لماذا تخشى الأوساط الإسرائيلية من انفجار موجة جديدة من الربيع العربي؟
لا تزال الأوساط الإسرائيلية مرعوبة رغم مرور عقد على اندلاع ثورات الربيع العربي، الذي يجري سحقه عبر الثورات المضادة التي قادتها جيوش المنطقة ونظم الخليج الثرية مدعومة من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل. وخلال الأسابيع الماضية نظمت العديد من مراكز التفكير الصهيونية، مثل “بيجن ــ السادات”، و”الأمن القومي”، وغيرهما مؤتمرات وندوات عن مستقبل “الربيع العربي”، مؤكدة أن موجات الربيع العربي القادمة “حتمية وستكون أكبر قوة مما حدث نهاية 2010، وأن مصلحة إسرائيل كانت وما زالت مع بقاء الأنظمة الحالية”. إسرائيل ترى، عبر مراكز الأبحاث والتفكير الصهيونية، في الطغاة العرب كنزا إستراتيجيا لها، وأن التخلص منهم وتحول الدول العربية إلى الديمقراطية هو أكبر تهديد وجودي يمكن أن تتعرض له، لأن الشعوب ستعاديها وتقاطعها ولن تُطبع معها. موجة ثورية ثالثة حتمية في ذات السياق وبالتزامن مع الذكرى العاشرة للربيع العربي وخصوصا ثورة الخامس والعشرين من يناير سنة 2011م والتي أطاحت بحكم الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك الذي كان يمثل كنزا إستراتيجيا لإسرائيل، تذهب تقديرات «شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية “أمان” إلى أن حالة انعدام الاستقرار وعجز أنظمة الحكم العربية ــ تحديدا في الدول التي شهدت ثورات ولا سيما مصر ــ عن توفير الخدمات الأساسية للجمهور وفي ظل ثورة المعلومات، سوف تؤدي إلى اندلاع موجات جديدة من الثورات العربية. ولا تتردد الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية في التحذير من تداعيات اندلاع موجات جديدة من الربيع العربي على مستقبل “إسرائيل” وأمنها القومي. ولا تتردد “أمان” أيضا في الجزم بأن مصلحة (إسرائيل) تتطلب الحفاظ على نظم الحكم القائمة في العالم العربي “حتى لو كانت نظماً ديكتاتورية”. وفي سبيل ذلك؛ لم يكن مفاجئاً أن تسارع (إسرائيل) إلى الطلب من إدارة الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن عدم ممارسة ضغوط على نظم الحكم القائمة في المنطقة بشأن ملف حقوق الإنسان، على اعتبار أن بقاء هذه النظم العربية الديكتاتورية يحقق”الاستقرار” الذي يخدم المصالح الإسرائيلية والأميركية.[[1]] ووفقا للمعلق العسكري “أمير بوحبوط”، “هناك شبه إجماع في الأوساط الاستخبارية الإسرائيلية على أن الربيع العربي تراجع لكنه ما زال قائما، وأن الثورات من شأنها أن تندلع بشكل مفاجئ وبقوة وزخم أكبر بكثير مما كانت عليه الأمور في نهاية 2010، بسبب شيوع حالة انعدام الرضا في أوساط الجماهير العربية إزاء أداء أنظمة الحكم”. وينقل “بوحبوط” عن بعض مسؤولي المؤسسة الاستخبارية الإسرائيلية ــ وفق موقع “والاه” العبري، قولها: “إن أهم عاملين يدفعان نحو انفجار ثورات الربيع العربي مستقبلا، يتمثلان في الزيادة السكانية الكبيرة مقابل عجز نُظم الحكم عن توفير الخدمات والوفاء بمتطلبات الجماهير العربية، متوقعة تكرار تجربة “ميدان التحرير” في القاهرة؛ فالجماهير العربية ــ بحسب أحد قيادات الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية ــ لم تعد تقبل المعادلة القائلة إن العيش “في ظل الديكتاتوريات أفضل من الفوضى”، وأن انتشار وباء كورونا أسهم في توفير الظروف التي قد تسمح في المستقبل في تفجر الثورات على اعتبار أنه دلّ على “الفروق التي تسود في العالم العربي بين الجماهير والقيادة”.