم أيضاً لا يختارهم الشعب، بل تجري عملية اختيارهم بآلية متشعبة ومعقدة؛ فمجلس الشعب يختاره 27775 مندوباً معيناً من شيوخ العشائر الذين تعيّنهم إدارات الولايات الفيدرالية الصومالية الخمسة (بينهم ممثلون عن صومالي لاند ُتسجّل أسماؤهم في مقديشو). بينما تعيّن أعضاء مجلس الشيوخ حكومات الولايات الإقليمية، وفي النهاية يحدّد مجموع نواب هذين الغرفتين هوية رئيس البلاد.

6-خطوة بطريق الانتقال الديمقراطي:

كما تكمن أهمية هذه الانتخابات الرئاسية في أنها قد تكون مقدمة لتجاوز البلاد المأزق السياسي الذي عاشت فيه في الفترة الأخيرة، وهو ما كان يهدد الاستقرار السياسي والأمن النسبي الذي أنجزته الحكومات السابقة. فضلاً عن احتواء المعضلات الأمنية التي تشهدها مقديشو ومناطق أخرى في البلاد، نتيجة التفجيرات التي ينفذها مسلحون.

ثانيا: أبرز التحديات التي تنتظر الرئيس شيخ محمود:

وعلى الرغم من انتهاء العملية الانتخابية، إلا أنه تنتظر الرئيس الجديد العديد من التحديات، من أبرزها:

1-الأزمة الاقتصادية:   

وهي تعد العقبة الكؤود التي تواجه الصومال بالأمس واليوم وغدا. فمؤخرا، حذرت وكالات تابعة للأمم المتحدة، من أن 81 ألف شخص يواجهون خطر المجاعة في أجزاء من الصومال، مع استمرار الجفاف وتضاؤل تمويل جهود الإغاثة وارتفاع أسعار الأغذية في العالم لأسباب من بينها الحرب الأوكرانية الروسية. وسجلت أسعار الأغذية ارتفاعات قياسية جديدة في مارس الماضي، بالصومال. وفي نفس الوقت، تواجه منطقة القرن الأفريقي أشد مواسم الجفاف منذ أكثر من 4 عقود لعدم سقوط الأمطار للعام الثالث على التوالي، في وقت ترجح فيه أنماط سقوط الأمطار فشلا جديدا هذا العام. وقالت وكالات الأمم المتحدة العاملة في مجالات الأغذية والإغاثة الإنسانية والطفولة، إن المجاعة يمكن أن تشتد في الصومال خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، إذا لم يتزايد التمويل، وإذا ارتفعت الأسعار مجددا بسبب الصراع في أوكرانيا، ولم تسقط الأمطار في القرن الأفريقي لرابع موسم على التوالي. وذلك وفق تقارير نقلتها وكالة رويترز للأنباء. وتتزايد التحديات الاقتصادية التي تواجهها الرئاسة الجديدة، فقد حذر نائب ممثل الأمم المتحدة لدى الصومال، مدير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية للبعثات الأممية آدم عبد المولى، في مقابلة مع “العربي الجديد”، من مغبة حدوث أزمة مجاعة في البلاد قريباً، بسبب توسع رقعة الجفاف. وقال: في الأعوام القليلة الماضية زاد عدد المحتاجين في الصومال إلى الغوث الإنساني من 5.9 ملايين في عام 2021 إلى 7.7 ملايين شخص عام 2022، و6.1 ملايين من المتضررين من كارثة الجفاف بحاجة إلى إغاثة عاجلة. ومن بين هؤلاء 4.9 ملايين شخص يواجهون حالياً تداعيات الجفاف ويفتقدون المياه والأغذية والرعاية الصحية، ومن بين هذا المجموع 1.4 مليون طفل يواجهون خطر سوء التغذية، وحوالي 350 ألف طفل معرضون لسوء تغذية حاد، وهو ما يمكن أن يودي بحياتهم إذا لم يكن هناك تدخل عاجل لإنقاذهم من براثن الموت.

