حرب السيسي على الفقراء .. رصد لأهم قرارات الجباية ومآلاتها
انتهى تحليل أعده مركز كارنيجي ونشر بموقع «open democracy»، في بداية أكتوبر الجاري “2020” إلى أن نظام الطاغية عبدالفتاح السيسي يشن حربا بلا هوادة على الفقراء في المجتمع المصري، وأشار إلى أن التباطؤ الاقتصادي الحالي سبقه زيادات متواصلة بمعدلات الفقر؛ الأمر الذي يتسبب في تفاقم الهشاشة الاجتماعية للمصريين؛ مؤكدا أن السياسات المالية والاقتصادية التي يتبناها نظام السيسي تتسبب في تفاقم معدلات الفقر، وتسرّع بنقل الثروات من الطبقتين الدنيا والوسطى إلى الحكومة ونخب المال والأعمال، متوقعا أن يفضي ذلك إلى نتائج كارثية. وبحسب تحليل مركز كارنيجي فإنه إلى جانب الطبيعة السلطوية للنظام، فإن الدعم الدولي الذي يحصل عليه في شكل تدفقات مالية وقروض يساهم في تعزيز جهوده الآيلة إلى إثراء طبقة النخبة في الأعمال والمؤسسات العسكرية على حساب المواطنين. ويضيف أن حكومة السيسي قد حصلت من حلفائها الإقليميين على دعمٍ مالي قدره 92 مليار دولار بين عامَي 2011 و2019، وتستمر في اقتراض مبالغ طائلة من المؤسسات الدولية، تتيح هذه الأموال للحكومة تنفيذ مشاريع ضخمة والإبقاء على منظومة الضريبة التنازلية التي تلقي العبء الأكبر على الفقراء دون الأغنياء. التحليل الذي أعده الباحث الاقتصادي ماجد مندور، يدلل على صحة ما انتهى إليه بأن الأرقام الرسمية التي ذكرها بيان الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء سنة 2019م، تكشف عن زيادة مستويات الفقر من “27.8”% في 2015م، إلى “32.5”% في 2018م. لافتا إلى ارتفاع أعداد الفقراء من “22.7” مليونا سنة 2012م، إلى “32.5” مليونا في 2017م، أو بتعبير آخر، ازدادت أعداد المصريين الذين هم تحت خط الفقر بواقع 9.8 ملايين نسمة في غضون خمس سنوات، معنى ذلك سقوط نحو مليوني مصري تحت خط الفقر كل سنة من حكم السيسي وفقا للأرقام الرسمية. ويعزو مندور أسباب تزايد معدلات الفقر في مصر إلى تبني النظام حزمة من السياسات المالية والاقتصادية تستهدف تسريع نقل الثروات من الطبقتَين الدنيا والوسطى إلى نخب الأعمال وعلى رأسها المؤسسة العسكرية وقادتها التي باتت تحتكر وتتحكم في مفاصل النشاط الاقتصادي بما تحوزه من امتيازات ونفوذ واسع. تستند هذه السياسة إلى مرتكزات عدّة: أوّلا، أن الحكومة تعتمد بشدّة على القروض، بدلاً من الضرائب، لتمويل عملياتها والمشاريع الضخمة في البنى التحتية، أما الإيرادات الضريبية فتُستخدَم على نحوٍ غير متكافئ في تسديد القروض والفوائد، ما يُفضي إلى نقل الثروات من الطبقتَين الدنيا والوسطى إلى الجهات “الداخلية والخارجية” الدائنة للنظام. بالإضافة إلى تواصل الحكومة خفض الدعم والإنفاق الاجتماعي. ثانياً، يستمر العمل بالضريبة التنازلية التي تلقي بالعبء الضريبي على كاهل الطبقتَين الوسطى والدنيا (في إشارة إلى عدم تبني فلسفة الضريبة التصاعدية التي تحدد قيمة الضريبة بناء على حجم المكاسب والأرباح وفق معادلة (ترتفع الضريبة كلما ارتفع الدخل وتقل كلما قل الدخل)). وفي الوقت نفسه تستمر الحكومة في العمل على تنفيذ مشاريع ضخمة في البنى التحتية بقيادة الجيش، ما يُشكّل أداةً للاستحواذ على الأموال العامة، لا أداةً لتطبيق برامج الإنفاق الاجتماعي والحد من الفقر، ويسمح هذا بدوره للأعمال والشركات المملوكة من الجيش بأن تزدهر، ما يساهم في تعزيز نفوذ المؤسسة العسكرية وشبكة المحسوبيات التابعة لها. وهذا الدعم الخارجي يحمي الجيش أيضاً من التدقيق العام، ويقترن مع الاعتماد المتزايد على الضرائب باعتبارها مصدراً للإيرادات الحكومية. وحول انعكاسات تبني نظام السيسي العسكري لهذه السياسات المالية والاقتصادية على