قراءة تحليلية فى دلالات عرقلة نواب ديمقراطيين دعم صواريخ القبة الحديدية الإسرائيلية
عادت العلاقة المتوترة بين إسرائيل والحزب الديمقراطي الأميركي، التي ورثتها حكومة نفتالي بينيت عن حكومة بنيامين نتنياهو، إلى واجهة الأحداث فى 21 سبتمبر 2021، عندما عرقل عدد من الأعضاء الديمقراطيين التقدميين في مجلس النواب الأميركي، مشروع قانون الموازنة العامة في الولايات المتحدة بسبب تضمنها بندًا ينص على دعم إسرائيل بمليار دولار لتعويض ترسانتها من صواريخ “تامير” المستخدمة في القبة الحديدية. فقد قام ثمانية نواب من الحزب الديمقراطي التقدميين، الرافضين أصلا لتقديم دعم عسكري ومالي لإسرائيل، إلى التهديد بالتصويت ضد مشروع الموازنة، وأبرز هؤلاء أليكساندريا أوكاسيو- كورتيز، ورشيدة طليب، وإلهان عمر، وإيانا بريسلي. ودفع تهديد هؤلاء النواب بالتصويت ضد الموازنة رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي إلى سحب مشروع الموازنة مؤقتًا، لعدم توفر الغالبية المطلوبة في ظل تهديد كافة نواب الحزب الجمهوري بالتصويت ضد مشروع الموازنة ككل، وطرح مشروع دعم إسرائيل بشكل منفصل. ولاحقا تم التصويت على مشروع الدعم لإسرائيل خارج إطار الموازنة، فى 23 سبتمبر 2021، وحصل على تأييد غالبية ساحقة، فصوت معه 420 نائبًا وعارضه تسعة نواب، ثمانية ديمقراطيون، والجمهوري توماس ماسي، الذي كتب في تغريدة على حسابه على “تويتر” إنه يرفض من ناحية مبدئية تقديم الولايات المتحدة دعمًا أجنبيًا بغض النظر عن متلقيه، وهي في الوقت ذاته تواجه خطر الإفلاس؛ أي أنه لم يصوت ضد دعم إسرائيل تحديدًا، لكن ضد أي دعم مالي خارجي. ويهدف الدعم الأميركي العاجل لإسرائيل إلى تعويضها عن مئات الصواريخ التي أطلقت خلال التصعيد العسكري الإسرائيلي ضد قطاع غزة في شهر مايو الماضي، وكذلك لزيادة عدد بطاريات القبة الحديدية نفسها. ويرتبط الدعم الأميركي للقبة الحديدية بكونها مشروعًا مشتركًا، إسرائيليًا بالتطوير وأميركيًا بالتمويل[1]. ويمكن الإشارة إلى مجموعة من الدوافع والدلالات التى كشفت عنها حادثة عرقلة نواب ديمقراطيين دعم صواريخ القبة الحديدية الإسرائيلية تتمثل فى: 1- حرص النواب الديمقراطيين التقدميين على فصل بند تمويل القبة الحديدية الإسرائيلية عن ميزانية الحكومة الفيدرالية الأمريكية، ونقله إلى ميزانية وزارة الدفاع (البنتاغون)؛ للتأكيد على أن دعم القبة جزءًا من السياسات الخارجية للدفاع الأمريكية وليس إقرارًا بالسياسات الإسرائيلية المعادية للفلسطينيين[2]. 2- من المتوقع أن يكون ذلك مقدمة لوضع مجموعة من العراقيل أمام المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل فى المستقبل، خاصة فيما يتعلق بمنظومة القبة الحديدية، ما سيضعف قدراتها الدفاعية فى مواجهة المقاومة الفلسطينية. ففى تعليقها على عرقلة تمويل القبة الحديدية، فقد أنتقدت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية التي تسمى اختصاراً بـ”أيباك” القرار بشدة في منشور على صفحتها الرسمية بفيسبوك، قائلة “إن منع ميزانية القبة الحديدية عن إسرائيل سيُساعد “الإرهابيين” في قتل المدنيين، وإن القبة، المنظومة الدفاعية، اعترضت أكثر من 90% من صواريخ حماس التي أطلقت على إسرائيل في مايو الماضي، ومن دونها كان عدد لا يحصى من الإسرائيليين سيقتلون”[3]. 3- قد يكون عرقلة تمويل القبة، والتى تم إقرارها لاحقًا، مقدمة لوضع اشتراطات على المساعدات المقدمة من قبل أمريكا لإسرائيل. وفى هذا السياق، فقد سبق أن شهد الكونغرس تقديم مشروع يطالب بجعل “حل الدولتين” قانونًا أمريكيًا ملزمًا يربط أي مساعدات مالية لإسرائيل بعدم توظيفها في تعزيز الاحتلال والاستيطان وقمع الفلسطينيين وعرقلة حل الدولتين[4]. 