جمهورية السيسي الجديدة .. المعالم وآليات البناء والمخاطر
بعد مرور 8 سنوات من انقلاب العسكر على الرئيس المنتخب محمد مرسي، في العام 2013، يذهب النظام الحاكم للترويج بقوة لبناء ما أسماه الجمهورية الجديدة، والذي بات شعارا ثابتا على نوافذ إعلام النظام. المصطلح الذي يجري نحته، يعتمد فقط على مجموعة من الإجراءات الشكلية، كإقامة عدد من الطرق والكباري وإنشاء بعض التجمعات السكنية الجديدة في قلب الصحراء، وإنشاء ما يطلق عليها “العاصمة الإدارية الجديدة” لاكمال الصورة الروج لها. متناسين أن الجمهورية الجديدة لابد لها من عقد اجتماعي جديد ونظام سياسي تشاركي، يوسع فيه حجم الحريات والحقوق، ويهتم فيها بجميع فئات المجتمع، وليس حصرها على فئة المالتي أثرياء، أي ما بعد الأغنياء!! وهو ما يكاد يجمع بشأنه المراقبون، أن الجمهورية الجديدة بلا شعب، أو بدون الجماهير المصرية الحقيقية. والأغرب من ذلك، أن المشروعات والخطط التي تمثل أساس “الجمهورية الجديدة” يدفع المواطن البسيط ثمنها على شكل ضرائب تطال فقراء البلد قبل أغنيائه، والتي أضرّت الشريحة الأكبر من المصريين، بدءاً من تحرير سعر الصرف، إلى الرفع الكامل للدعم عن غالبية المحروقات، إلى التحريك المستمرّ لأسعار الكهرباء والمياه، وغيرها من الخدمات الأساسية، وفق ما تذهب إليه افتتاحية صحيفة “الأخبار” اللبنانية، في 30 يونيو الماضي. ولعل التوقف عند مغزى مصطلح الجمهورية الجديدة والهدف من اطلاقه، وافتقاد البناء الجديد لقواعد البناء والتنظيم، يجلي الأهداف الحقيقية للجمهورية الجديدة وآليات السيسي لبنائها، ومخاطرها المستقبلية، وهو ما تتناوله الورقة التحليلية : أولا: سمات الجمهورية الجديدة جمهورية بلا عقد اجتماعي من أبرز السمات الكاشفة للجمهورية الجديدة، والتي تقدح في الوقت نفسه في المصطلح والمعنى والمنطلق بالأساس، انعدام شروط بناء الجمهورية، والمتعارف عليها في التاريخ الحديث، سواء في الغرب أو الشرق، فالشروط المنطقية والسياسية لـ”الجمهورية الجديدة” تتضمّن وضع عقد اجتماعي جديد وعادل للعلاقة بين الدولة والمواطنين تكفل حقوقهم وحرياتهم وتقدّم مقاربة مختلفة عما اعتاد عليه المصريون من القمع، ووضع قواعد واضحة لإنشاء نظام سياسي قائم على توزيع السلطات والصلاحيات يستطيع العمل تلقائياً على أسس دستورية وتشريعية وعرفية من دون الارتباط بأشخاص بعينهم، بالإضافة إلى استحداث محددات واضحة للعلاقات الاستراتيجية لهذه الجمهورية خارجياً بما يكفل استقلالها وقدرتها على الاستمرار. كما يُلاحَظ أن “الجمهورية الجديدة” تفتقر لأبسط هذه المقومات، فبعيداً عن الأوضاع الحقوقية المتراجعة والحريات المكبّلة، فشل السيسي في إنشاء ما يمكن وصفه بنظام سياسي، على عكس ما تحقق في عهود سابقة من الجمهورية الأولى بين خمسينيات القرن الماضي واندلاع الثورة ضد نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك. فعملية تخليق القرار الرسمي للدولة المصرية على جميع الأصعدة، داخلياً وخارجياً، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً واستخباراتياً وحتى تعليمياً وثقافياً، يبدأ وينتهي عند السيسي نفسه، وبدرجة تبدو الأكثر تركيزاً للسلطة في يد رجل واحد في تاريخ مصر منذ عهد محمد علي باشا بداية القرن التاسع عشر. الجيش والمؤسسات السيادية أساس الحكم وتعمّد السيسي لتكريس هذا التحكّم الفردي الذي يتناقض مع فكرة خلق “النظام” تعظيم الاعتماد على الجيش والجهات السيادية الأخرى مثل الداخلية والرقابة الإدارية للعب أدوار غير تقليدية، في المجالات الاقتصادية والخدمية والمرفقية وحتى التنموية الأهلية، لتكون مشاركة هؤلاء بديلاً عن الاعتماد المفترض في أي “نظام حاكم” على امتدادات مدنية داخل المجتمع تتمثل في رجال السياسة الشعبية والأعمال والغرف التجارية والجمعيات الأهلية والنقابات والاتحادات. وقد وسع السيسي