الاحتجاجات في الولايات المتحدة قراءة في الخلفيات السياسية والثقافية والاجتماعية
بدأت الاحتجاجات في أمريكا في الأول من يونيه 2020، من مدينة منيابوليس، بولاية مينيسوتا، في وسط البلاد، ووصلت نيرانها وجمرها إلى 75 مدينة، من نيويورك في الشمال إلى ميامي في الجنوب، ومن فيلادلفيا في الشرق إلى لوس أنجلوس في الغرب. وذلك بعد أن شاهد ملايين من الأمريكيين “ديريك تشوفن” الشرطي الأبيض الذي يضع ركبته اليسرى وثقل جسده على رقبة “جورج فلويد”، المواطن الأمريكي الأسود، والبالغ من العمر 46 سنة، والذي كان مكبل اليدين وممددًا على الطريق قرب سيارة الشرطة، بعد أن رماه تشوفن وثلاثة شرطيين آخرين على الأرض، وقد اعتقل بعد الاشتباه باستخدامه لعملة مزورة. ولثماني دقائق كاملة، ظل “فلويد” ممددًا على الأرض، عاجزًا عن التقاط أنفاسه، جراء الضغط الشديد المتواصل من الشرطي الأمريكي الأبيض على رقبته، ويصرخ ويردد بصوت مبحوح “لا أستطيع التنفس”، ولكن مناشداته لم تصل إلى أذني الرجل الذي كان يحرمه من أنفاسه الأخيرة، وقد حدث ذلك في الخامس والعشرين من مايو[1]. بدأت التظاهرات هادئة، لكن بمرور الوقت اتخذت الاحتجاجات مظاهر أكثر عنفًا؛ حيث أقدم بعض المتظاهرين على حرق الأماكن العامة والخاصة، وممارسة النهب. وهو ما برر قرار وزارة الدفاع “البنتاغون”، نشر قوات الحرس الوطني في الولايات لمواجهة الاحتجاجات[2]. وقد ذكر شهود عيان أن عمليات التخريب والنهب ارتكبها بيض؛ بغرض الإساءة إلى الأمريكيين من أصل أفريقي، واستفزاز مواجهات عنصرية مع قوات الأمن[3]. تأتي هذه الشهادة ضمن الاتهامات المتبادلة بين البيت الأبيض والمتظاهرين حول الجهات المسؤولة عن العنف والتخريب وعمليات النهب التي وقعت أثناء التظاهرات؛ حيث اتهم متظاهرون عنصريون بيض بأنهم وراء عمليات التخريب، في المقابل اتهم دونالد ترامب ومسؤولو البيت الأبيض يساريين، وتحديدًا جماعة Antifa[4] بأنها المسؤولة عن أعمال العنف[5]. نحاول في هذه السطور فهم الخلفيات التي أشعلت التظاهرات المنددة بحادث قتل جورج فلويد بهذه الصورة غير المسبوقة. خاصة إذا علمنا أن الاعتداءات التي يمارسها عنصريون بيض بحق مواطنين أمريكيين سود، هي حوادث متكررة في السنوات الأخيرة؛ حيث قتل العشرات من المواطنين السود في حوادث مماثلة، ويكفي أن نعلم أنه خلال الأشهر الأربعة الماضية فقدت ثلاث عوائل أمريكية -من ذوي الأصول الأفريقية- فردا من أفردها؛ إما على أيدي رجال الشرطة، أو مدنيين مسلحين في كل من ولاية جورجيا وكنتاكي ومينيسوتا. ففي ظهيرة 22 فبراير، أطلق مسلح النار على الشاب أحمد أربيري أثناء ممارسته رياضة الجري في ضواحي مدينة برنزويك بولاية جورجيا. وفي الساعات الأولى من صباح 13 مارس، أطلق رجال شرطة كانوا يرتدون ملابس مدنية النار على الشابة بريانا تايلور، فأردوها قتيلة داخل منزلها بمدينة لويزفيل بولاية كنتاكي. وفي 25 مايو، قتل الشرطي ديرك شوفين الأربعيني جورج فلويد خنقًا بعد أن وطئ بركبته على رقبة فلويد لأكثر من ثمانية دقائق حتى فارق الحياة في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا[6]. بالتالي يصبح التساؤل مشروعًا عن الخلفيات التي تجعل من حادثة مقتل جورج فلويد مختلفة عما سبقتها من حوادث اعتداء وقعت بحق مواطنين أمريكيين سود، دفع الكثير منهم حياته بسبب هذه الاعتداءات. ومن ثم تعالج الدراسة فرضية مفادها، أن الزخم الكبير الذي اكتسبته التظاهرات هذه المرة يرجع لعدة عوامل، بعض هذه العوامل خاص بأزمات يعاني منها المجتمع الأمريكي، والبعض الآخر يرتبط بأزمة الديمقراطية في العالم الغربي ككل. وهو ما سنحاول