تطبيق “قانون السايس” .. بين بيزنس الجيش وارتباك الحكومة وفوضى الشارع
في 15 يوليو 2020م صدَّق عبد الفتاح السيسي على القانون رقم 150 لسنة 2020 بشأن تنظيم انتظار المركبات في الشوارع «قانون السايس»، وجرى نشر نصه في الجريدة الرسمية بالعدد 28 مكرر “د”. وقد كان البرلمان قد وافق على مشروع القانون في 10 فبراير 2020م.[[1]] يستهدف القانون ــ بحسب الحكومة ـ تحديد القواعد والإجراءات اللازمة لاستغلال الشوارع العامة بشكل منظم وحضاري لائق، لانتظار المركبات بالشوارع من خلال إنشاء لجنة بكل محافظة وبأجهزة المدن التابعة لهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة؛ لتحديد أماكن الانتظار لمنع الانتظار العشوائي على جانبي الطرق والوقوف المزدوج الذي يؤدي إلى ازدحام واختناق مروري. كما يستهدف تحديد الضوابط والاشتراطات للقائمين على تنظيم انتظار المركبات (شركاتٍ أو أفرادًا)، واستوجب لمزاولة هذا النشاط ضرورة الحصول على رخصة من الجهة الإدارية، ويتم تحديد مقابل الانتظار وفقًا لطبيعة الموقع الجغرافي ومساحة أماكن الانتظار المحددة سلفًا من الوحدات المحلية وأجهزة المدن التابعة للمجتمعات العمرانية الجديدة. وينص مشروع القانون على أنه لا يجوز مزاولة نشاط تنظيم انتظار المركبات بالأماكن الخاضعة لأحكام هذا القانون قبل الحصول على رخصة مزاولة هذا النشاط وفقًا لأحكامه. ويقضي القانون بأن تنشأ بكل محافظة وبأجهزة المدن التابعة لهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة لجنة؛ لتحديد أماكن انتظار المركبات بالشوارع، ويصدر بتشكيلها وتحديد المعاملة المالية لأعضائها قرار من المحافظ أو رئيس جهاز المدينة المختص بحسب الأحوال، على أن تضم ممثلين عن وزارة الداخلية ويشار إليها باللجنة. وتختص اللجنة بتحديد أماكن وأوقات انتظار المركبات بالشوارع الخاضعة لولاية المحافظة أو جهاز المدينة المختص، والتي تستوعب تخصيص أماكن الانتظار، بما لا يعوق حركة المرور، بعد التنسيق مع إدارة المرور المختص، وإعداد كراسات الشروط الخاصة بحق استغلال أماكن الانتظار، مع مراعاة أن تتضمن المواصفات إمكانية استخدام التطبيقات التكنولوجية الحديثة بالأماكن القابلة لذلك، وتحديد مقابل انتظار المركبات حسب المساحة والموقع الجغرافي، مع مراعاة المستوى الاقتصادى لطبيعة المكان، وتحديد الضوابط والاشتراطات للقائمين على تنظيم انتظار المركبات لدى الشركات والأفراد، ومنح رخصة مزاولة نشاط تنظيم انتظار المركبات للأشخاص التابعين للشركات والأفراد. ويجيز مشروع القانون للمحافظ أو لرئيس جهاز المدينة بالمجتمعات العمرانية الجديدة بحسب الأحوال طرح حق الاستغلال لكل أو جزء من أماكن الانتظار بالمحافظة أو المدينة للشركات أو الأفراد بما لا يجاوز عشر سنوات. ارتباك ومشاكل في التطبيق في الـ 21 من أغسطس 2021م، أعلنت محافظة الجيزة عن بدأ تفعيل القانون رقم 150 لسنة 2020 بشأن تنظيم انتظار المركبات في الشوارع بمختلف المحافظات، بعد أن أصدرت وزارة التنمية المحلية فى الرابع عشر من يناير 2021 القرار رقم 5 لسنة 2021 بشأن اللائحة التنفيذية للقانون، وهو القانون المُقرر تنفيذه فى كافة المحافظات المصرية، لتنظيم انتظار المركبات بالشوارع، والقضاء على ما يُعرف بظاهرة الانتظار العشوائى بحسب تصريحات الحكومة. وفي أعقاب الإعلان سادت حالة من الفوضى في الشارع بعد أن خصصت الجيزة ساحات بعينها لتدار بعيدا عن سيطرة السايس العشوائية، ويعود ذلك إلى سببين: الأول، أن الأحياء طالبت المواطنين بالتوجه إلى مقر الحي والتقدم بطلب تصريح لانتظار وركن السيارات في الشوارع. الثاني، أن الأحياء فرضت رسوما باهظة على ركن السيارة أسفل المنزل قيمتها 300 جنيه! وعشرة جنيهات لكل ساعة للانتظار الموقت للسيارة الملاكي و20 جنيها في الساعة للانتظار الموقت للسيارة نصف النقل، و30 جنيها في الساعة للانتظار المؤقت للحافلات الكبيرة، بحسب اللائحة التي أصدرتها وزارة التنمية المحلية للقانون. وهو ما تسبب في استياء واسع بين المواطنين الذين اعتادوا ركن سياراتهم أسفل منازلهم دون التقيد بتصاريح من الحكومة أو دفع رسوم مقابل ذلك.