تونس .. معركة تشكيل المحكمة الدستورية
تونس تشهد لأكثر من عام، أزمة سياسية متصاعدة، بين الرئاسيات الثلاث، الحكومة والبرلمان والرئاسة، انعكست بشكل كبير على جميع مناحي الحياة التونسية، وساد الغضب جميع أركان المجتمع التونسي. بل تشئ التقديرات الاستراتيجية إلى أنه لا يبدو أن الأوضاع في تونس ذاهبة باتجاه التهدئة أو الحل، بعد أن بلغ المشهد السياسي مرحلة من الانسداد غير المسبوق، على خلفية أزمة الثقة ومعركة الصلاحيات الممتدة منذ أكثر من سنة، فكل المؤشّرات تفيد بأن الأيام المقبلة ستشهد مزيداً من التصعيد، سواء في المواقف أو التصريحات، بعد أن توسّعت المعركة لتشمل قطاعات الأمن والدفاع والخارجية والهيئات الدستورية. أولا: مظاهر الأزمة السياسية الخلاف حول الصلاحيات الدستورية للرئاسيات الثلاثة تدور أصل الأزمة في تونس منذ الانتخابات الرئاسية الأخيرة، حول الخلاف بين الرئاسات الثلاث، والذي يشهد استقطاباً ثنائياً طرفه الأول الرئيس قيس سعيّد، والثاني رئيسا البرلمان راشد الغنوشي والحكومة هشام المشيشي، حول موضوع توزيع الصلاحيات الدستورية بين المؤسسات الثلاث، عبر محاولة كل مؤسسة فرض النظام السياسي الذي يناسب مصالحها وأهدافها. فالرئيس سعيّد يبدو متمسّكاً بتأويلاته للدستور التي يعارضها خبراء دستوريون وأساتذة قانون كثيرون، ومصرّاً، في الوقت نفسه، على رفض الحوار مع من يصفهم بـ “المتآمرين والمنافقين والفاسدين وذوي النفوس المريضة”، كما أنه لا يُخفي رفضه الصيغة الدستورية الحالية، وعدم اقتناعه بالبرلمان والأحزاب السياسية والنظام السياسي الحالي، فينادي بنظام رئاسي يمسك فيه الرئيس بكل الصلاحيات التنفيذية، ويتراجع فيه دور رئيس الوزراء، ليتحوّل إلى وزير أوّل يقتصر دوره على تنفيذ سياسة الرئيس وتوجيهاته. في المقابل، يرفض الطرف الآخر الذي يمثله الغنوشي المشيشي التسليم لسعيّد بما يريد، ويتمسّكان بالنظام السياسي الذي أقره دستور عام 2014. الذي حدد شكل النظام بالنظام البرلماني، وحدد صلاحيات الرئيس في التصديق على اختيارات البرلمان وقراراته في اختيار الحكومة والقوانين، وذلك وفق الكاتب التونسي بشار نرش، بمقاله “أي حل لأزمة الثقة في تونس؟” بـ”العربي الجديد”. عدم التصديق على التعديل الوزاري ومن ضمن إفرازات الأزمة السياسية في تونس، الخلافات بين “سعيد”، ورئيس الحكومة “هشام المشيشي”؛ بسبب تعديل وزاري أعلنه الأخير في 16 يناير الماضي. ورغم تصديق البرلمان على التعديل، فإن “سعيد” يرفض دعوة الوزراء الجدد لأداء اليمين الدستورية أمامه، معتبرا أن التعديل شابته “خروقات”، وهو ما يرفضه “المشيشي”. والإثنين الماضي، أعلن “سعيد” موافقته على إجراء حوار وطني باقتراح من الاتحاد العام للشغل، لكنه وضع شروطا اعتبرت تعجيزية، حيث اشترط أن يكون محور الحوار تعديل الدستور، عبر تغيير النظام السياسي، وتنقيح النظام الانتخابي. اقحام المؤسسة الأمنية والعسكرية في العملية السياسية ومؤخرا، أقحم سعيد المؤسسة العسكرية والأمنية في المشهد السياسي، إذ أعلن خلال خطاب تصعيدي، تعيين نفسه بمنصب القائد الأعلى لكل القوات المسلحة في البلاد، وليس العسكرية فقط، كما هو متعارف عليه منذ الاستقلال. وتوجه الرئيس التونسي بتهديد مباشر في كلمته لنواب وشخصيات نافذة و”متحصنين بعلاقات مصاهرة”، على حد وصفه، قائلاً: “اليوم صبر وغداً أمر”. وعن أسباب هذا التصعيد، قال القيادي البارز بالحركة، محمد القوماني، لـ”الجزيرة”، مسألة الحريات والديمقراطية مسألة بالغة الأهمية، دفع التونسيون من أجلها تكلفة عالية في النضال ضد الحكم الفردي الاستبدادي، وهناك اليوم تخوفات حقيقية من النزعة التسلطية التي ظهرت لدى الرئيس، خاصة في خطابه الأخير. وأضاف القوماني أن حركة “النهضة” ترى أن “خطاب الرئيس يمثل منعرجاً خطيراً يهدد الاستقرار السياسي ووحدة