الخلاف السعودى الإماراتى على خلفية أزمة أوبك .. مؤقت أم مستدام؟
اضطرت منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) وحلفاؤها، في إطار مجموعة “أوبك+”، فى 5 يوليو الحالى، لوقف المحادثات الخاصة باستمرار تخفيض إنتاج النفط وزيادته تدريجيًا إلى أجل غير مسمى. وذلك بعد خلاف علني نادر بين الإمارات والسعودية على خلفية رفض الإمارات، رابع أكبر منتج للنفط في مجموعة أوبك بلس، مقترحاً قدمته السعودية وروسيا بتمديد قيود الإنتاج حتى ديسمبر 2022، بدلاً من إنهائها في إبريل من نفس العام كما كان مقرراً في الأصل. وقد أثار هذا الخلاف السعودى الإماراتى العديد من التساؤلات التى تركزت بصورة رئيسية حول؛ مدى تأثير هذا الخلاف على التحالف بين الدولتين، وهل هذا الخلاف مؤقت أم مستدام؟. وهو ما سنحاول الإجابة عنه خلال السطور القادمة عبر تقسيم الورقة إلى محورين رئيسيين: الأول؛ يتناول أسباب الخلاف بين الدولتين داخل منظمة أوبك، والثانى؛ يتناول إمكانية استمرار هذا الخلاف وانعكاسه على التحالف بين الدولتين. المحور الأول: أسباب الخلاف بين الدولتين داخل منظمة أوبك: في السنوات الأخيرة، وبالأخص في الفترة من عام 2018 إلى عام 2021، تعرض سوق النفط العالمي إلى هزات كبيرة، بفعل التلاعُب في حجم المعروض، والتجاذُبات السياسية التي كانت تنسحب في الأخير إلى أسعار هذا المنتج الاستراتيجي. أهم المستجدات التي أثّرت سلبًا على استقرار أسواق النفط في الأعوام الأخيرة، كانت تحوُّل الولايات المتحدة الأميركية إلى أكبر منتِج في العالم بعد أن كانت واحدة من أكبر المستهلِكين، ونموّ تيار عالمي ينظِّر إلى وجوب التخلُّص التدريجي من الاعتماد على هذا المورد، من أجل إنقاذ ما تبقّى من الاستقرار البيئي لكوكب الأرض، وصولًا إلى الصراع السعودي الروسي على أسعار النفط، وإغراق الأسواق إلى حد تهاوي الأسعار بشكل غير مسبوق، ثم كارثة “كورونا” البيولوجية التي دمّرت الطلب على النفط، بفعل تعطُّل الأنشطة الاقتصادية إجباريًّا في معظم دول العالم. ما استقرّت عليه المنظمة الدولية المعنية بتنظيم تجارة النفط في العالم “أوبك”، التي تضم 13 دولةً، والنسخة “بلس” التي تضم 23 دولة من بينهم روسيا، أن الخيار الأفضل هو: تقليل المعروض في السوق العالمي مع زيادته تدريجيًّا، تزامنًا مع ارتفاع الطلب، بحيث يؤدي تقليل المعروض وتقليل الإنتاج إلى ارتفاع سعر البرميل الواحد نتيجة الطلب، ويمكن للدول المنتجة أن تحقِّق ربحًا معقولًا من هذه الكمية، بدلًا من الإغراق الذي يؤدي إلى انخفاض الأسعار وخسارة المنتِجين[1]. وبالفعل، استقرت «أوبك بلس»، فى إبريل 2020، على خفض 20% من حجم الإنتاج اليومي لكل دولة، وتحددت نقطة الأساس لحجم الإنتاج بناءً على إنتاج الدول في أكتوبر 2018، ما عدا السعودية وروسيا[2]. نجحت هذه الاستراتيجية في الصعود بسعر برميل النفط الواحد إلى متوسط 75 دولارًا، وهو أعلى سعر منذ أكتوبر 2018. وبناءً على ذلك، تعقدُ “أوبك بلس” اجتماعًا شهريًّا لتقييم الاتّفاق المعروف باتفاق “خفض الإنتاج”، والتنسيق بين الدُّول ومراجعة الأسواق، وقد تقرّرَ أن يكون هناك اجتماع، فى 5 يوليو 2021، من أجل تمرير قرار بتمديد الاتفاق، بحيث تحدث زيادة طفيفة في المعروض بمقدار 400 ألف برميل يوميًّا بداية من أغسطس القادم، وأن يمدَّد الاتفاق قبل نهايته المقررة في إبريل من العام القادم، بحيث ينتهي، بدلًا من ذلك، في نهاية العام القادم ديسمبر 2022. وافقت كل الدول الحاضرة للاجتماع، على تمديد الاتفاق مع زيادة تدريجية في الإنتاج (زيادة الإنتاج اليومي بنحو مليوني برميل)، وهي الصيغة التي قدمتها السعودية بصفتها رئيسة