زيارات متتابعة لـ تركيا من قادة دول القرن الإفريقي
في محاولة لتخفيف التوترات في القرن الإفريقي وتعزيز الاستقرار، تم إطلاق منتدى البحر الأحمر بقيادة السعودية، وبمشاركة مصر والدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر، إضافةً إلى إقامة مصر لقاعدة برنيس البحرية في الجنوب المطل على البحر الأحمر، إلا إن كافة هذه التحركات لم تنجح في كبح جماح الوجود التركي في المنطقة، كما كان مُقررًا لها. ومن ثمَّ لازال الجانب التركي يسعى جاهدًا لتأمين فرص تواجده في المنطقة، لاسيما في أكثر الدول تأثيرًا هناك، وهو ما بدا واضحًا في النشاط الدبلوماسي الأخير للسودان وإثيوبيا في تركيا. فما هو شكل الوجود لتركي في القرن الإفريقي؟ وكيف كانت الزيارات السودانية والإثيوبية؟ وما هي العلاقة بينها وبين التحركات الأمريكية التي أتت بالتزامن معها؟ تلك هي التساؤلات التي تسعى تلك الورقة للإجابة عنها.. تنامي الوجود التركي في القرن الإفريقي: بدأ الدور التركي يأخذ طابعًا أمنيًا في المنطقة، وذلك بعد مرحلة تمكَّن فيها من خلق مصالح وتواجد استراتيجي، بات بحاجة إلى أدوار أمنية وعسكرية تحميه وتدعمه، في إطار استراتيجية أوسع للنفوذ الإقليمي. وبينما تشير التحليلات إلى تطور الدور التركي في المنطقة تدريجيًا بعامل الوقت، ولم يكن مخططًا أو معروفًا طبيعة أو حدود الدور وأهدافه بداية، فإنه يمكن اعتبار عام 2017 بداية التحول الفعلي في طبيعة الدور، مع بدء المواجهة مع دول الخليج، هذا فضلًا عن قطعها لأشواط كبيرة من أهدافها، وأنها أصبحت بحاجة إلى إعادة تعريف السياسة الخارجية وأهدافها على المدى البعيد. إلا أن هذا الدور وتلك الأهداف تحوَّلت مع تحوُّل الدور وتصاعد المنافسة بينها وبين الدول العربية، وانتقالها لساحة جديدة. وعليه، أطلقت أكبر قاعدة عسكرية لها بالخارج في مقديشيو عام 2017؛ تضم ثلاث مدارس عسكرية، وأكبر معسكر تدريبي، سيتولى خلاله ضباط أتراك مهمة تدريب عشرة آلاف جندي صومالي، وفقًا لما أعلن عنه رئيس أركان الجيش التركي، خلوصي آكار. حفز هذا الوضع حالة التنافس الإقليمي، ما ترك الدول الإفريقية عرضة لمزيد من الانقسام بين مصالح دول إقليمية متعارضة. فبينما تدعم تركيا وقطر الحكومة الفيدرالية بالصومال، قامت الإمارات بإنشاء قاعدة عسكرية لها بأرض الصومال، والأمر نفسه بالنسبة للسودان. وفي الوقت الذي تعزز فيه تركيا حضورها بالقرن الإفريقي، فإنها حاضرة أيضًا في اليمن، في المدن القريبة من باب المندب والبحر الأحمر، من خلال دعم حزب الإصلاح. ولعل هذا ما يبرر تنامي الحضور الخليجي في المنطقة، عبر الاستثمارات والقواعد العسكرية، إلا أنه يواجَه في المقابل بمزيد من الحضور التركي في المنطقة.[1] زيارة البرهان لتركيا: توجَّه رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس 12 أغسطس إلى تركيا، في زيارة رسمية بدعوة من الرئيس رجب طيب أردوغان. ورافق البرهان وفد يضم وزراء الدفاع يس إبراهيم، والخارجية مريم المهدي، والمالية جبريل إبراهيم، والزراعة الطاهر إسماعيل، ومدير المخابرات العامة جمال الدين عبد المجيد. وتشهد العلاقات بين أنقرة والخرطوم تطورًا منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا أواخر عام 2002، حيث وضع خطة طموحة لتعزيز التواصل مع البلدان الإفريقية. كما شهدت العلاقات الثنائية حراكًا واسعًا منذ زيارة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى السودان، في ديسمبر 2017، حيث وقَّع البلدان 22 اتفاقية ومذكرة تفاهم في مجالات عديدة. وتشمل هذه الاتفاقيات التعاون في مجالات التعليم، والزراعة، والصناعة، والتجارة، وصناعة الحديد والصلب، والتنقيب، واستكشاف الطاقة، وتطوير استخراج الذهب، وإنشاء صوامع للغلال، والخدمات الصحية، وتوليد الكهرباء.