ومن المناطق الأكثر تضرراً بكارثة الجفاف؛ أقاليم باي وبكول وجوبا الوسطى وجوبا السفلى في الجنوب، وإقليم هيران وجلجدود (وسط البلاد)، وبري ونغال (شمال شرق)، سول وسناغ وتكطير (إقليم أرض الصومال). ونتيجة تراكم تلك العوامل إلى جانب أعباء الديون الخارجية، تأثرت عجلة الاقتصاد في البلاد سلباً؛ إذ تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 71% من الصوماليين البالغ عددهم نحو 15 مليونا يعيشون تحت خط الفقر. وتوفر الحكومة الصومالية فقط نحو 35 %من الميزانية السنوية في حين يساهم الدعم الخارجي بـ 65 % منها. وتتجه البلاد نحو مجاعة مثل تلك التي حدثت في 2011 وخلفت 260 ألف وفاة. ولا تملك الحكومة سوى موارد قليلة لدعم سكانها لكن سيكون لها دور تلعبه في استنهاض المجتمع الدولي والتنسيق. ويعتمد اقتصاد الصومال المثقلة بالديون وتعاني من نقص البنى التحتية على المساعدات الدولية. فيما الخلافات القبلية والسياسية، هددت برنامج مساعدات من صندوق النقد الدولي، كان من المقرر أن يتوقف تلقائياً في 17 مايو الجاري، إذا لم تصادق الإدارة الجديدة على إصلاحات محددة. وطلبت الحكومة تمديد هذا الموعد النهائي مدة ثلاثة أشهر.

أما النمو الاقتصادي الذي قدر بنحو 2,9 % في 2019 فقد تباطأ في 2020 بسبب وباء كوفيد-19 واجتياح أسراب الجراد مناطق وفيضانات مما أدى إلى انكماش الاقتصادي بنسبة 1,5% حسب البنك الدولي، وكان بنك التنمية الأفريقي يتوقع نمواً بنسبة 2,9% في 2021 و3,2% في 2022 وهي نسب “تبقى أقل من تقديرات ما قبل كوفيد-19”.

2-دور إماراتي مشبوه:

ومنذ وقت بعيد تلعب الامارات في الخلفية الصومالية، مستغلة حالة الانقسام السياسي، ودخلت في صراعات سياسية وتجارية وامنية عدة، ودعمت انفصال اقليم شمال الصومال، والتي تمتلك فيه أكبر القواعد العسكرية، كما تستهدف الامارات السيطرة على القرار السياسي الصومالي، في سبيل سيطرتها على الموانئ الاقليمية في الصومال، حيث تمتلك اجندة امنية تستهدف السيطرة على خطوط الملاحة الاقليمية في البحر الاحمر، وشرق افريقيا. ومؤخرا، وفي يناير 2022، ثارت الازمات السياسية بالداخل الصومالي، إثر اموال مشبوهة دخلت الصومال بطرق غير شرعية. وفي يناير الماضي، أوعز الرئيس السابق محمد فرماجو إلى البنك المركزي في بلاده بعدم الإفراج عن أموال إماراتية احتجزتها بلاده عام 2018، بذريعة أنها “مشبوهة”. جاء قرار فرماجو وفق بيان أصدرته الرئاسة الصومالية، عقب ساعات من إعلان رئيس الوزراء محمد حسين روبلي استعداد مقديشو تسليم تلك الأموال للإمارات، وسعيها لفتح صفحة جديدة مع أبو ظبي. كان روبلي قد أعلن الجمعة، 7 يناير 2022، في بيان على فيسبوك، بمناسبة تسلمه حزمة مساعدات إنسانية من سفير الإمارات محمد أحمد العثمان، “سعي بلاده لفتح صفحة جديدة مع أبو ظبي، واستعدادها للإفراج عن الأموال الإماراتية”، معرباً عن “أسفه” إزاء الحادثة.

وتعود قضية هذه الأموال إلى 9 أبريل 2018، عندما أعلنت وزارة الأمن الداخلي الصومالية ضبطها مبلغاً مالياً قدره 9 ملايين و600 ألف دولار، كان على متن طائرة بوينغ 737 في مطار مقديشو بذريعة أنها أموال “مشبوهة”. فيما احتجت سفارة أبو ظبي في مقديشو آنذاك على حجز تلك الأموال التي تعود للسفارة، وكانت مخصصة لدفع رواتب وحدات من الجيش الصومالي دربتها الإمارات في مقديشو وإقليم بونتلاندا. وللإمارات أجندة خفية في القرن الافريقي والصومال تحديدا، حيث تطمح للسيطرة على أكبر بلد افريقي يمتلك سواحل بحرية على البحر الأحمر، الذي تسعى للسيطرة على كل موانيه بعد سيطرتها على ميناء عدن اليمني، وقربها من مضيق باب المندب، المدخل الجنوبي لبحر العرب. ومن ضمن أجندة الامارات، استغلال الخلافات بين الصومال وأرض الصومال الانفصالية التي ى تعترف بها أي دولة، إلا أن للإمارات وجود ملموس في هذه المنطقة.

