‫الرئيسية‬ العالم العربي مصر ترسيم الحدود البحرية الغربية لمصر في البحر المتوسط.. الدوافع وردود الأفعال
مصر - ليبيا - يناير 6, 2023

ترسيم الحدود البحرية الغربية لمصر في البحر المتوسط.. الدوافع وردود الأفعال

ترسيم الحدود البحرية الغربية لمصر في البحر المتوسط.. الدوافع وردود الأفعال

أصدر عبدالفتاح السيسي قرارًا جمهوريًا رقم 595 لسنة 2022، بشأن تحديد الحدود البحرية الغربية لجمهورية مصر العربية في البحر المتوسط، ونشرت الجريدة الرسمية نص القرار، في 11 ديسمبر 2022، حيث نصت المادة الأولى من القرار، على أن تبدأ حدود البحر الإقليمي لجمهورية مصر العربية من نقطة الحدود البرية المصرية الليبية النقطة رقم (۱) ولمسافة (١٢) ميلًا بحريًا وصولًا إلى النقطة رقم (۸)، ومن ثم ينطلق خط الحدود البحرية الغربية لجمهورية مصر العربية من النقطة رقم (8) في اتجاه الشمال موازيًا لخط الزوال (٢٥) شرق وصولًا إلى النقطة رقم (۹)، ونصت المادة الثانية على أن تعلن قوائم الإحداثيات الواردة بالمادة الأولى من هذا القرار وفقًا للقواعد المعمول بها في هذا الصدد، ويخطر بها الأمين العام للأمم المتحدة[1]، وتسعي هذه الورقة إلي التعرف علي دوافع هذا القرار ودلالاته، فضلًا عن ردود الأفعال التي أحدثها هذا القرار.

 

أولًا: دوافع ودلالات القرار المصري بترسيم الحدود البحرية الغربية:

يمكن الإشارة إلي مجموعة من الدوافع والدلالات التي تقف خلف القرار المصري بترسيم الحدود البحرية الغربية، كما يلي:

1- دعم وتأكيد المسار القانوني: يدعم التحرك المصري نحو تحديد الحدود البحرية الغربية في البحر الأبيض المتوسط مجمل الحركة المصرية والتي ترتكز بالأساس في أحد أدواتها على البعد القانوني في سياستها الخارجية تجاه شرق المتوسط؛ بهدف تعزيز وتعظيم مكاسبها. وقد تمت التحركات القانونية المصرية انطلاقًا من اتفاقية القانون الدولي للبحار 1982 والتي تنظم حقوق وسيادة كل دولة على مناطقها الاقتصادية ومياهها الإقليمية، وذلك على غرار توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع اليونان أغسطس 2020، وقبله مع قبرص في عام 2013. وعليه، من شأن تلك الخطوة أن تؤسس فيما بعد وفي أعقاب استقرار الأوضاع الأمنية والسياسية في ليبيا للدخول في مفاوضات لترسيم الحدود بين البلدين، وقد تمتد لاستكمال ترسيم الحدود مع الدول المقابلة للساحل المصري (تركيا).

2- تعزيز مسار تحقيق الاكتفاء الذاتي: يمكن لتحديد الحدود البحرية الغربية لمصر أن تزيد من فرص اكتشاف مزيد من حقول الغاز في البحر المتوسط، حيث سعت الدولة المصرية لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي، والتحول من دولة مستوردة إلى مصدرة. وقد كان البحر الأبيض المتوسط المدخل الرئيس لتحقيق هذا الهدف بفضل الثروات والاحتياطات الكبيرة من الغاز الطبيعي[2].

حيث يؤكد المسح الجوي لمنطقة البحر المتوسط الخاصة بمصر وجود أكثر من 230 تريليون قدم مكعب غاز[3].

وفي سبيل تحقيق هذا الهدف (الاكتفاء الذاتي من الغاز وتصديره)، اتبعت الدولة المصرية عددًا من الإجراءات من بينها: العمل على تنمية حقول الغاز، والتوسع في عمليات التنقيب والاستكشاف، علاوة على محاولة جذب الشركات الدولية عبر تسويق وطرح عدد من المزايدات[4].

