‫الرئيسية‬ إفريقيا إفريقيا بين عامي 22 و23
إفريقيا - يناير 22, 2023

إفريقيا بين عامي 22 و23

إفريقيا بين عامي 22 و23

 

تعيش إفريقيا بين عامي 2022 و2023 في موجة من التغيرات والأحداث على المستويات الداخلية والخارجية. فما بين أوضاع اقتصادية سيئة، وتغيرات مناخية، وتوترات سياسية وأمنية تحيا الدول الإفريقية في واقع دولي مضطرب لاسيما مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، والتي تلقي بالدول الإفريقية في بؤرة الصراع الدولي، لتضعها في أتون حرب باردة جديدة تجعل من إفريقيا ومقدراتها هدفًا مباشرًا لها. الأمر الذي يفرض علينا في نهاية عام وبداية آخر؛ أن نلقي الضوء على أهم الأحداث في العام المُنصرم، وكذلك المُتوقع من العام الجديد..

 

أولًا: عام 2022: تميَّز عام 2022 في إفريقيا بخليط من الصراعات العرقية والمصالحات والانقلابات العسكرية والنجاحات الانتخابية والجفاف الحاد في شرق القارة والفيضانات المدمرة في غربها. كما شهد أيضًا تحولًا كبيرًا في موازين النفوذ الدولي، لاسيما في ظل انشغال روسيا بالحرب في أوكرانيا والانسحاب المفاجئ للجيش الفرنسي من مالي، وفيما يلي نُلقي الضوء على أهم الأحداث والظروف التي عصفت بالقارة يواء على المستوى الداخلي أو الخارجي..

 

  1. على المستوى الداخلي: شهد عام 2022 مجموعة من الأحداث والتطورات داخل دول القارة على المستويين السياسي والاقتصادي؛ نرصدهما من خلال تتبع تطورات المشهد السياسي والاقتصادي داخل تلك الدول؛ كالتالي..

 

أ. المشهد السياسي: شهدت بعض دول المنطقة مثل تشاد وبوركينا فاسو ومالي وغينيا، انقلابات عسكرية، وهو ما يعني وجود حالة من عدم اليقين بشأن عملية الانتقال السياسي في هذه الدول. ولا تزال الحالة مقلقة في الكاميرون ونيجيريا، حيث يسود انعدام الأمن بشكل كبير في أجزاء من هذين البلدين. بالإضافة إلى ذلك، لا يزال شمال موزمبيق مصدر قلق بالغ، حيث يدفع الإرهاب الجهادي العنيف الناس إلى الفرار. كما يعتبر شرق الكونغو أيضًا نقطة اضطراب كبرى، حيث تقاتل أكثر من 100 جماعة مسلحة من أجل السيطرة على الإقليم، مما أدى إلى تأجيج أزمة استمرت لعقود. وغالبًا ما يتم استهداف المواطنين. وبعد ما يقرب من نحو عقد من السكون، شنت حركة إم 23 هجومًا جديدًا في عام 2022، مما أجبر العائلات على الفرار من منازلهم وتعطيل المساعدات الإنسانية.[1] وفيما يلي نلقي الضوء على أبرز الأحداث التي شهدتها دول أقاليم القارة المختلفة..

 

* شرق إفريقيا: في الصومال؛ فاز الزعيم الصومالي السابق حسن شيخ محمود في الانتخابات البرلمانية التي تأجلت لمدة 15 شهرًا ليصبح رئيسًا للبلاد بعد ثلاث جولات من التصويت الماراثوني أُجريت تحت المراقبة الأمنية لقوات الاتحاد الإفريقي في مقديشو. وعلى الرغم من المكاسب التي حققتها الحكومة الفيدرالية في مواجهة حركة الشباب الإرهابية فإنه بعد عامين من الجفاف مصحوبًا بحرب استنزاف مطولة بين الجيش والحركة الإرهابية المرتبطة بالقاعدة، لا تزال الصومال نموذجًا قياسيًا “للدولة الفاشلة”.

ومن المحتمل أن تهدد الأزمة المستمرة في الصومال بجر جمهورية صوماليلاند إلى الهاوية، وهي دولة ظلت حتى اليوم تقدم صورة ناجحة لبناء الدولة مغايرة تمامًا لنموذج مقديشيو.