ففي مارس عام 2018 أعلن رئيس أرض الصومال، موسى عبدي أن الإمارات ستدرب قوات أمن في المنطقة في إطار اتفاق لإنشاء قاعدة عسكرية إماراتية هناك. وبدأت الإمارات في عام 2017 إنشاء قاعدة على موقع بمطار مدينة بربرة في الإقليم وسمح لها بالبقاء فيها لمدة ثلاثين عاما. وتقع بربرة على بعد أقل من 300 كيلومتر إلى الجنوب من اليمن. وفي أكتوبر الماضي دشنت شركة موانئ دبي العالمية مشروعا بقيمة 101 مليون دولار لتوسيع ميناء بربرة. ويتم عبر الميناء تصدير الإبل إلى الشرق الأوسط واستيراد الغذاء وغيره. وقالت موانئ دبي العالمية إن المرحلة الأولى من التوسعة ستشمل بناء رصيف بطول 400 متر وأيضا تطوير منطقة حرة وإن شركة شفا النهضة الإماراتية هي مقاول المشروع. لكن إطلاق المشروع يأتي وسط معارضة من الصومال الذي يعتبر أنه ينتهك سيادته. وقال مسؤولون بارزون إن مثل هذه الاتفاقات تجاوز على السلطة الشرعية لمقديشو. ووفق تقرير لنيوزويك الأمريكية، فإن أنظار الحكومة الإماراتية اتجهت إلى الصومال ضمن خطة للاستثمار في الدول المطلة على خليج عدن ودول القرن الأفريقي (وتحديدا الصومال، جيبوتي، إثيوبيا، إريتريا)، هذا بجانب الصراع الدائر في اليمن لبسط النفوذ على المنطقة المحيطة بمضيق باب المندب.

ولم تكن الصومال الخيار الأول للإمارات. ففي عام 2006، دشنت الإمارات استثماراتها في المنطقة مع جيبوتي، إذ وقعت شركة موانئ دبي عقد امتياز مع ميناء “دوراليه”، حصلت بموجبه على امتياز إداري واستثماري لمدة 50 عاما. وتأسست آنذاك شركة جديدة لإدارة الميناء باسم “دي سي تي”، امتلكت الهيئة الوطنية لموانئ جيبوتي 67% منها، مقابل 33% لموانئ دبي، لكن بدءا من عام 2012، حاولت حكومة جيبوتي مرارا تعديل الاتفاق، اعتراضا على عدة بنود، من بينها حقها في بناء موانئ أخرى، والإدارة الإماراتية للميناء رغم امتلاك جيبوتي للحصة الأكبر. فلجأت الإمارات للتعاون مع أرض الصومال وإقليم “بونت لاند” المسيطر على ميناء بوصاصو بعد فشلها في التوصل لاتفاق مع حكومة مقديشو المعترف بها دوليا وفشل الطرفان في التوصل إلى اتفاق، حتى فسخت حكومة جيبوتي العقد في فب راير018 بسبب “تعارضه مع المصالح الأساسية للدولة”. وهنا أدركت الإمارات ضرورة البحث عن بدائل في المنطقة، بعدما أصبح جليا سعي دول أخرى، من بينها قطر وتركيا والصين، للحلول محلها. وفي أواخر عام 2016، وقعت موانئ دبي مع أرض الصومال عقد امتياز لإدارة وتشغيل ميناء بربرة لمدة 30 عاما. ويعد التمدد الاماراتي بمنطق الصومال الانفصالية تحديا كبيرا لأي حكومة، اذان التلاعب السياسي والغوط السياسية والاقتصادية على الصوماليين تدفع نحو مزيد من عدم الاستقرار..