ومن هنا، فإن قرار ترسيم الحدود البحرية الغربية سيجعل مصر قادرة على طرح هذه المناطق أمام الشركات العالمية، خاصة أن بعض هذه الشركات كانت تتخوف وترفض التنقيب بزعم أن الحدود غير معروفة أو واضحة أو تشهد نزاعات، بينما الآن بعد ترسيم الحدود الغربية بات محسومًا للجميع، ومعروفًا أن هذه المناطق مصرية وتخضع للسيادة المصرية، ولمصر في تلك المناطق حق الصيد والبحث عن الثروات[5].

وقد أسهمت تلك الإجراءات في تحقيق الاكتفاء الذاتي لمصر بنهاية عام 2018، عندما أوقفت مصر استيراد الغاز[6].

وفي وقت سابق، تحدث السيسي، في مؤتمر اقتصادي عقد في أكتوبر الماضي، إلى أن “حقل ظهر للغاز الطبيعي لم يكن ممكناً اكتشافه لو لم يتم ترسيم الحدود مع قبرص واليونان في البحر المتوسط والسعودية في البحر الأحمر”، مضيفاً أن “تلك الاتفاقيات وفرت 120 مليار دولار سنوياً لتشغيل محطات الكهرباء”[7].

من هنا، يمكن فهم مساعي مصر إلى تحديد الحدود الغربية لتأمين مزيد من الاكتشافات، ومن ثم زيادة الفائض الذي يسمح بالتصدير للخارج، وهو ما يمكن الاستدلال عليه من خلال إعلان وزير البترول والثروة المعدنية “طارق الملا” (15 ديسمبر 2022) عن اكتشاف حقل “نرجس” في البحر المتوسط بحجم احتياطات أولية يقدر بنحو 3.5 تريليون قدم مكعبة من الغاز.

وقد ساهم كل ذلك في رفع تصنيف مصر من المركز 19 عام 2015 في إنتاج الغاز الطبيعي وصولًا للمركز 13 عام 2021 على الصعيد العالمي والمركز الثاني أفريقيًا، وذلك وفق تقارير صادرة عن “بريتيش بتروليوم”[8].

3- تأكيد الحضور في معادلة الطاقة العالمية: أضفت الحرب الروسية الأوكرانية أهمية متزايدة على غاز البحر الأبيض المتوسط خاصة في ظل قيام روسيا بتوظيف الغاز الطبيعي في حربها ضد الغرب، حيث قامت بقطع الإمدادات وتقليصها بصورة غير مسبوقة، ما وضع دول الاتحاد الاوروبي في مأزق توفير الإمدادات اللازمة، من هنا ظهر غاز المتوسط بوصفه أحد البدائل التي يمكن أن تلجأ إليه الدول الأوروبية للتعاطي مع تلك التطورات، الأمر الذي يمكن أن ينعكس بالإيجاب على الدور المصري بشكل عام في معادلة الغاز الطبيعي.

وهو ما ترجمته مذكرة التفاهم الثلاثية بين مصر وإسرائيل والاتحاد الأوروبي في يونيو 2022 والتي تستهدف ضخ مزيد من الغاز الطبيعي من إسرائيل إلى منشآت الغاز الطبيعي المسال في مصر ومن ثم نقلها إلى أوروبا، ويمكن أن تدفع الاتفاقية تجاه مزيد من الاستثمارات في استكشاف الغاز والبنية التحتية في قبرص ومصر واليونان وإسرائيل بما يزيد من فرص الاستكشافات الجديدة، حيث وصفت رئيسة المفوضية الأوروبية “أورسولا فون دير لاين” الاتفاقية بأنها” هذه خطوة كبيرة للأمام في إمدادات الطاقة لأوروبا ولكن أيضًا لمصر لتصبح مركزًا إقليميًا للطاقة”[9].

وبعد الإشارة إلي أهم دوافع مصر لاتخاذ قرار ترسيم حدودها البحرية الغربية، ينبغي الإشارة إلي عدة ملاحظات حول طريقة صدور القرار، تتمثل أبرزها في:

1- أن مصر أصدرت القرار بشكل منفرد، وتجنبت عقد اتفاق ثنائي مع حكومة فتحي باشاغا المكلفة من مجلس النواب الليبي، والذي يحظى بدعم مصري، علي عكس الاتفاق الموقع بين حكومة عبدالحميد الدبيبة والحكومة التركية، في أكتوبر الماضي. وربما ينبع الموقف المصري تجاه حكومة باشاغا من إدراك القاهرة أن هذه الحكومة الموازية لا تلقى الاعتراف الدولي والأممي المطلوب[10].

