الحكومة الليبية الجديدة بين التحديات وفرص النجاح
مع أداء رئيس الحكومة الليبية الجديدة عبد الحميد الدبيبة، وأعضاء حكومته، الاثنين 15 مارس، اليمين الدستورية، أمام مجلس النواب في مدينة طبرق، تدخل ليبيا مرحلة جديدة من العملية السياسية الصعبة نحو الوصول لاستقرار سياسي منشود ومصالحة شاملة بعدعقد من الاضطرابات والاحتراب الأهلي. وتعد حكومة الدبيبة أول حكومة موحّدة في ليبيا منذ 2014، تمخضت عن مسار حوار سياسي برعاية الأمم المتحدة، من خلال محادثات جنيف، وتم اختيارها من بين 74 سياسيا وشخصية مؤثرة في ليبيا، وانتهت بتعيين الدبيبة مطلع فبراير الماضي، مع مجلس رئاسي من ثلاثة أعضاء، لتوحيد البلاد بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر 2020، للاضطلاع بالتحضيرات اللازمة للانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة في 24 ديسمبر المقبل، وهو تاريخ انتهاء مهمّتها بعدما نالت ثقة البرلمان بالأغلبية في تصويت “تاريخي”، ورغم انجاز التوافق، فإن الطريق ما زال طويلا وتملؤه التحديات والعراقيل، إلا أن المشهد الليبي الملتبس لا يخلو من بعض الفرص المواتية والداعمة للتحول نحو الاستقرار ومن ثم العودة الجادة للمسار الديمقراطي. وفي وقت سابق، من يوم الاثنين 14 مارس الجاري، أدّت الحكومة اليمين الدستورية في المحكمة العليا بطرابلس قبل أن يتوجه أعضاؤها إلى طبرق، لأداء اليمين الدستورية أمام مجلس النواب، بحضور رئيس وأعضاء المجلس الأعلى للدولة، وعدد من سفراء الدول والبعثات الدبلوماسية في ليبيا، ودعا رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، الحكومة إلى مباشرة أعمالها، وبدء العمل على “التحضير للانتخابات الوطنية” نهاية العام الحالي، وإطلاق مصالحة وطنية شاملة. ووفق كلمة رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوحدة الوطنية، محمد المنفي، تنتظر حكومة الدببية عدة ملفات، على رأسها حل المشكلات المعيشة وسيكتب لها النجاح لو شعر المواطن بتحسن الخدمات ولو بجزء بسيط مثل السيولة النقدية وحل أزمة الكهرباء، وتضمنت التشكيلته الوزارية 27 حقيبة وزارية بالإضافة لستة وزراء للدولة، وقد منح مجلس النواب، خلال جلسة في مدينة سرت (شرقاً)، الثقة للحكومة الجديدة، بتأييد 132 صوتاً من أصل 133 حضروا الجلسة. وفي 5 فبراير الماضي، انتخب ملتقى الحوار السياسي، برعاية الأمم المتحدة، سلطة تنفيذية موحدة، تضم حكومةً ومجلساً رئاسياً، لقيادة البلاد إلى انتخابات برلمانية ورئاسية مقررة في 24 ديسمبر المقبل، ومع الأجواء الايجابية المصاحبة لاطلاق العملية السياسية، تتصاعد العديد من التحديات الهيكلية، سواء على المستوى السياسي والاقتصادي والعسكري، التي قد تتهدد المسار التصالحي ِبرمته. ووفق تقرير لموقع راديو “مونت كارلو” فإن أبرز التحديات التي تواجه ليبيا بالمرحلة المقبلة ، هو التأسيس لعملية مصالحة وطنية، والعمل على توحيد المؤسسة العسكرية على أُسسٍ مهنية وعقيدة وطنية خالصة، كما تبرز العديد من المهام والأدوار أمام الحكومة الوطنية الجديدة ، في مقدمتها؛ تعزيز السلم واستدامته وإفساح المجال لدعم مسار 5+5 العسكري بُغية توحيد المؤسسة العسكرية على أُسسٍ مهنية وعقيدة وطنية خالصة..بجانب معالجة “الملفات النازفة والضرورية”، كمواجهة فيروس كورونا وتوفير اللقاح وحل أزمة الكهرباء والسيولة وتحقيق الأمن. أولاً: أبرز التحديات الأزمة الاقتصادية وفي سياق الاحتراب الداخلي الممتد لسنوات، تردت الأوضاع الاقتصاجية والمتيشية بالبلاد، ما يضع الكثير من التحديات أمام الحكومة لتلبية التطلعات الملحة لليبيين وتوفير احتياجاتهم اليومية بأسرع وقت ممكن، على رأسها الانقطاع المتكرر للكهرباء ونقص السيولة النقدية والتضخّم المستفحل، والتصدي للأزمة الاقتصادية الخانقة التي أدت إلى ارتفاع حاد في نسبة البطالة، بالإضافة