انتخابات الجزائر .. أول انتخابات تشريعية بعد حراك “فيراير 2019”
بنسبة مشاركة بلغت 23.03% من الناخبين الجزائريين، بحسب الأرقام الرسمية غير النهائية التي أعلنتها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، الثلاثاء، جاءت نتائج الانتخابات التشريعية الأولى بعد الحراك السياسي في البلاد، والذي بدأت منذ نحو عامين، وشارك في العملية الانتخابية التي جرت السبت 12 يونيو الجاري، لاختيار 407 نواب في المجلس الشعبي الجزائري (الغرفة الأولى للبرلمان)، نحو 5,6 مليون مواطن، وتنافست أكثر من 1480 قائمة، بين حزبية ومستقلة.. وجاءت الانتخابات بعد حل الرئيس “عبدالمجيد تبون” (75 عاما)، البرلمان بداية العام الحالي، فيما ستعلن النتائج النهائية للمجلس الدستوري، في غضون 10 أيام بعد البت في الطعون كما ينص قانون الانتخابات. وأخذت الانتخابات أهمية سياسية بالغة، لكونها أول انتخابات برلمانية تجري بعد الحراك الشعبي الذي أطاح بحكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وغيّر الكثير في المعادلة السياسية في الجزائر. أول انتخابات تجرى تحت إشراف هيئة مستقلة للانتخابات، وتاسع انتخابات من نوعها منذ الاستقلال؛ ثلاثة منها جرت خلال حكم الحزب الواحد (جبهة التحرير الوطني)، وست استحقاقات نيابية جرت بعد دخول البلاد عهد التعددية السياسية عام 1989. كما تنفرد هذه الانتخابات بكونها الأولى التي تشرف عليها هيئة مستقلة للانتخابات في تاريخ الاستحقاقات الانتخابية في الجزائر، إذ منح الدستور الجديد وبعده القانون الانتخابي الجديد، الهيئة كامل صلاحيات تنظيم الانتخابات وترتيباتها السياسية والقانونية والفنية، والتي تم سحبها من وزارة الداخلية، بدءاً من تسلّم قوائم المرشحين والبت فيها وقبول أو رفض المرشحين والقوائم، إلى تسجيل الناخبين في البلديات، وصولاً إلى الإشراف على الحملة الانتخابية وتسيير مكاتب الاقتراع حتى إعلان النتائج الكاملة. وعلى الرغم من أن هذه التجربة الأولى من نوعها بالنسبة للهيئة المستقلة ليست مثالية على الصعيد التنظيمي، بحكم أنها شهدت بعض العوائق الفنية والارتباك في تطبيق القانون الانتخابي، وبعض المشاكل المرتبطة بغموض مواد قانونية، إلا أن الأمر يُعد تطوراً إيجابياً في مسار العملية الانتخابية في الجزائر، لجهة تحييد الإدارة وإحداث قطيعة مع الممارسات السابقة التي كانت تُفقد الانتخابات ونتائجها المصداقية السياسية. ويُعدّ استحداث الهيئة المستقلة للانتخابات أحد أبرز المطالب التي نجحت قوى المعارضة السياسية في تحقيقها، إذ كانت قد طالبت باستحداثها للمرة الأولى في وثيقة مؤتمر المعارضة، الذي عقد في يونيو 2014. كما شهدت الانتخابات أيضاً عودة بعض الأحزاب السياسية التي كانت قد قاطعت واعترضت على المسار الانتخابي الجديد منذ بدايته في ديسمبر 2019، أبرزها حركة “مجتمع السلم”، أكبر الأحزاب الإسلامية، التي كانت قد قاطعت الانتخابات الرئاسية التي جرت في نهاية عام 2019، كما اعترضت على دستور نوفمبر 2020، ودعت في تلك الفترة إلى إجراء حوار وطني للتفاهم بين السلطة والمعارضة على توافقات سياسية مستقبلية. كما عادت أحزاب أخرى إلى المسار الانتخابي، كـ”جبهة العدالة والتنمية” و”حركة النهضة” وغيرها. أولا: مؤشرات سياسية تقدم غير مسبوقة للإسلاميين يبدو أن تودُّد الرئيس عبدالمجيد تبون للإسلاميين خلال ظهوره الإعلامي الأخير لم يكن اعتباطياً، إذ حصلت أحزاب الإسلاميين بالجزائر على أكثر من 100 مقعد في الانتخابات البرلمانية حسب الأرقام الأولية الرسمية المعلنة. وفازت حركة مجتمع السلم بـ 65 مقعداً نيابياً، وهو ضعف ما فازت به في الانتخابات السابقة. بينما حصلت حركة البناء الوطني على 40 مقعداً، وهو ضعف ثماني مرات ما فازت به في تشريعيات 2017. وتراجع حزب العدالة والتنمية تراجعاً طفيفاً، إذ فاز بمقعد واحد، وهو