وفي إثيوبيا؛ في نوفمبر عام 2022، وقَّعت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير التيجراي اتفاقًا لوقف الأعمال العدائية في بريتوريا بجنوب إفريقيا. توقف القتال، ولكن لا تزال هناك عقبات أمام تحقيق نهاية دائمة للحرب الأهلية في البلاد التي استمرت عامين.

حيث لم يكن انسحاب إريتريا من تيجراي جزءًا من الصفقة، كما لا تزال الأعمال العدائية مستمرة في منطقة أوروميا، مسقط رأس رئيس الوزراء الإثيوبي، حيث يُتهم جيش تحرير أورومو بقتل مئات المدنيين، وكثير منهم من جماعة الأمهرا العرقية. كما أن ميليشيات الأمهرا التي قاتلت إلى جانب الجيش الإثيوبي في التيجراي متهمة أيضًا بارتكاب جرائم حرب في النزاعات الإقليمية.[2]

وفي كينيا؛ كانت معركة كبيرة بين وليام روتو، النائب المنفصل لأوهورو كينياتا، والمرشح الرئاسي المعارض المخضرم رايلا أودينجا الذي حظي بدعم غير عادي من كينياتا. تلاشى كل من روتو وأودينجا في استطلاع 9 أغسطس. رفض أربعة مفوضين انتخابيين الموافقة على النتيجة معلنين فوز وليام روتو. كانت كينيا على شفا الصراع. كان الالتماس الذي قدمه أودينجا في المحكمة العليا دون جدوى. أدى وليام روتو اليمين كرئيس.[3]

وفي رواندا؛ هناك تنامي للدبلوماسية العسكرية؛ حيث يُنظر إلى عمليات الانتشار في جمهورية إفريقيا الوسطى وموزمبيق على أنها دبلوماسية عسكرية تدعم الطموحات الاقتصادية التي تغذي القوة الناعمة للبلاد. وفي الوقت نفسه، تتابع رواندا تصنيع اللقاحات في إفريقيا. كما يطمح كاغامي في أن تصبح البلاد رائدة قارية في مجال الطاقة النووية المدنية ومركزًا للمهاجرين المستبعدين من أوروبا.

ومع ذلك، فإن التوترات المتصاعدة مع جمهورية الكونغو الديمقراطية سوف تؤثر على مشهد الاستقرار الإقليمي في منطقة البحيرات العظمى. إذ تواصل رواندا دعم الهجمات في شرق الكونغو من قبل جماعة متمردة من حركة 23 مارس من التوتسي.[4]

 

* غرب ووسط إفريقيا: في بوركينا فاسو؛ شهد العام أيضًا بعض الانقلابات، لاسيما في بوركينا فاسو حيث أقال الجنود روش مارك كريستيان كابوري من منصبه. تم تنصيب رئيس المجلس العسكري اللفتنانت كولونيل بول هنري ساندوجو داميبا رئيسًا مؤقتًا. لكن بقاءه في السلطة لم يكن طويلًا. ففي مساء يوم 30 سبتمبر، قام مسؤولون عسكريون بقيادة النقيب إبراهيم تراوري البالغ من العمر 34 عامًا بإزالة داميبا في ثاني انقلاب في البلاد هذا العام. وفي صباح اليوم التالي هاجم محتجون غاضبون السفارة الفرنسية في العاصمة واغادوغو بعد أن اتهم أنصار فرنسا بإيواء داميبا المخلوع.

وفي مالي؛ اجتاحت الاحتجاجات المناهضة للفرنسيين منطقة الساحل بدايةً من مالي التي اتهم المجلس العسكري في فبراير الجيش الفرنسي بتقسيم الدولة الواقعة في غرب إفريقيا عمدًا. وطردت مالي القوات الفرنسية المتبقية في البلاد. بينما اتهمت فرنسا مرتزقة فاجنر الروس بتنفيذ ما أصبح يعرف بمجزرة مورا في مالي حيث قتل ما لا يقل عن 300 مدني.

