المقاومة تضرب السلطة الفلسطينية .. المعادلة الجديدة
في أعقاب العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة (10ــ21 مايو 2021م) وهي الحرب التي حققت فيها المقاومة انتصارا كبيرا وألحق بجيش الاحتلال الإسرائيلي هزيمة مدوية على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، يمكن رصد ملاحظتين متناقضتين: الملاحظة الأولى، هي اتساع الغضب الفلسطيني ليس ضد الاحتلال فقط بل ضد السلطة ورئيسها محمود عباس أبو مازن بل ومسار أوسلو الذي تتمسك به السلطة رغم أنه تلقى آلاف الهزائم والصفعات وثبت بالأدلة القطعية أنه مسار عبثي لن يفضي إلى شيء سوى تكريس خيانة السلطة للقضية الفلسطينية تحت دعاوى التنسيق الأمني الذي لم يتوقف يوما حتى في ظل العدوان الأخير. وأسفرالعدوان على الأراضي الفلسطينية عن 280 شهيدا بينهم 69 طفلا و40 سيدة و17 مسنا إلى جانب أكثر من 8900 مصاب، فضلا عن تضرر 1800 وحدة سكنية وتدمير 184 برجا ومنزلا وعدد من المصانع والمرافق الاقتصادية. وخلال الأيام الأخيرة يمكن رصد مواقف السلطة وردود الأفعال الشعبية تجاهها من خلال المشاهد الآتية: التزمت السلطة الصمت التام، ونأت بنفسها عن الدفاع عن شعبها وأهالي حي الشيخ جرَّاح والمعتكفين بالأقصى، وتركته فريسة للاحتلال وجنوده، ولم تطلق السلطة رصاصة واحدة ضد الاحتلال أثناء أزمة حي الشيخ جراح أو اقتحام قطعان الاحتلال للمسجد الأقصى أو أثناء العدوان على غزة. وأثناء العدوان يكن التلفزيون الرسمي الفلسطيني على مستوى الحدث؛ وجرى التركيز على بث مسلسلات وأفلام دون اعتبار للرأي العام الفلسطيني ومشاعر الصامدين في الأقصى وغزة. وحتى خطبة الجمعة أثناء العدوان على غزة والتي توزعها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية على الخطباء وتكون موحدة، تجاهلت في يوم (الجمعة 14 مايو) ما يجري في قطاع غزة والعدوان على الشعب الفلسطيني، وطلب من الخطباء حينها أن تكون خطبة الجمعة، عن فضل صيام ستة أيام من شهر شوال!. لم تكتف السلطة بالصمت والتواطؤ مع الاحتلال بل استمرت في التنسيق الأمني[[1]] في إصرار على الخيانة، حيث اقتحمت منزل فلسطيني يوم 5 مايو تشتبه فيه سلطة الاحتلال بأنه أحد منفذي عملية زعترة التي أصيب فيها ثلاثة إسرائيليين في إطلاق نار، وقامت عناصر السلطة بتدمير محتويات المنزل بصورة همجية، والتحقيق مع زوجته.[[2]] وبعد وقف إطلاق النار شنت أجهزة السلطة حملة اعتقالات بالضفة الغربية طالت نشطاء شاركوا في هبة القدس وساندوا غزة أثناء العدوان.[[3]] وهي الحملة التي تزامنت مع حملة أخرى قامت بها سلطات الاحتلال واعتقلت مئات الفلسطينيين داخل الخط الأخضر المحتل الذي يخضع لسلطة الاحتلال بشكل مباشر. وبدت الصورة واضحة فالسلطة هي وكيل الاحتلال في الضفة لتحجيم المقاومة والقضاء عليها وإجهاض أي انتفاضة فلسطينية محتملة.[[4]] وترتب على هذه المواقف المخزية والمتواطئة من جانب السلطة ردود أفعال شعبية غاضبة حتى من عناصر تنتمي إلى حركة فتح التي يرأسها أبو مازن؛ حيث كرس بموقفه ذلك الانشقاقات القائمة التي برزت بشدة أثناء الإعداد للانتخابات التشريعية التي كانت مقررة يوم 28مايو 2021م، وجرى تأجيلها من جانب رئيس السلطة محمود عباس أبو مازن بدعوى عرقلة الاحتلال لإجراء الانتخابات في القدس، لكن السبب الرئيس هو خوف السلطة من الهزيمة القاسية والمرة أمام حركة المقاومة الإسلامية حماس. لا سيما وأن استطلاعات الرأي كانت تؤكد ذلك من جهة إضافة إلى أن رموزا من حركة فتح أعلنت عن تشكيل قوائم انتخابية تنافس القائمة الرسمية التي شكلتها السلطة من جهة أخرى. هذه المواقف المخزية للسلطة أثناء