الموقف السعودي من التطبيع.. الشروط والسياق والسيناريوهات
الموقف الرسمي السعودي على اتفاق التطبيع الإماراتي مع الكيان الصهيوني والذي جرى الإعلان عنه من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخميس 13 أغسطس 2020م، جدد التأكيد على التزام الرياض (ظاهريا) بمبادرة السلام العربية التي قدمتها السعودية في قمة بيروت سنة 2002م، هذا التأكيد جاء على لسان وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان في لقاء مشترك مع وزير الخارجية الألماني هايكو ماس في العاصمة برلين يوم الأربعاء 19 أغسطس 2020م، مؤكدا بلاده “تؤكد التزامها بالسلام خياراً استراتيجياً واستناده على مبادرات السلام العربية وقرارات الشرعية الدولية”، وأضاف “حين يتحقق ذلك، تصبح كل الأمور ممكنة”، وذلك في إشارة للتطبيع مع إسرائيل وفي أول رد فعل للرياض على الاتفاق الإماراتي ـ الإسرائيلي، وأشار إلى أن “المملكة تعتبر أي إجراءات أحادية إسرائيلية لضم الأراضي الفلسطينية تقوض حل الدولتين”، وأن “ضم (إسرائيل) لأراض على نحو آحادي وبناء مستوطنات، يدمر أي جهد للسلام مثمنا أي جهد لتعليق هذه الإجراءات الأحادية”،[[1]] وذهب الأمير تركي الفيصل، في تقرير نشرته وكالة رويترز الجمعة 21 أغسطس 2020م، إلى أن الثمن الذي تقبله المملكة من أجل تطبيع العلاقات مع إسرائيل هو إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة عاصمتها القدس، حيث سلط التقرير الضوء على مقال كتبه الأمير السعودي بصحيفة الشرق الأوسط السعودية ردا على تصريحات الرئيس ترامب التي توقع فيها انضمام السعودية لاتفاق التطبيع مع (إسرائيل).[[2]] إزاء هذه المعطيات كيف يمكن فهم أبعاد الموقف السعودي الرسمي؟ وما الرسالة التي ترغب الرياض في توصيلها لجميع الأطراف؟ وهل يعكس اتفاق التطبيع الإماراتي تباينا في مواقف البلدين أم هو مجرد توزيع أدوار داخل تحالف الثورات المضادة؟ وهل تتجه الرياض نحو إشهار علاقاتها السرية المشبوهة بتل أبيب أم تفضل بقاء هذه العلاقة الحرام طي الكتمان؟ أبعاد الموقف السعودي لا يمكن فهم خفايا العلاقات السرية بين الرياض وتل أبيب إلا من خلال الإشارة إلى الفيلم الوثائقي الذي أعدته شبكة “بي بي إس” الأمريكية والذي تم بثه في سبتمبر2019م، ضمن برنامج “فرونت لاين”، والذي كشف أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، تعهّد للرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال زيارته للرياض في مايو/أيار 2017، بالاعتراف بإسرائيل وتطبيع التجارة معها إذا ساعدت الولايات المتحدة بلاده في “هزيمة إيران والسيطرة على الشرق الأوسط”. وقال مارتن سميث، مقدم الحلقة، التي حملت عنوان “ولي العهد”، إن بن سلمان أراد من ترامب أن يضمن مساعدة الولايات المتحدة في هزيمة إيران، ودعم طموحاته في أن يصبح اللاعب الرئيسي في الشرق الأوسط، وفي مقابل ذلك، تعهد بن سلمان بمساعدة ترامب وصهره، جاريد كوشنر، في حل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، وهو التعهد الذي أصبح لاحقًا نواة خطة الإملاءات الأميركية لتصفية القضية الفلسطينية، المعروفة إعلاميًّا باسم “صفقة القرن”، وعرض الفيلم الوثائفي حديث المحلل العسكري في صحيفة “واشنطن بوست”، دافيد أغناتيوس، الذي اقتبس من بن سلمان قوله: “أرى شرقًا أوسطَ تكون إسرائيل جزءًا منه… أنا مستعد للاعتراف بها وإقامة علاقات تجارية معها”، مضيفًا أن بن سلمان “أغرى” الإدارة الأميركية، وأصبح محور الخطة التي يواصل كوشنر الترويج لها.