هل ينهار التحالف السعودي – الأمريكي؟
على الرغم من أن عددًا من المؤرخين، يرجع نشأة العلاقات التاريخية بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، إلى اكتشاف أول حقل للبترول بالمملكة في الثلاثينيات من القرن العشرين، إلا أن التاريخ الحقيقي والفعلي لهذه العلاقة، يرجع نشأة العلاقة تحديدًا إلى 15 فبراير 1945، عندما اجتمع المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، على متن البارجة الأمريكية «كوينزي» التي رست في منطقة البحيرات المرة في مصر[1]، ومنذ هذا اللقاء استمرت العلاقة بين الدولتين، والتي قامت بالأساس على مبدأ “النفط مقابل الأمن”. إلا أنه وخلال الفترة الأخيرة قد شهدت العلاقة بين الطرفين بعض الخلافات، منها: تهديدات أعضاء الكونجرس بفرض حظر على صادرات الأسلحة الأمريكية للسعودية؛ اعتراضًا على حرب اليمن. وتهديدات أعضاء الكونجرس أيضًا بملاحقة مسؤولين سعوديين على خلفية مقتل الصحفي السعودي والعامل بصحيفة “الواشنطن بوست” الأمريكية جمال خاشقجي. وأخيرًا، التهديدات بفرض عقوبات اقتصادية وتعريفات جمركية مرتفعة على الواردات البترولية السعودية إثر الخلاف على أسعار البترول مؤخرًا[2]. فضلًا عن توجيه الرئيس ترامب إنذارًا لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، يطالبه فيه بـ “قطع إمدادات النفط السعودي أو وقف الدعم العسكري الأمريكي”، وليتم بالفعل سحب أربع بطاريات من الصواريخ الأمريكية أرض – جو من طراز “باتريوت” من المملكة، كما أن طائرات “F-15” التي كانت تحميها هناك قد عادت بالفعل إلى الولايات المتحدة[3]. وقد أثارت هذه الخلافات تساؤلًا رئيسًا، يتمثل في: هل ستؤدي هذه الخلافات إلى انهيار العلاقة بين السعودية والولايات المتحدة؟ وهو ما سنحاول توضيحه خلال السطور القادمة من خلال الإجابة عن تساؤلين فرعيين، هما: ما هي محددات العلاقة بين الرياض وواشنطن؟، ثم كيف نفهم العلاقة بين الدولتين على ضوء تلك المحددات؟: أولًا: محددات العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية: تتمثل أهم محددات السياسة الخارجية الأمريكية تجاه منطقة الخليج -وعلى رأسها السعودية- في: 1- ضمان تدفق البترول بأسعار معقولة وبلا عوائق إلى الولايات المتحدة وحلفائها الرئيسين. 2- حماية أمن إسرائيل. 3- ضمان عدم تحكم أي قوى معادية، أو منافسة للولايات المتحدة وحلفائها، من خارج المنطقة أو من داخلها في نفط الخليج، ومنع هذه القوى من تهديد أمن المنطقة[4]. 4- أن هذه الدول تعتبر زبونًا دائمًا لمبيعات السلاح؛ حيث تعد السعودية أكبر مشتر للأسلحة الأمريكية. وفيما يتعلق بالسعودية، تتمثل أهم محددات سياستها الخارجية تجاه الولايات المتحدة في: 1- توفير الحماية ضد المنافسين الإقليميين؛ حيث كانت السعودية دائما تحت حماية واشنطن، سواء في مواجهة صدام حسين وتحركاته العسكرية في 1990، أو في السنوات الأخيرة في مواجهة تهديدات إيران[5]. 2- الاعتماد على الدعم الأمريكي في مواجهة التحديات الداخلية، والتي تتمثل في نوعين: الأول: الحصول على الدعم الأمريكي في مجال مكافحة الإرهاب، خاصة بعد ظهور تنظيمات إرهابية مثل تنظيم القاعدة، الذي استهدف السعودية من خلال هجوم كبير في 2003[6]. النوع الثاني من التهديدات: هو اعتماد القيادة السعودية على الدعم الأمريكي في مواجهة أي محاولة داخلية للانقلاب عليها، وبعبارة أخرى، فإن ولي العهد السعودي الحالي محمد بن سلمان يعتمد على واشنطن داعمًا رئيسًا من أجل الوصول إلى الحكم، ومنع أي محاولة داخلية من الأسرة الحاكمة للانقلاب عليه، خاصة في ظل حالة السخط على سياساته الداخلية والخارجية. ثانيًا: كيف نفهم العلاقة بين الدولتين على ضوء تلك المحددات؟