العدوان وضع بعض رموز وعناصر فتح في ورطة كبيرة والذين شاركوا في الانتفاضة الأخيرة والمواجهات الميدانية ضد الاحتلال أثناء العدوان. وقد استشهد محمد إسحاق أحد عناصر فتح من قرية بيت عنان شمال غرب رام الله في مواجهات ضد الاحتلال كما أصيب العشرات من عناصر الحركة في هذه المواجهات. وبحسب نشطاء من الحركة فإن حالة الترهل والضعف التي تعيشها فتح والناجمة عن مواقف القيادة وارتهانها للاحتلال في كثير من المواقف، وضعهم في مواجهة غضب شعبي، أدت إلى عدم قدرة الفتحاويين على رفع رايات الحركة في مسيرات ومظاهرات الأقصى، رغم تقدمهم صفوف المواجهة. وفي هذه الأثناء انتهز التيار الدحلاني الذي ينتمي إلى القيادي المفصول محمد دحلان المدعوم إماراتيا الفرصة ومحاولة توظيف الحدث سياسيا لإثبات الذات؛ حيث خرج عشرات المسلحين من عناصره ليلة 17 مايو 2021م، يعرفون أنفسهم بأنهم عناصر من “كتائب الأقصى” الذراع العسكرية لحركة فتح التي حلتها السلطة سابقا، وذلك بمخيم الأمعري بوسط مدينة رام الله، حيث حملوا الأسلحة وطافوا شوارع المدينة، لكن قوة أمنية تابعة للسلطة منعتهم من مواصلة الطريق ونشب بين الفريقين تلاسن فعادوا أدراجهم نحو المخيم.[[5]] ترتب على مواقف السلطة زيادة منسوب الغضب الشعبي حيث شهدت مظاهرات الفلسطينيين في الضفة أثناء العدوان على غزة هتافات قوية ضد رئيس السلطة محمود عباس أبو مازن، ففي يوم الجمعة 21 مايو 2021م دوَّت هتافات الفلسطينيين داخل المسجد “الشعب يريد إسقاط الرئيس”، وهي ذات الهتافات التي دوت في مظاهرات الفلسطينيين في مدينة نابلس. في المقابل كانت هتافات المنتفضين تكيل المديح للمقاومة وقادة المقاومة وحركة حماس.[[6]] كما أقدم مصلون بالمسجد الأقصى على طرد خطيب الجمعة (الجمعة 21 مايو 2021م) أثناء تأديته الخطبة أمام نحو 50 ألف فلسطيني كانوا يؤدون الصلاة، ودوى داخل المسجد هتاف “برة .. برة ..برة .. رجال السلطة برة .. برة”؛ وذلك تعبيرا عن احتجاجهم على الخطبة والخطيب؛ فالخطبة لم تتطرق مطلقا إلى تضحيات المقاومة في غزة وصمود أهلها أمام العدوان الصهيوني الغاشم، بينما أثنى على رئيس السلطة محمود عباس أبو مازن الذي لم يكن له دور أساسا في هذه الحرب سوى الصمت في مضيعة رام الله. كما لم يطلب الشيخ أداء صلاة الغائب على أرواح الشهداء. أما الخطيب فهو المفتي الشيخ محمد حسين المحسوب على السلطة والمعروف بقربه من أبو مازن والذي دأب على الظهور إلى جوار أبو مازن في مناسبات مختلفة كان آخرها قبل أسبوعين عندما أعلن أبو مازن عن تأجيل الانتخابات الفلسطينية وهو القرار الذي اعتبر هروبا وخوفا من السقوط في هذه الانتخابات لتأسيس شرعية فلسطينية جديدة. هذه المواقف دفعت الإعلام الغربي إلى التأكيد على أن المقاومة خرجت من هذه الجولة منتصرة وحققت مكاسب عسكرية وسياسية غير مسبوقة، بينما زادت من تهميش السلطة الفلسطينية وكشفت عن ضعف تأثيرها في الأزمة. وانتهى تقرير أعدته مجلة “لوبوان” الفرنسية إلى عدة حقائق: التأكيد على أن “هذه الحرب زادت شعبية حماس على حساب السلطة الفلسطينية. وأن دعم الحركة تأثر بنتائجها السياسية في غزة، لكن تأييدها مرده أساسا لقدرتها على مقاومة إسرائيل، ولهذا اختارت الدخول في مواجهة عسكرية جديدة ضدها”. وحتى في الضفة الغربية الواقعة تحت سيطرة السلطة الفلسطينية يشار إلى حماس – وفقا للمجلة الفرنسية – بكل فخر بوصفها رمزا للمقاومة ضد إسرائيل، لأنها وضعت حدا للاعتداءات الإسرائيلية على حي الشيخ جراح وللانتهاكات لحرمة المسجد الأقصى. وأن الانتخابات لو جرت غدا فسوف تفوز المقاومة على محمود عباس رئيس السلطة الذي لم يفعل للفلسطينيين…