تهديدات السيسي بإنزال الجيش لإبادة مخالفات البناء .. قراءة في الرسائل والأبعاد
الحالة التي بدا عليها زعيم الانقلاب عبدالفتاح السيسي خلال افتتاحه عدة مشروعات صغيرة بمحافظة الإسكندرية عبر الفيديو كونفرانس صباح السبت 29 أغسطس 2020م، تمثل لغزا يحتاج إلى تفسير؛ ذلك أن السيسي عاود التهديد بإنزال الجيش لإبادة مخالفات البناء في جميع القرى و المدن المصرية في ظل اتهامه لأجهزته الحكومية والأمنية بالإهمال والتقصير؛ فالموقف -بحسب الظاهر للعيان- لم يكن يستدعي كل هذا الانفعال والغضب ثم التهديد والوعيد والتصريح بعبارات غريبة تعكس عدم التوازن في الشخصية، وتؤكد أن صاحبها يعاني من اضطرابات نفسية حادة تتصارع بشدة في عقله، وتخرجه عن طور الهدوء والرصانة المصطنعة إلى حالة من الهياج والغضب والانفعال الذي لا يليق بشخص يتولى رئاسة أكبر وأهم دولة عربية. حالة الهيجان والعصبية والتهديد والوعيد رآها المصريون والعالم كله عبر الفضائيات ومقاطع اليوتيوب وقرأ عنها الملايين في الصحف والمواقع الإخبارية ومواقع التوصل الاجتماعي، بحضور ومشاركة قيادات نافذة بالمؤسسة العسكرية ورئيس الحكومة مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء والمسئولين بنظام 30 يونيو، ولا شك أن زعيم الانقلاب أراد بالصورة التي بدا عليها والتهديدات التي أطلقها توصيل عدة رسائل ومضامين، كما يمكن استنتاج الكثير من هذه الحالة التي بدا عليها السيسي بما يعكس حالة الارتباك والفوضى التي يعاني منها النظام ومؤسساته السياسية والأمنية والإعلامية. الرسالة الأولى، هي تهديد الشعب بالجيش؛ وهو تهديد بدا بشكل مباشر لمن وصفهم بأصحاب التعديات على الأراضي الزراعية والمباني المخالفة والتعديات على أراضي الدولة؛ حيث هدد السيسي بإنزال الجيش إلى “كل قرى مصر” لإزالة ما وصفها بـ”التعديات”، وقال: “الدولة بمؤسساتها يا محمد يا زكي (وزير الدفاع) مسؤولة عن الحفاظ على الدولة المصرية، لن أسمح أبدا أن احنا نهد بلدنا ونضيعها كده، ولا حد يتصور، لا والله، لو الأمر استدعى هخلي الجيش المصري ينزل كل قرى مصر، وأنا بأكلمكم عشان تبقوا عارفين يا نقف ونبقى دولة مظبوطة يا أسيب مكاني وأمشي من هنا”. وبالتالي فإن السيسي يريد أن يضع الجيش في صدام مباشر مع الشعب؛ فالمشير لم يعرف بقيادته لأي معركة حربية ضد عدو البلاد (إسرائيل) وكل حروبه إنما استهدفت صدور المصريين ومنح نفسه على هذه الجريمة ترقيته “مشير” وهي الرتبة التي لا تمنح إلا للقائد العسكري الذي خاض حربا ضد العدو وانتصر فيها، وللأسف فإن المؤسسة العسكرية التي قبلت أن تكون أداة السيسي في اغتصاب الحكم بانقلاب عسكري، لا تزال حتى اليوم ترضى بأن تكون أداته وأداة شلته في سحق الشعب لضمان بقائه في السلطة رغم الفشل المركب في جميع قطاعات الدولة. الرسالة الثانية، هي التأكيد على الوضعية المتميزة للجيش داخل الدولة ومؤسساتها باعتبارها فوق الدولة وفوق الحكومة وفوق الشعب بالطبع؛ فالسيسي الذي تهكم على اللجان الحكومية المكلفة بالنزول لمعاينة الأوضاع على الأرض وضبط المخالفات وفحص التراخيص، والتي اتهمها ضمنياً بالتراخي والتقاعس، أعلن إنشاء آلية جديدة لمراقبة المخالفات على مستوى الجمهورية باسم “منظومة البنية المعلوماتية المكانية” التابعة للقوات المسلحة، والتي أنفقت عليها الدولة مئات الملايين من الجنيهات لشراء صور فضائية شاملة لجميع المناطق المصرية منذ عام 2011 وحتى الآن، من بعض مقدمي الخدمة العالميين، لتتمكن الآلية من رصد تطور المخالفات، هذه الآلية سبق أن طالبت بها الحكومة مرات عدة، ممثلة في الوزارات والأجهزة المعنية بالرقابة على الأراضي، مثل وزارات الإسكان والزراعة والسياحة والعدل، وكان