الأوضاع الاجتماعية والسياسية، يتوقع “مندور” أن تفضي هذه المقاربة إلى آثار خطيرة في المدى الطويل تذهب أبعد من الفقر المتزايد والحرمان الاجتماعي الذي يعاني منه المواطن العادي، إذ إنه من المحتّم أن يصبح هذا النظام أكثر قمعاً وسلطوية فيما يستمر في فرض سياساته القاسية، وهذا بدوره سيغذّي صعود المقاومة العنيفة للدولة وينتهي إلى أن هذه المقاومة حتى وإن لم تتبلور إلى إطار حركة سياسية متماسكة، فلا بد من أن يتفاقم مستوى العنف الاجتماعي، ما يفضي إلى تداعيات مزعزعة للاستقرار في المدى الطويل. فضلاً عن ذلك، يؤدّي توسّع الأعمال والشركات المملوكة من الجيش إلى زيادة الضغوط على القطاع الخاص الاقتصادي فيما يسعى جاهداً للتنافس مع العملاق العسكري، وسوف تكون لهذا الأمر تأثيرات بنيوية طويلة الأمد على الاقتصاد والمنظومة السياسية، وهي تأثيرات يصعب العودة عن مفاعيلها وسوف تستمر على الأرجح إلى ما بعد السيسي ونظامه.[[1]] قرارات الجباية خلال الشهور القليلة الماضية، استحوذ على الرأي العام المصري أمران: الأول، هو حملات الإزالة التي شنها رئيس الانقلاب وأجهزته الأمنية والحكومية؛ حيث جرى هدم مئات المنازل معظمها لفئات فقيرة ومعدمة بدعوى أنها بينت بالمخالفة للقانون، ووضع السيسي ملايين المصريين أمام ضغط كبير وخوف أكبر؛ فإما دفع عشرات وربما مئات الآلاف كنوع من الإتاوة المفروضة بقوة القهر والظلم وإما إزالة بيوتهم. وهي الحملات التي قوبلت بغضب شعبي واسع وساهمت وسائل الإعلام المناهضة لنظام الانقلاب ومواقع التواصل الاجتماعي في فضح هذه الحملات والنظام كله؛ الأمر الذي دفع النظام إلى تهدئة الأوضاع قليلا خصوصا بعد ردود الفعل الغاضبة التي أظهرتها قطاعات شعبية غير مسيسة ضد هذه الحملات وتمكنها من صدها دون تنفيذ هذه الإزالة الظالمة. كما أن النظام يريد هذه التهدئة ريثما يتم الانتهاء من مسرحية انتخابات البرلمان المرتقبة خلال شهور أكتوبر ونوفمبر وديسمبر “2020م”. أما الأمر الثاني، فهو قرار السيسي في مايو 2020م بمنع البناء مطلقا لمدة 6 شهور، وهو القرار الذي مثل صدمة لملايين المصريين من المهنيين والعاملين في قطاع المعمار، ويمثل قانون التصالح في مخالفات البناء وقرار وقف البناء لمدة 6 شهور حربا على الطبقتين الدنيا والمتوسطة؛ ذلك أن السيسي بقانونه وقراره يسهم في إفقار المصريين ومنعهم حتى من العمل للحصول على لقمة عيشهم وبما يكفل ستر ملايين الأسر التي هوت دون خط الفقر. وفي زحمة الاهتمام بحملات السيسي لهدم بيوت المصريين ووقف أعمال البناء، أصدر السيسي خلال الشهور القليلة الماضية عدة قرارات تستهدف فرض المزيد من الجباية والإتاوة على المصريين لتحصيل عشرات المليارات من جيوب الناس دون وجه حق، وفي هذا التقرير نرصد أهم قرارت الجباية التي أصدرها السيسي منذ مايو 2020 حتى سبتمبر 2020م. أولا، في يونيو 2020م، أقرت الحكومة وبرلمانها مشروع موازنة السنة المالية الجديدة 2020-2021 الذي ينص على زيادة الإيرادات الضريبية بنسبة تصل إلى 12.6%، وهو ما يعني زيادة إيرادات الضرائب بأكثر من 108 مليار جنيه خلال عام لتصل قيمتها إلى ما يقرب من تريليون جنيه، وإن شئنا الدقة إلى 964.777 مليار جنيه، كلها من جيوب الناس في ظل جائحة كورونا التي تتجه فيها الحكومات نحو تخفيف الضرائب وتقديم مساعدات مالية للمتضررين، والنتيجة النهائية هي أن أكثر من 80% من إيرادات الموازنة العامة للدولة تأتي من بند واحد هو الضرائب التي يدفع معظمها المستهلك وموظفي الدولة. ثانيا، تواصل ارتفاع أسعار السلع الأساسية، حيث كشفت بيانات جهاز الإحصاء الخاصة بأسعار المستهلكين بشهر يوليو 2020م، عن ارتفاع أسعار الخدمات التعليمية بنسبة 28.5 في المئة خلال…