: المحدد الأول: أسعار النفط: بعد أن استخدمت السعودية سلاح النفط ضد الولايات المتحدة في حرب 1973، شعر الأمريكان بالخطر الإستراتيجي من إمكانية قيام السعودية مرة أخرى باستخدام هذا السلاح ضدها، ما دفعها نحو محاولة توفير هذا المنتج الإستراتيجي تارة بتنويع مصادر الاستيراد وتخزين كميات ضخمة من النفط، وتارة أخرى عبر التوجه لإنتاج النفط الصخري. ومع الطفرة الكبيرة التي حققتها واشنطن في إنتاج النفط الصخري، أصبحت واشنطن مع سبتمبر 2018 أكبر منتج للنفط الخام في العالم، وقد حدث ذلك بعد عامين ونصف من قيام الكونغرس الأمريكي، في يناير 2016، برفع حظر دام أربعة عقود على صادرات النفط الأمريكية[7]. إلا أنه وخلافًا لسنة 1973، عندما استخدمت السعودية سلاح النفط لرفع الأسعار وإيذاء الولايات المتحدة، قامت أسعار النفط المتهاوية نتيجة حربها النفطية مع روسيا هذه المرة بالمطلوب؛ حيث يحتاج منتجو النفط الصخري في الولايات المتحدة إلى أن تكون أسعار النفط أعلى من 40 دولارًا للبرميل لتحقيق سعر التعادل. ولكن حرب الأسعار الروسية السعودية تسببت في هبوط سعر النفط إلى 25 دولارًا، ثم إلى أرقام سلبية؛ مما تسبب في موجة من الإفلاس، وأضرار اقتصادية طالت الشركات من تكساس إلى داكوتا الشمالية. وقد دفع ذلك المشرعين في الولايات المنتجة للنفط -مثل تكساس ولويزيانا ونورث داكوتا وألاسكا- لتوجيه اتهامات للسعودية بشن حرب اقتصادية، وقد قاموا بصياغة مسودة قرار لسحب القوات الأمريكية، وإلغاء المظلة الأمنية التي كانت الولايات المتحدة منذ عقود تحمي بها الدولة السعودية. وحتى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي كان إلى وقت قريب يدافع عن العلاقات مع السعودية، فإنه يتساءل الآن بشكل علني عما إذا كانت الولايات المتحدة تحتاج لحماية النفط السعودي؟؛ إذ إن أغلبه الآن يباع للصين وباقي المشترين الآسيويين، عوضًا عن أوروبا والولايات المتحدة كما في السنوات السابقة[8]. ومع انهيار قطاع الزيت الصخري الأمريكي الذي يوظف بشكل مباشر وغير مباشر ما يقرب من 1.7 مليون شخص، معظمهم في ولايات رئيسة يخوض فيها الجمهوريون معركة حاسمة؛ لأن ترامب بحاجة إلى الفوز فيها من جديد في انتخابات الرئاسة في نوفمبر[9]، فإن ترامب قد يستجيب هذه المرة لمطالب المشرعين الأمريكيين بفرض عقوبات على السعودية. وبالفعل، فقد قامت الإدارة الأمريكية بسحب بطاريات أنظمة الدفاع الصاروخية “باتريوت” من السعودية؛ حيث ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” في (8 مايو 2020)، نقلًا عن مسؤولين أمريكيين قولهم: إن “سربين من الطائرات المقاتلة الأمريكية غادرا المنطقة، إضافة إلى أن الإدارة الأمريكية تدرس أيضًا خفض الوجود البحري الأمريكي في الخليج العربي قريبًا”. وأردفت أن القرار يشمل سحب بطاريات “باتريوت”، وعشرات الجنود الأمريكيين الذي أُرسلوا إلى المملكة بعد الهجمات التي استهدفت منشآت أرامكو النفطية في سبتمبر 2019. وقد جاءت تلك الخطوة -وفقًا للعديد من المراقبين- كإنذار أمريكي برفع الحماية عن السعودية عبر سحب بطاريات الباتريوت، في حالة ما إذا أقدمت السعودية على إيذاء الاقتصاد الأمريكي من خلال الإضرار بالنفط الصخري. وقد وجدت واشنطن أن الوقت مناسب لاتخاذ هذه الخطوة لا سيما في ظل انشغال إيران بفيروس كورونا، ما يعني عدم تهديد مصالحها حاليًّا بالخليج، بجانب تخمة النفط وعدم الخوف من تدفقه عبر مضيق هرمز[10]. فضلًا عن رغبة ترامب في ترويج هذه الخطوة كنوع من الدعاية الانتخابية، عبر إظهار نفسه بمظهر الرئيس الملتزم بوعوده السابقة، والمتمثلة في تقليل الوجود العسكري الأمريكي في الخارج، وإرجاع الجنود الأمريكان إلى ديارهم. بالإضافة إلى أن هناك رأيًا يشير إلى أن إقدام الولايات المتحدة على تلك الخطوة ربما يغري الحوثيين بمزيد من الأعمال العسكرية ضد أهداف سعودية،…