المصالحة الخليجية وتأثيرها على القرن الإفريقي
ألقت مقاطعة ثلاثة من دول مجلس التعاون الخليجي هي؛ السعودية، الإمارات، البحرين، بالإضافة إلى مصر، لإحدى دول المجلس هي قطر، بظلال قاتمة على المشهد السياسي العربي والإفريقي، لاسيما في منطقة القرن الإفريقي ذات التماس الجيوستراتيجي مع دول مجلس التعاون الخليجي. وفي محاولة لحل تلك الأزمة وإنهاء القطيعة جاءت قمة العلا الخليجية، بمحاولة استئناف الحوار بين أطراف الأزمة، والسعي لبناء علاقة مبنية على الاحترام المتبادل. وبالرغم من المخاوف من عدم استمرار المصالحة لما لقطر من صلات مميزة بتركيا وايران، بالإضافة إلى الجفوة بين دول المقاطعة وتلك الدول، وكذلك اختفاء السيسي عن القمة وابتعاث وزير خارجيته؛ إلا أن عبور المسافرين بين قطر والسعودية، وفتح المجال الجوي الإماراتي للطائرات القطرية، بثَّ بعض التطمينات بإمكانية توصل دول الخليج إلى صيغة لإدارة تبايناتها الأيدولوجية. وتبقى إمكانية إدارة حوارات ثنائية بين الأطراف، لمعالجة كافة المشاكل العالقة، خيارًا مطروحًا الآن. ولكن المُتابع للشأن الإفريقي؛ يبرز أمامه تساؤل؛ حول مدى تأثُّر إفريقيا وبالتحديد منطقة القرن الإفريقي بتلك المُصالحة. وفي إطار الإجابة على هذا التساؤل تبرز عدة تساؤلات أخرى، هي: لماذا القرن الإفريقي بالتحديد؟ وماذا كان ردود فعل دوله من الأزمة بالأساس؟ وكيف ستؤثر المصالحة على مستقبل القرن الإفريقي؟ تلك هي التساؤلات التي ستسعى تلك الورقة للإجابة عليها خلال السطور القليلة القادمة.. لماذا القرن الإفريقي بالتحديد؟ يعود اهتمام الدول الخليجية بالمنطقة إلى أسباب جيوستراتيجية خاصةً بعد اشتعال حرب اليمن عام 2015 واستيلاء الحوثيين على العاصمة صنعاء، إضافةً إلى تأمين مسار التجارة الإقليمية الدولية في خليج عدن والبحر الأحمر، ولاسيما بعد ازدياد التنافس الدولي من دول كبيرة مثل الولايات المتحدة والصين وفرنسا وغيرها من الدول في تلك المنطقة. لكن الهدف الأهم هو احتواء تمدد ظاهرة الإسلام السياسي، ومحاربة الإرهاب، التي تعتبرها الإمارات مُهددًا وجوديًا للأنظمة التقليدية في منطقة الخليج. وتوسعت الاستثمارات الخليجية خاصةً في إدارة الموانئ عن طريق شركات موانئ دبي في جيبوتي، قبل إنهاء التعاقد من طرف واحد، إضافةً إلى تقديم مساعدات مالية وتنموية وإنسانية واستثمارات كبيرة في السلع والخدمات والإنشاءات. كما تدخلت دول الخليج وقامت بتأجير قواعد عسكرية خاصة في الجزر الإريترية والصومال، لدعم مجهودها الحربي في اليمن ومراقبة البحر الأحمر. وربما يكون الصومال أبرز الأمثلة على التنافس الجيوستراتيجي بين دولتي السعودية والإمارات من جانب وتركيا وقطر من جانب آخر. إذ حاولت دول الخليج ربط مصالحها مع الحكومة الصومالية ومعاداة الأقاليم الأخرى ومحاولة كسر شوكة حركة الشباب، وهي صيغة لم تنجح كثيرًا إذ أن تحولات القوة الداخلية في الصومال عزَّزت من نفوذ تركيا وقطر رغم المقاومة وحدة الاستقطاب ومهاجمة المصالح التركية في المنطقة.[1] الموقف الإفريقي من الأزمة الخليجية: لم تنجح جهود السعودية بشكلٍ كبير في إفريقيا جنوب الصحراء بعد قطع موريشيوس فقط علاقتها الدبلوماسية مع قطر؛ بينما استدعت النيجر والسنغال وتشاد وجزر القمر سفراءها من الدوحة، وتعاملت جيبوتي مثل الأردن بتخفيض مستوى العلاقات الدبلوماسية فقط. وقد خفضت تلك الدول التمثيل الدبلوماسي لقطر حتى توقف الضغوط السعودية، أو لكي لا تتعرض لمزيد من الضغوط والتهديدات التي لجأت إليها السعودية، سواء بالإغراءات المالية، أو التهديد بقطع المساعدات. وكانت هناك بعض الدول الإفريقية في منطقة القرن الإفريقي، والتي كانت على علاقات مباشرة مع دول الخليج؛ لموقعها الاستراتيجي منها؛ التي أعلنت عن مواقف واضحة من الحصار على قطر، ومنها: الصومال؛ فبعد أسبوع من الأزمة