صفقة تبادل الأسرى بين حماس والاحتلال.. الفرص والموانع والمسارات
على مدار السنوات الستة الماضية، ظلت صفقة تبادل الأسرى بين حركة المقاومة الإسلامية حماس والاحتلال الإسرائيلي تشهد جمودا لاعتبارات تتعلق بإصرار حماس على الإفراج عن قرابة 60 أسيراً من مُحرري “صفقة شاليط” (2011)، أعادت إسرائيل اعتقالهم عام 2014، كشرط مُسبق قبل الشروع في مفاوضات تبادل جديدة. ولحماس الحق في ذلك؛ لأن تجاوز هذا الشرط يمنح الاحتلال فرصة نقض العهود والمواثيق دون اكتراث للعواقب؛ فما الذي يضمن تنفيذ حكومة الاحتلال لشروط الصفقة الجديدة المرتقبة ما لم يتم إجبارها على الالتزام بالصفقة القديمة التي ألزمت الاحتلال بعدم اعتقال المشمولين بالصفقة مجددا؟. والسكوت على هذه الجريمة يعني أن لإسرائيل القدرة على إبرام صفقة شكلية تحصل بمقتضاها على جنودها الأسرى ثم تقوم بإعادة اعتقال الأسرى المحررين مرة أخرى؛ بما يفرغ مفهوم الصفقة من محتواها وقيمتها. وتواجه حكومة الاحتلال ضغوطا شعبية وإعلامية من أجل إبرام صفقة تبادل أسرى مع حماس، وفي نهاية 2017م، زارت زهافا شاؤول، والدة الجندي أورون، برلين، وطلبت تدخل الألمان في صفقة تبادل الأسرى، مثلما فعلوا في الماضي. وهو ما قوبل بحرك ألماني حيث زار وزير الخارجية هايكو ماس تل أبيب في مارس 2018م، واجتمع مع نتنياهو، واتفقا على أن يكون لألمانيا دور في المفاوضات حول الصفقة. وعقب ذلك، أوعزت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لرئيس الاستخبارات الألمانية BND، برونو كاهل، بتولي مهمة الوساطة، وكلّف بدوره اثنين من كبار المسؤولين في جهازه بالمهمة. وتحتجز حماس أربعة إسرائيليين، بينهم جنديان هما أورون شاؤول وهادار غولدن؛ (تقول إسرائيل إنهما جثتان وقتلا في حرب 2014 ولا تعطي «حماس» أي معلومات حول وضعهما)،وأباراهام منغستو وهاشم بدوي السيد، ويحملان الجنسية الإسرائيلية، الأول إثيوبي والثاني عربي، دخلا إلى غزة بمحض إرادتيهما بعد حرب غزة في وقتين مختلفين.ويعتقل الاحتلال نحو خمسة آلاف أسير فلسطيني، بينهم 700 مريض و200 طفل و38 سيدة، وفق هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية.وفي عام 2011، أبرم الطرفان صفقة تبادل أسرى أفرجت المقاومة بمتقضاها سراح الجندي جلعاد شاليط الذي بقي أسيرا لدى المقاومة خمس سنوات، مقابل إطلاق سراح أكثر من ألف فلسطيني. وسبق تنفيذ الصفقة إفراج (إسرائيل) عن عشرين سيدة فلسطينية مقابل شريط فيديو أرسلته حماس عبر وسطاء، يؤكد أن شاليط كان على قيد الحياة. مبادرة حماس الإنسانية في إبريل 2020، أبدت حماس مرونة بشأن شرطها المسبق بإطلاق سراح 60 أسيرا من محرري صفقة شاليط أعاد الاحتلال اعتقالهم في 2014م، كشرط قبل البدء في أي جولة مفاوضات جديدة؛ وأطلق يحيى السنوار، مسئول حماس بغزة مبادرة جديدة قال إن دوافعها إنسانية، تنطوي على استعداد حركته لتقديم “تنازل جزئي” في موضوع الجنود الإسرائيليين الأسرى لديها. وفي تصريحات متلفزة في 2 أبريل/ نيسان 2020م، قال السنوار: “يمكننا أن نُقدم تنازلاً جزئياً في موضوع الجنود الأسرى لدينا، مقابل إفراج (إسرائيل) عن كبار السنّ والمرضى من الأسرى كمبادرة إنسانية في ظل أزمة كورونا”. وخلال مقابلة متلفزة بتاريخ 17 أبريل حدد السيد إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي للحركة وهو أعلى سلطة بها، شروط الحركة للشروع في عملية تفاوضية جديدة وغير مباشرة بشأن تبادل الأسرى، تتمثل في في إفراج إسرائيل عن كبار السنّ من الأسرى، والمرضى، والأطفال، والنساء، إلى جانب الأشخاص الذين أعادت تل أبيب اعتقالهم، بعد تحريرهم خلال صفقة “شاليط” ( عام 2011). وعلى خطى صفقة شاليط سنة 2011م، تسعى «حماس» إلى صفقة جزئية حاليا ومنفصلة تكون مقدمة لصفقة واحدة