([3]) يتفق مع ما توصل إليه الفيلم الوثائقي الأمريكي، التسريبات التي نشرتها صحيفة “وول ستريت جورنال” حول خفايا وأسرار القمة العربية الأمريكية الشهيرة بالرياض في مايو 2017م، والتأكيد على أن إدارة ترامب تلقت إشارات مهمة من جانب السعودية حول استعدادها لإقامة علاقات دبلوماسية طبيعية مع “إسرائيل” من دون شروط ، كما أنه لأول مرة في تاريخ المملكة تتجه طائرة مباشرة من الرياض إلى تل أبيب وهي طائرة الرئيس الأمريكي في إشارة لا تخفى دلالتها على تدشين عهد جديد بعد هذه القمة المشبوهة التي أعقبها مباشرة إعلان الحصار على الشقيقة قطر. من جهة ثانية، وحتى نفهم أبعاد الموقف السعودي والهدف منه، يتعين أولا التأكيد على أن واشنطن وتل أبيب حريصتان كل الحرص على أن تدخل المملكة حظيرة التطبيع، وهو ما عبَّر عنه جاريد كوشنر، مستشار ترامب، في اليوم التالي مباشرة لاتفاق التطبيع الإماراتي في تصريحات لقناة “سي إن بي سي” الأمريكية بالتأكيد على أن “تطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية أمر حتمي”، مضيفا «أعتقد أنه من المحتم أن يكون للسعودية وإسرائيل علاقات طبيعية تمامًا، وأنهما سيكونان قادرين على تحقيق الكثير من الأعمال العظيمة معًا». وزاد في حث الرياض على التطبيع متابعا: «من الواضح أن السعودية كانت رائدة في صنع التجديد، ولكن لا يمكنك قلب بارجة بين عشية وضحاها».[[4]] في إشارة إلى أن التطبيع السعودي يحتاج بعض الوقت لسبك الصفقة الحرام على مقاس ولي العهد السعودي. ويمكن فهم الحرص الأمريكي الإسرائيلي على حتمية التطبيع السعودي؛ لأن تبني السعودية لموقف الإمارات في حال حدوثه يعني أن هنالك إجماعاً عربياً على إخراج القضية الفلسطينية من دائرة الاهتمام العربي، بحيث تنحسر في كونها شأناً فلسطينياً داخلياً، وليس عربياً أو إسلامياً، كما أن الموقف الرسمي السعودي بالتأكيد على مبادرة السلام العربية، يتزامن مع المساعي الإسرائيلية والأمريكية لإقناع بعض الدول العربية، كالبحرين وسلطنة عُمان والسودان والمغرب، لتبني خطوة الإمارات في توقيع اتفاق السلام مع إسرائيل بشكل منفرد، دون الرجوع لمبادرة السلام العربية. من زاوية ثالثة، لم يحظ الموقف الرسمي السعودي باهتمام كبير في الأوساط الإسرائيلية على مستوى الساسة أو الإعلام؛ لأن (إسرائيل) تقيم فعلا علاقات “سرية” مع السعودية منذ سنوات، وتدرك أن هذه التصريحات الرسمية ليست سوى ذر للرماد في العيون، ولحفظ ماء الوجه”، من جانب آخر يدرك الصهاينة أن الإمارات لم تكن لتذهب لعقد اتفاق سلام دون إذن من السعودية، وأن الأخيرة ستسير على ذات الطريق الإماراتي دون ضجة إعلامية”. من جهة رابعة، تتوقع السلطة الفلسطينية أن تنظر الرياض إلى خطوة التطبيع الإماراتي باعتبارها تجاوزاً سياسياً لموقف المملكة، صاحبة المبادرة التي تنطلق من مبدأ الأرض مقابل السلام، وأن لا سلام بين الدول العربية وإسرائيل إلا بعد استعادة الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967. ويفسر غسان الخطيب، وزير التخطيط السابق في الحكومة الفلسطينية ورئيس مركز القدس للإعلام والاتصال، “الموقف السعودي” بأنه قد يكون نابعاً من رغبة المملكة في البقاء كدولة مركزية في الشرق الأوسط، لا تتخلى عن التزامات كانت قد قطعتها في وقت سابق، وهذا يهدف إلى الحفاظ على صورتها أمام حلفائها من جهة، وعلى صورتها أمام الشارع العربي والإسلامي، خصوصاً أن مدينة القدس جوهر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي تحمل رمزية دينية للمسلمين في العالم”. وأضاف: “قد يكون هناك رسالة سياسية ترغب السعودية بتوصيلها للإمارات، بأن تجاوزها لن يكون مؤثراً أو يهز من صورة المملكة السعودية كدولة مركزية في الشرق الأوسط، حتى لو تبنت كيانات سياسية صغيرة التأثير في العالم العربي كالبحرين ذات الموقف الإماراتي، فإن السعودية ستبقى صاحبة الكلمة الأخيرة في القضية الفلسطينية”. لكن رهان السلطة الفلسطينية على الموقف الرسمي السعودي يبقى محفوفا بالمخاطر؛ لأن اللافت في الموقف السعودي الرسمي ومقال تركي الفيصل الذي عمل سفيرا سابقا في واشنطن ومديرا سابقا…