2- هناك أربع وسائل لتعيين الحدود البحرية بين الدول،؛ الأول، يتمثل في  الأسلوب الانفرادي، أي إعلان أحد الدول تحديد وترسيم حدودها البحرية بشكل منفرد، وهذا الأسلوب، وإن كان قانونياً، إلا أنه ليس الوسيلة الأمثل لتعيين الحدود بين الدول. والأسلوب الثاني، وهو الاتفاقيات الدولية، وهي الوسيلة الأمثل والأكمل لتعيين الحدود الدولية بين الدول الساحلية، سواء كانت متقابلة أو متجاورة.

والأسلوب الثالث، عن طريق إحالة النزاع بين الدول إلى جهتين، إما القضاء الدولي مثل محكمة العدل الدولية، أو هيئة تحكيم دولية تختار قضاتها واختصاصاتها الدول الساحلية المتنازعة. لكن القرار، سواء كان صادراً من القضاء الدولي، أو من هيئة تحكيم دولية ــ وإن كان إلزامياً لأطراف النزاع – يترك في النهاية غصة في الحلق لدى الدولة التي ترى بأنها لم تكسب دعواها.

وأخيرًا، فإن الأسلوب الرابع، وهو نادر الحدوث، يقوم علي أساس قيام منظمة أو هيئة دولية تابعة لمنظمة دولية، مثل مجلس الأمن الدولي بتعيين الحدود بين الدول (قسراً) كما حدث في النزاع الحدودي البري والبحري بين العراق والكويت، فبعد انتهاء هذه الحرب عام 1991 اضطلع مجلس الأمن عن طريق لجنة الحدود وخبراء المجلس بتعيين الحدود وحسم مسألة الحدود البرية والبحرية بين الدولتين الجارتين[11].

وقد لجأت القاهرة في ترسيم حدودها البحرية الغربية للأسلوب الانفرادي، وهو ليس الوسيلة الفضلى أو النهائية لتعيين الحدود البحرية بين الدول الساحلية، لذلك، فأن هذا القرار المصري  غير كافي لتحديد الحدود البحرية الغربية لمصر، ويعوزه إبرام اتفاقيتي تعيين الحدود البحرية مع الدولة الساحلية المجاورة (ليبيا)، والساحلية المتقابلة (تركيا)[12].

3- يعكس هذا القرار إصرارًا مصريًا علي التحالف مع المحور الإسرائيلي- اليوناني- القبرصي ضد المحور التركي- الليبي في منطقة شرق المتوسط، علي الرغم من أن دول المحور الأول لها أهداف واضحة لاقتناص ترسيم خاطئ للحدود البحرية، يضيع حقوق مصر وليبيا وتركيا، علي عكس المحور الثاني، والذي أعاد لمصر مساحة بحرية تقدر بـ15 ألف كلم مربع، كان من المقرر أن تتركها مصر لصالح اليونان، كما أن هذه المساحة كانت ستستخدم من قبل المحور الأول لتمرير خط أنابيب بحري يصل بالغاز مباشرة إلى الأسواق الأوروبية، دون الحاجة إلى تسييله في مصر[13].

ثانيًا: ردود الأفعال علي القرار المصري بترسيم الحدود البحرية الغربية:.

1- الموقف الليبي:

واجه القرار المصري بترسيم الحدود البحرية الغربية بالرفض من قبل المسئولين الحكوميين في ليبيا، وإن اختلفت حدة هذا الرفض. ويمكن توضيح ذلك كما يلي:

– موقف حكومة الدبيبة: كان موقف حكومة الوحدة الوطنية بقيادة عبدالحميد الدبيبة رافض وبشدة للقرار المصري بترسيم الحدود الغربية، وهو ما يمكن تلمسه في لغة البيان الحادة الصادرة عن وزارة الخارجية والتعاون الدولي التابعة لحكومة الدبيبة للتعليق علي القرار المصري.

ففي بيانها الرسمي، المنشور في 17 ديسمبر، أكدت وزارة الخارجية الليبية أن ترسيم الحدود البحرية من الجانب المصري “يعد انتهاكا للمياه الإقليمية والجرف ‏القاري لدولة ليبيا”، وأنه‏ “ترسيم غير عادل بموجب القانون الدولي، لإعلانه من جانب واحد، كما لا يعتبر الخط الحدودي البحري المعلن من جانب واحد تساوي المسافة بين السواحل الرئيسية ليبيا ومصر، ناهيك عن إخلاله بمبادئ حسن النية لمخالفته ما تدعيه مصر في كل المحافل الإقليمية والدولية باحترام سيادة ليبيا ووحدة أراضيها”.

