انقلاب الرئيس التونسي “قيس سعيد” على الدستور والمسار الديمقرطي .. المواقف والتطورات ومآلات المستقبل
قبل شهرين من الآن وفي 24 مايو الماضي، كشفت الصحافة التونسية عن وثيقة مسربة من مكتب مديرة الديوان الرئاسي التونسي، تكشف تفاصيل مخطط انقلاب على البرلمان والحكومة من قبل الرئيس فيس سعيد، تقوم على دعوة قيادات البرلمان والوزراء إلى الديوان الرئاسي واعتقالهم وإعلان حل البرلمان والحكومة، حينها خرج سعيد نافيا المخطط، مشيرا إلى أن زمن الانقلابات قد ولى! إلى أن تم الانقلاب الفعلي الناعم على الدستور، مساء الأحد 25 يوليو 2021، بإعلان تجميد البرلمان ورفع الحصانة عن نوابه، وإقالة رئيس الوزراء “هشام المشيشي”، كما أعلن “سعيد” أنه سيترأس السلطة التنفيذية بالتعاون مع حكومة يترأسها شخصية يعينها الرئيس بنفسه. بجانب ترؤوس النيابة العمومية، لمتابعة ملفات قال إنها تمس بأمن البلاد، مشددا على أنه بصدد اتخاذ قرارات أخرى، في حينها، وهي خطوات رآها مراقبون وسياسيون، ضمنهم راشد الغنوشي، والرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي، انقلابا على السلطة التشريعية المنتخبة. وفي خطوة متقدمة نحو ادخال تونس في مستنقع الاقتتال الأهلي، توعد “سعيد” من يعارض التدابير الاستئثنائية التي اتخذها، قائلا إن من يطلق رصاصة واحدة في سياق الاعتراض على هذه القرارات سيواجه “بوابل من الرصاص من القوات المسلحة والأمنية ليس لها حصر”. واعتبر “سعيد” أن تلك القرارات كانت ضرورية إزاء ما تشهده تونس من عبث بالدولة ومقدراتها وأموالها، على حد قوله، موضحا أن الدستور لا يسمح للرئيس بحل البرلمان، لكنه يسمح له بتجميد صلاحياته ورفع الحصانة عن نوابه، وهو ما اتخذه. وكان سعيد استبق الإجراءات الاستثنائية نحو الانقلاب الناعم على الدستور، بإعلان تمديد أحكام الطوارئ في البلاد لمدة 6 أشهر، وذلك يوم الجمعة الماضي، حتى 19 من يناير 2022، ودخلت حيز التنفيذ السبت 24 يوليو، بما تتضمنه من تضييقات واسعة على الحركة المدنية والسياسية والصحافة والإعلام والانتقال والتجمهر والتظاهر، وجميع ما يتعلق بممارسة العمل الأهلي والسياسي. التطورات الميدانية وأمام مظاهرات مؤيدي الرئيس التي جرى الإعداد لها مسبقا، في ذكرى إعلان الجمهورية التونسية، وخرجت للشوارع رغم الحظر والإجراءات الاحترازية المطبقة في تونس، إثر تفشي كبير لفيروس كورونا، شهدت حرقا وتدميرا لمقرات تابعة لحركة “النهضة” التونسية، واتهمت الحركة أطرافا سياسية مرتبطة بجهات خارجية بتنفيذ تلك الاعتداءات، وحاول معارضوا القرارات التعبير عن آرائهم وحماية الثورة التونسية والدستور من مخالب الانقلابيين، فخرج الآلاف من الشباب الثوري ومؤيدي حركة النهضة والسلفيين وأنصار الديمقراطية والحريات وحقوق الانسان، متجمهرين أمام مقر البرلمان التونسي، إلا أن مشاحنات بدت بقوة خلال التقاء مظاهرات المؤيدين والمعارضين أمام البرلمان التونسي، يوم الاثنين، وهو ما دفع الجيش للتدخل وقامت قوات من الجيش التونسي بغلق مبنى البرلمان، ومنعت رئيسه، راشد الغنوشي، وعدداً من النواب من دخول مقر المؤسسة التشريعية. من جهة ثانية، أحاطت وحدات من الجيش والأمن بمقر رئاسة الحكومة التونسية في القصبة، الإثنين، بعد قرار رئيس الجمهورية “قيس سعيّد” إقالة الحكومة وتولي السلطة التنفيذية بنفسه، وكذا حصار مقر التلفزيون الحكومي من قبل قوى الجيش. وقال مصدر من رئاسة الحكومة لوكالة الأنباء الألمانية، إن قوات الأمن طلبت من الموظفين العودة على أعقابهم، وتحيط وحدات من الجيش بالمقر؛ ما يعني تعليقا كاملا لأشغال الحكومة بعد إقالة رئيسها “هشام المشيشي”، وأعضائها، ليل الأحد. فيما نشرت وكالة “رويترز” تقارير تفيد