المشهد السياسي: عن الفترة من 2 يناير وحتى 8 يناير 2021
أولا: المشهد المصري: مصر دولة الجيش والشرطة والرئاسة. مؤسسة الرئاسة في مصر هي ثان أكثر المكونات من حيث حجم السلطة التي تتمتع بها، بعد المؤسسة العسكرية التي تأتي أولاً، ولعل ذلك يعود إلى أن القابع في هذه المؤسسة هو قيادي سابق في المؤسسة العسكرية، بالتالي يستقي نفوذه من الدعم والولاء الذي تقدمه له المؤسسة العسكرية، ويبدو ذلك مفسراً لضعف النفوذ الذي اتسمت به مؤسسة الرئاسة في عهد الرئيس الأسبق الدكتور محمد مرسي، فالرجل أول رئيس مدني منتخب وليس قيادياً سابقاً في المؤسسة العسكرية، فلم يحوذ ولائها أو دعمها، من ثم وجد نفسه في مواجهة الدولة وحيداً دون أية نفوذ حقيقي، ما دفعه للجوء للقرارات الثورية على غرار “الإعلان الدستوري”، ليواجه من خلاله حالة العزلة المضروبة حوله، نستنتج من ذلك أن المقولة التي ترى في المؤسسة العسكرية صاحبة السلطة والنفوذ الحقيقي في الدولة المصرية هي مقولة قريبة جداً من الصواب. ومؤسسة الرئاسة في مصر، بموجب الدستور، وباعتبار التجربة التاريخية، هي المسئولة في المقام الأول عن تشكيل الحياة السياسية في مصر والتحكم فيها وترسيم ملامحها، والمؤسسة الأمنية والاستخباراتية هي الأداة الأساسية بيد الرئاسة في السيطرة على الحياة السياسية والحياة العامة كلها في مصر، أما الحكومة بوزاراتها وجهازها البيروقراطي الضخم فهي مختصة بالأساس بتنفيذ السياسات العامة، وإدارة علاقة الدولة بالمجتمع، وفق التوجهات الكبرى التي تضعها مؤسسة الرئاسة، والتي تبدو كـ «مايسترو» يوجه المشهد ككل، بالتالي من النادر أن يكون للحكومة وظائف متعلقة بالمجال السياسي، إنما إختصاصها الأصيل هو إدارة وتنفيذ السياسات العامة (الصحة، التعليم، الإسكان، النقل، الري.. إلخ)، وهي أيضاً بوزرائها تمثل “كبش فداء محتمل” في حالة أحدثت سياسات النظام وتوجهاته ردة فعل سلبية لدى الناس. لكن داخل الدولة هناك وزارات تتمتع بنفوذ استثنائي؛ نتيجة الدور الهام الذي تلعبه في تنفيذ توجهات الرئاسة ورؤاها السياسية، مثل وزارة الداخلية والمخابرات العامة. يمكن أن نقول في هذا السياق أن الدولة المصرية هي دولة ذات نظام رئاسي عسكري أمني، رئاسي؛ لأن الرئاسة هي الموجه الحقيقي لمعظم إن لم يكن كل السياسات العامة، أمني؛ لأن المؤسسات الأمنية هي أهم أجهزة الدولة، وأكثرها حضوراً في المجتمع، وأكثر الأجهزة المستخدمة في تنفيذ سياسات النظام، عسكري؛ لأن المؤسسة العسكرية هي صاحبة أكبر سلطة في مصر منذ يوليو 1952. أما السلطة القضائية، والسلطة التشريعية، فهي مجرد أدوات يستخدمها النظام في اكتساب شرعيته وفي تغطية سلطويته، وقد كرست السلطتين التشريعية والتنفيذية هذه العلاقة التي تربطها بالسلطة التنفيذية، ولم تخرج أبداً عن هذه الأدوار التي رسمتها لها السلطة التنفيذية، بالتالي يمكننا القول أن الدولة في مصر هي الجيش والشرطة والرئاسة، وأن أي تغيير حقيقي في مصر لا يحدث إلا في حالة حدوث خلاف أو صراع بين مكونين من هذه الثلاثة؛ في يناير كان نجاح الثورة نتيجة مباشرة للخلاف بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية حول مسألة من يخلف مبارك الجيش يتجه لتسلم منظومة إنتاج الأكسجين بعد فشل الدولة: ظهر في الأيام القليلة الماضية مدى عجز الدولة ووزارة الصحة والموردين عن سد العجز القائم في الموارد الطبية بصفة عامة والأكسجين بصفة خاصة منذ ثلاثة أسابيع تقريبًا، أي مع بداية تفشي الإصابات بالموجة الثانية من جائحة كورونا، في جميع المستشفيات الحكومية والخاصة ومراكز بيع الاسطوانات بالجملة والتجزئة. وذلك بعد تداول مقاطع فيديو من مستشفى زفتى بالغربية، ومستشفى الحسينية بالشرقية خلال هذا الأسبوع