وفي أنجولا؛ شهدت الانتخابات الرئيسية الأخرى في العام أن الحزب الحاكم في أنغولا MPLA يعزز قبضته الطويلة على السلطة ولكن بأغلبية أقل بكثير، بعد مكاسب كبيرة من المعارضة UNITA. في 15 سبتمبر، تولى جواو لورينكو فترة رئاسته الثانية البالغة خمس سنوات.

وفي غينيا الاستوائية؛ تم إحالة تيودورو أوبيانج نغويما مباسوجو لولاية سادسة بنسبة 94.9% من الأصوات، مما جعله أطول رئيس دولة حكمًا في إفريقيا والعالم، باستثناء الملوك.[5]

 

ب. المشهد الاقتصادي: المشهد الاقتصادي الإجمالي في إفريقيا تقدم بعض مفرداته تقارير البنك الدولي في شأن الحالة الاقتصادية الإفريقية بشكل عام، إذ إن معدل النمو بلغ 3.6% عام 2022، منخفضًا من معدل سابق عند 4% بسبب متحورات فيروس كورونا المستمرة وارتفاع معدلات التضخم العالمي وتعطل الإمدادات، خصوصًا الغذائية منها.

ومما يفاقم الأوضاع في إفريقيا صعود الأسعار العالمية للسلع الأولية التي تزداد بوتيرة أسرع منذ بداية الصراع بين روسيا وأوكرانيا، بحيث تأثر 35 بلدًا إفريقيًا من أصل 55 بسبب الاعتماد على صادرات القمح والحبوب الأخرى وكذلك الزيوت من روسيا وأوكرانيا، كما أن 22 دولة تستورد الأسمدة منهما.

ومن تفاصيل هذا المشهد القاتم أيضًا، تأثر اقتصادات إفريقيا جنوب الصحراء بتراجع الأوضاع المالية العالمية وانخفاض التدفقات المالية الأجنبية بسبب ارتفاع أسعار الوقود والطاقة بشكل عام، كذلك المواد الغذائية، مما سيؤدي إلى زيادة معدل التضخم في مختلف البلدان الإفريقية، بما يضر بالمواطنين الفقراء والأكثر احتياجًا، لا سيما أولئك الذين يعيشون في المناطق الحضرية.[6]

 

* ملف المناخ: منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، اعترفت الدول الأوروبية بأن الوقود الأحفوري يمكن أن يستمر في تشكيل حصة كبيرة من متطلبات الطاقة المستقبلية وبدأت في البحث عن مصادر جديدة للطاقة. سعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني أولاف شولز والرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا إلى إنهاء الاعتماد على الوقود الروسي من خلال دعم مشاريع استخراج الوقود الأحفوري طويلة المدى في السنغال ونيجيريا وموزمبيق.[7]

وقد انعكس التغير المناخي على إفريقيا برز في حالات الطقس المتطرف كالفيضانات والعواصف الاستوائية والجفاف، فالظاهرة الأولى تسببت في مقتل المئات وتشريد الآلاف في جنوب السودان والنيجر ومالي وبوركينا فاسو ونيجيريا وتشاد، حيث ألحقت مياه الفيضانات أضرارًا بأكثر من مليون شخص في هذه الدول. وطبقًا لمؤشرات الأمم المتحدة في نهاية أكتوبر الماضي فإن أكثر من 3.4 مليون شخص نزحوا في غرب إفريقيا ووسطها خلال عام 2022 كنتيجة لأسوأ فيضانات منذ 10 أعوام، إذ إنها شردت 1.3 مليون شخص بنيجيريا وأثرت في أكثر من 2.8 مليون آخرين، بينما أوقعت 300 قتيل في جنوب إفريقيا ودمرت عددًا من الجسور والطرق.

