لائحة فانون العمل الأهلي بمصر ..لماذا الآن؟
أثار قانون العمل الأهلي منذ إعلانه بداية 2016م حالة من الجدل داخل الأوساط الحقوقية، المحلية والدولية، لما اعتبروه تأميمًا صارخًا للعمل الأهلي وإجهاض رسمي للجهود المجتمعية، خاصة بعدما قصر نشاط المنظمات غير الحكومية على العمل التنموي والاجتماعي، وفرض عقوبات على المخالفين تصل إلى السجن خمس سنوات، إلى أن جرى تعديله وتخفيف العقوبات به من السجن إلى الغرامة التي تصل مليون جنيه، إلا أن التعديلات التي صدق عليها عبدالفتاح السيسي في 2019م، ما زالت تتشدد بالقمع والعقوبات المغلظة والعراقيل التي تشل العمل الأهلي. وهو ما يضاعف المخاوف إزاء ما قد تتضمنه اللائحة التنفيذية للقانون، التي تأخر إصدارها لأكثر من عام وشهرين، قبل الإعلان مؤخرا عن موافقة مجلس الوزراء، مبدئيا، على إصدار اللائحة التنفيذية للقانون، دون الإعلان عن بنودها. ومن المقرر أن تجري توافقات بين الوزارات المعنية بشأن بعض البنود، لإقرار اللائحة بصورة نهائية، دون مشاركة مجتمعية أو نقاش مع المنظمات المختصة، التي سبق وأن أبدت سيلا من الاعتراضات على القانون، الذي تصفه بالمقيد لحرية العمل الأهلي. وتكمن خطورة اللائخة المرتقبة، في أن تفعيلها قد يؤدي إلى شطب العشرات من الجمعيات والمنظمات الأهلية، التي قد تعرقل الإجراءات أو البنود المشددة المتوقعة، عملية توفيق أوضاعها، خلال عام من صدور اللائحة. وهو ما يعبر عنه المستشار منصف سليمان، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، في تصريحات صحفية لـ”العربي الجديد” بأن “اللائحة التنفيذية لقانون الجمعيات الأهلية الجديد، لا تستطيع تعديل القانون، ما يعني أنها لن تغير كثيرا في القيود الموجودة بالقانون”. وذلك على عكس الآمال والتوقعات لبعض الحقوقيين بأنه سيتم التركيز على وضع قواعد ميسرة، وإجراءات منظمة للمواد التي يحتمل تفسيرها وتنفيذها بطريقة متشددة، إلا أن الرأي الغالب، هو أن اللائحة ستكون بمثابة تنفيذ لنصوص القانون المشددة، ولن تختلف كثيرا عن القانون، وهو ما سيجري في الفترة المقبلة. أسباب التأخير -ديدن حكومي: يُعبّر تأخر إصدار اللائحة التنفيذية، وفوات الموعد المحدد قانوناً لذلك، عن ظاهرةٍ أصبحت معتادة للنظام الحاكم في مصر، تتمثل في عدم إكتراثه بالمواعيد التي تنص عليها التشريعات بصورها المختلفة، وعلى رأسها عدم الالتزام بإصدار القوانين التي ينصّ الدستور على إصدارها لتنظيم مجالات معينة، وكذلك عدم الالتزام بمواعيد إصدار اللوائح التنفيذية للقوانين باعتبارها “مواعيد تنظيمية وليست إلزامية”. -تضارب داخل الحكومة: ومن ضمن أسباب التأخير لمدة عام وشهرين، ما يعكسه التأخر من فشل الحكومة في الوصول إلى صيغة ملائمة لكل الجهات المهتمة بالعمل الأهلي، داخلياً وخارجياً، في ظلّ تعدد وتناقض الآراء الصادرة عن تلك الجهات مع وضد الصياغات التي تقترحها وزارة التضامن الاجتماعي، وبحسب تقديرات استراتيجية، تحتص الاستخبارات العامة في المقام الأول، بإصدار اللائحة، لأنها الجهة صاحبة التدخّل الأكبر في النصوص المقترحة، لتفصيل مواد القانون التي من المنتظر أن تحدث ارتباكاً في التطبيق، خصوصاً بشأن الجمعيات الحقوقية والمنظمات الأجنبية المانحة. وكانت وزارة التضامن أعدت ثلاث مسودات للائحة، كان للاستخبارات دائماً اعتراضات عليها، كما اعترض الأمن الوطني على بعض النصوص، بينما لم تعرض حتى الآن على الجهات الأجنبية، خصوصاً السفارات التي طلبت الاطلاع عليها من باب الاطمئنان لإبداء مصر حسن النوايا إزاء الجهات المانحة. وفي السياق، كشفت تقارير حكومية، أن وزيرة التضامن الاجتماعي السابقة غادة والي، كانت قد أعدت بالفعل مشروعاً للائحة، لكن الوزيرة السابقة فايزة أبو النجا، مستشارة السيسي لشؤون الأمن القومي، والتي شاركت بفاعلية في صياغة