قانون «الإيجارات القديمة».. تعديلات مرتقبة ومخاطر على بنية المجتمع
قانون «الإيجارات القديمة».. تعديلات مرتقبة ومخاطر على بنية المجتمع مع توجهات نظام جمال عبدالناصر نحو الاشتراكية وإيمانه بشيوع الملكية، تأثرا بعلاقته بالاتحاد السوفيتي في خمسينات وسيتنات منتصف القرن الماضي؛ أجرى على قوانين الإيجارة تعديلات تنحاز إلى المستأجرين على حساب الملاك وتفضي إلى إزالة الفوارق بين عقود االإيجار وعقود الملكية فتحولت الإيجارات إلى التأبيد وهو ما يتصادم مع أحكام الشريعة الإسلامية التي تشترط تحديد المدة لصحة عقد الإيجار؛ وبمرور السنوات تحول الملاك إلى فقراء وتأكلت قيمة الإيجارات حتى باتت فتاتا لا يسمن ولا يغني من جوع وبات أصحاب الملك غير قادرين على الاستفادة من أملاكهم بينما يتمتع المستأجرون بأملاك غيرهم بل يتوارثونها وفقا لهذه القوانين الصادمة. وبعد عقود من العمل بهذه القوانين تراكمت الأزمات وباتت هناك ملايين الشقق والمحلات المستأجرة بالنظام القديم منهم فقراء إذا تم طردهم فلن يجدوا مأوى يستقرون فيه ومنهم الأثرياء الذي يغلقون شققهم ويدفعون الإيجار جنيهات قليلة؛ فالملاك يصرخون: "نريد أملاكنا" والمستأجرون يحذرون: "وأين نذهب إذا طردتمونا من مساكننا؟" وعلى مر عقود طويلة يتجاهل النظام مخاطر استمرار هذا القانون الذي أفضى إلى تمزيق النسيج المجتمعي وأحال العلاقة بين الملاك والمستأجرين إلى حالة من الكراهية الدائمة والترصد على إيذاء كل منهما الآخر. فحق السكن كفلته الدساتير المصرية المختلفة ويتوجب على الحكومة توفيره لا أن تلقي به على كاهل الملاك المساكين، وبذلك فالمعادلة القائمة هي ملاك مظلومون تم السطو على أملاكهم بقانون مشبوه يخالف أحكام الشريعة ويتصادم مع نظرية الحق القانونية، ومستأجرون بعضهم فقراء يتعين على الحكومة توفير مساكن مناسبة لهم بأسعار مناسبة، وبعضهم أثرياء يؤجرون شققهم من الباطن أو يغلقونها مع دفع قيمة الإيجار البخس. بينما تتهرب الحكومة من استحقاقات توفير سكن مناسب للمستأجرين الفقراء الذين يمكن أن يمسهم الأذى من إلغاء القانون القديم. في ظل إعلان الحكومة عن أسعار فلكية لأسعار المساكن الشعبية تصل إلى 350 ألف جنيه على أقل تقدير لشقق صغيرة المساحة سيئة التشطيب وهو ما لا يتوافر لملايين من البسطاء والمهمشين من مستأجري النظام القديم. ومؤخرا يتجه مجلس النواب إلى إجراء تعديلات كبيرة على القانون القديم وسط ترقب ومناشدات من أجل توسيع دائرة النقاش لهذه التعديلات المرتقبة؛ آملين أن تحقق قدرا من التوازن والعدالة في العلاقة بين الطرفين، تمكن الملاك من أملاكهم وترفع قيمة الإيجارات بما يلامس أسعار اليوم، وتلزم الحكومة بتوفير مساكن بديلة للمستأجرين إعمالا لنصوص الدستور الذي يشكو من كثرة الانتهاكات السلطوية وعدم تفعيل نصوصه. «4» محطات تاريخية المحطة الأولى، في العهد الناصري ، حيث ظلت العلاقة بين المالك والمستأجر تمضي على وتيرتها دون تدخل من الحكومة؛ حتى حدث التحول الأكبر في منتصف القرن الماضي، حيث فرض جمال عبدالناصر التصورات والآليات الاشتراكية على المصريين إكراها حتى باتت تهيمن على مفاصل الحياة والمجتمع في مصر، حيث حدث تحول نوعي في تدخل الحكومة في العلاقة الإيجارية بصدور القانون رقم 46 لسنة 1962، فقد كانت تدخلات الدولة في العلاقات الإيجارية حتى صدور هذا القانون دائماً ما تتعلق بالإيجارات الحالية بينما تترك العلاقات الإيجارية المستقبلية حرة دون قيود. وبصدور هذا القانون دخلت الدولة كطرف ثالث في العلاقة الإيجارية بوضعها أسس لتحديد القيمة الإيجارية، حيث صدر هذا القانون بصورة شاملة ليحدد القيمة الإيجارية للمساكن على أساس