إفريقيا والانقلابات العسكرية: نظرة على التجارب الإفريقية وخبرات مُستخلصة
منذ الاستقلال الشكلي للدول الإفريقية في النصف الثاني من القرن العشرين، ولا تزال الديمقراطية الحقيقية غائبة عن خارطة هذه القارة، فقد كانت المحاولات الأولى الممزوجة بنزعة دمقرطة إفريقيا والتحرر من المستعمر من قِبل اليسار الإفريقي المُمثَّل بتوماس سانكارا (بروكينا فاسو) وكوامي نكروما (غانا) وباتريك لومومبا (الكونغو الديموقراطية) زائير سابقًا، الذين واجهوا الاستعمار الغربي وجهًا لوجه رفضًا للوصاية الأجنبية في مصير هذه البلدان، حيث أنشأوا مشروعات تنموية ضخمة تهدف إلى القضاء على الفقر والأمية، فحقَّقت نجاحات باهرة في زمن قياسي، وكان صوت الأمل التقدمي يشدو من كل زاوية من إفريقيا. لم تعجب الغرب هذه النزعة التحررية التي تهدف إلى تحديث إفريقيا بأيدي الأفارقة، فحاولوا بكل إصرار إفشال هذا المشروع من خلال الاغتيالات والانقلابات واستبدالهم برؤساء قمعيين وظيفيين معظمهم من المجمع العسكري الموالي والعميل للغرب، وكان للغرب ما أراد وعادت إفريقيا إلى بدايات القرن متخلفة وفقيرة. والإشكالية التي أصبحت السبب الأساسي بعد الاستعمار غير المباشر في عدم وجود مشروع ديمقراطي حقيقي في إفريقيا، هي إشكالية صعود العسكر إلى قمة السلطة في معظم البلدان الإفريقية بتأثير من قوى خارجية وداخلية خلال فترات التحرر الوطني. فتخلف إفريقيا وقبوعها في براثن الفقر أمر منطقي، لأن هيكلية الدولة العسكرية والفاسدة وفشل مشروع الدمقراطية أسباب أساسية في ذلك. وتناقش تلك الورقة محورين محددين، يتمثل أولهما في نظرة فاحصة على الانقلابات في إفريقيا منذ الاستقلال، أما الثاني فيتمثَّل في رصد مجموعة من الخبرات من تجارب الدول الإفريقية في تعاملها مع الانقلابات.. أولًا: نظرة فاحصة على الانقلابات الإفريقية منذ الاستقلال: ويتناول هذا الجزء تاريخ الانقلابات في إفريقيا وخلفياتها وأنواعها وأسباب تراجعها ثم عودة ظهورها، كالتالي.. – تاريخ الانقلابات في إفريقيا وموقف التكتلات الإقليمية منها: شهدت القارة الإفريقية أكثر من 190 انقلابًا عسكريًا، منذ حصول أغلب دولها على الاستقلال في بداية الستينيات. ففي الفترة ما بين منتصف الستينيات والسبعينيات (1966 -1976)، سجَّلت أكثر من 100 محاولة عسكرية للانقلاب ما بين الفاشلة والناجحة. وبلغت الانقلابات في بعض الدول خمسة إلى ستة انقلابات مثلما حدث في كلٍّ من نيجيريا وأوغندا وغانا وبوركينا فاسوا وبينين وموريتانيا وفي المقابل، شهدت 13 دولة انقلابًا عسكريًا واحدًا فقط. ثم تراجع معدل الانقلابات، من متوسط قدره 20 انقلاب كل عام في حقبة ما بعد الاستقلال إلى أواسط الثمانينيات (1985-1960) إلى أقل من خمسة انقلابات فقط في المتوسط منذ الألفية. وهنا يجب التمييز بين نوعين من الانقلابات من حيث الأصول؛ أي النشأة، أما الغايات فتتوحد في الاستيلاء على الحكم. فبعض زعماء الانقلاب ممن وصلوا إلى سدة الحكم في بلدانهم، ينحدرون من مؤسسات عسكرية لها جيش نظامي (ليبيا، الجزائر، السودان، الصومال، الكونغو الديمقراطية)، فيما تمكَّن آخرون من السلطة بفضل انتمائهم لحركات تمرد مسلحة، كانوا يتزعمونها أو يشاركون فيها انطلاقًا من الأدغال الإفريقية (إثيوبيا، إريتريا،..). وقد أدرك الزعماء الأفارقة أن لعبة الاستقواء بالخارج توشك على الانتهاء بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ما دفعهم إلى اعتماد موقف موحد رافض للانقلابات العسكرية التي تهدد مواقعهم في السلطة وبذلك تعهد أكثر من 40 رئيس إفريقي في قمة الاتحاد الإفريقي التي استضافتها الجزائر في يوليو 1999، بإنزال أقصى العقوبات على الانقلابين حتى تضع حدًا لمطامع العسكر في السلطة. من المفارقات الغريبة في هذه القمة، أن أكثر من ثلث الرؤساء الذين اتخذوا هذا القرار