وأكدت وزارة الخارجية الليبية في بيانها أن “ترسيم الحدود البحرية بين الدولتين الجارتين يجب أن يتم من خلال اتفاق عبر مفاوضات تضمن مصالح الطرفين، وتحترم مبدأ المساواة، استنادا على مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، والقانون الدولي”.

وذكرت أنه “من الممكن إحالة هذا النزاع إلى الوسائل السلمية للتسوية بموجب المادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك محكمة العدل الدولية، التي سيتم الاتفاق عليها بين الطرفين أثناء المفاوضات”.

ولفتت الخارجية في هذا الصدد إلى أن “ليبيا تملك باعا طويلا بهذا الخصوص في احترام التزاماتها وقضية الجرف القاري بين ليبيا والجارة تونس، وكذلك مع مالطا في الفترة القريبة الماضية”.

وختمت وزارة الخارجية والتعاون الدولي الليبية بيانها بالقول إن “ليبيا ترفض القرار الرئاسي المذكور الصادر بتاريخ 11 ديسمبر 2022 بالكامل، وتحث الحكومة المصرية على النظر في إطلاق المحادثات حول الحدود البحرية مع حكومة الوحدة الوطنية بدولة ليبيا”[14].

جدير بالذكر هنا، أن الخطوة المصرية بترسيم حدودها الغربية جاءت بعد أيام فقط، من إعلان اليونان تعاقدها مع شركات دولية، من أجل أعمال البحث والتنقيب عن النفط والغاز في منطقة بحرية “متنازع عليها” مع ليبيا.

واحتجت حكومة الوحدة الوطنية الليبية، في 7 ديسمبر، على القرار اليوناني، وشددت على أنها ستمضي “في الدفاع عن حدودها البحرية وحقوقها السيادية في مناطقها البحرية بكل الوسائل القانونية والدبلوماسية المتاحة”.​​​​​​​

وكانت حكومة الدبيبة، أبرمت مع تركيا، في 3 أكتوبر الماضي، عددًا من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في مجال التنقيب عن النفط والغاز في الأراضي الليبية وفي مياهها الإقليمية، بما فيها المشمولة باتفاقية ترسيم الحدود البحرية، الموقعة بين البلدين في 27 نوفمبر 2019، واعترضت حينها اليونان ومصر على هذه الاتفاقيات، واعتبرتا أن حكومة الوحدة “غير شرعية”[15].

2- موقف حكومة باشاغا: حاول باشاغا استغلال الخطوة المصرية لإضفاء شرعية على حكومته، عندما أظهر استعداده للتفاوض حول مثل هذه القضايا مع الدول المعنية، مع الاحتفاظ بمساحة بعيدة عن مصر (أحد الدول القلائل المؤيدة لحكومته)، حيث أبدى – في رد فعل أقل حدة من الدبيبة – تحفظه على عملية ترسيم الحدود البحرية بصورة أحادية من جانب القاهرة[16].

فقد دعا رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب فتحي باشاغا مصر وتركيا واليونان إلى «عدم اتخاذ أية خطوات أحادية فيما يخص تحديد وترسيم الحدود البحرية»، ما من شأنه «زيادة التوتر وتأزيم المواقف أكثر وتفاقم الوضع في منطقة البحر المتوسط».

وأكد باشاغا، في بيان، في 14 ديسمبر، استعداد حكومته لـ«التفاوض الثنائي مع هذه الدول من أجل ترسيم الحدود البحرية، بما يخدم المصالح المشتركة والعادلة للجميع، وبما يكفل الحفاظ على حقوق جميع الدول والقائمة على مبدأ الاعتراف المتبادل بالحدود وما تنص عليه القوانين والأعراف والمواثيق الدولية».

ورأى كذلك أن الظروف الاستثنائية الصعبة التي تمر بها ليبيا، والتي اعتبرها ناتجة عن «صراع دولي وإقليمي معقد تنعكس على الوضع الداخلي الليبي»، مشيرًا إلى «اختلاف وتضارب مصالح دول كانت ولا تزال سببًا في هشاشة الوضع في ليبيا»، وقال إن تلك الدول- التي لم يسمها- «ساهمت في عدم تمكين الحكومة الليبية من استلام مقارها في العاصمة طرابلس وممارسة أعمالها».