النص النهائي للقانون، اعترضت على بعض الأفكار الواردة فيها، ما عطّل إصدارها طويلاً. ويسود تضارب وجهات النظر حول القانون ولائحته التنفيذية، إثر مشاورات الجهات السيادية والرقابية، بالإضافة لمستشارة السيسي لشؤون الأمن القومي “فايزة أبو النجا”، لما يشكله هذا القانون من أزمة مرتقبة بين مصر والغرب. التلاعب بقوانين العمل الأهلي ووسط سعي محموم من نظام السيسي لفرض قانون يضيق على العمل الأهلي في مصر، ويمكن السلطات من السيطرة التامة، على المجال العام، بدلًا من القانون الصادر في عام 2002م، بدأت المحاولات مبكرا، عقب الانقلاب العسكري في يوليو 2013م، عندما أعدت لجنة من ممثلي المجتمع المدني بتكليف من وزير التضامن الاجتماعي آنذاك “أحمد البرعي”، مشروع قانون، عد أنه أحد أفضل القوانين التي خرجت عن الحكومة، إلا أنه لم ير النور، بحسب تعليق مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، على لسان مديره الحقوقي محمد زارع. وفي سبتمبر 2016، تجاهلت الحكومة مشروع القانون الذي صاغه ممثلو المجتمع المدني، ووافقت على مشروع قانون أعدته وزارة التضامن الاجتماعي، وأرسلته لمجلس الدولة لمراجعته قبل عرضه على مجلس النواب، إلا أنه واجه اعتراضات حقوقية لأسباب عدة بينها صعوبة شروط تأسيس الجمعيات، وفي خطوة مفاجئة، ناقش البرلمان في نوفمبر 2016 مشروع قانون لتنظيم عمل الجمعيات الأهلية مقدم من 204 نواب، بقيادة رئيس ائتلاف “دعم مصر” “عبدالهادي القصبي”، متجاهلًا مشروع الحكومة، وجاء مشروع “القصبي” بمزيد من التضييق، جعله يوصف في الاوساط الحقوقية، بأنه “أكثر سوءًا من مشروع وزارة التضامن الاجتماعي” وذلك على الرغم من أن العقوبات المقرة على المخالفات، تغيرت لتصبح الحبس بدلًا من الغرامة التي نص عليها قانون الحكومة، فيما اعترضت وزيرة التضامن الاجتماعي السابقة “غادة والي”، حينها على قانون “القصبي”، وظهر ذلك في عدم حضورها للمناقشات حوله. ووافق البرلمان سريعًا على القانون، إلا أنه تأخر في إرساله إلى الرئاسة، حتى مايو 2017، حين صدّق عليه “السيسي”، وواجه القانون مطالبات بتعديله، إلا أن “السيسي” رفضها في ديسمبر 2017، لكن في نوفمبر 2018، غيّر السيسي رأيه وطالب بتعديله، بعد طلب إحدى المشاركات في منتدى شباب العالم حينها بذلك، إلا أن السبب الأساس ضغوط دولية مورست بالتغيير، أبرزها من أعضاء بالكونجرس الأمريكي، بعد ذلك دعت الحكومة إلى جلسات حوار مجتمعي بشأن تعديل القانون، وأُجريت التعديلات بالفعل في يناير 2019، وكان أبرزها إلغاء العقوبات السالبة للحرية، والاكتفاء بغرامات مالية لتلقي أموال من جهة أجنبية أو محلية أو جمع التبرعات، دون أخذ موافقة من الجهة الإدارية. كما شملت إلغاء مواد الجهاز القومي لتنظيم عمل المنظمات الأجنبية غير الحكومية، الذي نص القانون الحالي على تشكيله من ممثلي وزارات الدفاع والداخلية والخارجية والعدل، فضلًا عن ممثل عن جهاز المخابرات العامة والبنك المركزي والرقابة الإدارية للبت في كل ما يتعلق بتأسيس وعمل ونشاط المنظمات الأجنبية، وتقرر استبدالها بمادة لإنشاء وحدة مركزية للجمعيات والعمل الأهلي والوحدات الفرعية التابعة لها بوزارة التضامن. عراقيل معطلة ووفق القانون ، فإنه على جميع الجمعيات والمؤسسات الأهلية والاتحادات والمنظمات الإقليمية والأجنبية غير الحكومية والكيانات التي تمارس العمل الأهلي أن تقوم بتوفيق أوضاعها خلال سنة من تاريخ العمل باللائحة التنفيذية للقانون وإلا قضت المحكمة المختصة بحلها. ويحظر القانون الجديد في بعض بنوده ممارسة عدة أنشطة بدعوى إخلالها بـ”الأمن القومي”، كما يمنح السلطات صلاحية حل المنظمات جراء وقوع “مخالفات”، ويفرض غرامات تصل إلى مليون جنيه، وكانت المفوضية المصرية للحقوق والحريات، قد اعتبرت أن صدور اللائحة التنفيذية للقانون لن يعود…