أما الجفاف، فظهرت نتائجه في تلف المحاصيل ونفوق الماشية التي تعد إحدى وسائل حياة ملايين الأفارقة، وطبقًا لتقديرات أطلقها برنامج الغذاء العالمي في ربيع 2022، فقد رصد معاناة حوالى 13 مليون إفريقي من أخطار المجاعة يتركزون في شرق القارة ولكن مع خريف العام نفسه ارتفع العدد ليلامس حاجز 20 مليون نسمة يعانون بالفعل الجوع، بينهم 7 ملايين في الصومال فقط وهو الرقم الذي تضاعف خلال نصف عام، وبطبيعة الحال أسهم الجفاف في نقص حاد في المياه وجفاف المراعي وهلاك الماشية وكلها معطيات كانت فاعلة ومؤثرة في نشوب صراعات قبلية على الكلأ والماء، بحيث سيطرت على بعضها ميليشيات مسلحة مثل “حركة شباب” المتشددة في الصومال، كما تسببت في نزاعات قبلية في كل من مالي والنيجر.[8]

 

  1. على المستوى الخارجي: في 24 فبراير، غزت روسيا أوكرانيا، وأدت العقوبات التي فرضتها الدول الغربية على روسيا إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود والأسمدة. أدى رفض الدول الإفريقية للانحياز إلى جانب في الحرب الروسية الأوكرانية إلى زعزعة النظام العالمي الراسخ وسلط الضوء على القيمة الإستراتيجية للقارة للقوى العالمية كمورد رئيسي للموارد الطبيعية. امتنعت الدول الإفريقية إلى حد كبير عن التصويت في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الساعية لتبني موقف محايد في الحرب، لكن رد الفعل ونبرة المناقشات أصابت وترًا حساسًا في جميع أنحاء القارة؛ حيث تسبَّب الضغط على الدول الإفريقية لاختيار جانب في مزيد من الانقسامات بين إفريقيا والولايات المتحدة وأوروبا. وإدراكًا لأهمية إفريقيا للأولويات العالمية للولايات المتحدة، أطلقت إدارة بايدن وثيقة سياسية جديدة بشأن إفريقيا لمواجهة ما يُسمى بالأنشطة الضارة للصين وروسيا، في حملة لجذب الدول الإفريقية وسط منافسة قوية من تركيا وروسيا والصين واليابان وقطر والإمارات العربية المتحدة.[9] وشهدت الأشهر الأخيرة من العام عددًا من الزيارات والاجتماعات من جانب القوى الدولية، تركزت فيها الأضواء على إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى في خضم التنافس العالمي على النفوذ والموارد. بين يونيو وأغسطس 2022، زار القارة الإفريقية المستشار الألماني أولاف شولتز والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ووزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن ووزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، إذ طافوا في المجمل على 13 دولة. وفي وقتٍ سابق من العام أجرى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان -وهو من زوار القارة المواظبين- مكالمات لثلاث عواصم إفريقية. وفوق ذلك عقد الرئيس الأميركي جو بايدن في ديسمبر قمة أميركية إفريقية هي الأولى منذ عام 2014، وحضرها أكثر من 40 من قادة الدول والحكومات.[10]

 

كما شهد العام 2022 تحولًا ونمطًا جديدًا في علاقات إفريقيا الخارجية خصوصًا تجاه الولايات المتحدة الأميركية. التوجه الجديد تدفعه المتغيرات الكبيرة في القارة وحاجة الولايات المتحدة الأميركية للحد من النفوذ الروسي والصيني. انخراط الدول المتنافسة في نهج متعدد الأطراف للتوفيق بين المصالح الاقتصادية والأمنية يمكن أن يساهم في توفير الأمن والاستقرار وتحقيق التطور الاقتصادي والتكنولوجي فضلًا عن تعزيز التحول الديمقراطي خلال الفترة المقبل.

وقد شهد عام 2022 تزايد في الدور الأميركي بالقارة في حين انشغلت الصين صاحبة النفوذ الأكبر في القارة خلال السنوات الماضية بقضايا أخرى أكثر إلحاحًا من بينها تعزيز جهود مكافحة كوفيد 19 وترسيخ العلاقات مع دول الشرق الأوسط التي تُشكِّل مصدر الطاقة الأكبر لبكين. وعلى عكس الصين التي ركَّزت أكثر على العلاقات الاستثمارية والتجارية؛ سعت الولايات المتحدة إلى توجيه علاقاتها مع بلدان القارة الإفريقية عبر استراتيجية تجمع بين التعاون الاقتصادي والاستثماري، وفي نفس الوقت مخاطبة الهواجس الأساسية المتعلقة بالأمن القومي الأمريكي وتقليص النفوذ الروسي.