4- تسبب هذا الأمر فى إثارة الجدل داخل إسرائيل، وتبادلت الاتهامات بين حزب الليكود الذى يقوده رئيس الوزراء الإسرائيلى السابق ورئيس المعارضة الحالى بنيامين نتنياهو، وحكومة رئيس الوزراء الحالى نفتالى بينت حول من المسئول عن هذا التدهور فى العلاقات الإسرائيلية – الأمريكية. ففى حين وجه وزير الخارجية الإسرائيلى يائير لابيد اتهامات لنتنياهو بأنه هو من يقف خلف هذا التدهور نتيجة سياسته المنحازة للحزب الجمهورى وإهمالها للحزب الديمقراطى، بل وتحديه لإدارة الرئيس الديمقراطى السابق أوباما عندما قرر إلقاء خطاب في الكونغرس العام 2015 لحث الكونجرس على عدم التوقيع على الاتفاق النووي مع إيران، ثم توثيقه للعلاقات مع إدارة ترامب والحزب الجمهوري على حساب علاقته بالحزب الديمقراطي، بجانب انحيازه لترامب على حساب بايدن فى الانتخابات الأمريكية الأخيرة. ففى المقابل، سارع قادة حزب الليكود بنشر سلسلة تغريدات على حساب الحزب على “تويتر”، أكدوا خلالها على أن إلقاء اللوم على نتنياهو فى تدهور العلاقات مع أمريكا ما هو إلا محاولة من بينيت ولابيد للبحث عن شماعة لتحميلها أخطائهم وفشلهم. مشيرين إلى أنهم ليس لديهم الكفاءة التى كان يملكها نتنياهو، فالأخير هو الذي اتفق مع أوباما على خطة الدعم الأمني الأميركية لإسرائيل ومنح بموجبه تل أبيب حزمة مساعدات تبلغ 38 مليار دولار خلال 10 سنوات، تخصص كلها لأغراض عسكرية. كما أن نتنياهو هو أكثر رؤساء الحكومات في إسرائيل الذين أجروا لقاءات مع سيناتورات ونواب أميركيين، من أجل تجنيدهم لصالح دعم أمن إسرائيل ومصالحها القومية الأخرى. وخلال حكم نتنياهو، لم يصوّت الكونغرس ضد أي قضية تتعلق بإسرائيل، بما في ذلك في ظل فترة الإدارات الديمقراطية. ورغم تبادل الاتهامات بين الطرفين حول من المسئول عن تدهور العلاقة مع الولايات المتحدة، إلا أن هناك اتفاق بين الطرفين بنهاية العهد الذي كان فيه الموقف من إسرائيل أمرًا لا خلاف عليه بين الحزبين الديمقراطى والجمهورى. وأن عدم موافقة الكونغرس على تقديم مُساعدات لإسرائيل لأغراض دفاعية هو حدث نادر الحدوث، وقد يكشف أيضًا عن أن تقديم مساعدات هجومية لإسرائيل من قبل الولايات المتحدة سيكون أكثر صعوبة[5]. 5- يدلل إزالة الحزب الديمقراطي بند تمويل القبة الحديدية على صحة رؤية الأصوات التي حذرت من تراجع النفوذ الإسرائيلي على السياسة الأمريكية، وخصوصا داخل الحزب الديمقراطي. وسبق أن حذرت منظمة Pro-Israel America، من أن الانتخابات التي أجريت العام الماضي (2020) داخل الحزب الديمقراطي، أظهرت تراجع نفوذ أنصار إسرائيل على الناخبين الأمريكيين، لاسيما الديمقراطيين. ويتجلى التغيير أيضًا في استطلاعات الرأي الأمريكية التي كشفت عن تراجع تأييد أعضاء الحزب الديمقراطي لإسرائيل في مقابل تزايد التعاطف مع الفلسطينيين. فوفقاً لنتائج استطلاع مركز جالوب خلال شهر فبراير الماضي (2021)، قال 42% من الديمقراطيين إنهم متعاطفون مع الإسرائيليين بينما قال 49% إنهم متعاطفون مع الفلسطينيين. بينما تصل تلك النسبة بين الجمهوريين إلى 79% و11% على الترتيب. كما تشير الاستطلاعات إلى أن الناخبين الديمقراطيين الأقل من 40 عاماً متعاطفين مع الفلسطينيين أكثر من كبار السن، وهو ما يشير إلى تغير الذهنية الأمريكية من الصراع الإسرائيلى – الفلسطينى مع تعاقب الأجيال القادمة[6]. ويبدو أن الأمر لا يتوقف فقط على المستوى الحزبى، فهناك تضامن شعبى داخل الولايات المتحدة مع الفلسطينيين، فقد قامت مظاهرات ضخمة، في عدة مدن أميركية، أبرزها العاصمة واشنطن ونيويورك؛ احتجاجًا على الاعتداءات الإسرائيلية في غزة والقدس. وفي يوليو 2021، أظهرت دراسة مسحية، أعدها معهد الانتخابات اليهودي في الولايات المتحدة، أن 34% من اليهود الأميركيين يرون أن معاملة إسرائيل للفلسطينيين مماثلة للعنصرية في الولايات المتحدة، وأن 25% منهم اتفق على أن إسرائيل دولة فصل عنصري، فيما أكد 22% أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين. يحدث هذا على الرغم من…