3- أطماع دولية:

وترتبط الصومال التي تحظى بموقع استراتيجي في القرن الإفريقي بعلاقات مع العديد من القوى الدولية التي تدعم الحكومة الحالية، وتملك العديد من هذه الدول نفوذاً سياسياً واقتصادياً وحتى عسكرياً داخل البلد الذي يمتلك أطول حدود بحرية في القارة الإفريقية، وعانى طويلاً من الحرب الأهلية، وبالتالي فإن أي أزمة داخلية قد تهدد استقرار البلاد، ستؤثر على مصالح هذه الدول، وتستدعي على الفور موقفاً منها. وهو ما ينذر بتدخلات خارجية عدة بالصومال. حيث تتسارع دول الصين وتركيا وقطر والامارات، بجانب الضغوط المتصاعدة من اثيوبيا، التي تعد موانئ الصومال المخرج والمدخل الأساس لصادرات وواردت اديس ابابا. كما يشمل الصراع المصري الاثيوبي على دول الجوار، لضمها إلى مساندته في قضية سد النهضة، مثار للصراعات والتوترات بين الصومال واثيوبيا، فمؤخرا أعلنت مصر عن تقارب عسكري بينها وبين الصومال، على الفور اعلنت الحكومة الصومالية أنها تؤيد موقف جارتها اثيوبيا، كما رفضت استلام مساعدات انسانية من مصر على متن طائرة عسكرية..

4- التشرذم الداخلي بين الاقاليم الصومالية:

ووفق تقديرات استراتيجية، نقلها موقع ايلاف، أدت رئاسة فارماجو السابقة إلى تصاعد الخلافات بين الحكومة الفدرالية وبعض المناطق وخصوصاً جوبالاند وبونتلاند التي تعارض رغبة رئيس الدولة في تعزيز سلطات مقديشو الفدرالية. وشهدت جوبالاند خصوصاً معارك بين القوات الفدرالية والمحلية. وهو ما يرشح تكراره بالفترة المقبلة، وتمثل تحديا مستقبليا..

5-حركة الشباب الاسلامي: 

وهي من أبرز التحديات التي تواجه الادارات الصومالية، والتي تؤثر على الامن والتنمية بالبلاد المأزومة. وتواجه البلاد منذ 15 عاماً تمرداً من حركة الشباب. ووفق تقرير لنيويورك تايمز، ترجمته “عربي 21″، قال خبراء إن حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة استغلت عدم الاستقرار السياسي والانقسامات المريرة بين القوات الأمنية للتوسع واكتساب القوة. وبعد أكثر من 16 عاما، أصبح للتنظيم الآن صلاحيات واسعة، مثل؛ ابتزاز الضرائب، والحكم في قضايا المحاكم، وإجبار القُصر على الانضمام إلى صفوفه، وتنفيذ تفجيرات وإدارة كثير من الشؤون المحلية وفق رؤيتهم العقدية. وفي الأسابيع التي سبقت التصويت، الانتخابي الأخير، قتلت الحركة مدنيين بما في ذلك في مطاعم على شاطئ البحر، وشنت هجوما كبيرا على قاعدة للاتحاد الأفريقي، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 10 أفراد من قوات حفظ السلام من بوروندي. وبحسب حسين شيخ علي، مستشار الأمن القومي السابق للرئيس محمد فرماجو ورئيس معهد هيرال، وهو مركز أبحاث في مقديشو، إن المعارك السياسية التي طال أمدها، وخاصة بشأن الانتخابات، قوضت قدرة الحكومة على تقديم الخدمات الرئيسية، حتى مع تخفيف الديون ودفعها للانضمام إلى النظام المالي العالمي. وهو ما مكن حركة الشباب من شغل الفراغ الحكومي، بتسيير الشؤون المحلية والمحاكم التي بات يفضلها كثير من المواطنين، لقدرة الحركة على تنفيذ الأحكام سريعا على عكس الحكومة. ووفق شهادات نقلتها الصحيفة الأمريكية، يسافر الكثيرون في مقديشو بانتظام إلى مناطق تبعد عشرات الأميال شمالي المدينة لسماع قضاياهم في المحاكم المتنقلة التي تديرها حركة الشباب.  حتى قضاة الحكومة ينصحون المواطنين سرا بالذهاب إلى محاكم الشباب. كما يدفع التجار ضرائب لحركة الشباب خوفا من التهديدات لأعمالهم وحياتهم. ويصف بغض التجار حركة الشباب كـ “جماعة مافيا عليك إما أن تطيعهم أو تغلق عملك. لا توجد حرية”.

