أبعاد ومآلات وصاية السلطة على صناعة الدراما
تواجه الدراما المصرية ثلاث أزمات عاصفة: الأولى: تتعلق بالتسويق في ظل الأزمة الاقتصادية وتراجع كثير من الشركات عن الدعاية والإعلان لتحقيقها خسائر ما أفقد الفضائيات بابا كبيرا للربح كان يسهم في تحقيق مكاسب كبيرة وتغطية نفقات الأعمال الدرامية. الثانية: تتعلق بالقفزة الهائلة في أجور الفنانين والممثلين حتى إنها تضاعفت مرتين أو ثلاثة خلال السنوات الماضية منذ قرار تعويم الجنيه أمام الدولار وباقي العملات الأخرى. الثالثة: هي احتكار شركات المخابرات لسوق الإنتاج الإعلامي وسوق التسويق أيضا؛ وهو ما أدى فعليا إلى حسم المنافسة وسيادة نزعة الاحتكار والتحكم في صناعة الدراما. وثمة إجماع بين المهتمين بالفن أن الدراما المصرية تشهد منذ سنوات تراجعا ملحوظا لحساب أعمال درامية أخرى سواء التركية أو الهندية وحتى السورية واللبنانية والخليجية. وبعكس الأعمال المصرية الخالدة مثل ليالي الحلمية والمال والبنوك والسبنسة والوسية ولن أعيش في جلباب أبي وغيرها وهي الأعمال التي لا يمل المشاهد العربي من تكرار مشاهدتها حتى اليوم بعكس الدراما المصرية حاليا والتي باتت لا تقدم فنا راقيا ولا فكرا خلابا وتشاهد مرة واحدة ثم يلقى بها في سلة المهملات، دون أن يشعر بها المشاهدون. ساهم في ذلك، أيضا ما آل إليه حال مبنى الإذاعة والتلفزيون “ماسبيرو” وتوقف الأعمال في قطاع الإنتاج باتحاد الإذاعة والتليفزيون وصوت القاهرة ومدينة الإنتاج الإعلامي، تاركا الساحة للإنتاج الخاص الذي باتت تهمين عليها أجهزة المخابرات. ثالث العوامل التي أفضت إلى تراجع مستوى الدراما المصرية، التركيز على البطل أو البطلة دون النظر إلى الفكرة ومستوى السيناريو وباقي أدوات نجاح العمل الدرامي. وكذلك التركيز على ورش السيناريو بدلا من العمل الفني المتماسك في فكرته وأحداثه وتطورات شخوصه وأبطاله والدقة في رسم السمات النفسية للأشخاص. وبات كتاب كبار وفنانون لهم جماهيرية عريضة على مقاعد المتفرجين. وأمسى مؤلفون وكتاب سيناريست مخضرمون قابعين في بيوتهم بلا عمل لأنهم يتسمون بشيء من الاستقلالية و يرفضون التدخل في أعمالهم أو كتابة سيناريوهات مفصلة على مقاس نجم بعينه. احتكار سوق الدراما يمثل احتكار أجهزة السلطة الأمنية وعلى رأسها جهاز المخابرات العامة لسوق صناعة الدراما والسينما وشركات التوزيع والفضائيات التي يبث من خلال الأعمال الفنية شكلا صارخا من أشكال الوصاية المطلقة التي تجعل السلطة ممسكة بجميع أدوات العمل الدرامي من الألف إلى الياء. وبحسب وكالة رويترز، تمثل الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، ذراع السلطة في الهيمنة على جميع مراحل صناعة الدراما، والتي تتبع مباشر لجهاز المخابرات العامة. تأسست الشركة في 2017 واشترت ما لا يقل عن ست صحف ومواقع إخبارية على الانترنت وأربع شبكات تلفزيونية تدير 14 قناة وأربع محطات إذاعية وعدد من المسارح ودور السينما. وقال ثمانية أشخاص يعملون بصناعة الإعلام كانت لهم تعاملات مع الشركة المتحدة إن الدولة هي التي أنشأتها. ومع توسع الشركة أصبحت تهيمن على مواعيد إذاعة البرامج التلفزيونية وتحدد الأعمال التي تخرج منها للنور. وتطبق الشركة قواعد الرقابة الحكومية بحذافيرها. ويدرك العاملون في الوسط الفني على وجه اليقين أن الأمر جزء من سياسة الدولة التي تقرر من يعمل هذا العام ومن يوقف عن العمل. وأمام هذه التحولات الحادة والخطيرة ، لم تجد الشركات المنافسة في سوق الإنتاج الإعلامي والدرامي بدا من التوقف وتجميد مشروعاتها الفنية؛ لأنها تعجز عن تسويقها مع سيطرة مجموعة “إعلام المصريين” على نصيب الأسد من سوق الفضائيات المصرية. وبحسب مصادر مطلعة بكواليس الشأن الفني فإن الإنتاج الدرامي