ويؤكد مراقبون أن ثلاثية الأمن والفرص الاقتصادية والقضايا الجيوسياسية هي أكثر ما سيوجه الاستراتيجية الأميركية الجديدة في إفريقيا خلال 2023. وكان اللافت في العام 2022 تقلص الوجود العسكري الفرنسي في إفريقيا بعد انسحاب قوات مكافحة الإرهاب الفرنسية من مالي في وقت سابق من العام.[11]

 

ثانيًا: عام 2023: سيكون عام 2023 مزدحمًا من الناحية السياسية في إفريقيا، حيث ستُجرى انتخابات رئاسية وبرلمانية في 17 دولة إفريقية ما سيكون له تأثيرات كبيرة على القارة السمراء، حيث فترات إجراء الانتخابات تتسم بالتقلب وتحمل في طياتها مخاطر مرتفعة لاندلاع احتجاجات سياسية ومظاهرات وإضرابات في عدد من البلدان الإفريقية؛ مثل: نيجيريا وجنوب إفريقيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وزيمبابوي.

ولكن يبقى السؤال الأهم هل ستشهد القارة موجة جديدة من الانقلابات كما حدث في عام 2022؟ أم أن العام المقبل سيمثل قطعية مع هذه الظاهرة في ضوء محاولة الانقلاب الفاشلة في جزيرة ساو تومي وبرانسيبي في نوفمبر الماضي؟ وفي هذا الصدد، سيكون التحدي الأكبر أمام إفريقيا العام المقبل كيف سيؤثر ذلك على مسار الديمقراطية فهل سيُجرى تعزيزها أم سترتد إلى الوراء.

 

  1. على المستوى السياسي: من المقرر أن تشهد إفريقيا انتخابات رئاسية أو برلمانية في 17 دولة في عام 2023، في حين أن 13 دولة أخرى سوف تُجري انتخابات عام 2024 مما يجعل الاستعدادات والحملات الانتخابية تتم على قدمٍ وساق.ومن المُرجَّح أن تؤثر هذه الانتخابات بشكل كبير على المشهد السياسي في القارة، إذ يُمكن أن تؤدي فترة الانتخابات إلى اضطرابات سياسية في إفريقيا من خلال تزايد إمكانية حدوث احتجاجات سياسية وتظاهرات حاشدة واضرابات في العديد من البلدان. كما تمثِّل عودة الظاهرة الانقلابية تحديًا كبيرًا، حيث شهدت القارة في عام 2022 انقلابين في بوركينا فاسو، فضلًا عن محاولات انقلابية فاشلة في كلٍّ من غينيا بيساو وساو تومي وبرينسيب وغامبيا. ففي عام 2023، يُمكن أن تتحول الانتخابات الرئاسية في جمهورية الكونغو الديمقراطية وليبيريا وزيمبابوي بالمثل إلى بؤر سياسية ساخنة. حيث سيكافح الرئيس الكونغولي فيليكس تشيسكيدي، الذي تولى منصبه بعد انتخابات شابتها تهم التزوير في عام 2018، للبقاء في السلطة وسط عنف الميليشيات المسلحة. كما انشغل الحزب الحاكم في زيمبابوي بحبس خصومه السياسيين، حيث قامت إدارة الرئيس إيمرسون منانجاجوا، الذي أعلن ترشحه للانتخابات القادمة، بسجن شخصيات بارزة من حزب “تحالف المواطنين من أجل التغيير” المعارض. وبشكل عام، سوف يصوت الأفارقة من أجل التغيير – على الرغم من أنهم قد لا يحصلون عليه. ومن المُرجَّح أن يزداد الوضع سوءًا في بوركينا فاسو مع تكثيف الجماعات المسلحة لهجماتها والاستيلاء على الأراضي. وقد ساهمت التوترات بين الفصائل السياسية في البلاد في حالة عدم الاستقرار، حيث استولى الجيش على السلطة مرتين في عام 2022 وحده.[12]

 

* نيجيريا وجنوب إفريقيا الاقتصادات الأكبر في إفريقيا وتطورات منتظرة عام 2023: شهدت نيجيريا زخمًا متزايدًا من القوى المدنية والسياسية الشبابية قبل الانتخابات الرئاسية التي ستُجرى أواخر فبراير المقبل، لكن البلاد شهدت أيضًا موجة من العنف السياسي والاضطرابات. والانتخابات في نيجيريا تتسم بأهمية بالغة نظرًا لأنها واحدة من أكبر اقتصادات القارة بالتزامن مع أنها تواجه تحديات أمنية.