إلى إصلاح الخدمات العامة المتردية في البلاد، كالمستشفيات التي تعاني من ضغط كوفيد -19 ونقص الدواء، وإصلاح قطاع التعليم، وتحسين البنية التحتية، وصيانة المنشآت النفطية، التي يؤدي تعطلها إلى الحرمان من موارد الثروة النفطية الهائلة. وعلى ما يبدو فإن الدبيبة التزم من جهته، بحلّ أزمة انقطاع الكهرباء خلال ستة أشهر، ووعد بمكافحة الفساد، ووباء كورونا مع تزايد الانتقادات حول طريقة التعامل معه. ونظرا لاعتماد ليبيا على إيرادات النفط بنسبة 95 %، كمادة حيوية، يرى “هاميش كينير” الباحث في معهد “فيريسك مابلكروفت”، أن تشكيل حكومة موحّدة، “بشرى لقطاع النفط الليبي الذي يمكن أن يستفيد من تعزيز الاستقرار السياسي”. وكان تقسيم العوائد النفطية التي تعتمد عليها ليبيا بشكل شبه كليّ يمثل أحد أهم نقاط الخلاف بين شرق البلاد وغربها. وفي تقدير كينير فإنه بناء على التعاون الظاهر بين رئيس الحكومة الدبيبة وخليفة حفتر اللواء المتقاعد وعقيلة صالح رئيس البرلمان، “من المرجح التوصل قريبا إلى آلية توزيع” للعوائد. إخراج المرتزق من جهة أخرى، من الأولويات التي تواجه الحكومة ملفات التدخلات الخارجية، والعمل على إخراج 20 ألف مقاتل مرتزق من ليبيا وتفكيك الفصائل المسلحة، ويعد هذا التحدي جوهريا لتهدئة الأوضاع، وهو ما ركز عليه الدبيبة في كلمته أمام مجلس النواب، بقوله “المرتزقة خنجر في ظهر ليبيا”، لافتا إلى أنه سيطلب من الأمم المتحدة والدول التي ينتمون لها ترحيلهم، وهو على ما يبدو يجري هندسة عملية اخراجم،حيث وصل نحو 10 مراقبين دوليين إلى طرابلس قبل أسبوع للإعداد لمهمة الإشراف على وقف إطلاق النار المطبق في ليبيا منذ أشهر، والتحقق من مغادرة المرتزقة والجنود الأجانب المنتشرين في البلاد. كما أنه بعد أداء القسم، بحث الدبيبة مع اللجنة العسكرية (5+5) في مدينة سرت، تطورات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، مسألة إخراج القوات الأجنبية ودعم اللجنة بكل ما يلزم لدعم مسار توحيد الجيش الليبي، وفق بيان صادر عن المكتب الإعلامي لرئيس الحكومة. خارطة طريق المستقبل ولعل من ابرز العوائق التي تواجه الحكومة الجديدة، فوضى الأسس القانونية للسلطات في ليبيا، وعدم تحديدها بشكل قطعي، ومن أبرز أوجهها ، عدم تضمين خارطة طريق المستقبل في الاعلان الدستوري لاتفاق تشكيل الحكومة الجديدة، فبحسب دوائر سياسية ليبية، فان عقيلة صالح الذي يرفض الحديث عن استحقاق تضمين خارطة الطريق في الإعلان الدستوري، ويتغاضى عنها، يتجه باتجاه تشظية السلطة الجديدة بين حكومة معترف بها ومجلس رئاسي منقوص الشرعية”، اذ يصر مجلس النواب على البقاء في السلطة. إذ أن خارطة الطريق الحالية تنص على صلاحيات ضيقة جداً وقلّصت من مساحة حراك مجلس النواب السياسي، ويعد تجاوز مجلس النواب لبند تضمين خريطة الطريق المنبثقة من ملتقى الحوار السياسي في الإعلان الدستوري، عقبة كؤود ، إذ أن بقاء المجلس الرئاسي الجديد دون شرعية. ويبدو أنه لن يتم تضمين خريطة الطريق فى الإعلان الدستورى لأن ذلك يعنى أن المرحلة الحالية ستسير وفقًا لمخرجات الاتفاق السياسى وليس وفقًا لاتفاق الصخيرات. عقبات قانونية ومن ضمن تبعات منح الثقة لحكومة الدبيبة من دون تعديل دستوري تربك المشهد الليبي، وهو ما يراه عضو ملتقى الحوار السياسي، عبد الرزاق العرادي، معتبراً- على حسابه بفيسبووك- أنّ موقف مجلس النواب “يمثل انقلاباً ناعماً متكامل الأركان، وذلك باعتبار أنّ منح الثقة يعني إحلال الدبيبة محل عبد الله الثني وحكومته، والمجلس الرئاسي “لن يكون له محل من الإعراب، وإذا تنازل الرئاسي الحالي عن السلطة فإنّ رئيس مجلس النواب سيكون القائد الأعلى للجيش من دون منازع، وهو ما دعا العرادي ليطالب رئيس المجلس الرئاسي السابق فائز السراج إلى “عدم التنازل عن السلطة الممنوحة لهم بموجب الاتفاق…