الذي كان قد حصل على 4 مقاعد في الانتخابات السابقة. ووفق تقديرات المحلل السياسي فاتح بن حمو، لـ”عربي بوست”، “كان يمكن لتيار الإسلام السياسي أن يحقق أرقاماً أكبر لو كانت العملية الانتخابية نزيهة مئة بالمئة”. ولكن الخلاف الاستراتيجي، قد يحول دون إمكانية تحالف حركة مجتمع السلم وحركة البناء باعتبارهما يمثلان تياراً واحداً، فالكل يعلم أن البناء حزب قريب من السلطة، بينما مجتمع السلم حزب معارض ويرفض السير مع السلطة في كل توجهاتها، لذلك لن يكون هناك تحالف بين الحزبين. عوامل فوز الإسلاميين، يرجعها الكثير من الباحثين الجزائريين إلى تركيز برامجهم الانتخابية، على قضايا الاقتصاد وتحريك الاستثمارات والتطوير والتحديث، فمثلا، حزب البناء الوطني “إخوان مسلمين” منشق عن “حمس”، منذ 2014، ركز في برنامجه الانتخابي على إصلاحات السوق الحرة واستحداث التمويل الإسلامي لكنه ينأى بنفسه عن القضايا الاجتماعية رغم أن المدافعين عن حقوق المرأة يخشون أن يحاول عرقلة إصلاحات قانون الأسرة الذي يقيد حريات المرأة. وكان رئيس الحزب بن قرينة حصل على 1.5 مليون صوت في انتخابات الرئاسة عام 2019 ويرجح المحللون أن يجيء حزب حركة البناء، الذي انشق عن حزب إسلامي آخر في 2014، في الصدارة في انتخابات يونيو حزيران. كما استفاد الإسلاميون من تجربتهم السابقة، إذ عندما فاز الإسلاميون في عام 1992 ألغى الجيش الانتخابات الأمر الذي أطلق شرارة حركة عصيان مسلح وحرب أهلية سقط فيها 200 ألف جزائري قتلى قبل أن تضع أوزارها في 1999. ومنذ ذلك الحين شاركت الأحزاب الإسلامية في الحياة السياسية لكنها كانت تتبنى مواقف معتدلة. وهو ما يؤكده، محمد مولودي الناشر الجزائري والخبير في شؤون التيار الإسلامي في البلاد “الأحزاب الإسلامية اكتسبت خبرة سياسية هائلة منذ التسعينيات، وأصبحت المشاركة السياسية بدلا من المواجهة هي العلامة التجارية لأحزاب الجزائر الإسلامية اليوم”. وأمام تقدم الإسلاميين، فمن المرجح، أن يعين الرئيس عبد المجيد تبون قرابة عشرة منهم في مناصب وزارية لكنهم لن يتولوا وزارات الداخلية والمالية والعدل الرئيسية. تراجع تمثيل المرأة ودللت النتائج الأولية للتشريعيات بالجزائر عن تراجع كبير في عدد مقاعد النساء، بحيث لم تتجاوز حصتهن 20 مقعداً من أصل 407 مقاعد، أغلبها موزعة بين حزب جبهة التحرير الوطني وحركة مجتمع السلم، وذلك على الرغم، من ترشّح 5743 امرأة، للانتخابات البرلمانية، ضمن قوائم الأحزاب السياسية والقوائم المستقلة. وبلغ التمثيل النسوي في الولاية التشريعية قبل الماضية 154 مقعداً، ثم تراجع في الانتخابات التشريعية الماضية، إلى 120 مقعداً. تدني نسب المشاركة ومن أصل 24 مليون شخص يحق لهم الاقتراع، أشارت السلطة إلى أن 5.6 ملايين شخص أدلوا بأصواتهم، علما بأن أكثر من مليون من هذه الأصوات اعتبرت لاغية، وخلال استفتاء نوفمبر بلغت نسبة الامتناع عن المشاركة 70%. وعلى سبيل المقارنة، فقد بلغت نسبة المشاركة 35.70%، خلال الانتخابات التشريعيّة عام 2017، و 42.90% عام 2012، بحسب وكالة رويترز. وكان هناك ترقّب لنسبة المشاركة، بعدما شهد الاستحقاقان الانتخابيّان السابقان (الاقتراع الرئاسي عام 2019 والاستفتاء الدستوري عام 2020)، نسبة امتناع غير مسبوقة عن التصويت بلغت 60% و76% على التوالي. ووفق الأرقام الرسمية، فقد سجلت ولايات جنوب الجزائر أعلى نسب مشاركة على المدن الشمالية، فيما شهدت محافظات منطقة القبائل أدنى نسب مشاركة على المستوى الوطني. بينما رفض الحراك المطالب بتغيير النظام ودولة القانون والانتقال الديمقراطي والقضاء المستقل، هذه الانتخابات التشريعية، فيما دعت المعارضة العلمانية واليسارية، التي تراجعت شعبيتها، إلى المقاطعة أو ترك الحرية لأفرادها بالاقتراع من عدمه. وبحسب القوى السارية الجزائرية في بياناتهم وتعليقاتهم الإعلامية على…