المنظَّمة، ووافقت عليها روسيا، ثاني أكبر منتِج للنفط في العالم، ولكن فشلَ تمرير الاتفاق بسبب رفض دولة واحدة: الإمارات[3]، التى قالت إنه لا يوجد داعٍ للنظر في تمديد الاتفاق قبل نهايته، غير أنها تفضِّل رفع الإنتاج اليومي بشكل فوري لنحو 600 ألف برميل، بدلًا من 400 ألف برميل. ويرجع رفض الإمارات إلى تمديد هذا الإتفاق إلى مجموعة من الأسباب أبرزها: 1- رفض نقطة الأساس المرجعية في الاتفاق. ففي حالة الإمارات، اعتمد تحالف “أوبك+” أكتوبر 2018، شهر الأساس الذي تخفض حصتها النفطية بناء عليه، بينما تريد أبوظبي اعتماد أبريل 2021 كشهر أساس مثل السعودية وروسيا. ففي أكتوبر 2018، بلغ متوسط إنتاج الإمارات النفطي قرابة 3.1 ملايين برميل يوميا، بينما بلغ الإنتاج في أبريل 2021 -قبل شهر من تنفيذ اتفاق خفض الإنتاج الحالي- نحو 3.84 ملايين برميل يوميا. وإن نجحت الإمارات في اعتماد شهر المرجع، فهذا قد يدفعها إلى الطلب من التحالف تطبيقه بأثر رجعي، لضخ مزيد من النفط في السوق العالمية. 2- حاجة الإمارات لسيولة نقدية لتعويض ما فقدته خلال العام الماضي والنصف الأول 2021، بسبب تبعات فيروس كورونا، وتراجع مداخيل البلاد من قطاعات السياحة والخدمات والتجارة. فالشهر الماضي (يونيو)، طرحت إمارة أبوظبي سندات سيادية ضمن شريحة بقيمة ملياري دولار لمدة 7 سنوات، لتوفير النقد اللازم لتلبية متطلبات الإنفاق الجاري في الإمارة النفطية. وفي إبريل الماضي، طرحت شركة موانئ دبي العالمية سندات بقيمة مليار دولار لأجل 10 سنوات، لتوفير السيولة اللازمة لعملياتها التشغيلية. كذلك، في مايو 2020، طرحت إمارة أبوظبي سندات بقيمة 3 مليارات دولار، وسط تباطؤ اقتصادي بسبب جائحة كورونا وانخفاض أسعار النفط حينها الذي لامس 15 دولارا لبرميل برنت. وفي أبريل 2020، طرحت الإمارة سندات سيادية بقيمة 7 مليارات دولار موزعة على ثلاث شرائح، بفترات سداد 5 و10 و30 عامًا[4]. 3- إنفاق إمارة أبوظبي، التي تنتج تقريباً كل النفط الإماراتي، نحو 25 مليار دولار سنوياً لتزيد إنتاجها إلى 5 ملايين برميل يومياً بحلول نهاية هذا العقد. ويرى ولي العهد محمد بن زايد، الحاكم الفعلي لدولة الإمارات، أن هذه الخطة ضرورية لزيادة حجم الأموال اللازمة للاستثمار في صناعات جديدة وتنويع الاقتصاد. 4- على عكس السعودية ومعظم الدول الخليجية الأخرى العضوة في أوبك بلس، لدى أبوظبي شركاء أجانب في صورة شركات دولية تستثمر في أسهم حقول النفط والغاز التي تملكها. وقد انضم إلى شركاء قدماء مثل شركتي BP Plc وTotalEnergies SE، شركاء آخرون من الهند والصين على مدى السنوات الثلاث الماضية. 5- تسعى أبو ظبى إلى جعل نفط مربان معياراً لنفط المنطقة، فقد سمحت أبوظبي بتداول صنفها الرئيسي من الخام، المسمى مربان، في بورصة جديدة للعقود الآجلة مطلع هذا العام. وهي سابقة لدولة عضوة في منظمة أوبك، حسب Bloomberg. وتريد الإمارات أن يعتمد تجار النفط وغيرهم من المنتجين في الشرق الأوسط “مربان” معياراً للمنطقة. ولذلك، تحتاج إلى إنتاج كميات كبيرة منه لدعم السيولة والتجارة. وقالت شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) إنها تتوقع توفير أكثر من 1.1 مليون برميل يومياً للبورصة اعتباراً من أغسطس 2021. وزيادة إنتاج مربان إلى ما يقرب من كامل السعة القصوى البالغة نحو مليوني برميل يومياً ستعزز عرض شركة أدنوك الإماراتية بجعله معياراً لنفط المنطقة[5]. وقد تسبب رفض الإمارات لهذا الإتفاق فى إثارة حفيظة حليفتها السعودية، والذى ظهر فى التلاسن الحاد، وغير المسبوق، الذى انفجر في اليومين الماضيين على شاشات البلدين، بين الأمير عبد العزيز بن…