هناك مشروع لإنشائها منذ 5 سنوات، لتكون تابعة مباشرة لرئاسة الوزراء، لكن ما حدث هو شراؤها لحساب الجيش وإسناد إدارتها للهيئة الهندسية للقوات المسلحة، وحصل ذلك بحجة “ضرورتها لمتابعة تقدم المشاريع القومية التي تنفذهاهذه الهيئة”، وهو ما يكرس الوضعية المتميزة للجيش، ولعل هذا هو السبب المباشر الذي دفع السيسي إلى تهديد الشعب بالجيش والتهديد بوجود معدات كافية لإبادة جميع التعديات على حد تعبيره. الرسالة الثالثة، هي التشديد على أجهزته الحكومية بضرورة التعامل بصرامة مع مخالفات البناء والتعديات على الأراضي الزراعية؛ والتأكيد على أنه لن يتهاون مع المخالفين؛ وتمادى السيسي في تهديداته لدرجة أنه وصف المخالفين في البناء والمتعدين على الأراضي الزراعية باعتبارهم أعداء؛ وهو موقف غريب إذ يتعامل السيسي مع الشعب المصري المسالم عبر الجيش والأدوات العسكرية والبطش السلطوي بينما يتشبث بمسار التفاوض مع أثيوبيا التي تدشن السد وأعلنت الحرب على مصر! وهو ما يؤكد أن الجيوش التي تحكم لا تحارب. يقول السيسي «من الطيارة تشوف العجب من اللي بيتعمل في بلدنا، حاجة تانية خالص، لو سمحتم متخربوش بلدكم، والله العظيم ده خراب خراب يا جماعة لدولة ومحدش يعمل كده، الأمر لله ثم لينا كلنا، وأنا لا يمكن هسمح أبدا بده.. إحنا أعداء البلد دي مش اللي بيعمله معانا الإرهاب بس، لا والله العظيم، ده عدو، طيب أنت عايز تبني خليني أنظملك أنا، إنما كده مينفعش». وانتهى اجتماع مجلس الوزراء بعد تهديدات السيسي بيومين إلى إجبار المواطنين على أحد أمرين: إما دفع الغرامات الباهظة وإما الإزالة. وتأكيدا على جدية هذه التهديدات فقد اعتقلت أجهزة السيسي الأمنية آلاف المواطنين بجميع محافظات الجمهورية خلال الأسبوع التالي مباشرة لتهديدات السيسي وجرى عرضهم على النيابة العسكرية التي قررت حبسهم باستثناء عدة مئات جرى إخلاء سبيلهم لتمكنهم من تدبير مبالغ التصالح أو غرامة المخالفات، بينما بقي في الحبس جميع المواطنين الذين لم يستطيعوا دفع المبالغ المالية، أو المتورطين في حالات بناء على أراضي الدولة ولم تتم إزالة المنشآت، ومنحت بعض النيابات العسكرية هؤلاء المتهمين فرصة تسوية القضية بالإزالة خلال فترة الحبس الأولى المقررة بخمسة عشر يوماً. [[1]] الرسالة الرابعة والأهم، هي الحرص الشديد على نهب جيوب الناس، باعتبار ذلك هو الباب الوحيد المتاح ــ حاليا ــ أمام النظام لزيادة إيرادات الدولة؛ فكلما ضاقت الأزمة المالية والاقتصادية على السيسي لا يجد سوى جيوب المصريين ليغرف منها ما يشاء لتوفير احتياجات النظام خوفا عليه من السقوط؛ ولذلك فإن سر غضب السيسي وانفعاله الشديد أن النظام يعاني من ورطة شديدة لعدة أسباب أبرزها تراجع إيرادات الدولة مع انهيار قطاع السياحة وتعليق النشاط الاقتصادي المحلي والدولي بسبب تفشي جائحة كورونا منذ بداية 2020م، وبحسب إحصاءات رسمية فإن حجم المخالفات والتعديات يصل إلى أكثر من 5 ملايين حالة، تشتمل على نحو 20 مليون وحدة سكنية مخالفة؛ فوفقا لتقديرات وزارة التنمية المحلية، وصلت أعداد مخالفات البناء حتى عام 2019، لـ3 ملايين و240 ألف عقار في جميع المحافظات، فيما بلغ إجمالى حالات التعديات بالبناء على الأراضي الزراعية خلال الفترة من 25 يناير 2011، حتى يوليو 2018، مليون و900 ألف حالة تعد، معنى ذلك أن السيسي يشن حربا على عشرات الملايين من المصريين؛ وهو درب من الجنون لا يقدم عليه إلا معتوه فقد كل مقومات التفكير السليم والتوازن النفسي، فإذا كانت هذه المخالفات قائمة بالفعل منذ سنوات، وتزايدت بشدة في الفترة الأخيرة؛ فلماذا أبدى السيسي كل هذا الغضب في هذا التوقيت بالذات؟ تفسير ذلك، أن غضب السيسي…