عائد سنوي قدره 5% من قيمة الأرض، 8% من قيمة المباني. ومنذ هذا التاريخ لم يعد الإيجار مسألة عرض وطلب، ومع حدوث مشكلات عملية عند تطبيق هذا القانون، أصدرت الحكومة القانون رقم 7 لسنة 1965 الذي بموجبه تم تخفيض إيجار الأماكن وقد نص في مادته الأولى على: خفض الإيجار لجميع الأماكن الخاضعة لقوانين التخفيض السابقة بنسبة 20% اعتباراً من شهر مارس 1965 أي أن تلك الأماكن أجرى عليها تخفيضان، الأول بموجب أحد القوانين الثلاث التي أصدرتها حكومات ما بعد حركة يوليو 1952م ( وهى القوانين أرقام 199 لسنة 1952، 55 لسنة 1958، 168 لسنة 1961)، والتخفيض الثاني تم بموجب هذا القانون الصادر في عام 1965 كما شمل هذا القانون أيضا تخفيض إيجار الأماكن الخاضعة لأحكام القانون رقم 46 لسنة 1962 بنسبة 35%". وفي عام 1969 حدث التدخل الأكبر بالقانون 52 لـ 1969، والذي بموجبه استمر العمل بالأحكام المحددة للأجرة بواقع 5% من قيمة الأراضي، 8% من قيمة المباني، مع استحدث نظام التقدير المبدئي، للأجرة بتحديد أجرة مبدئية تتلاءم مع تكلفة المبنى مع إلزام طالب البناء بتقديم بيان بقيمة الأراضي والمباني حيث يمكن للجهة المختصة تقدير الأجرة المبدئية التي يتعاقد المالك مع المستأجر بموجبها. كما استحدث أحكاما جديدة مثل إجازة تبادل الوحدات السكنية بين مستأجر وأخر، وعدم انتهاء عقد إيجار المسكن لوفاة المستأجر[1] ما يعني توريث عقود الإيجار تضمين التأبيد دون الإفصاح به وهو ما يتصادم مع أحكام الشريعة الإسلامية. ولجوء عبدالناصر إلى هذه القوانين كان تهربا من توفير مساكن مناسبة للمستأجرين فأحال هذا الاستحقاق على كاهل الملاك الذي تعرضوا لإجحاف متواصل من جانب النظام. المحطة الثانية، فى عهد السادات حيث صدر القانون 136 لعام 81 لمصادرة الملكية، وبمقتضى مواده تقرر امتداد عقود إيجار العقارات إلى مدى الحياة، وذلك طبقاً للمادة 29 من قانون آخر رقم 49 لسنة 1977 وتقرر آنذاك ألا ينتهى عقد إيجار المسكن بوفاة المستأجر أو تركه للعين إذا بقى فيها زوجته أو أولاده أو أى من والديه الذين كانوا مقيمين معه حتى الوفاة أو الترك، وفيما عدا هؤلاء من أقارب المستأجر نسباً أو مصاهرة حتى الدرجة الثالثة، ويشترط لاستمرار عقد الإيجار إقامتهم فى المسكن مدة سنة على الأقل سابقة على وفاة المستأجر أو تركه العين أو مدة شغله للمسكن أيهما أقل، فإذا كانت العين مؤجرة لمزاولة نشاط تجارى أو صناعى أو مهنى أو حرفى فلا ينتهى العقد بوفاة المستأجر أو تركه للعين ويستمر لصالح ورثته وشركائه فى استعمال العين بحسب الأحوال[2]. والمحطة الثالثة في عهد مبارك، حيث ظلت قوانين تحديد الإيجارات للوحدات السكنية في مصر تحت مسمى “الإيجار القديم”، أكثر من سبعة عقود، حتى ظهر قانون “الإيجار الجديد” عام ١٩٩٦، ليحرر الوحدات السكنية الجديدة أو المخلاة نهائيًّا من قيود تحديد الإيجارات. خلق القانون الجديد نوعًا من العدالة المتبادلة بين المستأجرين ومالكي الوحدات، على الرغم من ارتفاع أسعاره في بعض المناطق في القاهرة الكبرى والتي لا تتناسب إطلاقًا مع الدخول الشهرية للمستأجرين. كما أدى أخيرًا إلى شكاوى مستمرة من المُستأجرين عن غياب ضبط ومراقبة أسعار السوق للإيجارات الجديدة لعدم تناسب ارتفاعها الطردي مع زيادات دخولهم البسيطة. وبالنسبة للوحدات المؤجرة وفق القانون القديم، عندما حاول المهندس صلاح حسب الله، وزير الإسكان الأسبق تعديل القانون، كان أول ضحايا هذا الاقتراب، فحينما أعلن عن تعديل قانون الإيجارات وتحرير العلاقة بين المالك والمستأجر وتعديل القيمة الإيجارية لتكون الزيادة بنسبة 200٪ سنوياً للوحدات التى تم تأجيرها منذ 60 عاماً، و150٪ للمؤجر…