كبيرة شاملة. ووأبدت حماس استعدادها نحو تقديم معلومات عن أسرى الاحتلال الأربعة لديها، مقابل إطلاق سراح 180 طفلاً و40 امرأة و55 معتقلاً من الذين أعيد اعتقالهم بعد الإفراج عنهم في صفقة «شاليط»، إضافة إلى 700 مريض يعانون من أمراض مختلفة. على أن تكون الصفقة الكبرى والشاملة تتعلق بالجنديين الأسيرين لدى حماس والتي تستهدف بها إطلاق سراح قيادات وكوادر أسيرة لدى الاحتلال من مختلف الفصائل الفلسطينية. ترحيب إسرائيلي ووساطة دولية قوبلت مبادرة حماس بترحيب من جانب حكومة الاحتلال ودعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى “البدء بحوار فوري من خلال الوسطاء” مع حماس لاستعادة الجنود الإسرائيليين في غزة. وجاء في بيان (غير مسبوق) صدر عن مكتب نتنياهو بتاريخ 7 أبريل/نيسان 2020م، أن “منسق شؤون الأسرى والمفقودين، وطاقمه، مستعدون للعمل بشكل بنّاء من أجل استعادة القتلى والمفقودين، وإغلاق هذا الملف”. وخلصت تقديرات موقف إسرائيلية إلى أن تفشي جائحة كورونا عالميا مثلت «فرصة نادرة» لإتمام صفقة تبادل الأسرى، ونقلت قناة التلفزة الإسرائيلية الـ”13″ عن مصدر أمني إسرائيلي قوله إن هذه الفرصة “النادرة” تحققت بفضل انتشار فيروس كورونا الجديد، مطالبا باستغلال المرونة التي أبدتها حركة حماس في مبادرتها. ووفقا لــمعلّق الشؤون العسكرية في القناة، ألون بن دافيد، فإن التقديرات السائدة في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تحذر المستوى السياسي في تل أبيب من أنه إذا لم تُستغَل هذه الفرصة بأسرع وقت ممكن، فإنها “ستتبخر” في غضون أسابيع عدّة. وحسب بن دافيد، فإن الصفة الشاملة التي تبدي “حماس” استعداداً للتوصل إليها حالياً، لا تشمل فقط تبادل أسرى بين الطرفين، بل أيضاً التزام إسرائيل السماح بدخول المساعدات الطبية والإنسانية إلى القطاع في ظل أزمة كورونا.([1]) كما قوبلت مبادرة حماس بترحيب دولي مصحوب بتحركات إقليمية ودولية للتوسط في الوصول إلى صفقة مرضية لجميع الأطراف، ووفقا لتقرير نشرته صحيفة “دي تسايت” الألمانية في بداية مايو 2020م، فإن وساطة ألمانية، سويسرية، مصرية، بدأت، لتحريك صفقة تبادل أسرى بين (إسرائيل) و«حماس». وكشف التقرير الألماني أن دبلوماسياً سويسرياً على صلة بقائد «حماس» في قطاع غزة، يحيى السنوار، بالإضافة إلى مسؤولين رفيعين في المخابرات الألمانية، وجنرال مصري كان قد شارك في «صفقة شاليط»، سيشاركون في عملية المفاوضات بين حركة «حماس» و(إسرائيل) حول صفقة تبادل الأسرى بين الطرفين.وحسبما جاء في التقرير، فإن الدبلوماسية الألمانية ستقود محور الوساطة مع الأطراف المصرية المشاركة في المفاوضات.([2]) مسارات الصفقة تتباين وجهات النظر حول التنبؤ بمستقبل الصفقة بين من يرون اقتراب عقدها ومن يستبعدون حدوثها في ظل المعطيات الراهنة. المسار الأول، استبعاد حدوث الصفقة حاليا: فهناك فريق من المحللين يستبعدون حدوث الصفة حاليا، مستدلين على ذلك بأن الشواهد والمؤشرات تكشف عن عدم حماسة حكومة الاحتلال للصفقة ، بالرغم من الموقف المُرحّب من قبل مكتب نتنياهو، على اعتبار أن الأخير “لا يريد منح صفقة ناجحة لحماس في هذا التوقيت”. ومن المبكر ــ وفق أصحاب هذا الرأي ــ القول إن الصفقة باتت وشيكة؛ فالتفاصيل المطروحة كثيرة ومعقدة، وستستغرق وقتاً طويلاً، كما أن حماس لم تتنازل عن شرط الإفراج عن أسرى صفقة “شاليط”. من زاوية أخرى، فإن وعود حماس منذ سنوات لأسراها بتبييض سجون الاحتلال وإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين خصوصا أصحاب المحكوميات العالية؛ تضع حكومة الاحتلال أمام اختبار شديدة القسوة وتحديات تفاقم من ورطتها ؛ وإذا كانت حكومة الاحتلال ترى ذلك مطلبا تعجيزيا؛ فإن ذلك من شأنه أن يباعد المسافة بين الطرفين؛…