التاريخي، وصلوا إلى السلطة بفضل انقلابات عسكرية، قامت بها جيوش نظامية أو حركات تمرد مسلحة. وزاد من رفض هذه الانقلابات داخل القارة السمراء، إعلان الاتحاد الإفريقي أنه لن يعترف بأي حكومة تصل إلى الحكم عبر انقلاب عسكري. وفرض الاتحاد القطيعة مع هذه الممارسات كما كان الشأن حين غيَّر الاتحاد مكان قمته من مدغشقر إلى ليبيا في عام 2009، بعد الانقلاب العسكري الذي حدث هناك في 17 مارس؛ ما أدى إلى تعليق عضويتها في الاتحاد بعدما أعلن أندريه راجولينا نفسه رئيسًا للسلطة الانتقالية في البلاد، وسط إدانة واسعة للمجتمع الدولي لهذا الانقلاب، مع وقف للدعم المالي والاستثمارات لتسقط البلاد في براثن واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخها. السيناريو نفسه تكرر في انقلاب غينيا وموريتانيا، فلا شرعية ولا اعتراف بأي سلطة عسكرية في القارة السمراء. ومن أجل وضع نهاية لهذه الثقافة المتجذرة في القارة، قامت مجموعة (إيكواس) المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، بفرض عقوبات اقتصادية على الدول التي يحدث بها انقلابات عسكرية، بالاشتراك مع مجموعة تنمية اقتصاد الجنوب الإفريقي (سادك) والاتحاد الإفريقي، وقد تم تطبيق هذا على الدول الثلاث آنذاك مدغشقر وموريتانيا وغنيا. أسفرت هذه المحاولات إلى تطور في السياسية الإفريقية ونظم الحكم في العقد الأخير، إلى أن تشهد القارة العديد من الانتخابات في السنوات الأخيرة كالتي حدثت في موريتانيا ومدغشقر وغينيا بيساو والصومال والنيجر وتوجو وساحل العاج وروندا وزيمبابوي والكاميرون وزامبيا خلال عامي 2009 و2011 مما يُشكِّل تطورًا في العقلية السياسية الإفريقية.[1] – أسباب الانقلابات في إفريقيا: تمثَّلت أسباب الانقلابات في إفريقيا في مجموعة من العناصر الداخلية والخارجية، الأسباب الداخلية: ناتجة عن الصراع حول السلطة بدوافع الأحقية والجدارة، والصراع حول الموارد بخاصة النفيسة، ما يزيد من أطماع القادة العسكريين لا سيما في غرب ووسط إفريقيا للسيطرة على عائدات هذه الموارد، فضلًا عن الصراعات الأيديولوجية، والعرقية، والمناطقية، كما حدث في إثيوبيا مطلع تسعينيات القرن الـ20 بسيطرة قومية تيجراي، وهي أقلية على مقاليد الحكم أكثر من عقدين. أما الأسباب الخارجية: فهي تتمثل في رغبة دول أجنبية في حدوث تغيير لنظام سياسي قائم في دولة إفريقية ما، وهذا نجده بكثرة عند الدول التي كانت تحت الاستعمار الفرنسي، بخاصة في غرب القارة، من أجل التنافس على السلطة. وبالنظر لتقييم الحقب العسكرية التي حكمت إفريقيا على مر التاريخ، نجد أن لها محاسنها ومساوئها، إلا أن مؤشرات الفشل كانت أكبر، إذ لم تقدم النظم العسكرية الشمولية النموذج الأفضل للحكم، بل أحدثت إشكاليات كبيرة أثرت سلبًا على تطور الدولة ونهضتها، لأنها لم تكن تتبع العدالة وبسط الحريات، إضافة إلى أن غالبية هذه النظم العسكرية تعمل على تغييب الوعي السياسي وتطوره. وارتبطت معظم هذه الأنظمة بالفساد وتعطيل مبادئ المشاركة السياسية.[2] -إفريقيا بين الانقلابات والحروب الأهلية: جاء التقسيم الاستعماري للقارة متناقضًا مع الواقع الاجتماعي الإثني للمجتمعات الإفريقية، حيث أفرز هذا التقسيم الصناعي وضعين، شكَّلا فيما بعد الأساس للبُعد الإثني في الحروب الأهلية الإفريقية، فمن ناحية جمعت الخريطة الاستعمارية داخل الدولة الواحدة جماعات لم يسبق لها العيش معًا، ولم يسبق لها التفاعل بعضها مع بعض في إطار واحدٍ؛ مثلما هو الحال في أنجولا. ومن ناحية أخرى فصلت الحدود السياسية المصطنعة عُرى التواصل بين جماعات عرقية واحدة، وجدت نفسها فجأة تابعة لكيانات سياسية مختلفة، وهو وضع شائع الحدوث في العديد من الدول في أنحاء القارة الإفريقية، ثم مارس الاحتلال بعدها دوره الخبيث في الوقيعة بين الكيانات العرقية والإثنية غير المتجانسة؛…