ومع قرب الانتخابات في هذا البلد، تتجه الأنظار بالذات إلى الشباب الذين بمقدورهم تغيير موازين القوى بين الأحزاب السياسية الرئيسية. وقبل أشهر من إجراء الانتخابات، اتسمت الأجواء السياسية في نيجيريا بالتوتر خاصةً عقب قرار الرئيس الحالي محمد بخاري عدم خوض غمار الانتخابات مجددًا مما يجعل في الانتخابات المقبلة فرصة لإحداث التغيير.

ويتنافس في الانتخابات أكبر حزبين سياسيين في البلاد وهما حزب المؤتمر التقدمي الحاكم وحزب الشعب الديمقراطي المعارض، مع تعالي مؤشرات أن يصنع حزب العمال ومرشحه بيتر أوبي مفاجأة انتخابية خاصةً في ضوء حصوله على دعم كبير من الشباب في نيجيريا. أما في جنوب إفريقيا، المركز الاقتصادي الهام في إفريقيا، فسوف يختار حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الذي يحكم البلاد منذ نهاية نظام الفصل العنصري، زعيمه الجديد خلال مؤتمر للحزب سيعقد في ديسمبر الجاري فيما يُعد هذا الأمر بالغ الأهمية في ضوء أن رؤساء البلاد منذ عام 1994 ينحدرون من حزب المؤتمر الوطني.

وستشهد جنوب إفريقيا إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية عام 2024. ويأتي ذلك فيما يواجه الرئيس الحالي سيريل رامافوزا أزمة على وقع اتهامه بالتورط في عملية تبييض أموال فيما تطالب المعارضة باستقالته ما يعني أن حزب المؤتمر الوطني بزعامة رامافوزا يواجه تحديًا وبات أمام مفترق طرق مع قرب الانتخابات.

وفي جوار جنوب إفريقيا، يبدو أن الوضع السياسي في زيمبابوي ليس في أحسن حال، إذ من المرجح أن يخوض زعيم المعارضة الزيمبابوي نيلسون تشاميسا من “تحالف المواطنين من أجل التغيير” وهو أكبر كيان معارض في البلاد وجرى تشكيله مؤخرًا، غمار الانتخابات الرئاسية في مواجهة الرئيس الحالي إيمرسون منانغاغوا. وتثير طريقة قمع حزب “الاتحاد الوطني الإفريقي الزيمبابوي-الجبهة الوطنية” الحاكم أي محاولة في السابق قد تُشكِّل تهديدًا لسيطرته على زمام الأمور، مخاوف من وقوع اضطرابات قبل الانتخابات المقبلة في تكرار لما عانت منه البلاد من حالة عدم الاستقرار لأكثر من عقدين.[13]

 