وتابع باشاغا: «المؤسف أن نرى بعض الدول تستغل هذه الظروف والأوضاع غير الطبيعية وتريد الحفاظ على هذه الوضعية خدمة لمصالحها دون مراعاة للمصالح الليبية الوطنية العليا»[17].

2- الموقف التركي:

علي الرغم مما يبدو بأن مصر تبعث بقرارها هذا رسالة إلى تركيا بأن سياسة الأمر الواقع، قد تواجه بالمثل، وأنه كما ضربت أنقرة عرض الحائط بالملاحظات المصرية، وأقدمت على توقيع اتفاقية بحرية مع حكومة الوحدة الوطنية الليبية، ومن قبلها حكومة الوفاق السابقة، فإن القاهرة بمقدورها اتخاذ خطوات مماثلة من الممكن أن تزعج المسئولين في تركيا[18].

إلا أن تركيا التزمت الصمت تجاه القرار المصري، على خلاف ما حدث أثناء ترسيم الحدود بين مصر واليونان والذي أعلنت أنقرة بشكل مباشر رفضها له، حيث اعتبرت الخارجية التركية –آنذاك- أن الاتفاق كأنه لم يكن.

ومع ذلك، فقد جاء الموقف التركي بشأن تحديد الحدود البحرية الغربية لمصر شرق المتوسط ليعبر عن موقف حذر، فلم يصدر موقف رسمي مباشر من قبل الخارجية أو أحد المسؤولين الحكوميين[19]، واكتفت الدبلوماسية التركية بنشر الموقف من خلال تصريح نُسب إلى “مصادر دبلوماسية” جرى نشره عبر وكالة الأناضول الرسمية، في 18 ديسمبر[20].

وحمل التصريح الذي نُسب إلى “المصادر الدبلوماسية” لغة تجنبت أي عبارات يمكن أن تعتبر بأنها بمثابة إدانة مباشرة للخطوة المصرية أو انحياز إلى طرفي النزاع، وذلك عبر استخدام لغة دبلوماسية منتقاة بعناية ركزت على فكرة “حث” الجانبين المصري والليبي على “إطلاق حوار ومفاوضات في أسرع وقت لتحديد الحدود البحرية بين البلدين وفق القانون الدولي”، وطالب البلدين “باللجوء إلى الأساليب السلمية في تحديد حدود البلدين على أساس التفاهم المتبادل، كما هو مسجل في المادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك محكمة العدل الدولية”.

وكان لافتاً أيضاً تشديد المصدر التركي على أن “الحدود البحرية الجانبية التي حددتها مصر من جانب واحد مع ليبيا في 11 ديسمبر 2022 بـ9 إحداثيات جغرافية لا تتداخل مع الجرف القاري لتركيا في شرق البحر المتوسط”، في محاولة لتأكيد عدم وجود أي خلاف مصري- تركي مباشر، وأن الأمر يتعلق بالجانبين المصري والليبي فقط.

الحذر التركي الذي ظهر واضحاً في صيغة التعقيب على القرار المصري وطريقة إصداره عبر “تصريح لمصدر دبلوماسي” بدلاً عن إصدار بيان رسمي من الخارجية وتجنب صدور تصريحات رسمية من كبار المسؤولين إلى جانب استخدام لغة وسطية في “حث” الجانبين على الحوار، كلها تؤكد حجم الحرص التركي على عدم الدخول في صدام دبلوماسي أو “حرب تصريحات” مع الجانب المصري يمكن أن يلحق الضرر بمسار تحسين العلاقات بين البلدين.

خاصة وأن تركيا تولي في الأشهر الأخيرة حرصاً بالغاً لمسار تحسين العلاقات مع مصر والذي شهد صعوبات بالغة طوال الفترة الماضية، وفشل في إحراز تقدم حقيقي قبل أن ينجح أمير قطر في جمع أردوغان والسيسي في الدوحة، في نهاية نوفمبر الماضي، في حفل افتتاح كأس العالم بقطر[21].

وبالتالي، فمن المستبعد أن يتسبب هذا القرار المصري بترسيم الحدود الغربية في تدهور العلاقات مع تركيا، خاصة بعد أن قطعا البلدين شوطًا طويلاً في عملية التقارب الوشيك، وحتى لو بقيت بعض الملفات الشائكة والعالقة فسيتم تجاوزها وإرجاؤها[22].

