تصريحات السيسي حول حوكمة وسائل التواصل الاجتماعي – الدوافع والدلالات
على الرغم من موجات الاعتقال والتضييق والحجب لمواقع الانترنت وملاحقة النشطاء ومن يعبر عن رايه عبر شبكات التواصل الاجتماعي، واغلاق مواقع الصحف والمواقع الالكترونية المستقلة والمعارضة، والذي وصلت أعدادهم أكثر من 34 ألف موقع وحساب وصفحة -وفق تقديرات حقوقية- والتي كانت مثار انتقاد من قبل حكومات دول العالم ومنظمات حقوقية ومنصات اعلامية دولية خلال الفترات الماضية، الا ان السيسي ما زال يرى في الاجراءات القمعية التي يتخذها نظامه في التضييق على حرية الرأي والتعبير، غير كافية، لوقف الأصوات المعارضة لسياساته، وهو ما قد يفسر على أنه تمهيد لموجات اوسع لقضم الحريات العامة بصورة اكبر خلال الفترة المقبلة. وجاء تصريح السيسي الصادم، خلال كلمته، في اجتماع لرؤساء المحاكم الدستورية والمجالس الدستورية الأفريقية، دعا خلاله إلى “حوكمة قانونية لوسائل التواصل الاجتماعي، ومحتواها، الذي يؤثر بصورة كبيرة على الداخل والخارج” معتبرا أن “تنامي قدرة الأفراد على التواصل الرقمي يمثل تهديداً على الحكومات والأنظمة، ويتطلب محاولة ضبط هذا التواصل عن طريق إقرار التشريعات اللازمة لذلك، في إطار تنظيم التعاملات والتفاعل الرقمي للأفراد والكيانات الخاصة”. وحاول السيسي تغليف تصريحه المنذر بكوارث حقوقية، بالحديث عن بعض التشريعات التي اتخذها لمواجهة كورونا، مطالبا بـ “التفكر والتدبر بصورة جماعية في كيفية التعامل مع التحديات الناشئة عن الجائحة، من منظور قانوني ودستوري، إلى جانب التحديات التقليدية الأخرى”، كما دعا إلى تأمين توافر البنية التحتية الدستورية العصرية القادرة على التعامل مع التحديات الناجمة عنها، بما فيها تنظيم التعاملات والتفاعل الرقمي للأفراد والكيانات، ووضع الإطار القانوني المنظم للتعامل معها. دلالات التوجهات الجديدة -فشل سياسات القمع الالكتروني السابقة والحالية وتؤكد التصريحات الأخيرة الكاشفة عن نوايا السيسي الكثر قمعا، انه لم يتعلم الدروس نهائيا، إذ يصر على نفس السياسات التي أنتجت فشلا، على السير فيها متوقعا تحقيق نتائج أخرى مغايرة، وهو ما يؤكد فشل السيسي، والذي أكدته نتائج دراسة برلمانية،جرت عقب أحداث احتجاجات سبتمبر 2020، حيث أقر نواب في البرلمان المصري، بفشل النظام في مواجهة الانتشار الواسع للمنشورات والفيديوهات المعارضة على مواقع التواصل الاجتماعي، رغم القمع الأمني والترهيب الإعلامي والهجمات الإلكترونية ضد المعارضين. وأشارت الدراسة، التي أعدتها لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب إلى إن شهري أغسطس وسبتمبر الماضيين، شهدا بث 2850 مقطعا مصورا، وصفتها بأنها “ضد الدولة”، وهو التعبير الذي يستخدمه النظام للإشارة إلى ما يبثه المعارضون من انتقادات لسياساته أو كشف لوقائع فساد، وأظهرت وصول منشورات المعارضة إلى ملايين المستخدمين على مواقع التواصل المختلفة، في حين حققت بعض الفيديوهات مشاهدات تجاوزت أكثر من 2 مليون مشاهدة للمقطع الواحد. وأقرت الدراسة بفشل الفيديوهات الداعمة للنظام في مجابهة الانتشار الواسع للفيديوهات المعارضة، وكانت شركة “فيسبوك”، أعلنت في أغسطس الماضي، وأكتوبر الجاري، حذف مئات الصفحات والحسابات المرتبطة بمصر والسعودية والإمارات، بسبب تورطها في حملات دعائية منسقة لصالح الأنظمة الحاكمة في هذه الدول، لتضليل مستخدمي منصات التواصل، وفي محاولة لإثناء المصريين عن مشاركة الفيديوهات المعارضة للنظام، هدد رئيس لجنة تكنولوجيا الاتصالات بمجلس النواب أحمد بدوي، بأن قيام الكثير من رواد “فيسبوك” و”تويتر” و”يوتيوب”، بمشاركة هذه المقاطع يعرضهم للمساءلة القانونية، وفقا لقانون الجريمة الإلكترونية الصادر من مجلس النواب (في يونيو 2018). وينص القانون المذكور على عقوبات تصل إلى السجن وغرامة مالية، قد تبلغ 5 ملايين جنيه، بحق مستخدمي الإنترنت والشركات