  1. على المستوى الاقتصادي: تحت مظلة تراجع مؤشرات المساعدات الإنسانية ونقص التمويل من الدول المانحة فإنه مع بداية عام 2023 يواجه 26 مليون شخص في شرق إفريقيا المعاناة الأكبر، خصوصًا في مناطق مثل شرق إثيوبيا وشرق كينيا وجنوب الصومال وجنوب السودان. والأسوأ بالفعل هو ارتفاع معدلات الوفاة لتكون بمعدل أربعة أطفال واثنين بالغين من بين كل 10 آلاف شخص، وذلك مع وجود توقعات بمستويات متصاعدة من سوء التغذية بين الأطفال تحت عمر خمس سنوات.[14] هذا وتغذي الأوضاع الاقتصادية المتردية المظالم الاجتماعية في جميع أنحاء القارة الإفريقية. فمن المُرجَّح أن تواجه البلدان في جميع أنحاء القارة مشكلة انعدام الأمن الغذائي، وحالات الطوارئ الإنسانية، وتراجع الدعم الحكومي وأزمات البطالة على خلفية أعباء الديون المتزايدة، مما سيؤدي إلى تقلبات سياسية وحالات من عدم الاستقرار السياسي. وسيؤدي الانكماش الاقتصادي العالمي إلى زيادة مخاطر عدم الاستقرار المالي والتخلف عن سداد الديون السيادية في جميع أنحاء المنطقة. وسوف تواجه البلدان المتخلفة عن سداد ديونها بالفعل -مثل تشاد وزامبيا- آفاق انتعاش اقتصادي صعبة للغاية. كما سوف تؤدي الظروف الاقتصادية المتدهورة إلى تأجيج حدة المظالم المجتمعية طويلة الأمد بشأن قضايا، مثل البطالة وعدم المساواة وانعدام الأمن الغذائي. ومن المُرجَّح أن تؤدي المصاعب الاقتصادية المقترنة بالأزمات الاجتماعية وتصورات عجز الدولة إلى تظاهرات عامة تطالب باتخاذ إجراءات حكومية في بلدان كثيرة مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية وغانا والسنغال وجنوب إفريقيا وزيمبابوي، من بين بلدان أخرى. وعلى الرغم من النظرة التشاؤمية للاتجاهات الاقتصادية الكلية فإن صندوق النقد الدولي يتوقع بأن تكون أربعة بلدان إفريقية جنوب الصحراء -السنغال وجمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا والنيجر- من بين الدول العشر الأسرع نموًا على مستوى العالم في عام 2023.[15]

 

* سُبُل تقليل الأخطار لعام 2023: الأوضاع الإفريقية المتفاقمة تفرض ضرورة النظر في حزمة من السياسات التي من شأنها أن تقلل من أخطار عام 2023 على الأفارقة وربما يكون من المطلوب الانتباه إلى هذه السياسات على كل المستويات الدولية والإقليمية والمحلية.

على الصعيد الدولي؛ سيكون من المهم النظر وعلى نحو عاجل بجدية إلى الطلب الإفريقي المتواصل بتقليل أعباء الديون أو خدمتها في الأقل ورفعها عن كاهل الشعوب الإفريقية، كما أنه من المطلوب عدم التنصل من دعم موازنة برنامج الغذاء العالمي لمساعدة البشر بإفريقيا في مواجهة التحديات المتعلقة باستمرار حياتهم.

وفي هذا السياق ربما يكون تمويل “صندوق جبر الأضرار” الذي تم إقراره بصعوبة بالغة في مؤتمر المناخ الأخير “كوب 27” من الأمور التي لا يجب التباطؤ فيها، إذ إن تعطل هذا التمويل يعني الاستمرار في تفاقم تداعيات تغير المناخ وفي تصاعد التوجه نحو الاقتراض، مما يعزز المعطيات الداعمة لاتجاه بعض الدول الإفريقية نحو التوقف عن سداد ديونها أو إعلان إفلاسها، وذلك في ضوء مؤشرات الركود العالمي وتباطؤ النمو على الصعيد الدولي، إضافةً إلى تعقيد شروط الاقتراض بالنسبة إلى الاقتصادات الفقيرة والناشئة، وذلك بالتوازي مع ارتفاع أسعار الفائدة العالمية وضغوط البنوك المركزية المحلية.

أما على الصعيد الإقليمي الإفريقي؛ فهناك مجالان من المطلوب التركيز عليهما خلال العام المقبل للحد من تفاقم الأوضاع الإفريقية السلبية وهما، أولًا التوجه نحو تنشيط التجارة البينية الإفريقية بالوسائل كافة والتساهل في مسائل التعريفة الجمركية بين دول القارة وتنشيط الجهود، خصوصًا من جانب الاتحاد الإفريقي نحو تفعيل منطقة التجارة الحرة الإفريقية. وثانيًا تعظيم الاستثمار في الزراعة، بما يُحقِّق الأمن الغذائي الإفريقي، وذلك مع الانتباه إلى ضرورة أن يكون الاستثمار المحلي شريكًا في هذا التوجه طبقًا لقدرات كل دولة.[16]

 

الخُلاصة؛ من المُرجح أن تظل التحديات المرتبطة بالمناخ والصراعات العنيفة عقبة أمام تحقيق أهداف التنمية الإفريقية. ومع ذلك فإن أعباء خدمة الديون سوف تصبح أكثر إشكالية، حيث ستؤثر الحاجة إلى تدبير مبالغ كبيرة في وقت تتزايد فيه تكاليف الاقتراض المحلية والدولية بشكل كبير على بعض البلدان في عام 2023.

