الانتخابات الأمريكية وتأثيرها على منطقة الشرق الأوسط
يتنافس كل من المرشح الجمهوري والرئيس الحالي دونالد ترامب، والمرشح الديمقراطي ونائب الرئيس السابق جو بايدن، على رئاسة الولايات المتحدة، خلال الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في نوفمبر 2020. ولما كان للفائز بهذه الانتخابات من تأثير كبير على تحديد شكل السياسة الخارجية لأكبر قوة وأكثرها تأثيرًا في العديد من القضايا الخارجية، فمن الجدير بالبحث والدراسة محاولة التعرف إلى توجهات كلا المرشحين تجاه قضايا الشرق الأوسط الذي نعيش فيه. أولًا: القضية الفلسطينية: – في حالة فوز ترامب: 1- الوساطة الأمريكية: من المتوقع أن يستمر ترامب على النهج الذي اتبعه خلال فترة رئاسته الأولى؛ حيث تخلى الرئيس ترامب عن الخط الذي تعتمده الولايات المتحدة في عملية السلام في الشرق الأوسط منذ ثلاثين عامًا، واستبدله بخطة سلام فلسطينية – إسرائيلية “صفقة القرن”، ستكون سببًا في الإجهاز على أي ادّعاء بأن الولايات المتحدة تقوم بدور وسيط نزيه لا يَمسّ ما يسمى قضايا الوضع النهائي (القدس – اللاجئين – المستوطنات)، وتجسّد التخلي عن ذلك الخط في قرار الإدارة نقل سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى القدس في مايو 2018. 2- التطبيع العربي – الإسرائيلي: ستواصل إدارة ترامب في ولايته الثانية تكثيف مساعيها لاستبعاد القضية الفلسطينية من المعادلة السياسية الإقليمية. كما ستضاعف هذه الإدارة -في الوقت نفسه- جهودها لإقامة علاقات سياسية واقتصادية وأمنية ثنائية بين الدول العربية وإسرائيل، استنادًا إلى اتفاقيات أبراهام، التي تعتبرها انتصارًا دبلوماسيًّا استثنائيًّا[1]. 3- الانتخابات والمصالحة الفلسطينية: من المتوقع أن يزيد نجاح دونالد ترامب -ومعارضته المتوقعة لتجديد شرعية السلطة ودمج “حماس” من دون موافقتها على رؤيته- من فرص اندفاع الفلسطينيين نحو الوحدة والانتخابات؛ لأنه يمثل استمرارًا للتهديد الذي تضمنته رؤيته لحل الصراع، وهي مرفوضة من الغالبية الساحقة من الفلسطينيين[2]. – في حالة فوز بايدن: 1- الوساطة الأمريكية: لا يزال بايدن ملتزمًا رسميًّا بحل الدولتين، ولكن من غير المرجح أن يقوم بايدن بإلغاء القرارات الأساسية التي اتخذها ترامب، وإعادة السفارة الأمريكية إلى تل أبيب. لكنه سيحاول إعادة التوازن -إلى حد ما- إلى علاقات الولايات المتحدة مع إسرائيل والفلسطينيين. ويشمل ذلك إعادة فتح مكتب الاتصال مع الفلسطينيين في القدس الشرقية، وإعادة برامج المساعدات التي أوقفتها إدارة ترامب في عام 2019. كما أنه من المتوقع ألا يتنصل بايدن رسميًّا من خطة ترامب للسلام، لكن سيتجاهل بعض عناصرها أو يستبدلها، ولا سيما السماح بضم الكتل الاستيطانية الإسرائيلية، التي يُتوقع أن تعارضها إدارة بايدن بشدة. بينما قد يتبنّى بقوة عناصر أخرى؛ كتشجيع التنمية الاقتصادية والاستثمار الدولي في الأراضي الفلسطينية. 2- التطبيع العربي – الإسرائيلي: من المتوقع أن يستمر بايدن على نهج ترامب في تشجيع عمليات التطبيع بين إسرائيل والدول العربية؛ فقد رحب بايدن باتفاقيات أبراهام، مؤكدًا على أنها خطوة في الاتجاه الصحيح. وجاء في بيان حملته: “إنه لأمر جيد أن تعترف دول شرق أوسطية أخرى بدولة إسرائيل، وحتى أن تقبلها شريكًا”[3]. 