[[2]] ويرى “مايكل ميلستين”، رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز “موشيه دايان للأبحاث الشرق الأوسطية والإفريقية”، في دراسة نشرت 27 أكتوبر/تشرين الأول 2020، بمناسبة مرور عقد على ثورات الربيع العربي، “أن موجة ثالثة من الربيع العربي قادمة لا محالة في دول الربيع الأول مثل مصر، ودول جديدة مثل الأردن وفلسطين ولبنان”. ويؤكد أنه “رغم انشغال العالم العربي بفيروس كورونا خلال العام الماضي، لا تزال هذه الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية الأعمق تصيب جيل الشباب في جميع أنحاء المنطقة، ومن الممكن أن تتجسد في موجة ثالثة من الربيع العربي”. ويتوقع أن تنفجر هذه الموجة الجديدة في عدة مواقع مختلفة، وربما تتجدد في دول سبق أن شهدتها، وفي طليعة هذه الفئة مصر التي يُعتبر وضعها الاقتصادي الحساس على شفير الانهيار دائما. وحول تأثير هذا على إسرائيل، يعتبر الباحث الإسرائيلي أن “هذا التقلب في غالبية العالم العربي، وخصوصا في الدول المجاورة، يثير قلق إسرائيل، لكنها لا تملك إلا القليل من الأدوات الفعالة التي تستطيع من خلالها ممارسة أي تأثير كبير في تلك الساحات”.[[3]] وعن تحديات الأمن القومي الإسرائيلي، نقل كتاب “العقل الإستراتيجي الإسرائيلي: قراءة في الثورات العربية واستشراف لمآلاتها” عن الخبراء الإسرائيليين قولهم: إن “المنطقة لم تشهد حدثا يحمل طاقة كامنة للتأثير على الأمن القومي لإسرائيل كما فعلت الثورات العربية”. ويخلص الكتاب إلى أن “أهم المخاطر كانت الخوف من تراجع مصر والأردن عن مواصلة الالتزام باتفاقيتي “كامب ديفيد ووادي عربة”، وأن أي حملة إسرائيلية على غزة أو لبنان قد تواجه بردة فعل عربية قوية وغير معهودة”، وهو ما تم التغلب عليه بانقلاب السيسي في مصر. وبحسب الكتاب فإن خبراء الأبحاث الإسرائيلية يرون أن جانبا من حماية أمنها القومي يتمثل في “توثيق التحالفات مع الأقليات في البلدان العربية، وتخويفها من تعاظم المد الإسلامي”. أبعاد القراءت العبرية ومن خلال رصد ما نشرته مراكز البحث ووسائل الإعلام الإسرائيلية حول الربيع العربي فقد ركزت القراءات والتحليلات العبرية على القضايا الآتية: أولا، ضرورة فرض وصاية على الرأي العام العربي ودعم نظم الحكم العسكرية والملكية التي تقهر الشعوب العربية وتحرمها من حق المشاركة في صناعة القرار، والحيلولة دون إقامة أي نظام ديمقراطي حقيقي خصوصا في البلاد العربية ذات التأثير الكبير؛ وقد رأى الكثير من النخب الإسرائيلية أن الربيع العربي سمح بالتعبير عن طابع المشاعر الحقيقية للجماهير العربية تجاه إسرائيل، وفي الوقت ذاته مهد الطريق أمام الجماهير العربية لإجبار النخب الحاكمة في العالم العربي على أخذ رأيها في الاعتبار عند بلورة سياساتها تجاه إسرائيل.ففي مقال نشره في صحيفة “معاريف” يجزم الجنرال عاموس جلبوع أن الربيع العربي أعاد إسرائيل للمربع الأول من حيث رفض شرعيتها لدى الجمهور العربي، لأنه منح الفرصة للجماعات التي تتخذ مواقف عدائية من الحركة الصهيونية للتعبير عن ذاتها وإبراز مدى التفاف الجماهير حول مواقفها. وقد انعكس الاهتمام بالرأي العام في العالم العربي على آليات عمل المنظومات الأمنية والاستخبارية الإسرائيلية. وتنقل “هآرتس” عن محافل في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية قولها إن تفجر ثورات الربيع العربي أسهم في زيادة اهتمام النخب الإسرائيلية الأمنية بالرأي العام العربي، حيث رأت أن تفجر هذه الثورات كان نتاج تعاظم مكانة وتأثير الجماهير العربية على دائرة صنع القرار في العالم العربي. وقد وصل المعلقون الإسرائيليون إلى استنتاج مفاده أنه يتوجب على تل أبيب ألا تستبعد استئناف حالة القطيعة مع العالم العربي، حيث إن الثورات العربية ستقلص فرص التقارب مع تل أبيب، ويجزم سفير إسرائيل الأسبق في الأردن عوديد عيران بأن الربيع العربي قضى على فرص تطبيع العلاقات بين إسرائيل والعالم العربي. وقد مثلت الروح التي جلبها الربيع العربي في كل ما يتعلق بتعاظم دور الرأي العام في العالم العربي معضلة أمنية لإسرائيل، حيث إنه بعد أن كانت محافل التقدير الإستراتيجي في تل أبيب تتابع ما يجري…