تأجيل الانتخابات الفلسطينية: الدوافع والتداعيات
أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس، فى 29 إبريل 2021، قراراً بتأجيل الانتخابات التشريعية، التي كان مقرراً أن تجري في مايو الحالي، متذرعاً بعدم قبول الحكومة الإسرائيلية إجراء الاستحقاق في القدس وضواحيها، بحجة أنه لا توجد حكومة إسرائيلية مسؤولة عن اتخاذ القرار، وأن الحكومة الراهنة حكومة تسيير أعمال. وبرر عباس خطوته بأن القدس جزء رئيس من الأراضي الفلسطينية، وأن السلطة جاهزة في كل الأحوال لإجراء الانتخابات حال السماح بذلك، وأن الأطراف الدولية الأميركية والأوروبية والعربية فشلت في إقناع الحكومة الإسرائيلية بقبول إجراء الانتخابات[1]. وكان قرار تأجيل الانتخابات متوقعًا، فقد سبق وأقر أمين سر اللجنة المركزية لحركة “فتح” جبريل الرجوب، بوجود ضغوط إسرائيلية وحتى إقليمية وعربية، لإلغاء الانتخابات، وقال إن الرئيس محمود عباس رفضها. ولم يكشف الرجوب أسباب الضغوط لتأجيل أو إلغاء الانتخابات، لكنّ صحفا إسرائيلية ذكرت أن تل أبيب وبعض العواصم الإقليمية، تخشى من فوز حركة “حماس” في الانتخابات، بسبب الانقسامات في حركة “فتح”[2]. وفى ذات السياق، فقد أشار يوني بن مناحيم المحلل الإسرائيلي إلى أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس أوفد اثنين من كبار مستشاريه إلى الولايات المتحدة الأمريكية لبحث تأجيل الانتخابات الفلسطينية بسبب تخوفات من خسارة فتح للانتخابات نتيجة الانقسامات، وبانتظار اطلاع الولايات المتحدة على التطورات، حيث تدعم إسرائيل ومصر والأردن تأجيل الانتخابات الفلسطينية[3]. أولًا: أسباب تأجيل الانتخابات: يمكن الإشارة إلى مجموعة من الأسباب التى تقف خلف قرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس بتأجيل الانتخابات، يمكن توضيحها كما يلى: 1- رفض الاحتلال إجراء الانتخابات فى القدس، ففى إعلانه عن تأجيل الانتخابات، أكد عباس على أن الانتخابات التشريعية المقررة الشهر المقبل (مايو) لن تجري في الضفة الغربية وقطاع غزة إلا إذا سمحت إسرائيل بتنظيمها في القدس الشرقية أيضاً. مشيرًا إلى أن سلطات الاحتلال قد أبلغته” بعدم السماح بإجراء الانتخابات في القدس الشرقية، وتلا نص رسالة إسرائيلية تقول “نأسف يا جيراننا الأعزّاء أنّنا لا نستطيع أن نعطيكم جواباً بشأن القدس، السبب ليس لدينا حكومة لتقرر”[4]. ويرجع رفض إسرائيل لإجراء الانتخابات فى القدس إلى إدراكها أن السماح للمقدسيين بالمشاركة في الانتخابات الفلسطينية يعني الاعتراف بأن القدس لم تعد عاصمة موحدة لإسرائيل، كما قرر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وبالتزامن تدرك القيادة الفلسطينية أن مشاركة المقدسيين في أي انتخابات فلسطينية يعني تثبيت وإنهاء الاعتراف بقرار ترامب. ويرى البعض بأن قرار عباس بتأجيل الانتخابات قد نجح بإعادة طرح القدس بوصفها قضية أمام المجتمع الدولي[5]. وفى المقابل، يرى العديد من المراقبين أن ادعاء السلطة الفلسطينية تأجيل الانتخابات بذريعة عدم سماح الاحتلال الإسرائيلي بإجرائها في القدس، يعد حجة واهية؛ لأن الأصل أن تجرى الانتخابات دون الطلب من أحد السماح بإجرائها، لأنها شأن فلسطيني، واستحقاق سياسي وفق اتفاقية أوسلو. كما أن هناك خيارات كثيرة وممكنة لإجراء الانتخابات بالقدس حتى لو رفض الاحتلال، منها؛ وضع صناديق الاقتراع في المساجد والكنائس، لا سيما المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، أو المؤسسات الأوروبية والدولية مثل مقرات الأمم المتحدة، أو التوافق على برنامج نضالي يرفع تكلفة الاحتلال للوصول للانتخابات بأقل الخسائر، وذلك من خلال دعوة المقدسيين للاحتجاج السلمي، والعصيان المدني، والجلوس في الطرقات لفرض الانتخابات في القدس، أو إعلان السلطة عن وقف الالتزامات والاتفاقيات مع إسرائيل، لأن الأخيرة غير ملتزمة بها. وهى خيارات كانت ستكون أفضل من قرار تأجيل الانتخابات خاصة أن المقدسيون لديهم عزيمة قوية، وبإمكانهم فعل أي شيء لتحقيق مطالبهم، كما فعلوا قبل عدة أيام فى انتفاضة باب العمود عندما انتفضوا لإزالة الحواجز وانتصروا، وهذا يدل على أنهم قادرون على إرغام الاحتلال الإسرائيلي على إجراء الانتخابات داخل المدينة المقدسة، لكن قيادة السلطة الفلسطينية لم تطرح أية خيارات لفرض الانتخابات، وهذا ما يثبت عدم رغبتها في إجرائها[6]. 