وتمكنت حركة الشباب من توسيع قاعدتها الضريبية لأن “المسؤولين المنتخبين كانوا مشغولين للغاية في السياسة بدلا من تطبيق السياسات”، وفي 30 مارس الماضي، وافقت الأمم المتحدة على بقاء القوة الافريقية الموجودة في الصومال منذ 2007 في مهمة أعيدت صياغتها وسميت “أتميس”. وهي تقضي باتباع استراتيجية هجومية أكثر جرأة يرافقها انسحاب تدريجي ينتهي بحلول نهاية 2024. كما أن الإدارة الجديدة يمكن أن تطلب “إعادة التفاوض” على جوانب محددة من هذه الخطة التي تمت المصادقة عليها في عهد فارماجو. فيما يذهب البعض إلى أنه بعد 15 عاماً من العمل العسكري ربما حان الوقت “للتفكير في مسار سياسي، قد يقرأ ملامحه من الإشارات الواردة من الإدارة الجديدة واللهجة التي ستتبناها (تجاه الشباب) ستكون مهمة جداً منذ البداية. وحتى إذا كانت حركة الشباب غير مستعدة حالياً، يتعلق الأمر يفتح قناة، لتهيئة الأرضية.

ثالثا: سيناريوهات المستقبل:

وأمام التطورات الحادثة بالصومال من انتخابات يرنو من وراءها الصوماليون نحو الاستقرار السياسي، فيما التحديات متعاظمة، يبرز في الأفق السياسي العديد من السيناريوهات، تحدد المستقبل القريب للبلاد..

أ-السيناريو الأول: اتجاه الصومال نحو الاستقرار:

وذلك في ضوء التوافق السياسي على رئيس جديد يبدو أكثر حنكة وتوافقا مع البرلمان، والتعاطي مع المجتمع الدولي واتجاهه لعقد تصالح مع القوى الصومالية وانتهاج سياسة توافقية..

ويتوقف السيناريو على عدة محددات، من ضمنها:

أ-شخصية الرئيس شيخ محمود: حيث يمثل محمود شخصية وازنة بين القبائل والأطراف الصومالية، ويتسم بسياساته التوافقية، التي تحتاج إليها الصومال، في ظروفها الحالية. وكان محمود (67 عاما) قد تولى الرئاسة سابقا بين أعوام 2012 و2017. وهو من مواليد مدينة جللقسي وسط الصومال، ويتمتع برصيد سياسي كبير بالبلاد، وينحدر من قبيلة “أبغال”، إحدى أكبر القبائل الصومالية، ويتمتع برصيد سياسي كبير بالبلاد، كونه أكاديمي وناشط وسياسي. ويرأس حزب “السلام والتنمية”، الذي أسسه في 2011، كما له عدة إنجازات، تنمويا وسياسيا وأمنيا وسبق أن عمل شيخ محمود، الذي يتحدث اللغتين الصومالية والإنجليزية، في منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) كمسؤول تربوي في جنوب ووسط الصومال. وفي عام 1999، شارك في تأسيس “المعهد الصومالي للإدارة والتنمية الإدارية” بالعاصمة مقديشو، قبل أن يؤسس في 2011، حزب “السلام والتنمية”، الذي لا زال يرأسه. كما دخل شيخ محمود غمار السياسة لأول مرة في 2012، كرجل أكاديمي وناشط بالمجتمع المدني، وعرف محليا بـ “رجل المفاجآت” بعد فوزه بسباق الانتخابات الرئاسية آنذاك. في مواجهة كبار السياسيين، ومنهم الرئيس الأسبق شريف شيخ أحمد. ولدى وصوله للسلطة، اشتهر بسياسة توافقية، حيث استطاع تحقيق توافق بين أطياف المجتمع الصومالي، ومع رؤساء الولايات الفيدرالية الذين غالبا ما يخوضون صراعات سياسية مع القصر الرئاسي. ووفق تقديرات سياسية، يعتبر شيخ محمود رجل الفدرالية الصومالية، حيث تمكن خلال توليه الولاية الرئاسية الأولى، من تأسيس النظام الفدرالي، عبر تقسيم البلد إلى ولايات فدرالية. ورغم أن الدستور الصومالي المؤقت لا يفصل بين صلاحيات الحكومة ورؤساء الولايات الفدرالية، إلا أن محمود استطاع العمل مع رؤساء الولايات، عكس السنوات الخمسة الماضية التي كانت مليئة بالخلافات، وصلت أحيانا بتهديد بعض الولايات بقطع علاقتها مع الحكومة.