تراجع إلى 14 أو 15 عملا بعد أن كان يصل إلى 30 أو 40 في السنة، وأن نصف هذه الأعمال من إنتاج شركة “إعلام المصريين” المملوكة لجهاز المخابرات العامة. وأمام تراجع حجم الإنتاج الدرامي، قرر عدد من الفنانين الاتجاه نحو السينما والمسرح بعد سنوات من انتعاش سوق مسلسلات رمضان. هذه الأبعاد المتعددة لأزمة الدراما؛ دفعت الناقد طارق الشناوي، إلى التحذير من تدمير صناعة الدراما مشيرا إلى أن «الأزمة بدأت في 2017، حيث تم الإعلان عن بدء تصوير كثير من المسلسلات، ثم خرجت من السباق الرمضاني، ومن بينها مسلسل (بركة) لعمرو سعد، كما شهد الموسم قبل الماضي لأول مرة خروج أسماء كبيرة مثل يسرا من العرض المحلي». وتوقع الشناوي، أن ما يتم حالياً يستهدف تقليص الأجور والميزانيات، ولكنه يحدث بشكل عشوائي قد يضر بالصناعة، فالفضائيات المصرية التي تعد السوق الرئيسية للمسلسلات تشهد حالة من العشوائية وتعاني من الأزمات، وهذا انعكس بشكل كبير على الدراما، وأبدى أمله أن تحدث انفراجة خلال الفترة المقبلة، بظهور صوت عاقل من داخل النظام يعيد الأمور إلى نصابها، حتى لا تنهار صناعة الدراما في مصر، لأن ما يحدث حالياً ليس في صالح الصناعة على كل المستويات». لجنة الدراما ولم يكتف نظام 30 يونيو بالسيطرة المطلقة على شركات الإنتاج والتوزيع وحتى فضائيات العرض، وامتد حرصه الشديد على فرض الوصاية على الفن والإبداع إلى سن حزمة من القوانين التشريعات الشاذة التي تسهم بشكل فعال في فرض مزيد من المصادرة والتأميم والهيمنة المطلقة على سوق الدراما. وقبل أن ينتهي عام 2016 أصدر الطاغية عبدالفتاح السيسي (قرارات جمهورية) أرقام 158 و159 و160 بتشكيل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والهيئة الوطنية للصحافة والهيئة الوطنية للإعلام، وذلك طبقاً لنصوص ومواد القانون 92 لسنة 2016 والذي نص على تشكيل المجلس والهيئات المذكورة بناء على ترشيحات مجلس الدولة ومجلس النواب ونقابة الصحفيين والإعلاميين والعاملين بالطباعة والصحافة والإعلام والمجلس الأعلى للجامعات ووزارتي الاتصالات والمالية. وأن تختص “لجنة المعايير وميثاق الشرف الإعلامي” بـ: وضع ضوابط ومعايير ممارسة العمل الإعلامي، ووضع ميثاق الشرف المهني بالاشتراك مع النقابة المعنية. وفي ديسمبر 2017م أعلن عن تكوين لجنة الدراما بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام للقيام بدور الرقابة التي تصل حد الوصاية من الدولة تحت لافتة تطوير الدراما. وفي مايو 2018، أعلن رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام مكرم محمد أحمد، أن لجنة الدراما بالمجلس أعدت معايير مهنية للمسلسلات قائلا: «لسنا لجنة فاشية كل هدفنا العودة للقيم، لسنا فاشيين ولا نكبل الحريات».، مدعيا «عشنا 8 سنوات من الفوضى ويجب خضوع المسلسلات للرقابة كأفلام السينما. معلنا عن غرامة قدرها 250 ألف جنيه للألفاظ الخادشة التي ترد في المسلسلات مع توصية بتمجيد الدور البطولي للجيش والشرطة. وتضمنت المعايير 24 بندا أهمها: إفساح المجال لتمجيد ما أسمته بالدور البطولي لرجال الجيش والشرطة. وعدم عرض صور العشوائيات والعشش بما ينقل صورة سلبية عن البلاد. وضرورة الانتهاء من تصوير المسلسلات قبل 15 رمضان؛ قبل عرضه أو إذاعته حتى تتمكن الرقابة من المراجعة. والتزام الشاشات بالمعايير المهنية والأخلاقية وعدم اللجوء للألفاظ البذيئة. والتوقف عن تمجيد الجريمة وصناعة أبطال وهميين يجسدون أسوأ ما في الظواهر الاجتماعية. وفترة الإعلانات تكون قبل وبعد المسلسل وللقناة حق القطع خلال المسلسل 3 مرات فقط في أوقات وصفتها بالمناسبة. وصاية بالإكراه تشكلت لجنة الدراما في ديسمبر 2017م برئاسة المخرج محمد فاضل، أحد أشهر مخرجي الدراما الذين تمردوا على…