الاعتماد على الجيش والجهات السيادية الأخرى للعب أدوار غير تقليدية، في المجالات الاقتصادية والخدمية وحتى التنموية، فبعدما تم الانقلاب على مرسي بواسطة مشهد دعائي يوحي بتلاحم سلطات الدولة ومؤسساتها الرئيسية المختلفة ضد جماعة “الإخوان المسلمين”، ثم استعانة السيسي بشخصيات وتيارات سياسية مختلفة في مواقع المسؤولية بالحكومة ولجنة إعداد الدستور، توجّه إلى التخفف تدريجياً من التزاماته واتفاقاته مع تلك الجهات والتيارات، ليتسنّى له التحكّم الكامل وحده بالمشهد السياسي والاقتصادي، فدخل مع جميع أركان مشهد الانقلاب في صدام لتقليم أظافرها والعبث بقواعدها، وإما حاول محاصرتها حتى لا تتمكن من القيام بدورها المرسوم لها دستورياً وقانونياً أو المتوارث تاريخياً، ليحتكر اللعبة مع دائرته الصغيرة. جمهورية الخوف منذ لحظات الجمهورية الجديدة في 30 يونيو 2013،أغلق نظام ما بعد الانقلاب وسائل الإعلام المعارضة على الفور، واعتقل القادة السياسيين، وحظر الأحزاب السياسية القيادية، ونفذ عدة مذابح ضد المتظاهرين، على رأسها مذبحتا رابعة والنهضة اللتان تعدان معا أكبر واقعة قتل جماعي لمتظاهرين في يوم واحد في التاريخ الحديث. كما نجح نظام “السيسي” في تعزيز رواية إعلامية منفردة ومؤيدة للنظام، وقد تحقق ذلك من خلال عمليات إغلاق وسائل الإعلام، تزامنا مع حملة موسعة من الترهيب المسلح، وعلى مدار هذه السنوات، لم يجد المعارضون، سوى مكان واحد، هي الزنازين، التي جمعت الإسلاميين مع الليبراليين واليساريين، بل أيضا مؤيدي السلطات التي تنقلب عليهم، وهي الخطوة التي تبررها السلطات بأنها محاولة لتثبيت الاستقرار السياسي والأمني، وفي هذا الاطار شهدت مصر بناء 35 سجنا جديدا.. واعتقل السيسي عشرات الآلاف من المصريين، ووسع دائرة الاشتباه وأجرى محاكمات جماعية، لم تشهدها لبلاد من قبل، وأصدار أحكاما بالإعدام على المئات، ونفذ العشرات منها، فضلا عن الإخفاء القسري للآلاف وإعدام خارج إطار القانون للمئات، حسب ما وثقته منظمات حقوقية دولية عدة، وتتوالى يوميا اجراءات القمع العلمي وملاحقة الباحثين والنشطاء والصحفيين والعمال والسياسيين وصولا إلى خرس مجتمعي كامل، يسمح للجمهورية الجديدة بالاستمرار والتقدم على أشلاء الجميع. جمهورية بلا سيادة كاملة على أراضيها ومن معالم الجمهورية الجديدة، تقزيم مساحة مصر الجغرافية، حيث تنازل “السيسي” في خطوة أثارت غضبا وانتقادا كبيرا، عن جزيرتي “تيران وصنافير” للسعودية، مقابل 2 مليار دولار، وسط اتهامات ببيع أراضي مصر. كما فشل “السيسي” ودولته الجديدة، في التوصل لأي اتفاق يحمي حقوق مصر المائية في نهر النيل، واستطاعت إثيوبيا في ملء أول للسد، وثان جاري حاليا، مستندة لاتفاق المبادئ الذي وقعه “السيسي” خلال زيارته السودان في مارس 2015، وهو ما يضع مصر أمام خيارات صعبة، منها شرب مياة الصرف ومياة البحر، والبحث عن المياة الجوفية للري والشرب.. كما تنازل السيسي، نكاية في تركيا، عن حقلي غاز لاسرائيل بالبحر المتوسط، وتنازل عن42 ألف كلم من مياة مصر الاقتصادية لصالح قبرص، وه ما تككر بتنازله عن نحو 11 ألف كلم لليونان، في ترسيم للحدود البحرية المشتركة، على الرغم من تقديم تركيا لمصر وثائق تثبت ملكيتها تلك المساحات، كانت الادارات القانونية والهندسية والمساحية بالجيش تتمسك بها، ورغم ذلك تنازل عنها السيسي. ثانيا: آليات عمل الجمهورية الجديدة تحكم غير مسبوق بالجيش ومن أجل الوصول إلى الجمهورية الجديدة، خرج السيسي بتشريعاته عن الصورة التي كانت متوقعة لحكم مصر بعد 2013 بأنها ستكون دولة محكومة من قبل الجيش، إلى خلق أسلوب جديد للحكم يجعل السيسي متحكماً وحيداً بالجيش وقيادته من ناحية، وممسكاً بتلابيب السلطة بواسطة الجيش نفسه من ناحية أخرى، وهو ما لم يحدث حتى في عهد جمال عبد الناصر الذي كان حريصاً طوال فترة حكمه على إبعاد الجيش…