الهجوم التخريبي ضد منشأة “نطنز” الإيرانية..الأهداف والرسائل وسيناريوهات المستقبل
جاء الهجوم التخريبي الذي تعرض له موقع مفاعل نطنز النووي بإيران، الأحد 13 ابريل، في توقيت بالغ الصعوبة، حاملا الكثير من الرسائل والدلالات.. ضمن سلسلة حوادث وحرائق مجهولة بعدد من المنشآت والمواقع النووية والصناعية واغتيال مسئول المشروع النووي الايراني في نطنز محسن فخري زادة في نوفمبر 2020. وأعلنت إيران أن انفجارا وقع الأحد الماضي، في إحدى منشآتها النووية المهمة، وكان عملا تخريبيا نفذته إسرائيل، وتعهدت بالانتقام لهجوم بدا أنه أحدث فصول حرب تدور في الخفاء منذ وقت طويل، معتبرة أن “الهدف من العمل هو استهداف قدرات إيران النووية”. الانفجار ألحق أضراراً بشبكة توزيع الكهرباء وكابل موصول بالبطاريات، ومع ذلك، ليس واضحاً سبب وقوع الانفجار، إن كان يعود إلى زرع متفجرات أو أسباب أخرى. وبحسب تقارير وكالة نور نيوز ، القريبة من مجلس الأمن القومي الايراني، فأن موقع “نطنز” النووي لديه “محطة كهربائية توصل الكهرباء إلى عمق 40 إلى 50 متراً تحت الأرض”، وقد بني باستحكامات قوية، لكيلا تقدر الهجمات الجوية والصاروخية على تدميره.. وتسببت عملية التفجير بقطع شبكة توزيع الكهرباء وكذلك الكهرباء الواصلة من الكابل الموصول بالبطاريات إلى أجهزة الطرد المركزي، وهذا الكابل يستخدم لاستمرار عمل الأجهزة في حال انقطاع الكهرباء. والإثنين الماضي، اعتبرت إيران، في رسالة إلى الأمم المتحدة، أن الاستهداف المتعمد لمنشأة نووية محمية، مع وجود مخاطر عالية من الإطلاق العشوائي للمواد المشعة، بمثابة “إرهاب نووي وجريمة حرب”. الرد الايراني وردا على استهداف تعطيل مشروعها النووي، وفي 16 ابريل الجاري، أعلنت ايران بدء تخصيب اليورانيوم بنسبة تصل إلى 60%، وهو أعلى مستوى لها على الإطلاق..وذلك وفقا لرئيس البرلمان الإيراني “محمد باقر قاليباف”، الذي أدلى بهذه التصريحات في تقرير بثه التليفزيون الرسمي الإيراني يوم الجمعة الماضي. ويمثل الإعلان تصعيدا كبيرا بعد عملية نطنز، وفي الأيام الماضية، عبرت الدول الغربية عن خيبة أملها إثر قرار إيران بدء التخصيب بنسبة 60% وأكد الناطق باسم الاتحاد الأوروبي “بيتر ستانو”: “هذا أمر مقلق للغاية من وجهة نظر منع انتشار الأسلحة النووية”، مذكرا بأنه “ليس هناك أي مبرر مدني معقول لإجراء كهذا”. وقال وزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكن”، من بروكسل، مساء الأربعاء: “نأخذ هذا الإعلان الاستفزازي بجدية كبيرة”…وهو ما يثير تساؤلات حول جدية إيران في المحادثات النووية، الدائرة في فيينا. ويوم الأربعاء الماضي، قال الرئيس الإيراني “حسن روحاني”، إن تركيب أجهزة طرد مركزي من الجيل السادس، وتخصيب اليورانيوم بنسبة 60% هو رد إيران على الهجوم الذي استهدف مفاعل “نطنز”. ووفق تقرير لـ”صابر غل عنبري” بـ”العربي الجديد”، كشف رئيس مركز بحوث البرلمان الإيراني علي رضا زاكاني عن أنه في الهجوم الأخير في “نطنز” “أعطبت عدة آلاف من أجهزة الطرد المركزي”، غير أن الحكومة لم تؤكد أو تنفِ صحة هذه الأرقام. بينما اقتصرت الرواية الحكومية على التأكيد على لسان المتحدث باسم الحكومة في مؤتمره الصحفي، أن الهجوم “خلّف أضراراً محدودة لنشاط تخصيب اليورانيوم”، مضيفاً أن “منظمة الطاقة الذرية الإيرانية طمأنت أنها خلال وقت قصير ستعوض الجزء الكبير من الأضرار، وستستخدم التقنيات الأكثر حداثة لأجل إعادة بناء ما تضرّر وفقاً للقرارات المتخذة. كما أن وسائل إعلام إسرائيلية وغربية قدمت روايتها عن عملية استهداف “نطنز” الأخيرة، حيث نقلت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية، عن مسؤولَين في الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية، تأكيدهما الدور الإسرائيلي في الهجوم الذي طاول منشأة نطنز النووية الإيرانية الأحد الماضي. وقال مسؤولان