الدولة المُؤمّن عليها رئيس الجمهورية بمقتضى الدستور، حيث أبدى سعيد إصراراً على احتكار تأويل الدستور، والنزوع إلى التأويلات الشاذة كما وصفها المشيشي في رده على الخطاب ذاته”. ويستغل سعيد هذا الاحتكار في تأويل الدستور، بحسب القوماني، لـ”تمديد سلطته إلى ما ليس من صلاحياته. فبعد أن عيّن الشخصية الأقدر لرئاسة الحكومة (المشيشي) حسب مزاجه، ودون أي اعتبار لاقتراحات الأحزاب والكتل الكبيرة في البرلمان، عمد إلى تعيين عدد كبير من الوزراء في حكومة الميشيشي، ولكن حين غيّر الأخير بعضهم غضب الرئيس ورفض التعديل الوزاري وعطله إلى الآن، واليوم يعلن نفسه قائداً على القوات العسكرية والأمنية في محاولة للسطو على صلاحيات رئيس الحكومة”. كما أن رئيس الدولة يخطو خطوة خطيرة في اتجاه إقحام المؤسسة الأمنية في التجاذبات السياسية وهو يتوعد النواب بصورة واضحة. تلاعب إماراتي بورقة اليسار جبهة الانقاذ، التي تكونت الإثنين 28 يونيو، بمشاركة منظمات وجمعيات وأحزاب وشخصيات تونسية – أغلبها يسارية – تتولى الدعوة لإجراء استفتاء شعبي لتغيير النظام السياسي والقانون الانتخابي، وذلك عبر إطلاق عريضة توجه للشعب لجمع التواقيع باعتباره “صاحب السيادة الأصلية”، على نفس طريقة حركة تمرد المصرية في 2013.. يقود هذه المبادرة حزب “حركة مشروع تونس”، لصاحبه محسن مرزوق، فضلًا عن حزب “بني وطني” الذي يقوده سعيد العايدي، وعدة شخصيات، بينها شوقي الطبيب الرئيس السابق لهيئة مكافحة الفساد وكمال الجندوبي الرئيس السابق لهيئة الانتخابات والصادق بالعيد أستاذ القانون الدستوري والمنجي الحامدي وزير الخارجية السابق ومنظمات، من بينها “ائتلاف صمود” و”الرابطة التونسية للمواطنة” و”المبادرة التونسية من أجل جبهة موحدة لكافة القوى الديمقراطية والمدنية”. يقول القائمون على هذه الجبهة إن هدفهم الأساسي إصلاح المنظومة السياسية بعد استيفاء كل محاولات الإصلاح من داخل المنظومة سواء عن طريق البرلمان أم ممثلي السلطة التنفيذية، وذلك من أجل إرجاع السلطة للشعب. ويرى هؤلاء أن النظام السياسي الحاليّ أثبت فشله وخلق أزمات عديدة في مؤسسات الدولة وعطل دواليبها، ومن المنتظر أن تتوزع المبادرة على أكثر من نشاط، منه ما يتعلق بتجهيز عريضة لجمع الإمضاءات بشأن تغيير النظام السياسي، وأخرى تشمل تحركات ميدانية للتعريف بأهمية الذهاب نحو إجراء الاستفتاء. وبغض النظر عن مدى دستورية الاستفتاء على فصول الدستور التي تحدد النظام السياسي للبلاد، فهذه المبادرة تتماشى مع الأفكار التي يطرحها رئيس الجمهورية قيس سعيد، الذي سبق أن كشف في أكثر من مرة تبنيه فكرة تغيير النظام السياسي والقانون الانتخابي، إلى جانب تنقيح الدستور الذي قال إنه “قام على وضع الأقفال في كل مكان”. وفق الدستور، فإن النظام السياسي الحاليّ، هو نظام برلماني معدل، يمنح البرلمان صلاحيات واسعة في مراقبة الحكومة واختيار رئيسها، ويوزع السلطة التنفيذية بين رئيس دولة منتخب مباشرة من الشعب، لكنه لا يتمتع بصلاحيات واسعة، ورئيس حكومة منتخب من الأغلبية داخل البرلمان وله أغلب الصلاحيات. ويسعى سعيد إلى تغيير النظام السياسي من برلماني معدل إلى رئاسي كما كان معمول به في دستور 1959، وذلك للاستحواذ على كل صلاحيات الحكم في تونس والمسك بزمام الأمور، وقد أسر بذلك للأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نورد الدين الطبوبي مؤخرًا. وبمتابعة تحركات الرئيس وتصريحاته، يظهر أنه طامع في السلطة ومستأثرًا بها، زاهدًا في الثورة التونسية وما أفرزته، حتى إنه لم يحتفل بعيد الثورة مع التونسيين ولا بعيد الاستقلال ولا الجمهورية دون توضيح سبب ذلك. تعتبر هذه المبادرة التي يقودها سعيد وبعض رفاقه اليساريين، متنفسًا للرئيس سعيد بعد الضغط الكبير الذي تمارسه ضده أحزاب عديدة. ويعلم حلفاء قيس سعيد، أن…