اختباره. العنصرية البنيوية في أمريكا: هناك شبه اتفاق بين عدد كبير من المراقبين والهمتمين بالشأن الأمريكي، أن حوادث قتل السود في الولايات المتحدة ليست حوادث عرضية ناجمة عن إساءة استخدام السلطة، وإنما اللجوء للعنف المفرط من جانب بعض رجال السلطة، إنما هو نتيجة لقناعة مترسخة لدى العديد من الأمريكيين البيض، أنهم أعلى شأنًا، وأرفع قيمة، وأفضل مكانة من السود. ومن ثم فإن العنصرية ضد الأمريكيين السود هي جزء من بنية النظام الاجتماعي في أمريكا، فعلى الرغم من إلغاء العبودية وتحرير العبيد بعد انتهاء الحرب الأهلية، وذلك منتصف القرن التاسع عشر، وإلغاء الفصل العنصري بين البيض والسود، مع ظهور حركة الحقوق المدنية بقيادة مارتن لوثر كينغ في منتصف القرن الماضي، إلا أن المجتمع الأمريكي لا يزال يعاني من بقايا هذه الثقافة العنصرية في مجالات القضاء والتعليم والصحة والخدمات والوظائف … إلخ[7]. وهي عنصرية تتدرج من مستوى المؤسسات حتى تصل إلى الممارسات الفردية؛ حيث هناك مؤسسات كاملة لا تسمح بصعود الملونين في سلمها الوظيفي؛ لكن تظل هذه التوجهات متفقًا عليها ومعروفة لكنها غير مكتوبة؛ مما يجعل من الصعوبة الإمساك بها. خاصة مع حرص هذه المؤسسات على تبني خطاب يستنكر العنصرية. بل يمكن القول إن هناك مؤسسات أمريكية تفتح المجال أمام السود لكنها تظل تنطوي على توجهات عنصرية، مثلًا: “الدوري الوطني لكرة القدم الأمريكية”، وهو الدوري الرياضي الأول في البلاد، فبالرغم من أن 70% من اللاعبين هم من أصول أفريقية ممن اختيروا غالبًا بفضل جدارتهم، إلا أن لديه أربعة مدربين فقط من أبناء الأقليات، وقد استبعد لاعب وسط جيد، هو كولين كايبرنيك؛ بسبب مشاركته في احتجاجات مناهضة العنف الذي تمارسه الشرطة ضد الملونين[8]. ولعل تورط مؤسسات بعينها في تكريس العنصرية الموجهة ضد الأمريكيين من أصل أفريقي يفسر اعتداء المتظاهرين على مؤسسات بعينها دون غيرها؛ حيث فسره البعض بالفعل بالدور الذي تلعبه هذه المؤسسات في تكريس العنصرية. أما على مستوى الممارسات الفردية، فما أكثر حوادث الاعتداء على السود والملونين. يبقى أن نشير إلى أن ثمة مؤشرات عديدة تشهد على تجذر الممارسات العنصرية بحق المواطنين الأمريكيين السود، نكتفي بذكر عدد منها؛ أولًا: أنه بالرغم من أن الأمريكيين من أصل أفريقي يشكلون أقل من 14% من السكان حسب إحصائيات عام 2019 الرسمية، إلا أنهم كانوا يمثلون أكثر من 23% من بين كل 1000 حالة إطلاق نار أدت إلى القتل على يد الشرطة. بل ثمة تقارير تشير إلى أنه بالنسبة إلى الشبان السود، فإن الموت على يد الشرطة، هو من بين أكثر ستة أسبابٍ للوفاة. وذكرت إحدى الدراسات أن واحدًا من بين ألف رجل وصبي أسود في الولايات المتحدة، يقضون على أيدي الشرطة، وهو ما يشكل ضعفين ونصفَ المعدل القائم ما بين الرجال البيض[9]. ثانيًا: أن معدل اعتقال الأمريكيين من أصل أفريقي بتهمة تعاطي المخدرات أعلى بكثير من معدل الأمريكيين البيض، رغم أن الاستبانات تظهر تقارب نسب تعاطي المخدرات بين المواطنين البيض والسود. ففي عام 2018 اعتُقل حوالي 750 شخصًا من بين كل 100 ألف أمريكي من أصل أفريقي بتهمة تعاطي المخدرات، مقارنة بنحو 350 شخصًا من بين كل 100 ألف من البيض[10]. ثالثًا: أن الأمريكيين السود يسجنون بمعدل خمسة أضعاف الأمريكيين البيض، وضعف معدل الأمريكيين من أصل إسباني تقريبًا، وفقًا لأحدث البيانات. ففي عام 2018 شكل الأمريكيون من أصل أفريقي حوالي 13% من سكان الولايات المتحدة، لكنهم كانوا يمثلون ما يقرب من ثلث عدد السجناء في البلاد. بينما شكل الأمريكيون البيض حوالي 30% من…