وقد تصبح الأمور أكثر إيلامًا في عام 2024 عندما يحين موعد سداد المزيد من مدفوعات الديون. ومن جهة أخرى يُمكن أن يُصاحب الانتخابات المُنتظرة حالة من عدم الاستقرار في إفريقيا، لاسيما مع وجود مخاطر عالية من الاحتجاجات السياسية والتظاهرات الجماهيرية والإضرابات في مجموعة من البلدان. وهكذا يُمكن القول بأن عام 2023 سيكون من الأعوام المأزومة على الصعيد الإفريقي ومطلوب مواجهة التحديات فيه، إذ إن العبء الأكبر يقع على الأفارقة أنفسهم في إدارة هذه الأزمات.

 

[1] د. حمدي عبد الرحمن، “تحديات ممتدة: الاتجاهات الستة الحاكمة لملامح إفريقيا 2023″، المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 6/1/2023. متاح على الرابط: https://cutt.us/2gqOJ

[2] د. حمدي عبد الرحمن، “تحديات ممتدة: الاتجاهات الستة الحاكمة لملامح إفريقيا 2023″، المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 6/1/2023. متاح على الرابط: https://cutt.us/2gqOJ

[3] Jerry Fisayo-Bambi, “A look back at major political events recorded in the year 2022”, Africa News, 22/12/2022. At: https://cutt.us/UT2HW

[4] د. حمدي عبد الرحمن، “تحديات ممتدة: الاتجاهات الستة الحاكمة لملامح إفريقيا 2023″، المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 6/1/2023. متاح على الرابط: https://cutt.us/2gqOJ

[5] Jerry Fisayo-Bambi, “A look back at major political events recorded in the year 2022”, Africa News, 22/12/2022. At: https://cutt.us/UT2HW

[6] أماني الطويل، “إفريقيا بين أزمات 2022 وتحديات 2023″، عربية Independent، 29/12/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/mbA4t

[7] Nosmot Gbadamosi, “2022 Was an Attack on Democracy: Africa Brief’s year in review”, Foreign Policy, 21/12/2022. At: https://cutt.us/6pLyl

[8] أماني الطويل، “إفريقيا بين أزمات 2022 وتحديات 2023″، عربية Independent، 29/12/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/mbA4t

[9] Nosmot Gbadamosi, “2022 Was an Attack on Democracy: Africa Brief’s year in review”, Foreign Policy, 21/12/2022. At: https://cutt.us/6pLyl

[10] د. جون سيكو، “ملامح جديدة لتنافس القوى العظمى في إفريقيا”، الشرق، 1/1/2023. متاح على الرابط: https://cutt.us/QSRzY

[11] “إفريقيا في 2022.. صراعات وفيضانات وتغير خريطة النفوذ”، Sky News، 31/12/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/rlumt

[12] د. حمدي عبد الرحمن، “تحديات ممتدة: الاتجاهات الستة الحاكمة لملامح إفريقيا 2023″، المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 6/1/2023. متاح على الرابط: https://cutt.us/2gqOJ

[13] مارتينا شويكوفسكي، “إفريقيا في عام 2023 ـ المسار الديمقراطي المتعثر أمام اختبار صعب”، DW، 29/12/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/jEn47

[14] أماني الطويل، “إفريقيا بين أزمات 2022 وتحديات 2023″، عربية Independent، 29/12/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/mbA4t

[15] د. حمدي عبد الرحمن، “تحديات ممتدة: الاتجاهات الستة الحاكمة لملامح إفريقيا 2023″، المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 6/1/2023. متاح على الرابط: https://cutt.us/2gqOJ

[16] أماني الطويل، “إفريقيا بين أزمات 2022 وتحديات 2023″، عربية Independent، 29/12/2022. متاح على الرابط: https://cutt.us/mbA4t

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

القمة الأمريكية- الإفريقية.. قراءة في الأهداف والدلالات

استضافت العاصمة الأمريكية، واشنطن، قمة قادة الولايات المتحدة وإفريقيا في الفترة من 13 إلى …