2- فشل الصفقة الثنائية بخوض الانتخابات بقائمة وطنية واحدة بين حركة فتح وحماس، تجعل النتائج مضمونة، وما تضمنته من التوافق على الرئيس محمود عباس كمرشح توافقي واحد في الانتخابات الرئاسية[7]. وزاد الطين بلة التفكك الحاصل في حركة فتح، والذي قد يؤدي إلى خسارتها الانتخابات التشريعية بصورة مدوية، حيث تشارك حركة فتح في الانتخابات بثلاث قوائم متنافسة على الأقل، هي قائمة حركة فتح الرسمية التي تمثل الرئيس الفلسطيني محمود عباس واللجنة المركزية، وقائمة المستقبل التي تمثل التيار الإصلاحي (تيار محمد دحلان)، والقائمة الثالثة برئاسة المفصول من حركة فتح ناصر القدوة والمدعوم من قبل الأسير الفلسطيني مروان البرغوثي(قائمة الحرية)[8]، فضلًا عن التزام “الحرية” بدعم ترشح البرغوثي للرئاسة، في ظل أن كل الاستطلاعات الجادة تشير إلى أنه يملك فرصة كبيرة للفوز، ما سيحدث تغييرًا أشبه بالزلزال في الخارطة الفلسطينية[9]. 3- الخوف من فوز حماس، فقد أشارت صحيفة “يسرائيل هيوم” الإسرائيلية إلى أن السبب الحقيقي لإعلان عباس تأجيل الانتخابات الفلسطينية لموعد غير محدود؛ يأتى بسبب أن كل التوقعات تشير إلى فوز حركة “حماس”، كما حدث بالانتخابات السابقة بالعام 2006، وسوف يؤدي ذلك إلى فقدان حركة “فتح” الحكم بالسلطة الفلسطينية. وأشارت الصحيفة إلى أن التخوفات من فوز حركة “حماس”، لم تكن فقط لدى حركة فتح وقيادة السلطة، بل لدى كل من مصر ودولة الاحتلال والأردن، الذين أرسلوا وفودا أمنية الى المقاطعة مؤخرا، لتشجيع أبو مازن للتراجع عن إجراء الانتخابات. وأوضحت الصحيفة العبرية، أن الدول العربية والسلطة، لم ترغب في منح “حماس” الشرعية أمام العالم، من خلال السماح لها بالمشاركة والفوز بالانتخابات، خصوصا بعد 15 سنة من القمع في الضفة الغربية[10]. 4- الموقف الإسرائيلي، يبدو أن إسرائيل لن تسمح بإجراء انتخابات فلسطينية ديمقراطية لعدة أسباب، أهمها: أولًا؛ التوجس من إمكانية فوز حركة حماس في الانتخابات، كما حدث في انتخابات 2006، والتي جرى إسرائيليًا تلخيص السماح بها كخطأ كبير. وتخشى من أن يكون لحماس وأذرعها العسكرية موطئ قدم في الضفة الغربية، بكل ما يحمله ذلك من تحديات أمنية غير مسبوقة. ثانيًا؛ رعاية الانقسام الفلسطيني هي من أهم مقومات السياسة الإسرائيلية في السنوات الأخيرة. ويعتبره نتنياهو حجر الزاوية في تعامله مع القضية الفلسطينية، ويسعى بطرق مختلفة لإبقائه وتعميقه. هناك خشية من أن تكون الانتخابات مدخلا لمسار إنهاء الانقسام وتشكيل قيادة موحدة تسعى إلى تغيير الوضع القائم، وتضع تحديات جديدة أمام دولة الاحتلال. ثالثًا؛ تريد إسرائيل قيادة فلسطينية ضعيفة أمامها وأمام العالم وقوية على شعبها، وعندها قدرة على ضبط الشارع الفلسطيني، وتوفير الهدوء الأمني. هناك سطوة وشرعيّة ومصداقية وقبول، وبالتالي قوة أكبر أمام العالم للأجسام المنتخبة ديمقراطيا. وبعد أن دأبت إسرائيل على مدى سنوات طويلة على إضعاف القيادة الفلسطينية، فإن الانتخابات قد تفسد عليها ما كسبته من هذا الإضعاف. رابعًا؛ ترى إسرائيل أن أي مسار ديمقراطي عربي حقيقي ليس في صالحها، لأن الشعوب أشدُّ رفضا لها من القيادات. وهي تعلم جيّدا أن الشعب الفلسطيني يحمل موقفا أشدُّ عداء لها من قياداته الرسمية، وتخشى أن تفضي انتخابات ديمقراطية إلى اتباع سياسة مواجهة الاحتلال…