تُظهر وفاة جماعية لمصابي كورونا المحجوزين في العناية المركزة، بسبب توقف إمدادات الأكسجين في المستشفيين نهائيًا. الواقعة التي أظهرت ردود الأفعال عنها أن أزمة الأكسجين عامة، وليست خاصة بالمستشفيين المذكورين أو بمحافظتي الغربية والشرقية. وفي هذا الصدد؛ تداولت أنباء عن أن القوات المسلحة ستتولى الإشراف على منظومة إنتاج الأكسجين قبل نهاية الشهر الحالي، لكن لم يتضح حتى الآن ما إذا كانت ستتولى بنفسها الإنتاج والبيع في السوق من عدمه، الأمر الذي ربما يكون مصدر دخل كبير لها خلال الفترة المقبلة، سواء بالتعاقدات مع الكيانات المختلفة أو البيع للأفراد. وذلك بعد انتشار المبادرات الشعبية لتوزيع أسطوانات الأكسجين على المرضى في المنازل، الأمر الذي يُعد سلاح ذي حدِّين. فمن ناحية، ستساهم هذه المبادرات في تخفيف العبء عن القطاع الصحي، خصوصًا بالنسبة للحالات المتوسطة التي لا تتطلب عناية مركزة، ولكن لا ينصح ببقائها في المنزل بصورة عادية، لكن في الوقت نفسه ربما تؤدي المبادرات إلى زيادة انتشار الفيروس بسبب غياب الثقافة الطبية عن المتطوعين واحتمالية عدم إتقانهم التعامل مع أدوات علاج مريض كورونا بصورة احترازية[1]. لكنها ظهرت بعد فشل الحكومة في توفير الرعاية اللازمة للمرضى، إلا أن ظهور الجيش في هذا الأزمة أيضًا يُبرز مدى فشل كافة أجهزة الدولة في التعامل مع الأزمات، لتظهر المؤسسة العسكرية مرة أخرى بصفتها المنقذ الوحيد وتزيد من إحكام سيطرتها على كافة مؤسسات الدولة. بدافع الخوف والترف: تزويد الطائرات الرئاسية بأنظمة لرصد الصواريخ الهجومية طلب الفريق الأمني للرئيس، أن تزود طائرات مؤسسة الرئاسة بأنظمة لرصد الصواريخ الهجومية، وهي أميركية الصنع وتصل تكلفتها إلى 104 ملايين دولار، وقد وافقت واشنطن على إمداد القاهرة بهذه المنظومة الجديدة، طبقاً لـ«وكالة التعاون الأمني» التابعة لوزارة الدفاع، التي قالت إنها ستكون «أحدث منظومة تأمين» للرئيس. ويُتوقع وصول النظام الجديد خلال أسابيع لتزويد الطائرات الرئاسية به فوراً تحت إشراف مباشر من الجيش المصري، وبالتنسيق مع قوات «الحرس الجمهوري» والمخابرات الحربية والعامة[2]. أمن السيسى ورفاهيته هما من الأسباب الرئيسية في شراء مصر الطائرات الفرنسية الأربع الفارهة «فالكون إكس» بقيمة 300 مليون يورو التي صار السيسى ومدير مخابراته ووزير خارجيته يتنقّلون بها في الرحلات الخاصة والقريبة بجانب طائرة الرئاسة التي يتحرك بها السيسي وهي من نوع «إيرباص» وتصل تكلفتها إلى أكثر من 170 مليون دولار. جدير بالذكر أن الأسطول الخاص بالرئاسة تم تحديثه بعد وصول السيسي للسلطة في عام 2014، وسبق أن أنفقت الرئاسة مليارات الجنيهات ليس على استبدال السيارات الرئاسية بأحدث الموديلات وأكثرها تأميناً فقط، وإنما لتحديث أسطول الرئاسة عامة للسيسى ولمرافقيه. يمكن التأكيد على نتيجتين؛ الأولى: أن طائرات الرئاسة وأنظمة الحماية المرفقة بها، هي جزء من هوس السيسى بالأمن والحماية، ولعله هوس ناجم عن الطريقة التي وصل بها للحكم ما جعلته في خوف وحذر دائم، وهو الحذر الذي نراه في حرص السيسى على استخدام موكب ضخم وبشكل مستمر في كل تحركاته، ونراه في حرص السيسى على نقل مقر إقامته إلى العاصمة الإدارية الجديدة، بعيداً عن الناس وحتى عن مقرات الحكومة في العاصمة الجديدة. الثانية: أن اهتمام السيسى بهذه الاحتياطات الأمنية باهظة التكلفة قد يبدو مقبولاً في الظروف الطبيعية، لكن في الوقت الراهن حيث يعاني الاقتصاد المصري والمجتمع المصري أوضاع إقتصادية صعبة بسبب الركود الناجم عن تفشي وباء كورونا ونتيجة تباطؤ الإقتصاد العالمي نتيجة لجوء كثير من الدول للاجراءات الاحترازية وسياسات الإغلاق. الدولة اللاوظيفية…