اطلعا على الأضرار، للصحيفة، إنّها نجمت عن انفجار كبير دمّر بالكامل نظام الطاقة الداخلي المستقلّ، والمحميّ بشدّة، والذي يزوّد أجهزة الطرد المركزي تحت الأرض بالطاقة لتخصيب اليورانيوم. وقد وجه الانفجارضربة قاسية لقدرة إيران على تخصيب اليورانيوم، وأنّ استئناف الإنتاج في نطنز قد يستغرق تسعة أشهر على الأقل، وفق تقديرات اسرائيلية. إلا أن إيران أكدت رسمياً أن عملية تخصيب اليورانيوم “مستمرة”، مشددة على أنها ستستبدل أجهزة الطرد المركزي من الجيل الأول، المتضررة على خلفية الهجوم، بأجهزة أكثر تطورا وبقدرات إنتاجية أعلى. ويعد الهجوم هو الثالث من نوعه الذي تتعرض له “نطنز”، فالهجوم الأول كان عبر إرسال فيروس “ستاكس نت” إلى أجهزتها عام 2010، الذي صُنّف أنه أخطر فيروس عسكري، والهجوم الثاني تم خلال يوليو الماضي، حيث دمّر انفجار صالة لتجميع وإنتاج أجهزة الطرد المركزي المتطور، قبل أن تعلن إيران، السبت 12 ابريل الجاري سإعادة بنائها قبل يوم من الهجوم الثالث. الأهداف: -عرقلة محادثات فيينا: وفي ضوء القراءة المتأنية للسياق الدبلوماسي الدائر في فيينا بشأن الملف النووي الإيراني، يبدو أن استهداف نطنز موجها لاجتماعات فيينا غير االمباشرة بين امريكا وايران، عبر وسطاء دوليين “الصين، روسيا، فرنسا، ألمانيا، بريطانيا” بشأن النظر في تخفيف العقوبات الدولية عن ايران، وقد انطلقت المفاوضات في فيينا في الثاني من ابريل الجاري، وهي مستمرّة. وبالتزامن مع ذلك جاء الهجوم على مفاعل نطنز أهم منشأة لانتاج اليورانيوم المخصب، بالتوافق مع وصول وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن إلى إسرائيل..كما تعرضت الثلاثاء الماضي، سفينة “إيران سافير” إلى هجوم في البحر الأحمر.. الهجوم استهدف إفشال المسار الدبلوماسي الذي أطلقته إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن مع إيران لمعالجة الأزمة، والمباحثات في فيينا، وإزاء تلك القراءة تتجه أصابع الاتهام لإسرائيل، باعتبارها الجهة الأكثر معاداة لهذه المباحثات والاتفاق النووي. وهذه القراءة أيضاً، هي التي تتبناها الحكومة الإيرانية، فتصريحات وزير الخارجية محمد جواد ظريف ورئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية علي أكبر صالحي خلال اليومين الأخيرين تؤكد وجود هذه المقاربة..وبغض النظر عن مدى وجاهة هذا الرأي، فإذا سلّمنا بأن إسرائيل هي الجهة الوحيدة التي خططت ونفذت الهجوم على سفينة “إيران سافيز” الثلاثاء قبل الماضي، وكذلك العملية في “نطنز”، فمن المستبعد إلى حدّ كبير أن تكون الولايات المتحدة غير مطلعة على هذه الهجمات قبل وقوعها. ففيما يتعلق بموضوع السفينة، أوردت وسائل إعلام أميركية أن الحكومة الإسرائيلية أعلمت الإدارة الأميركية بالهجوم قبل تنفيذه. وعليه، على الرغم من خلافات بين واشنطن وتل أبيب على طريقة مواجهة إيران، يُستبعد قيام إسرائيل بهذه الخطوة لأجل إحراج الإدارة الأميركية وإفشال مباحثاتها مع طهران، فالمتابعون للعلاقات الأميركية الإسرائيلية، يعرفون جيداً أنه في القضايا الأمنية الكبرى، وخصوصاً في الشأن الإيراني، هناك تنسيق كامل بين الطرفين، ولا يتصرف طرف بمعزل عن الآخر، ومن دون التنسيق معه. كما أنه مهما بلغت الخلافات الأميركية الإسرائيلية، فليس وارداً أن يقوم الاحتلال الإسرائيلي بهذه الطريقة الفجة، بمعاقبة الولايات المتحدة، وهي أكبر دولة داعمة له في العالم، على تبنيها الخيار الدبلوماسي مع طهران، بينما هو يستضيف وزير دفاعها. وبناءً على ما سبق، فالاحتمال الجاد الآخر هو أن الولايات المتحدة، من خلال منح الضوء الأخضر للجانب الإسرائيلي أو الموافقة على تصرفه هذا أو المشاركة فيه، أرادت أولاً نزع أهم أداة ضغط للجانب الإيراني في المباحثات الدائرة معه في موضوع تخصيب اليورانيوم، وثانياً إيصال رسالة لطهران مفادها أنه إذا لم تتجاوب مع الحلول…