 

[1] “قرار جمهوري بشأن الحدود البحرية الغربية لمصر في البحر المتوسط| نص كامل”، بوابة الأهرام، 13/12/2022، الرابط: https://bit.ly/3PRcvww

[2] “تحركات استباقية: لماذا شرعت مصر في تحديد الحدود الغربية في البحر المتوسط؟”، المرصد المصري، 19/12/2022، الرابط: https://bit.ly/3WnDdiD

[3] “مصر تقرر ترسيم حدودها في المتوسط.. فوائد مهولة توقف أطماعا خارجية”، العربية نت، 16/12/2022، الرابط: https://bit.ly/3HUBWeG

[4] “تحركات استباقية: لماذا شرعت مصر في تحديد الحدود الغربية في البحر المتوسط؟”، مرجع سابق.

[5] “مصر تقرر ترسيم حدودها في المتوسط.. فوائد مهولة توقف أطماعا خارجية”، مرجع سابق.

[6] “تحركات استباقية: لماذا شرعت مصر في تحديد الحدود الغربية في البحر المتوسط؟”، مرجع سابق.

[7] ” تحديد الحدود البحرية الغربية لمصر: خطوة أحادية ترفضها ليبيا”، العربي الجديد، 17/12/2022، الرابط: https://bit.ly/3FJeQF3

[8] “تحركات استباقية: لماذا شرعت مصر في تحديد الحدود الغربية في البحر المتوسط؟”، مرجع سابق.

[9] المرجع السابق.

[10] “أهداف مصر من ترسيم الحدود البحرية الغربية.. أزمة الدبيبة وتركيا بالخلفية”، مصر360، 19/12/2022، الرابط: https://bit.ly/3VkaTMG

[11] ” تحديد الحدود البحرية الغربية لمصر: خطوة أحادية ترفضها ليبيا”، مرجع سابق.

[12] المرجع السابق.

[13] “أثارت جدلا إقليميا والسر في الغاز.. لماذا قررت مصر منفردة ترسيم حدودها البحرية مع ليبيا؟”، الجزيرة نت، 20/12/2022، الرابط: https://bit.ly/3Wi1WET

[14] ” الخارجية الليبية ترفض ترسيم الحدود البحرية من الجانب المصري”، أر تي عربي، 16/12/2022، الرابط: https://bit.ly/3v5FrHo

[15] “ماذا وراء تحديد مصر حدودها البحرية مع ليبيا؟ (تحليل)”، الأناضول، 21/12/2022، الرابط: https://bit.ly/3BSklA0

[16] “أهداف مصر من ترسيم الحدود البحرية الغربية.. أزمة الدبيبة وتركيا بالخلفية”، مصر360، الرابط: https://bit.ly/3VkaTMG

[17] “باشاغا يدعو مصر وتركيا واليونان لعدم اتخاذ خطوات أحادية بشأن ترسيم الحدود البحرية”، بوابة الوسط صوت ليبيا الدولي، 14/12/2022، الرابط: https://bit.ly/3WDlD9U

[18] “أهداف مصر من ترسيم الحدود البحرية الغربية.. أزمة الدبيبة وتركيا بالخلفية”، مرجع سابق.

[19] “تحركات استباقية: لماذا شرعت مصر في تحديد الحدود الغربية في البحر المتوسط؟”، مرجع سابق.

[20] “تركيا تحث ليبيا ومصر على الحوار لترسيم الحدود البحرية”، الأناضول، 18/12/2022، الرابط: https://bit.ly/3vatMac

[21] ““عقدة ليبيا”.. إدانة تركية “دبلوماسية” لترسيم الحدود المصرية مع ليبيا للحفاظ على مسار تحسين العلاقات”، القدس العربي، 18/12/2022، الرابط: https://bit.ly/3PHK7g9

[22] “أثارت جدلا إقليميا والسر في الغاز.. لماذا قررت مصر منفردة ترسيم حدودها البحرية مع ليبيا؟”، مرجع سابق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

مشروع قانون «الأحوال الشخصية».. أهم المحطات والمسائل الخلافية

تنظم مسائل اﻷحوال الشخصية  للمسلمين في مصر حاليًا أربعة قوانين، هي: 25 لسنة 1920 وتعديلاته…