3- الانتخابات والمصالحة الفلسطينية: هناك من يرى بأن نجاح المرشح الديمقراطي جو بايدن في الانتخابات الأمريكية سيضعف كثيرًا إمكانية إجراء الانتخابات الفلسطينية؛ كونه سيقوي موقف السلطة وحركة فتح في حواراتها مع حركة حماس. وإن كان هناك وجهة نظر أخرى، ترى أن نجاح بايدن سيزيد من فرص إجراء الانتخابات؛ كونه سيعيد تصور إدارة باراك أوباما، التي هدفت إلى إدماج “الإسلام السياسي المعتدل” في الأنظمة السياسية القائمة في المنطقة العربية، وفي السلطة الفلسطينية. وإن كان هناك وجهة نظر تلقى رواجًا كبيرًا ترى بأن سياسة بايدن تجاه القضية الفلسطينية لن تختلف كثيرًا عن سياسة ترامب؛ وذلك لمجموعة من الأسباب، منها: أولًا: أن الرئيس الأمريكي -أيًّا كان- ليس صاحب القرار الأوحد في السياسة الخارجية؛ بل هناك مصادر عدة تؤثر على اتخاذ القرار، أهمها الكونغرس، الذي هو من أصدر قرار نقل السفارة الأمريكية. وثانيًا: أن بايدن سيواجه إسرائيل أكثر يمينية وتطرفًا، والسائرة نحو المزيد من التطرف، بدليل صعود حزب “يمينا” بزعامة نفتالي بينيت في استطلاعات الرأي الأخيرة (تمنحه 22 عضوًا في الكنيست من أصل 120)، وأنه لن يجازف بالصدام الكبير معها. وثالثًا: وجود تحوّل في النظام العربي نحو تغيير الأولويات؛ إذ لم تعد القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للعرب الرسميين، وإسرائيل لم تعد العدو؛ بل حليف في مواجهة المخاطر المشتركة، وبالتالي لن يواجه بايدن ضغطًا عربيًّا لكي يضغط على إسرائيل؛ بل سيغريه أكثر ممارسة الضغط على الفلسطينيين؛ لتليين موقفهم. كما يغفل المراهنون على بايدن أن أولوياته الملحة بعد كورونا وتداعياتها الاقتصادية لن تكون القضية الفلسطينية والمنطقة العربية، التي تراجعت أهميتها، بعد أن أصبحت الولايات المتحدة مصدرة للنفط، وفي ظل تقدم الصراع والتنافس مع الصين وروسيا، الذي له أولوية على أي صراع آخر[4]. ثانيًا: مصر والخليج: – في حالة فوز ترامب: من المحتمل أن يستمر ترامب في توثيق علاقاته مع ممالك الخليج والحكام ونظام السيسي؛ حيث تشهد العلاقات بينهما توافقًا كبيرًا في معظم القضايا الإقليمية والدولية، حتى أن الرئيس الأمريكي دائمًا ما يمتدح السيسي، وأطلق عليه اسم “ديكتاتوري المفضل”. ويرى ترامب أن هؤلاء القادة ينسجمون تمامًا مع أجندته، ليس من الناحية الدبلوماسية فحسب، بل من ناحية شراء الأسلحة والمنتجات الأمريكية الأخرى أيضًا، وهو محرك رئيس لسياسته الخارجية. وتستطيع الأنظمة التي يعتبرها ترامب صديقة له أن تعتمد على استمرار البيت الأبيض في حمايتها من ضغوط الكونغرس الأمريكي، وانتقاداته لسجلاتها في مجال حقوق الإنسان، كما فعل ترامب مرارًا وتكرارًا مع المملكة العربية السعودية، على الرغم من قتل الصحافي السعودي المقيم في الولايات المتحدة، جمال خاشقجي، وحربها الكارثية في اليمن[5]. فقد حرص ترامب على توثيق علاقاته بدول الخليج، وعلى رأسها السعودية، وهو ما ظهر في اختيار السعودية لأول زيارة خارجية في فترة ولايته الأولى في عام 2017. والانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، الذي عقده سلفه باراك أوباما في عام 2015، واتخاذ إجراءات أكثر تشددًا ضد طهران. وجعل قضايا حقوق الإنسان في مرتبة متأخرة لصالح العلاقات الأمنية والاقتصادية وصفقات السلاح؛ حيث تظهر أرقام معهد “أستوكهولم الدولي لأبحاث السلام” أنّ مبيعات الأسلحة الأمريكية إلى السعودية بين 2017 و2019 كانت ثاني أعلى مبيعات لإدارة واحدة بعد بيل كلينتون بين عامي 1993 و2000؛ ما يشير إلى أن ولاية ترامب الأولى قد تحقّق مبيعات قياسية مع احتساب مبيعات 2020. بجانب الدور الأمريكي الداعم لتولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عرش المملكة السعودية، والذي ظهر في معارضة البيت الأبيض القرارات المناهضة للسعودية وولي العهد، خصوصًا في الكونغرس، على خلفية حربها المثيرة للجدل في اليمن، وجريمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في 2018. ولذلك تعمل السعودية على دعم ترامب للفوز في الانتخابات القادمة، عبر مساعدته في تحقيق انتصار خارجي كبير من خلال رعايته (ترامب) لاتفاق تطبيع علاقات بين الإمارات والبحرين وإسرائيل بدعم من السعودية[6]. كما ترى القاهرة أن مصلحتها تكمن في إعادة انتخاب ترامب، فقد خبرت…