ولمحمود سجل من الإنجازات والمشاريع التنموية، ويعد مطار مقديشو الدولي أحدها، حيث جرى إنشائه من قبل شركة تركية، وجرى افتتاحه في 2014، بحضور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. ودوليا، أبقى علاقات الصومال هادئة ومبنية على التعايش والاحترام المتبادل، خاصة مع دول الجوار”5″. وأمنيا، لعب شيخ محمود، دورا مهما في تحرير عدة مناطق بالبلاد من قبضة حركة “الشباب” المسلحة (تتبع فكريا لتنظيم القاعدة)، حث جرى تحرير 36 مدينة من الحركة خلال ولايته الرئاسية الأولى. وخلال جلسة أدائه اليمين الدستورية، الاثنين 16 مايو، أكد محمود في كلمة مقتضبة إنه لا مجال للانتقام السياسي، ودعا الصوماليين إلى فتح صفحة جديدة للتسامح من أجل بناء وإعادة كرامة الصومال. وتابع: “إنه يوم تاريخي، وأشكر الرئيس السابق فرماجو ورئيس الوزراء محمد حسين روبلي ورؤساء الولايات الفيدرالية واللجان الانتخابية وكل من ساهم في إجراء هذه الانتخابات التاريخية”.

ب- اعتراف الأطراف الصومالية بنتيجة الانتخابات: وبحسب الأناضول، هنأ الرئيس السابق فرماجو الرئيس الجديد، وتعهد بالعمل معه. وبحسب المتابعين للشأن الصومالي، فإن انتخاب حسن شيخ محمود بكرسي الرئاسة من شأنه إنهاء فصول من التجاذبات السياسية كادت أن تعصف باستقرار البلاد”6″.

ج-رغبة دولية في تصفير الأزمات بالصومال: حيث بات الكثير من أطراف الدولية مشغولة بقضايا أخرى حيث تتجه أنظار العالم نحو الازمة الاوكرانية، والصراع الروسي مع الغرب، بجانب أزمات الاقتصاد العالمي وجائحة كورونا. بجانب التقارب السياسي بين مصر والامارات، وهو ما ينعكس بلا شك على دعم جهود الاستقرار في الصومال، التي تراهن عليها مصر في دعمها بملف سد النهضة..

2-السيناريو الثاني: استمرار الصراعات والتوتر:

بينما يذهب مراقبون إلى أن الانتخابات الرئاسية الأخيرة، لن تقدر على انهاء حالة الاستقطابٍ الحادّ التي تعايشها الصومال. حيث تتفاقم العقبات الملحة أمام أي رئيس. ويدعم هذا السيناريو عدة متغيرات منها:

أ-تعمق الخلافات وتجذرها بالمجتمع الصومالي: إذ أن نخب البلاد السياسية غارقة في تسجيل نقاط في داخل لعبة النظام الانتخابي، من خلال تدجين القاعدة العشائرية ومجموعات المصالح وستبقى المشكلات الكبرى التي يعانيها الصومال عالقة، مثل مواجهة الجفاف التي تقول بصدده المنظمات الدولية إن أكثر من 3.5 ملايين شخص باتوا في حاجةٍ إلى مساعدات غذائية، وملف الإرهاب..

ب- صعوبة عملية الانتقال الديمقراطي: علاوة على صعوبة عملية استكمال بناء المؤسسات، مثل الجيش الوطني والدستور، والمصالحة الوطنية، ونقل البلاد الى نظام الأحزاب والانتخابات المباشرة، وغيرها من تحدّياتٍ كثيرة، ستبقى كلها تراوح في مكانها..”7″

ج- تصاعد الصراعات العشائرية بعد الانتخابات الرئاسية:

إذ أن العملية السياسية الصومالية ما بعد الحرب تقوم وفق محاصصة سياسية لتقاسم السلطة تعرف بـ 4.5، ومؤدّاها تقسيم المجتمع الصومالي إلى خمس مجموعات عشائرية، حيث أربع من المجموعات الخمس تعد “عشائر رئيسية”، بينما تشمل المجموعة الخامسة جميع العشائر والمجتمعات الأخرى الباقية، ويحصلون على نصف حصة. وأريد لهذه الصيغة إنهاء الحرب الأهلية وإيجاد توافق سياسي ما، لكنها مثلت استمراراً لحالة الحرب بأشكال وأدوات أخرى، حيث عزّزت من التنافسات العشائرية في السياسة، وأدّت، في أحيانٍ كثيرة، إلى إدامة الصراع من خلال منح أمراء الحرب السابقين مكاناً في السلطة، وترسيخهم أطرافاً شرعية في الحكم. وتلكم النخب السياسية الحالية وشبكات الولاءات الشعائرية والمصالح المرتبطة بهم سياسياً واقتصادياً هي ما يشكّل المشهد السياسي الصومالي الراهن. وفاقم من حدّة انقساماتها النفوذ الخارجي المتزايد في السنوات الأخيرة. وبالنتيجة، أصبحت العملية السياسية الصومالية سوقاً سياسياً يتسم بفساد مالي ضخم، حيث، على سبيل المثال، أنفق ملايين الدولارات على شراء أصوات المندوبين، وعلى المقاعد البرلمانية في الانتخابات الخالية…وهو ما يؤشر لاستمرار الصراعات وعدم الاستقرار في البلاد المأزومة..

وعلى الرغم من الأجواء الايجابية التي رافقت اعلان فوز شيخ محمود، إلا أن الكثير من التوجسات تحيط بالمستقبل الصومالي، وذلك على الرغم من إحراز محمود سابقا نصراً قانونياً في ملف النزاع البحري مع كينيا أمام محكمة العدل الدولية، رغم ضغوط تعرّض لها، غير أن البلاد وصلت في فترته إلى حافة الانفجار، وتزايدت الاغتيالات الأمنية والقلاقل السياسية إلى درجة هائلة.”8″ كما يتهم محمود من قبل منظمات مانحة، بعدم القيام بما يكفي لمحاربة الكسب غير المشروع أثناء توليه المنصب. ومع استمرار نفس النخب الحاكمة فمن المستبعد احداث تغيير جذري بالبلاد، اذ أن هيمنة النخب القبلية على المشهد الصومالي، يقود بلا شك إلى صعود رؤساء ضعاف في واقع سياسي منقسم ومحتقن بالصراعات البينية، قبلية وعشائرية، عدا عن الاستقطابات الإقليمية التي رأت من مصلحتها بقاء الصومال خارج مسار الدولة والمعادلة الدولية كلها.”9” ولذا يرى مراقبون صوماليون كثيرون وغيرهم أن بقاء آلية الانتخابات القديمة، المتمثلة بانتخاب كل قبيلة ممثلها لمجلسي البرلمان والشيوخ، ومن ثم انتخاب هؤلاء الممثلين القبليين رئيس الجمهورية من بين عدد من المترشحين، يبقي الإرادة الشعبية الصومالية مقيدة ومحصورة في النخب القبلية التي لا تنظر إلى الصومال الكبير إلّا من خلال مصالحها القبلية الخاصة، وليس من خلال مصلحة الأمة الصومالية التي ضحت كثيرا في الحرب الأهلية الطويلة التي أعادت البلاد عقوداً إلى الوراء. وقد عانى الشعب كثيراً من ويلات الحرب والتشرّد والتهجير واللجوء..

رابعا: -استحقاقات مستقبلية

ومع انتخاب محمود وخول الصومال مرحلة جديدة، تثور العديد من الاستحقاقات المستقبلية الهمة لقيام دولة صومالية فاعلة، كتحقيق مصالحة حقيقية بين مكونات المجتمع الصومالي، إلى جانب طرد حركة “الشباب” المرتبطة بتنظيم “القاعدة” من جنوب البلاد، وبسط نفوذ الدولة في المناطق التي تقع تحت سيطرة الحركة، وكذلك توسيع نطاق خدمات الدولة الأساسية إلى مناطق جديدة، خصوصاً التعليم والصحة. فضلاً عن حلّ مشكلة عدم فاعلية الجيش الصومالي من خلال إعادة تشكيله على نحو يكفل توليه مسؤولية الحفاظ على أمن البلاد”11″. فضلاً عن رفع حالة الإغلاقات الأمنية في مقديشو، إلى جانب محاولة القضاء على الفساد، من خلال إعادة تشكيل مجلس القضاء الصومالي، ليتمتع باستقلالية ونزاهة كاملة. وإطلاق المفاوضات بين الصومال وأرض الصومال (صوما لاند)، واستكمال الدستور، وإجراء انتخابات عامة في عام 2026، وخلق فرص عمل للشباب وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين، خصوصاً الصحة والتعليم. وينتظر من الرئيس الجديد أيضا العمل على إعادة صياغة الدستور وتطبيق النظام الفدرالي الذي تبناه الصوماليون، والذي يضمن تقاسم السلطة والثروة، وذلك إلى جانب تهيئة الظروف الملائمة لتحقيق انتخابات عبر تصويت شعبي مباشر. وعلى المستوى السياسي، فإن الصوماليين يأملون من الرئيس المنتخب أن يحسن التعاون بين الحكومة الفدرالية والولايات التي سادها التوتر في الفترة الماضية. أما اقتصاديا، فإن الرئيس المنتخب مطالب ببذل كل جهوده لزيادة الدخل الذي ينحسر الآن على إيرادات الميناء والمطار الدوليين في مقديشو، بالإضافة إلى خلق جو يسمح بتشجيع الاستثمار الأجنبي في البلاد لرفع الإمكانات الاقتصادية، الأمر الذي قد يسهم في تقليل نسبة اعتماد البلاد على المساعدات الخارجية التي تشكل نصف موازنة الدولة والحد من البطالة.