تواجد رئيس الحكومة هشام المشيشي بمنزله وأنه غير معتقلا. وفي سياق متصل، اقتحمت قوات الأمن مكتب قناة “الجزيرة” في العاصمة التونسية وطردت جميع الصحفيين العاملين فيه، بحسب مدير المكتب “لطفي حجي” وقال “حجي” إن المكتب لم يتلق أي إشعار مسبق بالإخلاء من قبل قوات الأمن، كما أن القوات التي اقتحمت المكان لم تكن ترتدي الزي الرسمي. وأضاف: “طلبوا منا إغلاق الهواتف والحواسيب ونزع التوصيلات الكهربائية بلا سبب، مؤكدين أنهم ينفذون التعليمات، كما صادروا مفاتيح المكتب وأبلغونا أنه ليس من حقنا الدخول إليه وذلك دون أن يبرزوا أي أمر قضائي”. وتتوالى التطورات الميدانية المشيرة لانحياز الجيش والأمن التونسي للرئيس سعيد وقراراته الانقلابية. انقلاب على الدستور ووفق تقديرات الدستوريين وخبراء القانون، فإن قرارات 25 يوليو بتونس، تعد انقلابا مكتمل الأركان، وهو ما ذهب إليه الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي، في بيان صحفي تناقلته وكالات الأنباء، ليل الأحد، معتبرا أن سعيد “خرق الدستور الذي أقسم على الدفاع عنه، ومنح لنفسه كل السلطات”. وأوضح المرزوقي أن قرارات سعيد تجعل منه “القاضي الأوحد، وهو شيء لا يصدق وحتى المنطق يرفض هذا”. ويخالف استناد قيس سعيد في قراراته الانقلابية،استنادإلى المادة 80 من الدستور، نص المادة وروح الدستور ومقتضياته، فالمادة التي استند إليها الرئيس لا تعطيه الشرعيّة لاتخاذ مثل تلك التدابير، بالنظر إلى أنها تحتّم وجود خطر داهم يهدد البلاد أوّلًا، وتقتضي من رئيس الجمهورية استشارة رئيسي الحكومة والبرلمان، ولا تخوّله الحقّ بتجميد البرلمان، بل تنصّ على انعقاده على امتداد فترة الإجراءات الاستثنائية المعلنة، كما لا تمنحه الحق بتوجيه لوم إلى الحكومة. وذلك وفق ما يذهب إليه أستاذ القانون الدستوري رابح الخرايفي ، خلال تصريحات صحفية لـ”العربي الجديد” بقوله، أن “سعيد استند إلى المبررات الواقعية التي حصلت اليوم، وهي في إطار أمني كما لاحظتم من الاجتماع، وليس في إطار سياسي”. أما من الناحية الدستورية “فطالما أن المحكمة الدستورية غير موجودة، فقد خرق الإجراءات التي تستوجب استشارة رئيس الحكومة وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ولكن كل هذا لم يحدث”. كما لا يوجد أي فصل يتحدث عن تجميد الاختصاصات التشريعية للبرلمان، فالفصل 80 ينص على حالة انعقاد، كما أن آلية التجميد غير موجودة في الدستور. وهو نفس المنحى الذي ذهبت إليه أستاذة القانون سناء بن عاشور، في حديث لإذاعة “موزاييك”، أن ”الدستور واضح وأن كل ما أعلنه رئيس الجمهورية قيس سعيد مخالف تماما للدستور”، انطلاقا من أن الفصل 80 الذي استند عليه سعيد في ما أعلنه لا ينص بأي حال على ما اتخذه من قرارات. وتنصّ المادة على أنه “لرئيس الجمهورية في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها، يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويعلن عن التدابير في بيان إلى الشعب”. وتؤكد المادة كذلك أنه “يجب أن تهدف هذه التدابير إلى تأمين عودة السير العادي لدواليب الدولة في أقرب الآجال، ويُعتبر مجلس نواب الشعب في حالة انعقاد دائم طيلة هذه الفترة، وفي هذه الحالة، لا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس نواب الشعب، كما لا يجوز تقديم لائحة لوم ضد الحكومة”. وتنصّ المادة أيضًا على أنه “بعد مضيّ ثلاثين يوما على سريان هذه التدابير، وفي كل وقت بعد ذلك، يعهد إلى المحكمة الدستورية، بطلب من رئيس مجلس نواب الشعب أو ثلاثين من أعضائه، البتُّ في استمرار الحالة الاستثنائية من عدمه. وتصرح المحكمة بقرارها علانية في أجل أقصاه خمسة عشر يوما”، كما “يُنهى العمل بتلك التدابير…