مقدمة الخدمة في حال مخالفة أحكام هذا القانون، ويمنح جهات التحقيق المختصة حق حجب موقع أو عدة مواقع أو روابط أو محتوى، وواجه القانون اعتراضات حقوقية لتأثيره السلبي على حرية الرأي والتعبير، وتقنينه المراقبة الشاملة على الاتصالات في مصر، حيث يعطي القانون للنظام الخاكم سلطة إغلاق المواقع على الإنترنت، ورفع شكاوى جنائية على المنابر والمواطنين الذين يتهمون بجرائم، مثل تحريض الناس على انتهاك القوانين، والتشهير بالأشخاص والأديان، ولم يترفع السيسي نفسه عن الانشغال بما يحدث على المنصات الاجتماعية، حيث ألمح أكثر من مرة إلى متابعته لما يتم تداوله عبرها، بل إنه أبدى غضبا شديدا في يوليو 2018 بسبب هاشتاج حمل عنوان “ارحل يا سيسي” وسبق ذلك تهديد صريح منه بتكميم صوت الإعلام الجديد، فقال في إبريل 2016 “أنا ممكن بكتيبتين أدخل على النت وأعملها دايرة مقفولة، وأخلي الإعلاميين ياخدوا منها أخبار وشغل”. -تأثير النشطاء المتصاعد وأفادت “ورقة تحليلية” أن الملاحقات الأمنية الإلكترونية التي تتم يوميًّا للنشطاء، بإغلاق صفحاتهم؛ حتى يتوقفوا عن النشر، وإذا لم يتوقفوا يتم البحث عنهم، واعتقالهم؛ حتى لا يفاجأ العسكر بدعوات جديدة للحشد يمكن أن تهدد بقاؤهم في السلطة، وكشف الورقة التي جاءت تحت عنوان “تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على صانع القرار في مصر” أن النظام متأكد من جود غضب في الشارع المصري؛ نتيجة القرارات الخاطئة والمشاريع الفاشلة، وتأثر حياتهم سلبيًّا بسبب هذه السياسات، بالإضافة إلى سلسلة الاعتقالات التي لا تتوقف، وأنه “بالرغم من حركة الاعتقالات والرقابة الإلكترونية التي أطلقتها -ومازالت تطلقها- أنظمة الحكم الاستبدادية، إلا أنها لم تستطع وقف تأثير مواقع التواصل الاجتماعي؛ نتيجة للتكنولوجيا الحديثة في التخفي الإلكتروني، والدخول لشبكة الإنترنت بأكثر من هوية، بالإضافة إلى عدم معرفة مدى الانتشار الذي يمكن أن تحققه دعوات الرفض التي يتم إطلاقها”. وقالت الورقة إن وسائل التواصل الاجتماعي بدأت في الضغط على صانع القرار خلال العقد الأخير، وذلك مع الاحتجاجات التي ظهرت في الدول العربية ”ثورات الربيع العربي”، واعتماد نشطائها على المنصات الرقمية، وفي مصر تم الاستفادة من هذه الوسائل؛ لكشف القصور والتجاوزات الموجودة في المنظومة الأمنية، فتم نشر فيديوهات وصور تثبت تجاوز ضباط الشرطة تجاه المواطنين، وتداول النشطاء هذه الفيديوهات محليًّا وعالميًّا، وأضافت أن “وسائل التواصل الاجتماعي” سهلت عملية تواصل المحتجين بالميادين؛ للمطالبة بحقوقهم الإنسانية والاجتماعية، وتحقيق مبدأ الحشد الجماهيري؛ للضغط على صانع القرار، حتى أجبره على الانهيار والتنحي. وقالت الورقة إن أنظمة الحكم في العالم العربي تمارس السيطرة على هذه الوسائل بنفس الأسلوب بشكل عام، فتبدأ السيطرة عادة باعتقالٍ واسع للنشطاء الإلكترونيين وتكثيف الضغط عليهم، وكان تقرير “فريدوم هاوس” قد أشار لعدة حالات اعتقال طالت المتظاهرين لأسباب تتعلق بتبادل الرسائل إلكترونيًّا، وأضافت أنه للسيطرة على محيط السوشيال ميديا “تلجأ الحكومات أيضًا لبناء لجان إلكترونية تروج لما تريد الحكومات تسويقه، وتهاجم المعارضين وتشوههم.. إلخ. فلم تكتفِ فقط بقمع مستخدمي هذه الوسائل الجديدة، إنما حاولت أن تؤسس سلطتها داخل هذا المجال؛ ليصبح خاضعًا لها، وليس مساحة مجهولة لا تحسن التعاطي معها”، كما تحاول السلطات استخدام أنظمة التجسس التي تضمن للحكومات والنظم مصادر لا تنضب من البيانات، ليس فقط عن المعارضين، إنما على المجتمع الذي تحكمه ككل، والمزاج العام للمحكومين، والرأي العام السائد في هذه الفضاءات الجديدة تجاه سياسات الحكومة. -اختبار قدرات بايدن واستراتيجياته وتأني تلك التصريحات في توقيت مهم، حيث يمكن اعتبارها من ضمن سياسات السيسي ونظامه لاختبار إلى أي مدى يمكن ان يذهب الرئيس الامريكي الجديد جو…