الخلاصة

على الرغم من صعوبة الاوضاع الصومالية وعظم التحديات الامنية والاقتصادية والسياسية والبيئية ايضا، إلا أنه مما لا شك فيه، أن الديمقراطية الوليدة في الصومال  معتبرة وتحظى باهتمام اقليمي ودولي، مقارنةَ ببقية الدول الأفريقية، سيما في محيطها الجغرافي، إذ تتحوّل الانتخابات إلى دكتاتورية فاشية تكرس حكم الفرد الواحد المطلق، أو ربما ستجرّها إلى حربٍ مدمرةٍ كما حصل في إثيوبيا أواخر عام 2020 في أزمة إقليم التيغراي تحديداً، وشهد الصومال في غضون 15 عاماً أربعة رؤساء، ما يوحي أن ممارسة الديمقراطية في التداول السلمي للسلطة تبدو ناجحة، وتعيد إلى الأذهان إلى الانتخابات التي شهدتها البلاد في حقبة الستينيات من القرن الماضي، عندما تنازل الرئيس الراحل آدم عبدالله عثمان عن الحكم عندما خسر انتخابات 1967، ليصبح أول رئيس أفريقي يسلم السلطة سلمياً. والحال نفسه ينطبق على الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود الذي تنازل عن خوض الجولة الثالثة في انتخابات عام 2017 لصالح الرئيس المنتهية ولايته محمد عبد الله فرماجو، توسّط بعدها الأخير بين رئيسين سابقين (شريف أحمد وحسن شيخ) ورفعوا أيديهم معاً، في صورةٍ جسَّدت مدى الاستعداد الفِطري للصوماليين لتوريث الحكم واحداً بعد الآخر.

 

…………………………….

“1”عربي بوست، الرئيس السابق حسن شيخ محمود يفوز برئاسة الصومال.. التصويت أجراه البرلمان، ومؤيدوه يحتفلون، 2022/05/15

“2” الجزيرة نت: انتخاب الرئيس السابق حسن شيخ محمود رئيسا للصومال، 15/5/2022

“3” الخليج الجديد، نواب الصومال يؤدون اليمين تمهيدا لانتخاب رئيس جديد، 15 أبريل 2022

“5” وكالة الأناضول، حسن شيخ محمود.. رئيس الصومال للمرة الثانية (بروفايل)، 15/5/2022″

“6” العربي الجديد، حسن شيخ محمود يؤدي اليمين الدستورية رئيساً للصومال، 16 مايو 2022..

“7” العربي الجديد، صهيب محمود، في أجواء الانتخابات الرئاسية الصومالية، 16 مايو 2022

“8”العربي الجديد، مرجع سابق

“9” العربي الجديد، الصومال الجديد في انتظار انتقال سياسي، نبيل البكيري، 15 مايو 2022

“10” العربي الجديد، الشافعي أبتدون، الصومال: 39 مرشحاً للرئاسة يستنسخون الوعود، 14 مايو 2022

“11” العربي الجديد، الشافعي أبتدون، الصومال في استحقاق انتخابات رئاسية إنقاذية، 13 مايو 2022

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

أبعاد التآمر  الإسرائيلي على مصر في ملف سد النهضة

تعود الأطماع الإسرائيلية في مياه النيل إلى عقود، وهو ما أعلنته رئيسة الوزراء السابقة، جولد…