المفاجئة بشأن حصار قطر، أصدرت الصومال عبر وزارة الخارجية بيانًا تدعو فيه الأطراف إلى الحوار واحتواء الأزمة بشكل دبلوماسي، وكان هذا الموقف هو نفس الموقف الذي اتخذته دول إفريقية أخرى مثل تونس والجزائر والسودان. غير أن السعودية ما أن استمعت إلى البيان الصومالي الرافض لحصار قطر حتي أرسلت وفد سعودي إلى العاصمة الصومالية، مقديشيو، لتبدأ من هناك ضغوط ومغريات لإقناع الصومال، وكانت الضغوط التي تعرض لها الصومال ومعظم الدول الإفريقية هي: إغراءات بتقديم 80 مليون دولار مقابل قطع العلاقات مع قطر، وتهديدات بخفض المساعدات المالية، وخفض التعاون الدبلوماسي، وإلغاء المنح الدراسية التي كانت السعودية تقدمها للطلاب الصوماليين، وخفض تأشيرات الحج. وبعد لقاءات استمرت ساعات بين الوفد السعودي والرئيس الصومالي، محمد عبد الله فرماجو، رفض الأخير الضغوط السعودية، ولاقى موقفه دعمًا شعبيًا كبيرًا في الداخل الصومالي. إثيوبيا: رأت الدبلوماسية الإثيوبية ضرورة التحلي بمبادئ حُسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام السيادة الوطنية للدول، ومن هذا المنطلق رفضت إثيوبيا الطلب السعودي الموجَّه لها بعد زيارة مسؤول سعودي إليها للضغط على رئيس الوزراء، هيلا مريام ديسالين، والذي أشار إلى أن إثيوبيا تؤيد المساعي الكويتية الساعية لاحتواء الأزمة. إريتريا: كان لإريتريا دورًا هامًا في دعم الجهود العسكرية الخليجية في اليمن، فبالإضافة إلى ما لديها من إمكانيات لوجستية مهمة يمكن توظيفها في استمرار تلك الجهود، فهي تتمتع بموقع محوري في تحقيق الأمن القومي الخليجي من ناحية الخليج العربي والبحر الأحمر. ولذا؛ كان الموقف الإريتري الرافض لمقاطعة قطر وحصارها صدمة للجانب السعودي. السودان: شمل الطلب السعودي بشأن حصار قطر السودان أيضًا، ولكنه أبدى تحفظه حيال المقترح السعودي. كان السودان من الدول المشاركة في عاصفة الحزم، لذا فعدم مشاركته في مقاطعة قطر مع السعودية هو بمثابة قاصمة الظهر للسعودية وحلفائها قبل أن يكون من أمارات فشل الحصار.[2] موقف دول القرن الإفريقي من اتفاق المصالحة: احتفت دول القرن الإفريقي بالاتفاق، وبصورة خاصة السودان، بعدما تضمنه بيان قمة العلا الختامي من تأكيد تواصل دعم المجلس للسودان لتعزيز أمنه واستقراره، وإشادة القمة بما تحقق من إنجازات في هذا الشأن بتوقيع اتفاق سلام جوبا، ورفع اسم السودان من قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب. وترى تلك الدول أن قمة العلا قد وضعت نهاية لعبارة “المحاور” بعد عودة قطر إلى مجلس التعاون الخليجي.[3] تأثير المصالحة على منطقة القرن الإفريقي: رغم أن التطبيع الخليجي مع قطر تقوم دوافعه السياسية على احتواء إيران وتخفيف الضغوط المتوقعة من وصول بايدن إلى سدة البيت الأبيض، فإن آثار هذه الخطوة تمتد إلى منطقة القرن الإفريقي نسبةً إلى المنافسة على النفوذ الاستراتيجي في المنطقة بين دول الخليج، خاصةً بين السعودية والإمارات من جانب وقطر وتركيا من جانب آخر. لم يعد سرًا أن الحلف الاستراتيجي التركي والقطري في المنطقة، مقابل تحالف دول الحصار الذي يضم السعودية والإمارات والبحرين ومصر، قد دخل في منافسة لكسب مزيد من النفوذ الجيوستراتيجي في منطقة القرن الإفريقي. لعل أبرز الشواهد على الاستثمار السياسي الخليجي في المنطقة هو الوساطة الناجحة التي قادتها الإمارات والسعودية لتطبيع العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا، حيث شهدت مدينة جدة الساحلية في المملكة العربية السعودية توقيع اتفاق السلام في سبتمبر 2018. وبالرغم من كون خطط الاستثمارات الخليجية وتقوية اقتصاديات المنطقة تُعد عامل استقرار لها، لكن في المقابل استخدام دول المنطقة كحديقة خلفية وقاعدة تدريب عسكري وقواعد عسكرية للحرب في اليمن وفرض النفوذ السياسي…