[2] وتكمن أهمية الزيارة في كونها جاءت بعد فترة من برود العلاقات بين البلدين، فقد أظهر الجنرالات الذين أداروا الـ4 أشهر الأولى من فترة ما بعد نظام البشير ميلًا واضحًا تجاه محور السعودية والإمارات ومصر، من دون أن تنقطع علاقات السودان تمامًا مع تركيا وقطر. وبعد المصالحة الخليجية التي أسفرت عن انفراجة محدودة في العلاقات بين المحورين، ورغم محدودية هذه الانفراجة فإنها أتاحت مجالًا لرفع الحرج عن العسكر، إذ قام كلٌ من رئيس مجلس السيادة البرهان ونائبه حميدتي بزيارات إلى قطر وتركيا خلال الفترة الماضية. أما الشق المدني الذي يقوده رئيس الوزراء فهو يتكون من كتلة غير متجانسة من منسوبي الأحزاب السودانية، بعضها لديه ولاء تام للمحور الإماراتي السعودي، إلا أن رئيس الوزراء عبد الله حمدوك يبدو زاهدًا في إقامة علاقة مع هذا المحور الإقليمي أو ذاك، إذ يركز على توطيد علاقات السودان مع المجتمع الدولي. وخلال الزيارة تم توقيع 7 اتفاقيات ومذكرات تفاهم شملت مجالات الزراعة والطاقة والدفاع والمالية والإعلام. لم يُكشف عن تفاصيل معظم الاتفاقيات خاصة مذكرة التعاون الدفاعي، لكن أهم هذه الاتفاقيات هي موافقة السودان على تخصيص 100 ألف هكتار (مليون فدان) من الأراضي الزراعية لتشغلها تركيا كمرحلة أولى، كما بدأت خطوات للتعاون في تصدير اللحوم السودانية إلى أوروبا عبر تركيا. ويُنتظر أن تفضي تلك الاتفاقيات إلى رفع حجم التبادل التجاري بين الخرطوم وأنقرة إلى ملياري دولار خلال الخمس سنوات المقبلة.[3] زيارة آبي أحمد لتركيا: وصل صباح الأربعاء 18 أغسطس، رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى العاصمة التركية أنقرة، حيث كان في استقباله الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. وجاءت هذه الزيارة عقب تصريحات أدلى بها الرئيس التركي في مطلع الشهر الجاري، والتي قال فيها إنه سيعمل على تطوير العلاقات بين تركيا وإثيوبيا في كافة المجالات. وقال أردوغان في المؤتمر الصحفي برفقة آبي أحمد: “نحتفل بالذكرى الـ 125 لعلاقاتنا الدبلوماسية مع إثيوبيا هذا العام”، مضيفًا: “لقد تم إرساء أسس هذه العلاقات في عام 1896 في عهد السلطان عبد الحميد الثاني”. وتابع: “اليوم، قدمنا زخمًا جديدًا لعلاقاتنا مع إثيوبيا، التي تطورت على أساس الصداقة. نحن نوقع على مشاريع مهمة بيننا، كما هناك الكثير من القطع الأثرية القديمة العثمانية في إثيوبيا”. وأكد أردوغان أن العلاقات الثنائية تمت مناقشتها بكافة أبعادها خلال الاجتماعات، فيما قال: “قمنا بتقييم الخطوات التي يتعين علينا اتخاذها لتحقيق الوصول لحجم التبادل التجاري البالغ مليار دولار. كما بلغ حجم الاستثمارات التركية في إثيوبيا عند 2.5 مليار دولار”. وأوضح أردوغان أنه تم خلال الاجتماعات مع آبي أحمد مناقشة العلاقات الإقليمية والدولية بين الدولتين. ووقَّع الجانبان عددًا من الاتفاقيات المشتركة، في مجالات التعاون في الانفاق العسكري، وفي مجال الموارد المائية.[4] نتائج الزيارتين وأهم الملفات المشتركة: كانت نتائج الزيارتين متشابهة، من حيث عقد مجموعة من الاتفاقيات التجارية والأمنية، لكن كان الملف السياسي الأبرز على أجندة الزيارتين هو الالنزاع السوداني الإثيوبي على إقليم الفشقة. حيث أعرب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن قلقه من التوتر بين السودان وإثيوبيا. وجاء ذلك خلال مؤتمر صحفي مشترك عقده أردوغان والبرهان عقب المحادثات التي جرت بينهما. وقال أردوغان إن بلاده عازمة على الوقوف بجانب الشعب السوداني وحكومته ومواصلة العلاقات في أجواء من التضامن. بدوره، قال البرهان خلال كلمته إن تركيا دولة عظمى وقائدة ورائدة في المنطقة والعالم، لافتًا إلى أن أنقرة قدمت للسودان دعمًا بكل المجالات، بدءًا من التعليم إلى الصحة…