[[2]] وبدأت محافظة القاهرة تفعيل القانون بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية بحصر كل من يعمل فى مهنة السايس دون ترخيص، لضبط الشوارع والميادين وفق القانون الجديد. وأوضحت الأجهزة التنفيذية بالقاهرة أن عقوبة المخالف للقانون الجديد تتراوح بين الحبس والغرامة التى تتراوح بين ألف و5 آلاف جنيه. وخصصت محافظة الجيزة عدداً من ساحات الانتظار المؤقت في شوارع النيل، ومصر والسودان، والتحرير، والسد العالي، ووزارة الزراعة، وسليمان أباظة، ومصدق، وشهاب، والبطل أحمد عبد العزيز، فيما أعلنت محافظة القاهرة حصر 2883 مكاناً وساحة انتظار في أحياء العاصمة، لتطبيق أحكام قانون انتظار السيارات عليها. الارتباك الحكومي مع بداية تطبيق القانون أثار لغطا وجدلا واسعا حتى بين المؤيدين للنظام؛ وكان على رأسهم المذيع أحمد موسى، الذي استهجن تطبيق القانون في حيّ الدقي بمحافظة الجيزة. وتساءل موسى: “ماذا يعني أن أجد أحدهم يطالبني بدفع 300 جنيه لأن سيارتي موجودة أمام منزلي، بدعوى أنها في الشارع وليس في الكراج، هل أقوم بحمل العربية على أكتافي والصعود بها إلى شقتي حتى الصباح أم ماذا أفعل؟”. وتابع ساخرا: “ماذا أفعل بسيارتي ولا يوجد كراج أسفل العقار، هل أبيع السيارة؟ هل ستوفرون لي وسيلة مواصلات؟ من يحدد الرسوم (رسوم الانتظار)؟ كيف ستتعامل الحكومة مع الناس في القرية، وماذا عن الشوارع الرئيسية، وهذا الموضوع سوف يحدث بلبلة ونحن لا نريد المزيد من الارتباك”.[[3]] بيزنس الجيش اللافت في الأمر أن هناك تقارير إعلامية كشفت أن محافظ القاهرة اللواء خالد عبدالعال، ومحافظ الجيزة اللواء أحمد راشد وافقا على منح “الشركة الوطنية لإنشاء وتنمية وإدارة الطرق”؛ إحدى الشركات التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة (الجيش)، حق استغلال ساحات انتظار السيارات في شوارع المحافظتين، وذلك بـ”الأمر المباشر” من دون اتباع المزايدات المتعارف عليها للحصول على أفضل العروض من الشركات. وبمقتضى هذا الإسناد فإن الشركة التابعة للجيش ستتولى تطبيق قانون تنظيم انتظار السيارات في الشوارع وفقا للقانون رقم 150 لسنة 2020، الهادف إلى تقنين مهنة “السايس” من خلال وضع الحي المختص لافتة توضح إيجار الشركة لأماكن انتظار السيارات، وأسماء “السياس” المسؤولين عن تحصيل الأموال من المواطنين، والذين ستؤجر لهم الشركة هذه الساحات من الباطن على الأرجح.[[4]] معنى ذلك أن الجيش سوف يتشارك مع السايس الأموال التي يحصل عليها بخلاف الرسوم المفروضة عليه “ألفا جنيه” مقابل رخصة مزاولة المهنة. من جانب آخر فإن المواطن سيدفع رسوماً لصالح “الشركة الوطنية” بواقع 10 جنيهات لانتظار السيارة الملاكي، و20 جنيهاً للسيارة (نصف نقل)، و30 جنيهاً للحافلات الكبيرة، و300 جنيه شهرياً لمبيت السيارة أسفل العقار المقيم فيه، مع منح السائق إيصالاً بالمبلغ عن طريق أحد “السياس”، ووضع حواجز مرورية في مكان الانتظار نظير مبلغ شهري. و”الشركة الوطنية” هي نفسها الحاصلة على حق استغلال المئات من المتاجر والمطاعم والكافيهات المنتشرة تحت الجسور الجديدة في مناطق شرق القاهرة، لا سيما في أحياء مدينة نصر ومصر الجديدة والنزهة، وكذلك على امتداد محور 26 يوليو بين مدينة السادس من أكتوبر وطريق القاهرة – الإسكندرية الصحراوي، وفي محيط المحطات الجديدة لتموين الوقود على الطرق السريعة. ومنذ انقلاب 3 يوليو 2013، يواصل الجيش تغلغله في جميع نشاطات المال والأعمال في مصر برعاية السيسي، ما ضاعف حجم اقتصاد المؤسسة العسكرية – غير الخاضع لأي نوع من الرقابة – بصورة غير…